أرمينيا وأذربيجان.. هل تصبح "قره باغ" بؤرة صراع تركي روسي جديدة؟

في منتصف مارس/آذار 2020، ذهب سكان إقليم "ناجورنو كاراباخ"، ذاك الجيب الجبلي الواقع داخل جمهورية أذربيجان، إلى أماكن الاقتراع في عاصمتهم الفعلية "ستيباناكيرت"، وكذلك في البلدات والقرى الأخرى. وبرغم أن مشهد ارتداء القفازات البلاستيكية والكمامات الطبية التي مُنحت للناخبين عند مداخل أماكن الاقتراع كان حاضرا بقوة، حيث انصاعت إدارة الإقليم لإجراءات السلامة في مواجهة انتشار الفيروس التاجي "كوفيد-19" خلال إجراء تلك "الانتخابات الرئاسية والبرلمانية"، فإن الموقف الدولي الأذربيجاني الرافض لتلك الانتخابات ظلّ قائما.

 

في الحقيقة، لم يكن الرفض الدولي خاصا بالمخاوف من تفشي الفيروس التاجي في الإقليم الذي يُعرف اختصارا باسم "قره باغ"، فهو يعود بشكل أساسي لطبيعة الموقع القانوني للإقليم كأحد أهم ملفات النزاع الإقليمي في العالم، حيث يسعى سكانه الأرمن الذين أعلنوا المنطقة مستقلة رسميا في العام 1991 إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات التي تُقرِّبهم من تحقيق حلمهم بالاتحاد مع جمهورية أرمينيا السوفيتية السابقة، وبتفاصيل أكثر وضوحا، يعود الخلاف في هذه المنطقة إلى العام 1988، حين تسبّب انهيار الاتحاد السوفيتي في ترك المنطقة ذات الغالبية العِرقية الأرمنية (95% من السكان من أصل أرمني) كـ"ندبة" داخل أراضي جمهورية أذربيجان، ثم منح سكانها الأرمن ملكية الإقليم بحكم الأمر الواقع، وتلقّوا دعما ماليا وعسكريا من أرمينيا، وهو واقع دفع دوما نحو تصاعد الاشتباكات بين الجانبين حتى اندلعت حرب واسعة في العام 1991 تسبّبت في مقتل نحو 30 ألف شخص وتشريد مئات الآلاف من اللاجئين.

 

وبحلول عام 1993 كانت أرمينيا قد سيطرت على "ناغورنو كاراباخ" محتلة بذلك 20% من الأراضي الأذربيجانية، ومنذ ذلك الوقت لم يمنع اتفاق وقف إطلاق النار الهش المتخذ في عام 1994 بجهود دولية وقوع اشتباكات بين الجانبين بين الفينة والأخرى، أخطرها صراع عام 2016 الذي سُمّي بـ "حرب الأيام الأربعة"، وفيه قُتل أكثر من 200 شخص من الجانبين.

وفي سلسلة تحركات أرمينيا الأخيرة التي قضت على أمل المسير نحو السلام مع أذربيجان، كانت الحلقة الأكثر استفزازا هي إصرار رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان على المشاركة يوم 21 مايو/أيار 2020 في حفل تنصيب الزعيم الجديد للإقليم، وهو رجل الأعمال الثري "أريك (آرا) هاروتيونيان" الذي فاز في الانتخابات آنفة الذكر، حيث أقيم الحفل الذي استفز أذربيجان على أرض مدينة شوشا التي سيطر عليها الأرمن في العام 1992، بدلا من إقامته في العاصمة الفعلية "ستيباناكيرت".

 

بل إن زعيم أرمينيا الذي وصل إلى كرسي الحكم في أرمينيا منتصف العام 2018 بفضل ما يُعرف بالثورة المخملية لم يكتفِ بإرسال ابنه للخدمة في الإقليم المتنازع عليه، فحاول في مارس/آذار 2019 تغيير تنسيق المفاوضات التي تتعارض مع المبادئ التأسيسية للمفاوضات التي وُضِعت في مارس/آذار 1992، ثم وضع المسمار الأخير في نعش تلك المفاوضات في 5 أغسطس/آب من العام ذاته حين قام بزيارة إلى أراضي الإقليم، وهو ما اعتبرته أذربيجان بمنزلة "إعلان ضم أراضي دولة مجاورة في انتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي".

 

وبسبب الجو المشحون، لم يكن وقوع صدامات عسكرية في 12-13 يوليو/تموز 2020 في المنطقة الحدودية أمرا خارجا عن النمط المألوف لعشرات المناوشات بين الجانبين في العقدين الماضيين، حيث شنّت أرمينيا هجوما مفاجئا على موقع القوات المسلحة الأذربيجانية بالمدفعية الثقيلة، وخلال ثلاثة أيام قُتِل 15 جنديا ومدني واحد، ليبدو الآن أن الصراع الذي يمتد عمره لأكثر من ثلاثين عاما قد يكون بؤرة جديدة للصراع الإقليمي، حيث تدعم روسيا التي تُغذّي الطرفين بالأسلحة أرمينيا، في حين تدعم تركيا التي تجمعها بحليف موسكو أزمة تاريخية تتعلق بمذابح الأرمن عام 1915 أذربيجان، فيما تحرص الدول الغربية التي تُعنى في المقام الأول بحقول النفط والغاز الأذربيجانية في بحر قزوين على حل النزاع عبر عملية المفاوضات الممتدة منذ عقود في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

في اليوم الأخير من مارس/آذار عام 2016، اقتنص قادة العالم فرصة اجتماع نحو خمسين رئيس دولة وحكومة في قمة الأمن النووي الرابعة التي انطلقت في العاصمة الأميركية واشنطن لتبادل التحية والنقاش فيما بينهم. وقد كان من بين هذا الحضور كلٌّ من الرئيس الأرميني سيرج سركيسيان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف اللذين تجنّبا خلافا لنظائرهما اللقاء كجارين بينهما جملة من القضايا المتشابكة الناجمة عن النزاع على إقليم "ناجورنو كاراباخ"، وقد اكتفى الرئيس الأذربيجاني بالاستعانة بوزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري كي يطالب نيابة عنه أرمينيا بسحب قواتها فورا من الإقليم المتنازع عليه.

 

بعد ساعات فقط مرت على انتهاء القمة السابقة، وتحديدا في الثاني من إبريل/نيسان 2016، اشتعلت الحدود بين أرمينيا وأذربيجان نحو مستوى قتال واسع وخارج عن طبيعة الصراعات الحدودية التي كانت تقع في السنوات الأخيرة في جيب الإقليم، وفي القتال الأشد وطأة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار (1994) أظهرت الصور مدى آثار القصف الشديد والحرائق التي سبّبها القتال ودفعت السكان في مناطق دائرة الاشتباكات إلى النزوح، حيث استُخدمت على نطاق غير مسبوق طائرات هليكوبتر وطائرات بدون طيار ودبابات ومدفعية على طول الخط الحدودي الذي يفصل بين الجانبين.

 

في غضون ذلك، ظهرت روسيا التي نشر كلا الجانبين أنظمة أسلحتها على الخط الأمامي للمعركة كواحدة من أبرز الأصوات الدولية التي تدعو إلى وقف القتال بين الجانبين والالتزام بقرار وقف إطلاق النار الموقّع عام 1994، وهو موقف قد يبدو غريبا في إطار مواصلة الروس على "قدم وساق" عمليات بيع الأسلحة لكلا الجانبين اللاهثين نحو امتلاك أسلحة أكثر فتكا تُحقِّق توازن قوى لكلٍّ منهما ضد الآخر، فأذربيجان تريد إنهاء "احتلال" أرمينيا للإقليم، وتريد أرمينيا الاحتفاظ بالوضع الراهن على الأرض.

والمفارقة أن تتبع عمليات بيع السلاح الروسي يُظهِر أن أذربيجان قبل نحو شهرين من نزاع عام 2016 اعترضت علنا عند الروس على صفقة وُقِّعت مع العاصمة الأرمينية "يريفان" وتلقّت الأخيرة بموجبها قرضا روسيا بقيمة 200 مليون دولار خُصِّص لشراء الأسلحة من موسكو، إذ رأت أذربيجان أن نوعية الأسلحة التي حصلت عليها أرمينيا تُهدِّد تفوقها الدفاعي التكتيكي، لأنه بموجب القرض حصلت أرمينيا على أنواع من الأسلحة لم تمنحها موسكو التي تُعَدُّ بائع الأسلحة الرئيسي لأذربيجان (اشترت باكو أسلحة روسية تُقدَّر بـ 4 مليارات دولار) مثل أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على السطح (Igla-S (MANPADS، وصواريخ (9M113) المضادة للدبابات، وقاذفات قنابل (RPG-26) وبنادق قنص دراغونوف والمركبات المدرعة وعربات (Tigr) لجميع التضاريس.

 

في ضوء ذلك، يساعد وجود النفط والغاز الوفير في الأراضي الأذربيجانية على استمرار سباق التسلح الذي تستفيد منه روسيا، حيث يفتح المجال لإنفاق عسكري ضخم، فقد تمكّنت أذربيجان ما بين عامَيْ 2004-2014 من زيادة إنفاقها العسكري عشرين مرة، وهي أرقام دفعت الرئيس الأذربيجاني إلى التفاخر أن ميزانية بلاده العسكرية أكبر من ميزانية أرمينيا كاملة، وكذلك لم تتوانَ أرمينيا، التي منحتها السيطرة على المرتفعات الإستراتيجية في وحول الإقليم ميزة قوية، عن أن تكون شريكا وثيقا في الدفاع الجوي والترتيبات العسكرية الأخرى مع روسيا، متغلبة على أوضاعها الاقتصادية الصعبة الناجمة عن نقص الموارد وما تسبّبت به الحدود المغلقة لها مع تركيا وأذربيجان.

 

ويُقرأ الحرص الروسي على تزويد خصمَيْ جنوب القوقاز بالأسلحة واحتلالها مرتبة المورد الرئيس لهما رغبة روسية في خلق أداة مهمة تعمل على تعميق النفوذ العسكري لموسكو ومن ثم السياسي في المنطقة، فالروس معنيون لدرجة كبيرة في أن يكونوا قوة رئيسية في السلم بين منافسي جنوب القوقاز، كما حدث في تفاهمات ما بعد نزاع العام 2016، وكذلك في الحرب لخلق تأثير في النزاع المسلح وحفظ مصالح موسكو الخاصة.

وضمن الإطار السابق تُقرأ عدم المباركة الروسية لأي تطور في التعاون العسكري بين أذربيجان والغرب، فروسيا تدرك مدى أهمية مصالح الغرب في حقول النفط الأذربيجانية في بحر قزوين، فبمجرد وقوع القتال الأخير بين القوات الأرمنية والآذرية في منطقة "توفوز" النائية، أُثيرت المخاوف الغربية من تطور القتال في تلك المنطقة القريبة من خط أنابيب جنوب القوقاز في أذربيجان، حيث تضم تلك الأرض خطين ينقلان النفط والغاز من أذربيجان غربا عبر القوقاز إلى أوروبا التي تريد التحرر من الاعتماد على الطاقة الروسية، وكلاهما يمر بالقرب من جيب الإقليم المتنازع عليه، كما سيحطم أي صراع محتمل في القوقاز الآمال الأوروبية الساعية إلى بناء المزيد من خطوط الأنابيب عبر جنوب شرق أوروبا للإمدادات المستقبلية.

 

كذلك ترتكز أعين أنقرة على تلك المنطقة، حيث تُعنى القيادة التركية الآن بتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية التي تنهب نحو ضِعف سعر مشتري الاتحاد الأوروبي لغاز غازبروم الروسي، فأذربيجان كأكبر موردي النفط للاتحاد الأوروبي بديل مهم لتركيا عندما تكون صفقة الغاز الرئيسية بين تركيا وروسيا في انتظار التجديد عام 2021.

 

في منتصف إبريل/نيسان الماضي، جُذبت أنظار المارة بالقرب من "برج أتاكوله"، وهو أحد أشهر المعالم السياحية في العاصمة التركية أنقرة، نحو شاشات العرض الضوئية التي تعتلي البرج، كانت ألوان العلم الأذربيجاني الثلاثة تعكس تموجها على واجهة مركز التسوق التابع للبرج بشكل فني مميز، وكذلك كانت إضاءة كلمات شعار "أمة واحدة في دولتين، مع المحبة لأذربيجان الروح". وفي هذا الحدث تطابقت ذريعة القيادة التركية لفعل الآذريين الذين أناروا قبل يومين من الأتراك مركز حيدر علييف، في عاصمتهم باكو، بالعلم التركي، حيث دعم الجارُ جارَه في مواجهة أزمة انتشار الفيروس التاجي.

أذربيجانيون يعيشون في تركيا يحتجون إثر اشتباكات بين أذربيجان وأرمينيا (رويترز)

ولم يكن الحدث السابق إلا دليلا هينا على أن أنقرة تضع دعم أذربيجان على سلم أولوياتها، فالإشارات القوية لهذا الدعم متواصلة منذ وقع الصراع حول إقليم "ناجورنو كاراباخ"، وفي آخر تلك الإشارات تسجل التصريحات القوية التي أكد فيها وزير الدفاع التركي خلوصي أكار رفض بلاده للاشتباكات الأخيرة بين الطرفين، حيث قال: "إن ألم الترك الأذربيجاني هو ألمنا، نريدك أن تعلم أن أي نوع من الصعوبات التي تشعر بها هناك (في أذربيجان) تشعر بها هنا (في تركيا) بعمق شديد، إن دماء إخواننا الأذربيجانيين لن تبقى بدون انتقام"، فالجارة ذات الأغلبية المسلمة و"الخصم اللدود" للأرمن لديها روابط عِرقية ومعايير سياسية تجعل هذا التحالف يظهر دون تأخير في كل حدث ينال من الآذريين.

 

في أوائل التسعينيات، اقتضى اتفاق التعاون الدفاعي الثنائي بين البلدين التدريب العسكري لأفراد أذربيجانيين في المؤسسات العسكرية التركية، كما فرضت اتفاقية الشراكة الإستراتيجية والدعم المتبادل الموقع بين البلدين في عام 2010 استخدام الوسائل العسكرية في الظروف الطارئة ضد أيٍّ منهما، وتواصل أنقرة بشكل سنوي إجراء المناورات العسكرية مع أذربيجان، وهي تضع ما يُعرف بـ "الجيش الثالث" الذي تحرس عناصره ذوو الدرجات العالية من الجاهزية القتالية حدودها الشرقية، في خدمة التشكيلات التي نشرتها أذربيجان على الحدود مع تركيا وإيران وأرمينيا.

 

وفي غضون التقارب التركي مع أذربيجان، كانت أرمينيا ذات الأغلبية المسيحية مدفوعة نحو التقارب مع موسكو التي وضعت على أرضها 5000 من جنودها بشكل دائم، وهو وجود يعود إلى حقبة التسعينيات أيضا حين اختار الروس أن يُبقوا الجزء الأكبر من قواتهم في أرمينيا في قاعدتهم (102) في غيومري، ويواصل الروس المُضي قُدُما في ريّ عطش الأرمن للسلاح الروسي كلما تفاقم النزاع على إقليم "ناغورنو كرباخ" مع أذربيجان، حيث تُنشر الأسلحة الإستراتيجية الهجومية والدفاعية الروسية في أرمينيا، في حين أدّت عضوية أرمينيا في تحالف الدول السوفيتية السابقة "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" نحو زيادة اعتمادها العسكري على موسكو طبقا إلى ما أفضى إليه الاتفاق للدفاع الجوي المشترك في ديسمبر/كانون الأول 2015، وقد نشر الروس قبل عام 2016 في أرمينيا "سربا من طائرات مقاتلة "ميج 29″، إلى جانب بضعة آلاف من الجنود، والمدرعات الثقيلة، وأنظمة الدفاع الجوية والصاروخية بعيدة المدى من طراز "إس-300 في" إلى جانب الدفاعات الجوية متوسطة المستوى من طراز "إس إي-6″"، كما جاء في تقرير "معهد واشنطن" لسياسات الشرق الأدنى.

الرئيس الأذربيجاني "إلهام علييف" (يمين) والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" (رويترز)

في الوقت الحالي، وبالنظر إلى جملة التوترات بين الأتراك والروس والناجمة عن خلافات الطرفين في عدة ملفات أهمها الآن الملف السوري والليبي، تذهب الأنظار إلى هذا الإقليم كمركز تالٍ لصراع الطرفين، حيث تملك موسكو في هذه المنطقة أوراق قوى تُمكِّنها من استفزاز أنقرة بسهولة في العتبة الشرقية لها، وذلك لقدرة موسكو الفعلية على استهداف غالبية التشكيلات العسكرية التركية في شرق الأناضول.

 

وبرغم استبعاد أن تتمخض التطورات الأخيرة في الصراع الأذربيجاني والأرميني عن تدخُّل كلٍّ من الروس والأتراك في صراع مباشر، حيث إن ليس لكليهما مصلحة الآن في خلق جبهة حرب ساخنة جديدة، فإنه لا يستبعد، خاصة مع استئناف القتال الآن، أن تدفع أي تطورات جديدة نحو صراع خطير يعيد الأذهان إلى صراع إبريل/نيسان عام 2016 بين الجانبين، بل نحو وقوع صراع إقليمي تشارك فيه تركيا وروسيا بشكل مباشر.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة