جاذبية الصين تتضاعف.. لماذا يعد نجاح الصين في ملف "كورونا" خطرا على الديمقراطية؟

فيما جائحة "كوفيد-19" تواصل انتشارها، يعيدُ الكثير من المواطنين والقادة حول العالم التفكير فيما يعنيه الحفاظ على سلامة الناس. هذا المعنى للأمن القومي قد خضع لإعادة نظر؛ فوفقا لمسح أُجري حديثا، يعتبر العديد من الأميركيين حاليا الأمراض المعدية تهديدا أعظم من "الإرهاب" وانتشار الأسلحة النووية وصعود الصين.

 

ماذا يعني أن يُحاك الصحة والأمن في نسيج واحد؟ لا بد أن الديمقراطيات والاستبداديات حول العالم ستقارب هذا السؤال بطرقها الخاصة، بالنظر لآرائها المتفاوتة حول الخصوصية والمراقبة والحريات المدنية، لكن بعضها أقرب للجواب من غيرها. بصفتها مركز الجائحة الأوّل، كانت للصين الأسبقية، والرؤية التي أعرب عنها قادتها، أي المراقبة المستمرة باسم الصحة البيولوجية والسياسية، مقلقة. ويجب على الديمقراطيات تطوير رؤية واضحة متمايزة لمستقبل العلاقة بين الصحة والأمن بحيث لا يصبح نموذج الصين نموذجا عالميا.

 

في النقاشات الصينية حول الصحة العامّة، يتكرر ظهور مصطلح: "فانغ كونغ" أو "الوقاية والسيطرة". وقد استخدم الرئيس الصيني تشي جين بينغ هذا المصطلح في عديد المناسبات، ومنها خطابات بالغة الأهمية، كذلك فعل مسؤولون كبار آخرون. وفي اللغة مفرطة الرسمية التي تتسم بها السياسة الصينية، عادة ما تحمل المصطلحات المفتاحية معاني عظمى، وليس "فانغ كونغ" باستثناء، إنه يحيل إلى إدارة الأزمات بأسلوب يتضمن السيطرة على القوى المنتشرة داخل وخارج البلاد، وبما أنه مصطلح فضفاض بما يُناسبُ الصين، فإن من الممكن تطبيقه على التهديدات المحتملة للصحة والأمن. يغلّف "فانغ كونغ" تصور بكين بأن هذين النوعين من التهديدات يحملان ملامح متشابهة، وأن من الممكن التصدي لهما باستخدام المنهجيات ذاتها. في مايو/أيار، حينما نادى تشي بأن يُواجَه "كوفيد-19" من خلال أنظمة "الإنذار المبكر" و"الرصد اللصيق الدقيق"، فإنما كان يردد اللغة التي يستخدمها المسؤولون الصينيون في معرض حديثهم عن أجهزة استخبارات الدولة العامّة الكثيرة، التي ترصد المجتمع بهدف منع القلاقل والاضطرابات التي يمكن أن تصعّب حكم الحزب. وقد التقت "لجنة الأمن القومي الصيني"، وهي هيئة رفيعة المستوى يرأسها تشي، في الربيع الماضي لمعالجة تأثير الجائحة على استقرار المجتمع.

لكن انعكاسات المصطلح عميقة جدا. فقد شاع مصطلح "فانغ كونغ" في أواخر تسعينيات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي جوهريا للإشارة إلى الأمن الداخلي، إذ رأى الحزب الشيوعي الصيني في المجتمع نوعا من مشاريع الهندسة التي يُمكن تحسينها من خلال أنظمة وتكنولوجيات أفضل، وكان "فانغ كونغ" مفهوما وُظِّف ضمن هذه المساعي. في مارس/آذار 2000، مثلا، رصدت مدينة داليان الشمالية الشرقية مبلغا خاصا من المال بقيمة 450 مليون يوان صيني على مدار 7 سنوات لاستثمارات في الأمن العام، بهدف توسعة "نظام فانغ كونغ" واستخدامه في حملة القمع ضد الإباحية والقمار والمطاردين وأتباع الفالون غونغ[1].

 

بمرور الوقت، اكتسب المصطلح أهمية إضافية في علاقته بالصحة العامة، وظهر باستمرار في الإعلام الرسمي عام 2001، مثلا، عندما بدأت القيادة الصينية بمضاعفة تدابير التصدي للإيدز. ففي إبريل/نيسان من تلك السنة، تقول صحيفة "يوميّة الشعب" إن "عمل فانغ كونغ ضد الإيدز لا يزال في أول الدرب". وسرعان ما أصبح "فانغ كونغ" العقيدة الرئيسية في طوارئ الصحة العامّة اللاحقة، ومنها سارس في 2003، وإنفلونزا الطيور في 2003، وإنفلونزا الخنازير في 2009. وتظهر نسخة عن المصطلح في اللقب الرسمي للمراكز الصينية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.

 

تحت تشي، الذي صعد إلى سدة الحكم عام 2003، عاد المصطلح عملة متداولة كشعار للأمن العام. وكان أسلاف تشي يُفضِّلون ما سمّوه "الحفاظ على الاستقرار"، أي مواجهة التهديدات للنظام العام عند ظهورها وفي حال ظهرت. أما الرئيس الحالي، على النقيض، فقد اعتنق نظرة أكثر وقائية للضبط الاجتماعي يغلّفها التركيز على الـ "فانغ كونغ". ومما لا شك فيه أن تشي قد أمضى سنوات يُرمِّم جهاز الأمن الداخلي للبلاد سعيا خلف هذا الطموح، عبر التركيز على المراقبة المكثفة، وتعقب وضبط تحركات المواطنين، والعقاب القاسي الاستباقي في كثير من الأحيان لأي شخص يعتقد الحزب أن في نيته خرق القواعد.

 

عندما ضرب فيروس كورونا المستجد ووهان في 2019، كثف الحزب جهاز مراقبته العملاق أصلا، موسعا جمع البيانات بحيث تشمل المؤثرات الصحية وواضعا تحركات المواطنين تحت مزيد من التدقيق. وقد ساعدت السلطات الأمنية المحلية الشركات في تطوير تطبيقات جديدة لرصد الوضع الصحي، حصدت بيانات حول درجة حرارة الأفراد، وتحركاتهم، وتواصلهم الاجتماعي. بينما شارك مطورو التطبيقات، بدورهم، تلك البيانات مع الشرطة وسلطات محلية أخرى، التي مزجتها بقاعدة البيانات المتوفرة سابقا لتسهيل فرض الحجر والإغلاق. يبدو أن الصين وضعت التفشي تحت السيطرة، لحد الآن على الأقل. لكن هذا الإنجاز تحقق بثمن باهظ: لقد أقحم مفهومُ التفشي الصحةَ العامة في تصورات "الأمن الشامل"، الذي يسمح لهندسة المراقبة والضبط الاجتماعي داخل البلاد أن تتوسع أكثر من ذي قبل.

تطبيق للتحقق من المصابين بفيروس كورونا بالصين (مواقع التواصل)

 

تحت تشي، توازى إضفاء الطابع الأمني على الصحة العامة مع إضفاء طابع صحّي مقلق بالدرجة نفسها على الأمن العام، وازداد ظهور استعارات المرض السياسي والأيديولوجي. وفي خطاب ألقاه عام 2016، قال مينغ جيانجو، وهو أحد المسؤولين الكبار، في معرض حديثه عن "الوقاية والسيطرة": "عند الأمراض المعدية الضارة، علينا أن نضرب بسرعة لإكساب مناعة وقائية وشدّ عُرى المناعة". لكن مينغ لم يكن مسؤولا كبيرا في الصحة العامة، لقد كان رئيس الأمن الداخلي في البلاد، وكان يصف رؤيته في الحفاظ على الضبط الاجتماعي.

 

وقد وُظِّفت اللغة الطبية ذاتها في الخطاب الرسمي عن سنجان، حيث احتجزت السلطات أكثر من مليون إيغوري من بين أقليات دينية وإثنية أخرى. روتينيا، يُشبِّه المسؤولون الصينيون التهديدات الملحوظة هناك، أي "مثلث الشر"، وهي الانفصالية، والتطرف الديني، و"الإرهاب"، بالسرطان أو الأمراض المعدية. ويُراد القول هنا إن الدولة، في احتجازها للمواطنين بأعداد ضخمة، تتصرف بنيّات الأطباء الحانية الشافية بدلا من الدوافع القمعية لنظام شمولي.

متظاهرون في هونغ كونغ يحملون أعلام تركستان الشرقية الأويغورية في مسيرة لدعم حقوق الإنسان للأويغور في هونغ كونغ، الصين (رويترز)

وهكذا، يصف أحد الفرق البحثية الجامعيّة المُرسلة لتحديد أهداف عملية إعادة التثقيف عمله بأنه أشبه بإيجاد "الأورام" التي ستُستأصل، قبل أن تنتشر وتنمو، بينما تتحدث وثائق الحزب عن استئصال "الفيروسات الأيديولوجية" من السكان.

 

في أكتوبر/تشرين الأول 2017، صدر تسجيل عن "شبيبة سنجان الشيوعية" يأخذ الكناية الطبيّة إلى مستويات تثير القشعريرة، عبر سنّ تدابير وقائية لأولئك "المصابين سابقا بمرض التطرف الديني":

"ثمة دائما خطورة من أن يكشف المرض عن نفسه في أية لحظة، وهو ما قد يلحق ضررا حقيقيا بالجمهور. لذلك السبب ينبغي إدخالهم إلى مستشفى إعادة التثقيف في الحال بهدف تلقي العلاج وإزالة الفيروس من أدمغتهم واستعادة عقولهم الطبيعية… إن الذهاب إلى مستشفى إعادة التثقيف ليس وسيلة اعتقال قسري للناس ومن ثمّ احتجازهم لإنزال العقوبة، إنه إجراء جزئي من عملية إنقاذ شاملة لحمايتهم".

وبالطبع، فالنظام هو مَن يُقرِّر "المصابين"، وأولئك الذين يُزعَم أنهم عُرضة [للإصابة] لا يملكون أي قول فيما إذا كانوا راغبين في "إنقاذهم" أو "علاجهم". وهذا هو المنطق المتحجر وراء الـ "فانغ كونغ": إنه يركز على خطورة المرض، لا عافية المريض، كما أنه يضخّم مخاوف الاضطرابات الاجتماعية على حساب حماية الحقوق الفردية.

 

في الوقت الحالي، فإن منطق "إكساب المناعة"، كما يستدعيه مينغ وآخرون، يقول إن الأمن يعتمد على استهداف و"علاج" المواطنين قبل مدة طويلة من ظهور أي أعراض على السلوكيات المقلقة. وهو ما يترك قيودا بسيطة على ما يمكن للنظام القيام به باسم الأمن.

 

لكن تعليقات حديثة بسطت كناية "الفيروس السياسي" إلى ما يتجاوز السياسات الداخلية الصرف، حيث سمّى مكتب شؤون هونغ كونغ ومكاو في الصين حركة احتجاج هونغ كونغ بأنها "فيروس خبيث" و"إصابة" يهدف قانون الأمن القومي الجديد لاستئصالهما، وأشار المتحدث الصيني وا تشن يينغ أيضا إلى "فيروس سياسي" معادٍ للصين ينتشر في الولايات المتحدة. و"تشخيصات" من هذا النوع لبكين تثير احتمالية أن يقارب الحزب الشيوعي الصيني هونغ كونغ، بل وربما سياسته الخارجية الأوسع، من عقيدة "الوقاية والسيطرة" ذاتها التي يطبقها داخل حدوده.

حركة احتجاج هونغ كونغ (رويترز)

استخدام المرض كاستعارة للتهديدات غير الطبية ليس بالأمر الفريد في صين تشي. وبالتأكيد، إن الأسلوب البلاغي ليس العامل اليتيم في تشكيل السياسات الصينية، فالسياسات البيروقراطية، والقيود على الموارد، والرأي العام، تؤثر أيضا في كيف تتحول المفاهيم السياسية إلى سياسات وإجراءات. لكن في سياق جائحة فتاكة لا تزال مستمرة، يمكن لنهج الحزب الشيوعي في ربط الصحة والأمن معا بأن يحمل، رغم ذلك، آثارا هائلة على السياسات العالمية.

 

بدأت الصين بالفعل في تقديم نهجها في إدارة فيروس كورونا حول العالم. ويوظف هذا الجهد باقة واسعة من أدوات السياسة الخارجية، من التواصل بين الحكومات والمعونات الخارجية إلى الدعاية السياسية والتضليل. مؤخرا، نشرت الحكومة الصينية ورقة رسمية لكي "تشارك خبرتها مع العالم من أجل هزيمة الجائحة العالمية"، وقد أشادت الورقة بقيادة الحزب الشيوعي في تعرية الأزمة، محاججة بأنها سمحت للصين بإنشاء "نظام قوي للوقاية والسيطرة يشمل قطاعات المجتمع كافة"، بينما وصفت رسائل رسمية أخرى بوضوح "نظام الوقاية والسيطرة" الصيني كمثال ينبغي أن تحتذي به الدول الأخرى.

قليلة هي البلدان القادرة على نسخ نموذج الصين المكثف في المراقبة الشاملة. وبعض الدول، مثل ألمانيا، ونيوزيلندا، وفيتنام، قد نجحت في مكافحة الفيروس باستخدام نُهجها الخاصة.

 

برغم ذلك، يمكن للجائحة أن تُضفي مزيدا من البريق على نموذج الصين من المراقبة المكثفة. حتى قبل انتشار الجائحة، كانت تقنيات المراقبة والأمن العام الصينية قد انتشرت في 80 بلدا على الأقل، وكان هذا جزئيا بسبب قدرة شركات التقنية الصينية على أن تُقدِّم لتلك البلدان طرقا للقضاء على الجرائم الحضرية العنيفة ومصاعب أخرى. إن استخدام وتصدير تكنولوجيا المراقبة خاضع للقليل من التنظيمات الدولية. أما إن وُجدت أي معايير دولية، فقد كُتب معظمها بأنامل شركات التقنية الصينية.

 

إن تمكّنت الشركات الصينية، مدعومة بالأدوات والدعاية السياسية من بكين، من إقناع ما يكفي من الشعوب بأن نهجها في مراقبة الصحة هو الأمثل في التعامل مع الأمراض المعدية، فمن المرجح لـ "كوفيد-19" أن يُسرِّع من الاعتماد العالمي على التكنولوجيا الصينية، بالإضافة إلى القبول بما يرتبط بها من نموذج "الوقاية والسيطرة"، رغم قلة الحماية التي يوفرها لأمن البيانات، والخصوصية، وحماية الحريات المدنية.

 

لا ينبغي للولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الديمقراطيات ارتكاب خطأ الاستخفاف بجاذبية نهج الصين في أنظار الدول اليائسة من أجل حلول لمواجهة التحديات الاستثنائية التي فرضها "كوفيد-19". قد لا يعلم البعض إلى أي بديل يلجؤون، لا سيما في ضوء الانطباعات الدولية التي تشكّلت حول صراع الولايات المتحدة في التعامل مع الجائحة وقرار إدارة ترمب بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية. لكن قادة الديمقراطية ينبغي أن يضعوا هذه اللوازم الضرورية في مقارنة بالأثمان الطويلة الأمد للاعتماد على الاستبداديّات، بما أن السياسات المتبنّاة في أوج أزمة يمكن أن تستمر إلى ما بعد تحييد الخطر الحالي.

ثمة بدائل مقنعة للنهج الصيني، والعديد منها يعرضه حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها في آسيا. حيث أظهرت كوريا الجنوبية وتايوان، من بين أخرى، أن من الممكن مقارعة أزمة صحة عالمية طارئة دون التخلي عن الخصوصية، والحريات المدنية، والقيم الديمقراطية. صحيح أن نهجها قد تضمّن شيئا من المراقبة والقيود على الحريات الفردية، لكن التشريع حدد هذه التدابير في نطاق معين ومؤقت وخاضع للمراجعة الديمقراطية. في كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، يسمح التشريع الذي مُرِّر بعد انتشار متلازمة الشرق الأوسط بتدابير المراقبة الطارئة، لكنه يشترط على الحكومة إصدار بيانات معينة باسم الشفافية ومن ثمّ حذفها فور عبور الأزمة.

 

في تايوان، ينبغي أن تكون فترات الحجر الصحي محددة بوقت، وأن يُعوَّض مَن يخوضونها، وقد قاوم الرئيس النداءات للعمل بقوانين الطوارئ، قائلا إن التشريع القائم كافٍ. وفي حال جرى العمل بقوانين الطوارئ، علاوة على ذلك، فإنها ستظل خاضعة لمناقشة ومصادقة تشريعية.

 

سوف تستمر المجتمعات الديمقراطية في الجدال حول الحدود الصائبة مع ظهور تكنولوجيات جديدة، لا سيما في مجال مراقبة الصحة. ولن تُرضي الأجوبة الأولية كل الناخبين، كما أنه من المستبعد الاتفاق على "نموذج ديمقراطي" واحد. لكن حقيقة أن الديمقراطيات بإمكانها الجدال بانفتاح، والمقارنة بين هيكلياتها، والتكيّف بحيث تعالج مخاوف المواطنين يؤسس لنقيض واضح للنموذج الصيني.

 

في هذه الأثناء، لا يستطيع ولا ينبغي أصلا لأولئك الذين حاولوا واختبروا الإستراتيجية الديمقراطية في التعامل مع "كوفيد-19″، مثلما تفعل كوريا الجنوبية وتايوان، الترويج لرؤيتهم بمفردهم، ذلك أن فرص نجاحهم ستكون أكبر بكثير إن توفر لديهم دعم ديمقراطيات أخرى، لا سيما الولايات المتحدة. إن الصين تروج سلفا لرؤية استبدادية تدمج بين الصحة والأمن، والوقت مناسب لكي يتّحد قادة الديمقراطية معا عبر توفير بديل حقيقي.

—————————————————————————————

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

لا يقتصر التطور الصيني على الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية فحسب، بل إنه يمتد، كما يليق بأي دولة تريد المنافسة على الزعامة العالمية، للنواحي العسكرية.. تعرف على أبرز الأسلحة الصينية خلال العقد الماضي.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة