خلدون المبارك.. حامل مفاتيح الخزائن الإماراتية والذراع الأيمن لمحمد بن زايد

بالنسبة إلى شخص جاوز بالكاد العقد الرابع من العمر، وليس عضوا في العائلة الحاكمة في أبو ظبي، فإن التكنوقراط الشاب يحظى بنفوذ قلَّ أن يُحصِّله نظراؤه، ويظهر ذلك للوهلة الأولى التي تطالع فيها مكتبه المزيَّن بصوره الخاصة مع الرئيسيْن الأميركييْن باراك أوباما ودونالد ترامب، أما إذا قررت التوسع إلى صفحات الصحف ومواقع الإنترنت، فيمكنك بسهولة أن تجد اسمه حاضرا كضيْفٍ أو مُضيفٍ لقائمة طويلة من القادة والمسؤولين السابقين والحاليين وكبار رجال الأعمال وأباطرة الشركات وحتى الرياضيين المحترفين، بداية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري، وقائد القيادة المركزية السابق ديفيد باتريوس، وليس انتهاء بالمدرب الشهير "بيب غوارديولا"، ونخبة كبيرة من لاعبي الكرة المحترفين.

 

وكما تخبرك الصور والتذكارات المتنوعة الأخرى في مكتبه، من الصعب أن تحصر نشاط "خلدون المبارك" في مجال بعينه، فبجانب صوره المتعددة مع القادة والسياسيين والدبلوماسيين، يمكن بسهولة رؤية نموذج مصغر لسيارة مميزة من طراز "فيراري"، يُشير إلى علاقات العمل التي تربطه مع عملاق السيارات الرياضية الإيطالي، ودوره الكبير في التفاوض على الصفقة التي جلبت سباقات "الفورمولا 1" إلى أبو ظبي، وعلى جانب آخر من جدران المكتب ذاته، يمكن ببساطة تمييز عدد من اللوحات ذات الأصول الأوروبية والآسيوية، تحمل إشارات مبطنة إلى روابطه العميقة خارج دول الخليج، التي تمتد من بريطانيا في قلب أوروبا، وصولا إلى الصين حيث يشغل منصب المبعوث الخاص لبلاده إلى بكين، وهو منصب جديد استحدثته الإمارات لرعاية مصالحها المتنامية في الشرق الأقصى.

 

أما إذا كنت من عشاق كرة القدم، فسوف يمكنك بسهولة التقاط ذلك القميص الأزرق السماوي المميز لنادي مانشستر سيتي الإنجليزي، ومن خلال بحث سريع على غوغل، سوف تدرك سر العلاقة الخاصة التي تجمع بين الشاب الإماراتي واسع النفوذ وبين النادي الإنجليزي العريق، الذي يترأسه منذ عام 2008، وتحديدا منذ اللحظة التي انتقلت فيها ملكية النادي إلى نائب رئيس الوزراء الإماراتي منصور بن زايد آل نهيان في صفقة أثارت جدلا واسعا آنذاك، ليُختَار خلدون المبارك لتولّي منصب رئاسة النادي، في وقت كان عمره فيه قد تجاوز بالكاد ثلاثين عاما.

رئيس نادي مانشستر سيتي "خلدون المبارك" (رويترز)

في ذلك التوقيت، كانت الأسرة الحاكمة في الإمارات قد أذهلت العالم بإنفاقها أكثر من 200 مليون جنيه إسترليني لشراء النادي المتعثر -الذي أسّسته آنا كونيل قبل نهاية القرن التاسع عشر في شرق مدينة مانشستر بهدف توفير متنفس للعاطلين عن العمل بعيدا عن شرب الكحول- من مالكه السابق رئيس وزراء تايلاند الأسبق تاكسين شيناواترا، ولكن القلق سرعان ما بدأ يهيمن على الطبقة الحاكمة في أبو ظبي بسبب سلوك سليمان الفهيم، رجل الأعمال الإماراتي الذي توسط في الصفقة، والذي كان يجوب وسائل الإعلام للتباهي بجيوب مموليه العميقة، في الوقت الذي يعيش فيه حياة "البلاي بوي" النمطية، ويقود السيارات الرياضية اللامعة، ويتجول بصحبة الفنانات وعارضات الأزياء، مثل باميلا أندرسون، عارضة الأزياء الكندية المثيرة للجدل التي التقطت صورة بصحبة الفهيم وهما يحملان معا أعلام الإمارات.

 

كان ذلك سببا كافيا لدفع حكام الإمارة لمحاولة تغيير السرد والتحكم في الأجواء المرتبطة بالصفقة، وذلك من خلال إبعاد الفهيم عن الصورة، واستقدام فريق جديد لقيادة سفينة استثمارهم الجديد، وبشكل غير مفاجئ، فقد وقع اختيارهم على خلدون المبارك، النجم الصاعد في هرم السلطة الإماراتي آنذاك، ليضيف مهام إدارة النادي الإنجليزي العريق إلى حقيبته المتزايدة من المسؤوليات والمهام التي شملت حتى ذلك الحين رئاسة جهاز الشؤون التنفيذية التابعة لحكومة أبو ظبي، وعضوية المجلس التنفيذي للإمارة الذي يرأسه ولي العهد محمد بن زايد نفسه، ورئاسة صندوق "مبادلة" السيادي للتنمية الذي يدير محفظة مالية تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وعضوية مجلس أبو ظبي للتطوير الاقتصادي، ورئاسة مجلس إدارة كلٍّ من هيئة المنطقة الإعلامية في أبو ظبي، وشركة أبو ظبي لرياضة سباق السيارات، ناهيك برئاسة مجلس إدارة مركز إمبريال كوليدج لعلاج السكري في أبو ظبي.

 

لم تتوقف مسيرة المبارك عند هذا الحد، فخلال السنوات التالية، أضاف التكنوقراط الشاب العديد من المهام الوظيفية الجديدة إلى حقيبته المهنية، على رأسها عضوية مجلس أمناء جامعة نيويورك، والإشراف على تنفيذ وتأهيل حرم الجامعة المرموقة في أبو ظبي، ورئاسة مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، الهيئة رفيعة المستوى المسؤولة عن تحقيق أحلام البلاد النووية، ولكن ما يهم حقا ليس الأسماء الوظيفية العديدة التي تكتظ بها السيرة الذاتية لخلدون المبارك إلى درجة أنه صار يُلقّب بـ "رجل كلِ شيء"، ولكنها الأدوار الحقيقية، المتنوعة والمتعددة، التي يقوم بها التكنوقراط الشاب الذي تصفه الأوساط الغربية اليوم بأنه الذراع الأيمن لولي عهد أبو ظبي وحامل مفاتيح خزائن أموال الإمارة الغنية بالنفط، والوسيط الرئيسي في العديد من صفقاتها ومشروعاتها السرية، وقبل كل ذلك، إحدى أهم الواجهات المشرقة التي ترغب أبو ظبي في إبرازها أمام العالم.

خلدون المبارك (يمين) ومحمد بن زايد (يسار)

 

"خلدون المبارك هو رئيس الوزراء الحقيقي لأبو ظبي".

(كريستوفر دافيدسون، مؤلف كتاب "ما بعد الشيوخ.. الانهيار القادم لممالك الخليج")

بالنظر إلى الأعراف والتقاليد السائدة في دوائر الحكم الخليجية، يمتلك خلدون المبارك قصة صعود أقرب إلى التقليدية منها إلى المفاجأة والإثارة، حيث ينتمي التكنوقراط الشاب إلى إحدى العائلات البارزة التي كانت مقربة دائمة من طبقات السلطة في أبو ظبي، بداية من جده الأكبر "عبد العزيز حمد المبارك" الذي كان مستشارا للشيخ "زايد بن خليفة آل نهيان"، المعروف أيضا باسم "زايد الكبير"، ويُعرف بدوره الكبير في تأسيس النظام التعليمي الإماراتي بسبب مشاركته في تأسيس أول مدرسة في إمارة دبي، ومرورا بجده المباشر، "أحمد بن عبد العزيز حمد المبارك" القاضي السابق ورئيس دائرة الشريعة في إمارة أبو ظبي، وانتهاء بوالده "خليفة بن أحمد المبارك"، الدبلوماسي البارز وسفير الإمارات السابق لدى السودان وسوريا وفرنسا.

 

ومع ذلك، فإن حياة "خلدون المبارك" المبكرة لم تخلُ من المنعطفات الدرامية والمؤثرة، لعل أبرزها هو واقعة اغتيال والده أثناء عمله سفيرا لأبو ظبي لدى باريس على يد جماعة أبو نضال الفلسطينية عام 1984 بينما كان لا يزال في السادسة من عمره، ومنذ ذلك الحين، اهتمت السلطات الإماراتية برفاهية وتعليم عائلته، حيث أُلحِق خلدون الصغير بمدرسة الجالية الأميركية في أبو ظبي حيث تخرج فيها عام 1993، وسافر مباشرة إلى الولايات المتحدة في منحة دراسية للحصول على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد والتمويل من جامعة تافتس في بوسطن بولاية ماساتشوستس، قبل أن يعود مجددا إلى الإمارات بعد إنهاء دراسته.

 

وكامتداد للتقاليد التراثية لتمرير السلطة وتوارُث المناصب عبر العائلات في ممالك الخليج، غالبا ما يلجأ الجيل الجديد من القادة إلى الاستعانة بخدمات أبناء مستشاري آبائهم واتخاذهم مستشارين لأنفسهم، وكان ذلك يعني أن خلدون المبارك يضمن لنفسه على الأقل منصبا تقليديا رفيعا في إحدى الهيئات الحكومية المرموقة، لكن فيما يبدو، فإن طموحه كان أكبر من ذلك بكثير، فبعد سنوات قليلة قضاها في منصب مدير المبيعات في شركة بترول أبو ظبي الوطنية "أدنوك"، وفي مناصب وسيطة متعددة في مجموعة "أوفست الإمارات"، حدثت أول قفزة كبيرة في حياة المبارك المهنية مع توليه منصب نائب الرئيس التنفيذي لشركة دولفين للطاقة، كمكافأة له على الدور البارز الذي لعبه في التوصل إلى اتفاق لتصدير الغاز القطري إلى الإمارات.

ومنذ ذلك الحين، من الواضح أن خلدون المبارك نجح في لفت انتباه ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد والأخذ بلُبِّه، إلى الدرجة التي دفعت ابن زايد في عام 2002 لتعيينه في منصب الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة الاستثمار الحكومية المملوكة للدولة، مبادلة للتنمية، التي كانت تدير في ذلك الحين محفظة استثمارية بقيمة 10 مليارات دولار، يقع في القلب منها شركة الإمارات العالمية للألمنيوم في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، وهي إحدى أكبر شركات الألومنيوم في العالم، بقيمة سوقية قُدِّرت بأكثر من 5 مليارات دولار.

 

حتى ذلك الحين، كانت أبو ظبي الغنية بالنفط، وعلى العكس من جارتها الأكثر شهرة دبي، متحفظة للغاية في نشر أموالها وتنويع محافظها الاستثمارية على الصعيد العالمي، وكانت تخطو خطواتها الأولى للتوِّ نحو الخروج من الظل، وفيما يبدو، فإن صندوق مبادلة الجديد بقيادة خلدون المبارك كان يتهيأ للعب دور رأس الحربة لاستثمارات الإمارة الإستراتيجية، حيث بدأ الصندوق على الفور رحلة لقنص الأسهم وتوزيع الاستثمارات على عشرات الشركات الغربية المرموقة، مثل عملاق التكنولوجيا الأميركي جنرال إلكتريك، ومجموعة كارلايل المالية، وشركات قطب التعدين البرازيلي إيك باتيستا، الذي انهارت إمبراطوريته المالية لاحقا بشكل درامي وخسر 99% من ثروته قبل أن ينتهي به المطاف إلى السجن.

 

وللمفارقة، كان مبادلة أحد المستفيدين القلائل من الانهيار المفاجئ لإمبراطورية باتيستا، حيث نجح الصندوق في الاستحواذ على عدد من الأصول الرخيصة التي كانت مملوكة لقطب الأعمال البرازيلي بما في ذلك فندق "هوتيل غلوريا" في ريو دي جانيرو، ناهيك بحصص في 4 شركات كبرى متخصصة في التعدين وإنتاج النفط والفحم، وفي خلال سنوات قليلة مُقبِلة، كان الصندوق يمتلك بالفعل استثمارات كبرى في قطاعات الطيران والزراعة والرعاية الصحية والألمنيوم وإنتاج النفط والغاز وتنقية المياه ورقائق الحاسوب، وهو ما أغرى السلطات الإماراتية لتوسعة المحفظة الاستثمارية للصندوق ومنحه أدوارا أكبر في رؤية البلاد الاقتصادية، عبر دمج شركة مبادلة للتنمية مع شركة الاستثمارات البترولية الدولية "إيبيك" (IPIC) تحت مظلة شركة قابضة واحدة هي مبادلة للاستثمار، على أن يتولى خلدون المبارك رئاسة الشركة القابضة الجديدة.

تسبّبت هذه الخطوة في رفع حجم المحفظة المالية لمبادلة إلى أكثر من 125 مليار دولار، ولكنها في المقابل أورثت خلدون المبارك مشكلات "إيبك" الاقتصادية والسياسية، وعلى رأسها تورط شركة "آبار" التابعة لها في فضيحة الاختلاس الشهيرة لصندوق تنمية الثروة الماليزي (1MDB)، ورغم ذلك فإن خلدون المبارك كان على القدر المتوقع من الجدارة الفنية كما أثبت في أكثر من مناسبة، حيث نجح صندوق مبادلة خلال العام التالي للدمج (عام 2018) في تحقيق إجمالي دخل بلغ 12.5 مليار درهم (3.4 مليار دولار)، بزيادة بلغت نسبتها 21% خلال عام واحد، وذلك على خلفية قيام الصندوق ببيع بعض أصوله الأكثر نضجا من أجل توفير الأموال بهدف استكشاف قطاعات استثمارية جديدة.

 

بفضل العديد من الاستثمارات الناجحة للصندوق، وقيام السلطات في أبو ظبي بحقن المزيد من الأموال بشكل متتابع في مبادلة، تُقدَّر حجم المحفظة المالية التي يديرها صندوق خلدون المبارك اليوم بأكثر من 230 مليار دولار، وهو رصيد ضخم يضع مبادلة في المرتبة الثانية في قائمة صناديق الاستثمار السيادية في الإمارات، خلف جهاز أبو ظبي للاستثمار، أكبر صندوق سيادي عربي وثالث أكبر صندوق سيادي في العالم، والذي يُعتقد أنه يملك أصولا تقترب قيمتها من 600 مليار دولار.

 

بالتزامن مع زيادة نفوذه المالي، كان خلدون المبارك يكتسب بشكل تدريجي المزيد من النفوذ والحظوة داخل البلاط السياسي، بفضل شغله لعضوية المجلس التنفيذي لإمارة أبو ظبي الذي يرأسه محمد بن زايد نفسه، فضلا عن رئاسته لهيئة الشؤون التنفيذية للإمارة، وهو أهم جهاز استشاري في البلاد، وتكمن مهمته في تقديم الاستشارات والدراسات حول الشؤون الحكومية والاقتصادية والاستثمارية وحتى القضايا الإعلامية والأمنية لمحمد بن زايد نفسه، بما يجعل خلدون المبارك فعليا هو الرجل الثاني في الجهاز التنفيذي للإمارة خلف ولي عهد أبو ظبي، مستحقا عن جدارة وصف "رئيس الوزراء غير الرسمي لدولة الإمارات"، وهو الوصف الذي يُطلَق عليه بكثافة في دوائر الأعمال والإعلام في الغرب.

 

منذ تأسيس صندوق الاستثمارات السيادي مبادلة في عام 2002، كان ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد يأمل أن يعمل الصندوق -بالإضافة إلى عمله الرسمي كرافد للتنويع الاقتصادي في الإمارة- كذراع غير رسمي لتطوير وتنويع القدرات التكنولوجية الإماراتية، وإبرام عقود شراكة غير تقليدية مع الفاعلين الرئيسيين في صناعة التكنولوجيا، وهو ما ظهر بشكل واضح في محفظة الاستثمارات المبكرة للصندوق التي ركّزت بشكل ملحوظ على عمليات شراء الأسهم والاستحواذات في شركات التقنية الفائقة، دون غيرها من الشركات في سائر القطاعات.

 

كان هذا التركيز واضحا بشكل خاص منذ عام 2005، حين قامت "مبادلة" بتوقيع عقد لشراء حصة 5% من شركة فيراري الإيطالية، المنتج الشهير للسيارات الرياضية فائقة السرعة التي تحمل الاسم ذاته، ليصبح الصندوق الإماراتي بذلك أول شريك في المجموعة الإيطالية من غير المؤسسات المالية، وفي وقت لاحق، قام "مبادلة" بشراء حصة 8.1% من أسهم شركة "إيه إم دي" (AMD) الشهيرة المُنتِجة لأشباه الموصلات ووحدات المعالجة المركزية للحواسيب (CPU)، وهي الصفقة التي مكّنت الصندوق الذي يرأسه المبارك لاحقا من تأسيس شركة "جلوبال فاوندريز"، التي أصبحت خلال فترة قصيرة إحدى أهم الشركات المنتجة لأشباه الموصلات في العالم، مع محفظة ضخمة من العملاء الممتدين من الولايات المتحدة إلى الصين.

 

ولكن مع اندلاع ثورات الربيع العربي في عام 2011، والهوس الأمني الذي أصاب حكام الإمارات منذ ذلك الحين، شرع محمد بن زايد في تحويل جزء كبير من تركيز مبادلة ومواردها نحو حصد وتنمية التقنيات الأمنية والعسكرية على وجه التحديد، وذلك من خلال تعزيز دور مجموعة من الشركات الأمنية والعسكرية المملوكة للصندوق، مثل شركة "أبو ظبي لتقنيات الطائرات" (ADAT) وشركة "إس – أر تيكنيكس" (SR techniques)، وحتى شركة الاستثمارات التكنولوجية المتقدمة "ATIC"، إحدى أهم شركات مبادلة التي كانت مسؤولة بشكل خاص عن الشراكات الكبرى مع عمالقة التكنولوجيا.

 

خلال فترة قصيرة، نجحت الشركات الدفاعية التابعة لـ "مبادلة" في إبرام عقود شراكة فاعلة مع العديد من أباطرة الدفاع الغربيين، بما يشمل شركتَيْ "جنرال إلكتريك" و"رايثون" الأميركيتيْن، ومجموعة "ثالس" الفرنسية، وشركة "بياجيو إيروسبيس" (Piaggio Aerospace) الإيطالية، ومجموعة "أسترْيم" (Astrium) الأوروبية المتخصصة في الصناعات الجوية، وغيرها، حتى إن نشاط الصندوق السيادي وصل إلى القطاعات الدفاعية غير التقليدية مثل الأقمار الصناعية العسكرية ومجال أمن المعلومات والفضاءات السيبرانية، بعدما نجح "مبادلة" في الاستحواذ على شركة "دامبالا" (Damballa) الأميركية الناشئة المتخصصة في عمليات مكافحة القرصنة، وهي شركة كان يرأسها "كينيث مينهان"، الرئيس السابق لوكالة الأمن القومي الأميركية (NSA).

في وقت لاحق، قام "مبادلة" أيضا بتمويل إنشاء القمر الصناعي "ياه سات"، بالشراكة مع شركتَيْ "أستريوم" و"ثالس أرينا" الأوربيتيْن، ورغم أن "ياه سات" هو قمر صناعي تجاري في المقام الأول، فإنه يُستَخدم من قِبل الحكومة الإماراتية لأغراض أمنية وعسكرية بموجب عقد موقّع بين الشركة وبين القوات المسلحة الإماراتية يقوم بموجبه "ياه سات" بتوفير خدمة الاتصالات الآمنة للأغراض للجيش الإماراتي لمدة 15 عاما.

 

كان هذا التحول الكبير في اهتمامات وأولويات مبادلة يعني بالتبعية أن خلدون المبارك قد بدأ يلعب أيضا دور الوسيط الرئيسي بين أبو ظبي وبين قطاعات وشركات الدفاع في الدول الغربية، وأن توقيعه سوف يصبح بوابة عبور هذه الشركات العملاقة إلى كعكة العقود الأمنية المربحة في الإمارة الغنية بالنفط، مهمة أدّاها التكنوقراط الشاب ببراعة على ما يبدو، وهو ما أكسبه المزيد من الثقة والحظوة لدى محمد بن زايد، الذي شرع منذ عام 2014 في إجراء عملية إعادة هيكلة واسعة لقطاع المشتريات الدفاعية في البلاد من أجل حصول المبارك على المزيد من النفوذ في هذا المجال.

 

كانت عملية إعادة الهيكلة هذه تهدف بشكل رئيسي إلى تجاوز القيود التي تضعها الولايات المتحدة على قدرة الشركات الأميركية على نقل التكنولوجيا الدفاعية إلى بلدان الشرق الأوسط، وذلك من خلال تنويع محفظة الشراكات الدفاعية بعيدا عن هيمنة الشركات الأميركية، وفيما يبدو، فإن العلاقات التي طوّرها رجال خلدون المبارك في مبادلة على مدار أكثر من عقد من الزمان كانت حيوية لتحقيق هذا الهدف، إلى الدرجة التي أقنعت محمد بن زايد بدمج أكثر من 20 شركة إماراتية تعمل في مجال المشتريات الدفاعية، وتخضع لإشراف 3 صناديق سيادية مختلفة، تحت مظلة شركة واحدة هي شركة الإمارات للصناعات الدفاعية (EDIC)، ووضع الشركة تحت قيادة "حميد عبد الله الشمري"، العقيد السابق في سلاح الجو الإماراتي، نائب الرئيس التنفيذي لصندوق مبادلة، والمساعد الأول لخلدون المبارك نفسه.

"حميد عبد الله الشمري" (مواقع التواصل)

بخلاف ذلك، كانت الحصة الأكبر من الشركة الجديدة (60%) مملوكة رسميا لمبادلة، وهو ما جعل خلدون المبارك صاحب الكلمة الأولى في العقود الدفاعية في البلاد بعد محمد بن زايد نفسه، ونتيجة لذلك، وعلى مدار السنوات التالية، حرص المبارك والشمري على استثمار هذه الصلاحيات الجديدة من أجل تحقيق رؤية ابن زايد في تنويع محفظة الشركات الدفاعية لتجنُّب التعرض للشروط الأميركية المزعجة، خاصة اتفاقات المستخدم النهائي التي تمنع نقل المعدات الأميركية إلى أي طرف ثالث، وذلك عبر الاستثمار في العديد من شركات الدفاع غير الغربية، وعلى رأسها شركة "دنل" (Denel) ذائعة الصيت في جنوب أفريقيا، وشركة "شنغدو" (Chengdu) الصينية المنتجة للطائرات بدون طيار من طراز "وينغ لونغ" التي يستخدمها الجيش الإماراتي اليوم بكثافة في جميع مسارح الصراع الإقليمية من اليمن إلى ليبيا، وحتى شركة "Russian Helicopters" التابعة لعملاق الأسلحة الروسي "روستك" (Rostec)، والتي قام الصندوق الإماراتي بشراء حصة أقلية فيها في عام 2017.

 

وفيما يبدو، فإن النجاح الذي حقّقته إستراتيجية الإمارات في تركيز العقود الدفاعية في يد جهة واحدة قد أغرى ابن زايد بتركيز جميع الأنشطة الدفاعية في تكتل جديد أكثر ضخامة أُعلِن عنه نهاية عام 2019 تحت اسم "إيدج" (EDGE)، ووضعه تحت قيادة "فيصل البناي"، مؤسس شركة الاستخبارات الإلكترونية "دارك ماتر" المقرب من محمد بن زايد، على أن تضم "إيدج" جميع الشركات الدفاعية الإماراتية بما في ذلك الشركات التي لم تُضَمَّ تحت لواء "إيدك" في عام 2014، وكما يظهر هيكل الشركة الجديدة، من الواضح أن ابن زايد قرر أخيرا تحرير مبادلة من ملف العقود الدفاعية ووضعه تحت إشرافه الشخصي بشكل مباشر، من أجل إعطاء المزيد من الوقت والحرية لمبادلة، ولخلدون المبارك نفسه لأداء المهمة الأكثر حيوية للشاب الطموح، وهي تحسين صورة أبو ظبي القاتمة في الغرب، وتقديم وجه أكثر إشراقا للإمارة في العالم، وفي بريطانيا وأوروبا على وجه التحديد.

 

"خلدون المبارك هو واجهة أبو ظبي إلى العالم.. لديه تفويض كامل من ولي العهد ويمكنه التدخل كلما دعت الحاجة".

(صحيفة نيويورك تايمز)

يحب خلدون المبارك وفريق عمل نادي مانشستر سيتي الحديث عن تلك الثواني الـ 126 الفارقة في مسيرة الفريق نحو لقبه الأول في الدوري الإنجليزي الممتاز منذ أكثر من أربعة عقود، حين نجح لاعبو الفريق في قلب تأخرهم بهدفين لهدف في الجولة الأخيرة من دوري عام 2012 إلى فوز بثلاثة أهداف لهدفين في اللحظات الأخيرة، لينتزع مان سيتي بذلك لقب البطولة العزيزة من الغريم التقليدي مانشستر يونايتد.

بالنسبة إلى مشجعي النادي الإنجليزي، كان الفوز بتلك البطولة أشبه بمعجزة كروية، أما بالنسبة إلى مالكي النادي ومديريه، كان ذلك إشارة إلى أن سياسة الضخ المالي اللا محدود قد بدأت تؤتي أُكلها، فعلى مدار ثلاثة أعوام وثمانية أشهر فقط، قُدِّر أن مُلّاك النادي في أبو ظبي أنفقوا 1.1 مليار جنيه إسترليني (نحو 1.4) مليار دولار على مشروعهم، بما يشمل القيمة الأولية لشراء النادي وفاتورة استقدام كبار اللاعبين والمدربين وفواتير الرواتب ومدفوعات تطوير البنية التحتية، وغيرها.

 

بمعايير استثمارات كرة القدم، كانت تلك فورة غير مسبوقة في الإنفاق تسببت في قلب المجتمع الرياضي رأسا على عقب، مع اتهامات متعاقبة لمان سيتي وإدارته وحكومة أبو ظبي بتشويه مبادئ المنافسة الرياضية العادلة من خلال ضخ الأموال بلا حساب، مؤكدين أن الإمارة الغنية بالنفط تواصل تمويل النادي بطرق غير رسمية، ومؤكدين أن عقود الرعاية ليست سوى وسيلة سرية لضمان تدفق الأموال الإماراتية إلى مدينة مانشستر.

 

في الظروف العادية، غالبا ما تعمل استثمارات كرة القدم وفق آلية منضبطة ومعروفة: يقدم اللاعبون كرة قدم ناجحة وفعالة ويحصدون البطولات، فيجذبون جمهورا متزايدا للفريق، وتزداد أرقام المشاهدات داخل الملعب، والأهم على شاشات التلفاز، ومن ثم يحصل الفريق على عائدات عالية للبث، ويهتم الرعاة المحتملون بالنادي ويقومون بتوقيع عقود مقابل الحصول على امتيازات الإعلان، حيث تُدرَج هذه الأموال في ميزانية النادي وتُستَخدم لدفع رواتب اللاعبين والموظفين والتوقيع مع لاعبين جدد وتطوير البنية التحتية والمنشآت التدريبية وغيرها من سائر أوجه الإنفاق.

وعلى النقيض، عندما يفشل الفريق في جذب عقود رعاية كافية، فإنه ينفق أموالا كثيرة تفوق عائداته ويُحقِّق خسائر في نهاية الموسم تضطره في النهاية إلى خفض النفقات، ولكن النوادي مثل مانشستر سيتي لا تعمل ببساطة بهذه الطريقة، ففي الوقت الذي يكون فيه مالك النادي رجل أعمال بارزا ينتمي للعائلة الحاكمة في أبو ظبي، ورئيس النادي تكنوقراطا مرموقا من قلب دوائر السلطة يدير محفظة سيادية بعشرات المليارات من الدولارات، ورعاة النادي هم ذاتهم الشركات الكبرى المملوكة للدولة في الإمارة الغنية بالنفط، فإن دورة العمل تصبح مختلفة تماما.

 

في مان سيتي، تُحدَّد احتياجات النادي وأوجه الإنفاق أولا وفق ميزانية مفتوحة، وساعتها من الطبيعي ألا تكون هناك مشكلة في دفع 13.5 مليون جنيه إسترليني في موسم واحد (ترتفع إلى 16.75 مليونا في الموسم التالي) مقابل التعاقد مع بيب غوارديولا في وقت كان فيه المدرب الإسباني الشاب قد أمضى شهرين فقط من عقده مع نادي بايرن ميونيخ، ولن يكون هناك مشكلة كذلك في دفع بضعة آلاف لبعض وسطاء العلاقات العامة من أجل الضغط لإزالة مقال من على موقع صنداي ميرور تحدث عن لقاء غوارديولا مع مدير الكرة في مان سيتي من أجل منح النادي الفرصة للتحكم في موعد الإعلان عن الصفقة في الوقت الذي يناسبه، وبالطبع لن تكون هناك مشكلة في دفع 75 مليون جنيه من أجل الحصول على خدمات كيفن دي بروين من نادي فولفسبورغ، حتى إذا كان النادي مرتبطا بشركة تربح عشرات المليارات من الدولارات سنويا مثل فولكس فاغن.

بيب غوارديولا وخلدون المبارك (رويترز)

لاحقا، تُضبَط عقود الرعاية الخاصة بالنادي من أجل تغطية النفقات وإعادة تحديد المدفوعات الخاصة بالرعاة الإماراتيين مثل طيران الاتحاد، وهيئة السياحة في أبو ظبي، وشركة آبار الإماراتية وغيرهم من الرعاة، حيث تُنقَل هذه الأموال من قِبل السلطات في الإمارات، وتحديدا مجموعة أبو ظبي المتحدة للتنمية والاستثمار المملوكة لمنصور بن زايد، إلى هذه الشركات، ومنها إلى خزائن مان سيتي، ففي النهاية لا تُمثِّل الأموال والأرباح مشكلة في هذه الحالة، حيث تبقى المهمة الرئيسية هي السيطرة والتحكم في السرد، وتقديم تجربة مان سيتي ليس كمثال على الطريقة التي تفسد بها أموال النفط الممارسات الرياضية، ولكن كنموذج للإدارة الكفء والعصرية والإلهام الثقافي والحضاري الذي تُقدِّمه الإمارة الخليجية إلى العالم.

 

تُعَدُّ هذه المهمة -أي التحكم في السرد- هي الدور الأكبر الذي يقوم به خلدون المبارك ورفاقه في مانشستر، فخلف كواليس الكرة وعقود اللاعبين والبطولات وهتافات المدرجات، هناك شبكة نفوذ حقيقية تعمل في الخفاء لتحقيق أهداف الإمارات الاقتصادية والإعلامية وحتى السياسية، شبكة يقودها خلدون المبارك الذي وصفته صحف عالمية بأنه يقود لوبي خاص للإمارات في البلاد، بصحبة الأسترالي سيمون بيرس مدير نادي مانشستر سيتي وعضو مجلس إدارة سيتي فوتبول جروب، الذي يُعتقد أنه يلعب دور حلقة الوصل بين رجال أبو ظبي وبين قيادة مدينة مانشستر والعديد من الشخصيات البريطانية البارزة.

رئيس مانشستر سيتي خلدون المبارك (يسار) مع الرئيس التنفيذي فيران سوريانو (وسط) والأسترالي سيمون بيرس مدير نادي مانشستر سيتي (يمين) (رويترز)

فبالإضافة إلى عمله في مان سيتي، يشغل منصب مدير الاتصالات الإستراتيجية في جهاز أبو ظبي للشؤون التنفيذية الذي يقوده خلدون المبارك نفسه، وكان يعمل في وقت سابق لدى شركة العلاقات العامة المثيرة للجدل "بيرسون مارستيلر" التي عملت في أوقات سابقة مع العديد من العملاء سيئي السمعة مثل ديكتاتور رومانيا نيكولاي تشاوشيسكو وشركة المرتزقة الأشهر بلاك ووتر، الأمر الذي أدّى إلى شيوع الاقتباس الشهير: "عندما يحتاج الشّر إلى شركة علاقات عامة فيمكنه الاتصال ببيرسون مارستيلر"، جدير بالذكر هنا أن الشركة ذاتها سبق أن قدمت خدماتها لحكومة أبو ظبي، بما يعني أن علاقات سيمون بيرس وطبيعة الدور الذي يقوم به يتجاوز بكثير عالم كرة القدم، وهو الأمر الذي ينطبق تماما على خلدون المبارك نفسه.

 

ظهرت بعض الملامح الرئيسية لدور الرجلين في وقت سابق من عام 2015، حين كشفت مصادر صحفية قيام خلدون المبارك وسيمون بيرس باستغلال نفوذهما للتأثير على قرارات حكومة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون، والضغط عليها من أجل محاصرة جماعة الإخوان المسلمين التي كانت حكومة أبو ظبي تعتقد أنها تستفيد من مناخ الحرية في بريطانيا، إلى درجة أن المبارك حذّر المملكة المتحدة من أن بلاده سوف تُجمِّد عقود أسلحة بمليارات الدولارات وتُعلِّق التعاون الاستخباراتي بين البلدين ما لم يقم كاميرون باستهداف الإخوان.

 

لم تقف الأمور عند هذا الحد، حيث حاول خلدون المبارك الضغط على كاميرون للتدخل في تغطيات هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" فيما يتعلق بالإخوان المسلمين، في مطلب وُصف بأنه غير مسبوق، ومن أجل إقناع الحكومة البريطانية بالتجاوب مع التحذيرات البريطانية، اقترح سيمون بيرس على حكام أبو ظبي إغراء لندن عن طريق إبرام عقود أسلحة مربحة، ومنح شركة بريتش بتروليوم (BP) امتيازات للتنقيب عن النفط في أبو ظبي، وتعزيز الاستثمارات الإماراتية في بريطانيا.

ينطبق الأمر ذاته على مشروع مان سيتي بأكمله، الذي تحوّل اليوم من مجرد نادٍ إنجليزي يمتلك القدرة على حصد البطولات إلى أكبر إمبراطورية لكرة القدم في العالم بقيمة سوقية تُقدَّر بـ 4.8 مليار دولار، مع مكاتب في جميع قارات العالم تقريبا تعمل على تسويق العلامة التجارية الخاصة للإمارات وتحسين صورة البلاد، وفي الخلف من هذه الإمبراطورية الضخمة يقبع لوبي إعلامي وسياسي ضخم يضغط من أجل تحقيق أهداف الإمارات ورعاية مصالحها السياسية، المشروعة منها وغير المشروعة، يقوده ببراعة خلدون المبارك بتفويض شخصي من محمد بن زايد.

 

غير أن ذلك الوجه الأقل بريقا وإشراقا لخلدون المبارك يختفي ببراعة خلف هتافات الجماهير الهائجة في ملعب الاتحاد، وتعليقات المعجبين المادحة على مواقع التواصل الاجتماعي، فبالنسبة إلى أغلب جماهير مان سيتي فإن الشاب الإماراتي هو أفضل رئيس حظي به ناديهم على مدار تاريخه، كيف لا وهو مَن جلب مانشيني وبيب غوارديولا وروبينيو وتيفيز وأجويرو ودي بروين وغيرهم، وحوّل فريقهم من نادٍ على وشك الإفلاس إلى أكبر إمبراطورية عالمية لكرة القدم وأعاده إلى منصات التتويج بعد 44 عاما من الغياب، لا يهم كيف حدث ذلك، أو بأي أموال، ففي عصر العولمة تُخلع الجنسيات والهويات تحت أقدام الشركات الكبرى، وفي عالم رأسمالية كرة القدم تُمحى مشاهد الدمار وتخْفت أصوات القصف بمجرد أن تبدأ الجماهير في الهتاف من المدرجات.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة