فرنسا والتقارب الروسي.. ماكرون يصطدم بالناتو ويُغضب حلفاءه

"لعل بالإمكان تجديد التضامن الفرنسي-الروسي الذي يظل جزءا من النظام الطبيعي للأشياء في مواجهة الرعب الألماني، وبوجه المغامرات الأنغلو-أميركية بالقدر نفسه".

(شارل ديغول) (1)

كانت أكبر عملية لنقل الأثاث جوًّا في تاريخ بريطانيا تلك التي تمت عام 1952، وانتقل معها المقر الرئيسي لحلف الناتو من ميدان "بِلغرَيف" في قلب العاصمة البريطانية لندن إلى قصر "شايو" في العاصمة الفرنسية باريس المُطِل على حديقة "تروكاديرو"، التي يُقابلها على الضفة المُقابلة من نهر السين برج "إيڤل". هُناك وقف الزعيم الألماني أدولف هتلر عام 1940، والتقط صوره الشهيرة مع برج إيڤل بعد أن غزا النازيون فرنسا، وهناك أيضا -بعد خمس سنوات- احتفل جنود الجيش الأميركي بالنصر في الحرب العالمية الثانية. كان اختيار قصر شايو مقرا للناتو حينئذ محمَّلا برمزية الحرب والنصر وإنقاذ فرنسا، أهم وأثقل مَن أنقذ الحلفاء (أميركا وروسيا وبريطانيا) بعد سقوط جيشها، لكنه كان محمَّلا أيضا بما هو أبعد من الرموز. لقد كانت فرنسا القوة الأوروبية التي تهاوت بقسوة دون غيرها خلال التمدُّد النازي، ولم تحتفظ بشيء من كبريائها أو حضورها الدولي، على العكس من بريطانيا التي لم تطأها قدم جندي ألماني واحد، والاتحاد السوفيتي الذي رد الصاع صاعين حين وصلت جنوده إلى قلب العاصمة برلين. تباعا، كان وضع مقر الناتو الرئيسي في باريس محاولة لمنح فرنسا وزنا سياسيا افتقدته طويلا، لا سيما مع أهميتها للتحالف الغربي الناشئ بوجه الاتحاد السوفيتي في مستهَل الحرب الباردة.

 

بعد أيام قليلة من إحياء الذكرى الثالثة لتأسيس حلف الناتو في المقر البريطاني القديم، سارعت الطائرات إلى نقل تسعين طنا من الأثاث متجهة إلى باريس، ليتسنَّى للحلف أن يعاود نشاطاته من هناك في أسرع وقت، وقد بقي مقر الناتو هناك لسبع سنوات قبل أن ينتهي العمل على مبنى مصنوع خصيصا له على بُعد كيلومترات قليلة بمنطقة "بورت دوفين" عام 1959. بُني المقر الجديد على شكل الحرف اللاتيني "A" في إشارة لأول حرف من كلمة "تحالف" في الإنجليزية والفرنسية (Alliance)، لكن الحلفاء كانوا على موعد مع عملية نقل جديدة لمقر الحلف -غير متوقعة هذه المرة- بعد سبع سنوات أخرى، حين قرر الرئيس الفرنسي "شارل ديغول" الانسحاب من القيادة المركزية لحلف الناتو عام 1966، لتنتقل أطنان الأثاث مجددا نحو العاصمة البلجيكية بروكسل وإلى غير رجعة. خلال عامين، تحوَّل مبنى الحلف الجديد إلى مقر جامعة "باريس دوفين"، ويظل شاهدا على أن ما منحه الحلفاء لفرنسا لم يكن كافيا أبدا بالنسبة لها لتندمج معهم بالكامل، ولم يكن كافيا كذلك لإبعادها عن مغازلة روسيا بصورة متكررة. (2)

مقر حلف الناتو في "بورت دوفين" بباريس وقت افتتاحه عام 1959، ومقر جامعة "باريس دوفين" منذ عام 1968 (المصدر: الموقع الرسمي لحلف الناتو)

 

"هل عدوُّنا اليوم هو روسيا، كما أسمع بين الحين والآخر؟ هل هي الصين؟ هل يهدف الناتو إلى إعلان هذين البلدين عدوين له؟ لا أعتقد ذلك. عدوُّنا المشترك اليوم هو الإرهاب الذي يضرب بلادنا جميعا".

(إيمانويل ماكرون) (3)

كان على فرنسا أن تنتظر أربعين عاما ونيف قبل أن يقرر رئيسُها "نيكولا ساركوزي" أن يعيدها إلى القيادة المركزية للناتو حين وطأت أقدامه قصر الإليزيه عام 2007، ليصبح أول رئيس فرنسي "صديق جيد للأميركيين"؛ أو "ساركو الأميركي" كما وصفته الصحافة آنذاك. حمل ساركوزي على عاتقه إعادة إصلاح العلاقات بين باريس وواشنطن بعد برود دام سنوات بسبب رفض فرنسا المشاركة في غزو العراق، كما عزم في مستهل القرن الجديد على تجاوز الإرث الديغولي، المُغرق بأولويات فرنسا القومية على حساب اندماجها في تحالفاتها الأوروبية والغربية. بالتبعية، كان خطاب ساركوزي شديد اللهجة تجاه روسيا، إذ صبَّ الرجل غضبه على سياسات بوتين العنيفة فيما يخص أمن الطاقة الأوروبي، والقاسية ضد معارضيه في الداخل؛ "كم هو عظيم أن يعيش المرء في دولة ديمقراطية.. وكم أتمنى أن تشاركونا يوما تلك الميزة"، هكذا صرَّح ساركوزي أمام جمع من الطلبة الروس في موسكو متماشيا مع منهج نشر الديمقراطية الذي تزعَّمته الولايات المتحدة في ذلك الوقت. تزامن ذلك بالطبع مع ذروة السيطرة الأميركية في كل ما يحيط بباريس، بدءا من شرق أوروبا التي أخذ الناتو يحوز فيها الأعضاء الجدد الواحد تلو الآخر منذ 1999، وفي الشرق الأوسط أيضا حيث تحرَّكت بأريحية عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في العراق وأفغانستان. (مصدر)

 

بيد أن الموازين سرعان ما تغيَّرت، لتتبخَّر نزعة ساركوزي الأميركية، بل إن الرجل أزاح بنفسه تلك الغيمة التي جلبها معه إلى الرئاسة الفرنسية؛ لتظهر من جديد ركائز ديغول الراسخة بميلها اليميني والشعبوي، المُهتمة بالإبقاء على الأبواب مفتوحة تجاه موسكو، والحفاظ على مسافة بين باريس وبين حلف الناتو الأنغلو-أميركي بالدرجة الأولى. عام واحد فحسب مضى على بداية رئاسته حتى توالت المصائب على ساركوزي، بدءا من الأزمة المالية العالمية المُحفِّزة لصعود اليمين وخطابه المتعاطف مع روسيا، وصولا إلى أول تحرُّك عسكري لروسيا ضد دولة سوفيتية سابقة باحتلالها محافظتين من جيورجيا عام 2008. تولَّى ساركوزي قيادة الوساطة بين روسيا وجيورجيا، وأفضت جهوده لاتفاق وُصِف بأنه أتاح لموسكو الحفاظ على مكتسباتها في الحرب على حساب سيادة جيورجيا، بل ومنحها الضوء الأخضر للتحرُّك العسكري وقتما شاءت، وهو ما حدث بالفعل بعد ساعات من إعلان الاتفاق المُفترض اشتماله على وقف إطلاق النار. (مصدر)

 

لم تكُن الصلات التي بلورها ساركوزي ببوتين خلال رئاسته عابرة، حتى إنه حافظ عليها بعد خروجه من السُّلطة، فقد زار الرجل نظيره الروسي أربع مرَّات منذئذ، وتحدَّث خلال حملته الانتخابية في 2017 عن "حاجة العالم إلى روسيا" وضرورة رفع العقوبات المفروضة عليها منذ استحواذها على شبه جزيرة القرم. رغبة منه في مواكبة مكاسب اليمين المتطرِّف في فرنسا، قام حزب الجمهوريين الذي يترأسه ساركوزي بالسفر في وفد برلماني، ضمَّ أعضاء من حزب الجبهة الفرنسية اليميني (ورئيسته مارين لو بِن)، إلى روسيا عام 2015، وتضمَّنت الزيارة شبه جزيرة القرم، التي صرَّح أعضاء الوفد بأنهم أرادوا من خلالها الحديث مع العوام واستكشاف حياتهم اليومية بعد السيطرة الروسية. كان ذلك بالطبع من موقعه في المعارضة بينما تمسَّك الرئيس الجديد "فرانسوا أولاند" بموقف غربي صلب ضد التحرُّك العسكري الروسي؛ لكن أولاند، ثاني رئيس اشتراكي في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، الذي انتُخب لتضميد جراح الأزمة المالية، سرعان ما ضمَّد جراح العلاقة مع روسيا هو الآخر. (مصدر)

الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في إحدى زياراته لموسكو (رويترز)

في العام 2015، بينما اهتزت فرنسا بسبب حادث شارلي إبدو، وظهرت معركة جديدة لحلف الناتو ضد تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، اتخذت فرنسا موقفا صلبا من أشكال الحراك الإسلامي كافة؛ السياسي السلمي والمتطرِّف العنيف على السواء. تحت رعاية وزير الدفاع حينئذ "جيان إيف لادريان" (ووزير الخارجية حاليا)، أصبحت المعركة مع "الإرهاب الإسلامي" وفق التعريف الفرنسي أولوية قصوى، وتراجعت الأولويات الجيوسياسية المعتادة لأوروبا والتحالف الغربي. لم تنضوِ تلك السياسة على إبقاء الأبواب مفتوحة مع روسيا فحسب، بل والوقوف معها في صف واحد إذا ما تعلَّق الأمر بالإرهاب. نسي أولاند سريعا تجاوزات بوتين في القرم، ونسي بوتين أيضا حاملتي المروحيات "ميسترال" التي كان من المفترض حصول روسيا عليهما قبل أن تتجها لمصر بسبب العقوبات الروسية، فباتت فرنسا منذ 2015 أكبر مستثمر أجنبي في روسيا، وعاودت استثماراتها في الغاز الطبيعي الروسي. تقف فرنسا، على عكس حلفائها الغربيين كافة، لتدعم قوات خليفة حفتر في ليبيا إلى جانب روسيا، كما أنها الدولة الأوروبية الأقرب للنظام الحالي في مصر منذ عام 2013، وتمتلك علاقات إستراتيجية مميزة مع الإمارات التي تتزعَّم المحور المضاد للإسلاميين في الشرق الأوسط. (مصدر) (مصدر)

 

فيما يخص سوريا، أحد أهم أركان السياسة الخارجية الفرنسية في المنطقة، تغيَّر الخطاب المتمسك برحيل بشار الأسد قبل الوصول لتسوية مع روسيا، إذ خفَّفَت فرنسا رويدا من لهجتها تجاه الأسد بينما برزت قواته المدعومة روسيًّا كقوة مناوئة لداعش، ومن ثمَّ أتى تصريح لادريان في سبتمبر/أيلول 2015 بأن الأسد عدو للشعب السوري فقط وليس للمجتمع الدولي. بتبنيها النهج الأمني الصلب في مواجهة "الإرهاب الإسلامي"، ترأست فرنسا أيضا تحالفا إقليميا خُماسيا بين مالي والنيجر وتشاد وموريتانيا وبوركينا فاسو لمحاربة الجماعات الجهادية في منطقة الساحل، ولا تزال الآلاف من قواتها هناك، مدعومة ببعض الدعم اللوجستي الأميركي رُغم الهوة الواسعة المتزايدة بين الطرفين، والتردُّد الطويل الذي اتسم به الموقفان البريطاني والأميركي تجاه دعم سياسات فرنسا الأمنية في الساحل. (مصدر)

 

"نحن ننفق مئات الملايين من الدولارات على قوة فرنسية لا تزال عاجزة عن قلب الموازين.. لا يبدو أننا نحصل على ثمار ما ننفقه"، كذلك صرَّح مسؤول رفيع المستوى بالولايات المتحدة لموقع "يورونيوز" قبل أشهر تعقيبا على رغبة الإدارة الأميركية وقف دعمها المالي واللوجستي للقوات الفرنسية في الساحل. منذ بدء وجودها العسكري هناك والأمور تزداد سوءا، فقد تضاعفت العمليات الإرهابية بشكل متسارع منذ تدخُّل فرنسا، كما هبطت شعبيتها سريعا في دول الساحل حيث يتفاقم السخط الشعبي تجاه قواتها هناك. في مايو/أيار الماضي، أشارت مجلة "فورين بوليسي" إلى رغبة الإدارة الأميركية تعيين "ديفيد غريسلي"، صاحب الخبرة الطويلة في العمل مع الأمم المتحدة بمنطقة الساحل ووسط أفريقيا، ليترأس مهمة "MINUSMA" المكوَّنة من 15 ألف ضابط وشرطي أفريقي وأوروبي، خلفا لمحمد صالح أناديف، وزير الخارجية الأسبق لتشاد؛ وهي الدولة صاحبة العلاقات الوثيقة مع فرنسا. حتى اللحظة، لا يزال الفرنسيون رافضين للترشيح الأميركي وللتحفظات الأميركية على النهج الفرنسي في الساحل، مُفضِّلين أن يتولى رئاسة المهمة شخصية من المجموعة الخماسية المقرَّبة لهم رُغم سجلها السيئ في إدارة الأزمة خصوصا، وفي ملفات التنمية وحقوق الإنسان عموما. (مصدر)

ماكرون وزعماء الدول الخمس بمنطقة الساحل في قمة بمدينة "پاو" الفرنسية (رويترز)

"أوليس تسليح تلك الدول بدون خطة طويلة الأمد لإعادة الجيوش لثكناتها، وإصلاح القطاع الأمني، نوعا من المخاطرة المؤدية لتدشين أنظمة استبدادية؟ هل تفوتنا فرص الاشتباك بجذور ذلك الصراع؟ وأي أثر لتلك السياسة على قضايا كالهجرة والتنمية والديمقراطية؟"، هكذا يتساءل أندرو تشي، العضو السابق بمهمة الأمم المتحدة بجنوب السودان وبالأمانة العامة للكومنوولث البريطاني، منتقدا سياسة القبضة الأمنية التي تتزعمها فرنسا منذ سنوات، إذ ثبت فشلها بالفعل في مواطن عدة حين انتهجتها قوى كبرى أطول باعا في المغامرات العسكرية الدولية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. بيد أن فرنسا، كما يبدو، تعيد اختراع العجلة، وتجد حماسا في أروقة الأنظمة الاستبدادية بعرض القارة الأفريقية وفي الخليج، وتجد الحماس كذلك -بالطبع- في موسكو التي تتزعَّم هي الأخرى محورها الخاص من أجل "الأمن" في الشرق الأوسط. ليس غريبا إذن أن تترأس فرنسا الآن جهود إعادة إدماج روسيا في المجتمع الدولي بعد أزمة القرم، لا سيما أن موسكو أطلّت برأسها في منطقة الساحل أيضا بدعم فني وعسكري للمجموعة الخُماسية؛ وهو التقاء بين موسكو وباريس لم يصل بعد إلى التنسيق المباشر، لكنه يؤرق حلفاء فرنسا المهمومين بالخطر الروسي. (مصدر)

 

"الناتو ميِّت دماغيا".

(إيمانويل ماكرون)

بتلك البساطة أطلقها ماكرون في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في حوار مع مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، ليثير عاصفة من ردود الأفعال داخل القارة الأوروبية. "لا أعتقد بأننا بحاجة إلى تلك الأحكام المتسرِّعة"، كذا ردَّت المستشارة الألمانية أنغلا مِركِل، "فلا يزال الناتو مهما لأمننا". أولريش سبِك، زميل رفيع المستوى بصندوق مارشال الألماني المؤسَّس من جانب الولايات المتحدة (GMF)، صبَّ غضبه بصورة أوضح: "بينما يقول ماكرون إن الناتو يعاني موتا دماغيا، يتضح لنا ماذا تعني "الذاتية الإستراتيجية: من وجهة نظره، إنها أوروبا بلا ناتو. متماشيا مع اقترابه من بوتين وقراره برفض توسيع الاتحاد الأوروبي، بات ماكرون الآن مناوئا للنظام القائم بوضوح". فرانسوا هيسبورغ، خبير عسكري فرنسي، غرَّد على تويتر بأن ماكرون يتحدث كزميل بمركز أبحاث منفصل عن عالم السياسات، وليس كقائد دولة مركزية بحلف الناتو، وأن تصريحاته عن الناتو غريبة وخطيرة. بصراحة لاذعة يصف جوناثان إيال، مدير الدراسات بمعهد الخدمة الملكي المتحد في بريطانيا (RUSI) ومستشار سابق للاتحاد الأوروبي، الرئيس الفرنسي بأنه بات "يتكلَّم أولا ثم يفكر لاحقا". (مصدر)

 

ليست تلك المرة الأولى التي يُغضِب فيها ماكرون حلفاءه بتصريحات متسرِّعة، فقبل عام واحد، كاد أن يشعل أزمة دبلوماسية مع دول شرق أوروبا بعد تصريحه بأنه يُفضِّل وجود مهاجرين شرعيين من غينيا أو ساحل العاج على القادمين من شبكات التهريب البلغارية. استدعت بلغاريا سفير فرنسا لديها بعد أيام، طالبة توضيحا لتصريحات ماكرون، وطلبت من سفيرها في باريس إرسال مذكرة احتجاج للحكومة الفرنسية. بقدر ما تُمثِّل تلك التصريحات خروقا دبلوماسية واضحة، فإن الأمر لا يحتاج إلى تفكير طويل لمعرفة مدى ما تُشكِّله من مداعبة للمشاعر اليمينية المتنامية داخل فرنسا، وأهمية احتوائها قبل انتخابات الرئاسة عام 2022. (مصدر)

إيمانويل ماكرون ومارين لو پِن قبل جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية عام 2017 (رويترز)

يُشير دنيس ماكشين، مستشار بإحدى الشركات الأمنية، ووزير بريطاني سابق للشؤون الأوروبية، إلى أن سياسة ماكرون الخارجية موجَّهة بالأساس لمنع خسارة ناخبيه باتجاه اليمين المتطرِّف ومن ثم تميل لتبنّي عناصر عدة من سياسات مارين لو بِن؛ "يقترب (ماكرون) من بوتين، ويقول لدول غرب البلقان إن عليهم الانتظار لسنوات قبل دخول أوروبا، ويستنكر "أفعى الإرهاب الإسلامي"، ثم يطالب برد فعل قاسٍ ضد الهجرة.. إنها سياسة داخلية متخفية في زِيّ سياسة خارجية". تقف فرنسا اليوم عكس حلفائها بوجه توسيع الاتحاد الأوروبي نحو المزيد من الدول في شرق أوروبا والبلقان، محاولة بذلك احتواء القوة الروسية ورفضها للتمدد الغربي قُرب حدودها، وكذلك احتواء غضب ناخبيها من احتمالية زيادة الهجرة الداخلية من تلك البلدان الشرقية نحو الغرب. (مصدر)

 

ليست التصريحات الشعبوية فقط هي ما يُثير المشكلات، فالسياسات الفرنسية الأمنية، المنفتحة على روسيا، تتجاوز بين الحين والآخر خطوط أوروبا الحمراء، وتدوس معها باريس مصالح جيرانها، وأبرزهم إيطاليا. رُغم مصالحها الواضحة في طرابلس وعلاقتها الجيدة مع حكومة الوفاق المدعومة رسميا من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ورُغم التصريحات الرسمية من فرنسا بأنها ليست ضالعة عسكريا في الصراع ولا تميل لطرف على حساب آخر، ومحاولاتها منذ بضع سنوات الوساطة بين السرَّاج وحفتر، استمرت فرنسا في دعمها العسكري غير المُعلن لقوات حفتر، كما قرر ماكرون قبل أشهر فتح باب الرهان على دخول حفتر طرابلس جنبا إلى جنب مع روسيا والإمارات. تباعا، أبدى الإيطاليون تملمُلا واضحا من الموقف الفرنسي، حملته تصريحات نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي "لويغي دي مايو" حينئذ بأن حفتر يجب أن يُمنع من دخول طرابلس، علاوة على السخط الفرنسي الذي أثاره لقاء دي مايو مع متظاهري السترات الصفراء الفرنسيين. يشير أليساندرو ماروني، رئيس برنامج شؤون الدفاع بمعهد الشؤون الخارجية في روما، وبول تيلور، كاتب في الشؤون الأوروبية لموقع بوليتيكو، إلى أن انعدام الثقة بين إيطاليا وفرنسا متراكم منذ سنوات، ومدفوع بانتهاج فرنسا لسياسة أحادية في أفريقيا، وعدم مبالاتها بمصالح إيطاليا التاريخية في ليبيا. (مصدر)

 

حين قررت تركيا أن تُلقي بثقلها في الساحة الليبية، وقلبت الموازين لصالح حكومة السرَّاج باستعادة السيطرة على طرابلس ومحيطها بالكامل، كان الترحيب الإيطالي غير المُعلَن واضحا، فقد أعلنت كلٌّ من روما وأنقرة تعاونا عسكريا بحريا قبل نحو شهر، وقامتا بمناورة بحرية في البحر المتوسط. لاقى التدخُّل التركي ترحيبا أيضا من البعض على المستوى الدبلوماسي الأوروبي، حيث قال دبلوماسي أوروبي رفيع لصحيفة "فاينانشال تايمز": "لنكن صرحاء، تركيا منعت سقوط طرابلس، وبدون تدخُّلها لصارت لدينا كارثة إنسانية". للمفارقة، يأتي ذلك التقارب الإيطالي-التركي في الوقت نفسه الذي يتفاقم فيه التوتر الفرنسي-التركي، إذ حاولت سفينة حربية فرنسية وقف سفن تركية في طريقها إلى ليبيا مطلع الشهر الحالي دون أن تنجح، لتطلب فرنسا من الناتو فتح تحقيق في "سلوك عدواني" بدر من السفن التركية، وحين امتنع الناتو عن الانحياز للرواية الفرنسية حتى يتسنَّى له بحث الأزمة، اتخذت فرنسا قرارها بالانسحاب من مهمة "حراس البحر" (Sea Guardian) التي يديرها الحلف في البحر المتوسط. (مصدر)

لا يقتصر انعدام الثقة بين فرنسا وحلفائها على إيطاليا وحدها، بل وصل حد توجيه تحذير لفرنسا من جانب الناتو ألَّا تتهاون مع روسيا فيما يخص أوكرانيا قُبَيل قمة عُقدت في باريس عام 2019 لمناقشة الأزمة الأوكرانية، متحسبين ربما بالنظر للسجل الطويل الآن من احتواء الرئيس الفرنسي لروسيا على حساب الأمن الأوروبي. "تريد فرنسا إعادة تعريف العلاقات مع روسيا؛ بشكل تتراجع فيه أهمية القيم (الأوروبية)، ولا يصير لزاما على روسيا أن تقدِّم أي شيء في المقابل"، هكذا تصفها جودي دِمسي، رئيسة تحرير قسم إستراتيجية أوروبا بمعهد كارنيجي. (مصدر)

 

الصحافة الأميركية أيضا وجَّهت انتقادات حادة لماكرون خلال الأشهر الماضية، فموقع "سي إن إن" يصف القلق الذي يُشكَّله التقارب الروسي بين دول شرق أوروبا المعتمدة على الناتو: "بهجومه على الناتو وانفتاحه تجاه روسيا وغيرها من مسائل جيوسياسية، يُثبت ماكرون بأنه لا يقل إزعاجا عن نظيره الأميركي". "بلومبِرغ" بدورها أشارت ساخرة إلى "غزوات ماكرون المنفردة في مجال السياسة الخارجية"، التي لم تؤتِ أُكلها في ليبيا، مثلها مثل غزوات شبيهة لرؤساء عديدين سبقوا ماكرون، بدأت بالاتحاد من أجل المتوسط مع ساركوزي، وصولا إلى خُماسية الساحل مع أولاند، غير المُجدية حتى الآن بشهادة حلفائها قبل أعدائها. سرى نوع من "الذعر الإستراتيجي" بين المسؤولين الفرنسيين حين بدا أن سياسة دعم حفتر لم تؤتِ أُكلها هي الأخرى في شمال أفريقيا، كذا تقول دوروثي شميد، باحثة في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الفرنسي للعلاقات الخارجية، لا سيما أنها عانت كثيرا من غياب الدعم لسياستها الليبية من حلفائها في الناتو والاتحاد الأوروبي، حيث يُنظر لحفتر في العواصم الغربية الأخرى كافة بوصفه جزءا من المشكلة لا الحل. بيد أن الفرنسيين لا يكترثون بتلك الانتقادات الأنغلو-أميركية لحلفائهم وسياساتهم؛ فهي أمر ليس بجديد على باريس، بل ونال ديغول نصيب الأسد منها في السابق.

 

"كانت عبقرية ديغول أن يتصرَّف في أصعب اللحظات وكأن عظمة فرنسا لم تُمَس".

(المؤرِّخ الأميركي آرثر فانك)

في وثيقة للمخابرات المركزية الأميركية أثناء رئاسة ديغول عام 1965، تُوصَف السياسة الخارجية الفرنسية بأنها أدّت إلى قلق الكثير من الدول الأوروبية نظرا لتركيز ديغول على استعادة كبرياء فرنسا دوليا وليس تعزيز مشروع الوحدة الأوروبي الذي يراه منافيا لسيادة واستقلال الدولة الفرنسية. الوثيقة تتنبَّأ بشكل صحيح بأن ديغول سيقرر على الأرجح الخروج من الناتو، وستسوء علاقته بألمانيا إن لم يحصل منها على ما أراد -ابتعادها النسبي عن الناتو- وقد حدث كلا الأمرين بالفعل خلال عام واحد. يلفت النظر أيضا ما تُشير إليه الوثيقة من أن ديغول، على عكس معظم دول غرب أوروبا، لم يرَ في روسيا خطرا بحد ذاتها، بل اعتقد بأن الذعر الذي تُمثِّله مرتبط بأيديولوجيتها السوفيتية والشيوعية، وأنها حينما تهدأ لتعود لركائزها القومية الروسية، فسيكون بالإمكان التفاعل معها بشكل أفضل. ينافي ذلك بالطبع ما يعتقده الألمان والبريطانيون والأميركيون على السواء، إذ إن الذعر الشيوعي لم ينفصل أبدا عن روسيا كخطر جيوسياسي، بل إن الأخير كان ولا يزال محركا رئيسيا لتعريف الأمن القومي لدى تلك القوى الثلاث. (مصدر)

الرئيس الفرنسي شارل ديغول أثناء خطابه بمستعمرة غينيا الاستوائية عام 1958 (مواقع التواصل الاجتماعي)

لم تندمج صناعة القرار الفرنسي فعليا مع الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو على مر العقود، وظلت تلك البنى والعضوية فيها تخضع في النهاية لاعتبارات الدولة الفرنسية ورؤيتها المغايرة للنظام الدولي، والأهداف التي تسعى لتحقيقها، ومن ثمَّ كانت معركة الفرنسيين باستمرار هي تطويع تلك البنى وتعزيز حضور فرنسا فيها لتحقيق الأهداف الفرنسية الخاصة، على العكس من ألمانيا، إذ وجدت ألمانيا -الغربية قبل أن تصبح موحَّدة بعد 1991- في الاتحاد والناتو ضالّتها الوحيدة لتصوغ معنى ووزنا لها في النظام الدولي ولدولتها القومية بشكلها الجديد، فبات الاندماج التام مع تبلور ثقل ألمانيا كمحرِّك رئيسي لبوصلة الحلف الغربي خيار الدولة الألمانية، بل وصار ذلك هو نفسه ركيزة تعريف "السياسة القومية" الألمانية التي لم يَعُد بوسعها الحركة إلا كمركز لتحالف أوسع، ولم يَعُد بالإمكان تعريفها بشكل منفصل. كان الاتحاد إذن هدفا بحد ذاته للألمان، في حين كان للفرنسيين وسيلة لتحقيق سياساتهم القومية ودورهم الدولي الخاص، الذين أدركوا عدم إمكانية تحقيقه منفردين، لكنهم أصرّوا في الوقت نفسه على فصله عن بنية التحالف الغربي وأهدافه العامة. كانت الزيجة الفرنسية-الغربية إذن مُرهقة لطرفها الغربي، إذ حاولت فرنسا تطويعها لخدمة أهدافها قدر الإمكان، دون أن تمنحها ما منحته ألمانيا من اندماج شامل. (مصدر)

 

هنالك أيضا فجوة كبيرة مستمرة بين اليد الطولى التي تمنحها باريس لنفسها دوليا كقوة كبرى دون إدراك مقدار تقزُّمها منذ عام 1940 والإمكانيات الكامنة في التحالف الغربي بمعناه الكلاسيكي. في لحظة تُعَدُّ مفترق طرق للتحالف الغربي، وللنظام الدولي بأسره، تعود المُعضلة نفسها للظهور. تشعر فرنسا بالاختناق حين يتعارض منظورها مع حلفائها، لتمُد يدها الطولى كما تعتقد لتكتشف سريعا بأنها ليست طولى بما يكفي. مجددا، سيكون على فرنسا أن تتراجع خطوات للخلف والحصول على ما تريد من داخل ثنايا التحالف الغربي، الذي لن يمنحها كل ما تريد بالنظر للتباين الكبير في نظرتيهما إلى ليبيا وأفريقيا في العموم. في هذا الصدد، يقول ستِفان لِن، باحث زائر بمعهد كارنيجي: "تكمُن المشكلة في أن فرنسا لا تحمل الوزن الاقتصادي والسياسي الكافي لتكون لاعبا دوليا، وبالتبعية لا تتجاوز الكثير من مبادراتها كونها اجتماعات مرتَّبة بعناية في باريس".

 

ذلك التباين بين رؤية فرنسا لنفسها وموقعها الحقيقي يعود لنهاية الحرب العالمية الثانية، واستشعره الأميركيون والبريطانيون حين طلب شارل ديغول مقعدا على طاولة مفاوضات الحلفاء في مؤتمر "يالتا" الشهير، ولم يُقبَل طلبه، فانعقد المؤتمر بين الثلاثة الكبار؛ تشرشل (بريطانيا) وروزفلت (الولايات المتحدة) وستالين (الاتحاد السوفيتي). "لقد كانت فرنسا مُفلسة سياسيا.. في عام 1943، لم تحكم لجنة التحرير الوطنية (برئاسة ديغول) أي جزء من فرنسا، وتحكَّمت في بعض الوحدات العسكرية ضعيفة التسليح، ولم تمارس سوى سيادة مهزوزة على بقية الإمبراطورية الفرنسية"، هكذا يصفها المؤرِّخ الأميركي آرثر فانك، مشيرا إلى أن الأميركيين بالتحديد رفضوا باستمرار الاعتراف بقيادة ديغول غير المشروطة بانتخابات تُثبت حيازته بالفعل لثقة أغلب الفرنسيين؛ في تمسُّك عنيد من الرئيس الأميركي روزفلت بمبدأ تقرير المصير. حين تأسست الجمهورية الرابعة إبَّان نهاية الحرب، ثم انتهت عام 1958 ليعود ديغول للواجهة بتأسيس الجمهورية الخامسة، حمل الرجل معه إرث التوتر مع الولايات المتحدة وصداقته الطويلة مع الاتحاد السوفيتي الذي اعترف به مبكرا جدا خلال الحرب. (1)

كاريكاتير للرسام الهولندي-الألماني فريتز بِهرندت عام 1965، يُظهر ديغول متمايزا عن أعضاء الناتو (مواقع التواصل الاجتماعي)

لا يكمُن تعقيد العلاقة بين روسيا وفرنسا فحسب في تقاطعات جيوسياسية شكَّلت علاقاتهما خلال نهاية القرن التاسع عشر بوجه بريطانيا وألمانيا، بل ثمة جذور تاريخية واجتماعية تجعل تقاطع خطوط الدولتين أكبر. فرنسا وحدها بين دول غرب أوروبا هي الأقرب في طبيعة نظامها السياسي الرئاسي لروسيا رُغم البون الشاسع بين هامش الحريات في البلدين، وفي الكمِّ الكبير من الصلاحيات الممنوح لرئاسة الجمهورية وضعف برلمانها، وفي تأكيد فكرة "كبرياء" الدولة في الخارج. أما من حولها فدول برلمانية صِرف؛ دول لم تهزُّها ثورات كبرى كالثورتين الفرنسية والبلشفية. بقدر ما يؤدي الانقلاب الجذري الذي تُحدثه الثورة إلى اقتلاع تام للاستمرارية المؤسسية، فإنه يؤدي كذلك إلى ترسيخ نوع من الشعبوية أو الجماهيرية في فهم شرعية الفعل السياسي (الداخلي والخارجي على السواء). تؤدي تلك النزعة لمفهوم شديد الصلابة للدولة وأمنها على عكس التقليد البريطاني، وتنعكس تلك النظرة الأمنية في السياسة الخارجية أيضا. ثمة جذور عميقة متعلقة بتجربتي الثورة وعلاقتها بالدولة في البلدين تُعزِّز كثيرا من إمكانية التقائهما على المسرح الدولي، لا سيما في اللحظة الراهنة التي يتقدَّم فيها اليمين في أوروبا برعاية روسيا، ويُحتَوى بقوة في فرنسا.

 

رُغم انتخابه في مواجهة لو بِن بوصفه مرشح المؤسسة الفرنسية، يبدو ماكرون حريصا على مداعبة المشاعر اليمينية المتزايدة لاحتوائها كما فعل آخرون في القارة الأوروبية، وانتقاداته اللاذعة لحلف الناتو تشي بأن حرصه على فترة رئاسية ثانية لن يتأتى بحشد "فرنسا المتعقلة" خلفه كما فعل أول مرة، لا سيما أن احتجاجات السترات الصفراء قد أبطلت مفعولها ذاك، بل سيكون عليه أن يقف إلى اليمين من ماكرون 2017، ليقطع الطريق على إمكانية تبلور برنامج يميني أكثر صلابة، بالأخص بعد توابع أزمة وباء كوفيد -غير المعروفة بالكامل حتى الآن- وما ستجلبه من تغيُّرات على الاقتصاد والمجتمع. تبدو مُعضلة الموقع الإستراتيجي لفرنسا مزدوجة إذن، فهي من جهة مشكلة ستبقى ما بقي المزاج الشعبوي اليميني مسيطرا على الناخبين في فرنسا، ومن جهة أخرى تعبِّر عن مُشكلة فرنسية تاريخية خاصة، متعلِّقة بالمؤسسة الفرنسية التي ترتكز بقوة للرؤية الديغولية ذات السمات اليمينية والشعبوية والقومية الواضحة.

 

يُشير الروائي الألماني هرمان هسِّه إلى أن "هنالك سحرا كامنا في كل بداية"، وتضيف المستشارة الألمانية بأنه "لا يدوم إلا إن أثمر شيئا" في مؤتمرها الصحافي مع ماكرون إبَّان انتخابه وخلال أول زيارة له إلى برلين عام 2017، وكأنها كانت تعلم سلفا ما سيؤول إليه -كعادته- السحر الملازم لكل رئيس فرنسي يخطو خطواته الأولى، أو أنها أرادت أن تُرسِل تحذيرا مُبطنا للشاب المنتخب لتوِّه بألا ينغمس كثيرا في اليوفوريا المصاحبة لانتخابه وبقدرته على تغيير ما لم يتغيَّر بوعود أسلافه. لم ينغمس الرجل فحسب، بل وجنح كثيرا نحو اليمين، كما ابتعد خطوات واسعة عن الإجماع الأوروبي لأسباب متعلِّقة بسياسات فرنسا المثيرة للجدل في الساحل الأفريقي. مجددا، تنقشع غيمة ماكرون 2017 ليبرز من خلالها مزيج من الخطاب الشعبوي والنزوع الديغولي نحو تأكيد أولوية الدولة الفرنسية. مجددا فرنسا تعقِّد التحالف الغربي وتقترب من موسكو.

_______________________________________-

المصادر

  1. Funk. A. L. (1988). "De Gaulle Between Washington, London and Moscow – 1943, or Marianne Adrift". Soviet-American Conference. [Available online.
  2. الموقع الرسمي لحلف الناتو.
  3. Katsoueva-Jean, T. (2019). "Is a Reset Between France and Russia Needed and, If So, Is It Possible?" French Institute of International Relations. [Available online:.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة