"خطة الضم" أبرز الألغام.. هل ينتهي "شهر العسل" بين غانتس ونتنياهو؟

في يوم عيد ميلاده الـ 61 الذي وافق يوم التاسع من (يونيو/حزيران) 2020، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي البديل "بيني غانتس" يجول في مستوطنة "بيت إيل" المقامة على الأراضي الفلسطينية الواقعة شمال شرق مدينة البيرة. منحت الأجواء الطبيعية الخلابة في المكان غانتس في قرارة نفسه شعورا بالرضا عن استجابته لدعوة رئيس مجلس المستوطنة "شاي ألون" في هذا اليوم الذي ربما كان يُفضِّل أن يحتفل فيه مع عائلته، كذلك تحدّث ألون أمام غانتس بما يَسُرُّه فقال وهو يصطحبه في الجولة الترفيهية: "هنا يُفترض أن يعقوب كان يحلم حيث وعد بأن تُمنح الأرض له ولنسله إلى الأبد".

 

في اليوم ذاته، وضمن جملة التهاني، تلقّى رئيس حزب "أبيض أزرق" تهنئة ربما تكون الأولى من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أراد خلق جو لطيف مع شريكه في الحكم، هنّأه بعيد ميلاده ثم ناقشه على عجل حول آلية دفع بعض المبادرات المشتركة بينهما.

 

خلف هذه الأجواء المُبشِّرة بسير اتفاق حكومة الطوارئ الوطنية الذي وُقِّع في 20 من إبريل/نيسان الماضي على ما يُرام، تقبع الكثير من الخلافات التي تجنّب الخصمان تداولها في اتصال التهنئة والتي تجعل أيام هذه الحكومة معدودة، فنتنياهو الذي يريد صقل إرثه السياسي الأطول أمدا في إسرائيل قبل محاكمته على تهم الفساد، يُصِرُّ على اعتماد ميزانية لعام واحد لتترك له فرصة إفشال الحكومة، وإجراء انتخابات في نهاية العام الحالي، وفي سبيل تفويت فرصة تسلُّم غانتس منصب رئيس الوزراء خلفا له، يدعم نتنياهو عملية ضم أراضي الضفة الغربية بشكل خاطف وأحادي الجانب، بينما يريد غانتس أن يكون الضم ضمن عملية سياسية واسعة النطاق يتلقّى الفلسطينيون في إطارها مقابلا، وليست كخطوة إسرائيلية أحادية.

بنيامين نتنياهو (يمين) وبيني غانتس (رويترز)

 

خلال جولتين انتخابيتين جرتا في إبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول 2019، قاتل نتنياهو حتى الرمق الأخير من أجل البقاء في منصبه كرئيس وزراء، لكنه لم ينجح في الحصول على أغلبية برلمانية تُمكِّنه من تشكيل حكومة حسب ما يفرضه النظام الانتخابي الإسرائيلي القائم على التحالفات، الأمر الذي أبقى إسرائيل في أزمة سياسية خانقة جرّتها إلى انتخابات ثالثة للمرة الأولى في تاريخها، حيث جرت تلك الانتخابات التي أرادها نتنياهو كفرصة جديدة قد تمنحه انتصارا أجوف يُفضي به إلى تشكيل حكومة في 2 مارس/آذار الماضي، وفيها خاض الحزبان الكبيران "أبيض أزرق" و"الليكود" منافسة كبيرة، لكن برغم فوز نتنياهو بحصوله على 36 مقعدا مقابل حصول منافسه غانتس على 33 ظلّ عائق تشكيل ائتلاف بأغلبية 61 حسب القانون قائما، إذ فشلت كتلة نتنياهو اليمينية والدينية في إيجاد مخرج سياسي يجعله على عرش الحكم في إسرائيل.

 

بعد مُضي نحو عشرين يوما على نتائج الانتخابات السابقة دون تشكيل حكومة، جاءت الفرصة السانحة لنتنياهو حين انتشر الفيروس التاجي "كوفيد-19" في إسرائيل، مع هذا الحدث علت نبرة صوت نتنياهو الوطنية وهو يحث منافسه غانتس على العمل معا من أجل إنقاذ البلاد، في هذه المرة، وهي ليست الأولى -فلطالما عرض نتنياهو على خصمه السياسي حل أزمة السياسة بالائتلاف في حكومة وحدة-، حدثت استجابة إيجابية لنتنياهو من قِبل غانتس، إذ أدرك الأخير أهمية ألا يبقى خارجا عن "المصلحة الوطنية" إذا استمر في رفض تشكيل حكومة بالائتلاف مع نتنياهو بعد نفاد صبر الشارع الإسرائيلي من أمد الأزمة السياسية بجانب أزمة الفيروس التاجي المستجدة.

 

لقد كان غريبا على مسامع نواب البرلمان الإسرائيلي في يوم مارس/آذار الماضي أن يقول غانتس -الذي طالما توعّد بإنهاء حكم نتنياهو الطويل ولم يكف لحظة عن وصمه بـ "الزعيم الفاسد"-: "هذا ليس وقت الاقتتال والتشويش، هذا هو الوقت المناسب لقيادة وطنية مسؤولة وملتزمة، دعونا نتكاتف ونُخرج إسرائيل من هذه الأزمة"، وبالفعل ركب غانتس القارب نفسه مع نتنياهو حين وقّع في 20 من إبريل/نيسان الماضي على اتفاق تشكيل حكومة طوارئ وطنية تضم 36 حقيبة وزارية لمدة ثلاث سنوات، ينص اتفاقها على أن تكون رئاسة الوزراء في إسرائيل بالتناوب بين الخصمين اللذين حصلا على أعلى نِسَب تصويت في الانتخابات العامة الأخيرة.

قامت الخطوط الأساسية للحكومة الجديدة على أن مكافحة فيروس كورونا المستجد وإعادة بناء الاقتصاد الذي تضرّر بسبب الجائحة سيكونان على سلم أولوياتها، إلا أنه سرعان ما بدت قضايا أهم تصطدم بهذا التحالف السياسي الذي وصفه المحللون بالهش، وأهمها عملية ضم أجزاء من الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967 للسيادة الإسرائيلية، حيث يُعَدُّ الضم أولى الخطوات العملية لما بات يُعرف بـ "صفقة القرن" الأميركية التي أقرّت حق إسرائيل في فرض سيادتها على 30% من أراضي الضفة الغربية، بما في ذلك جميع المستوطنات وغور الأردن.

 

في التفاصيل أنه قبل الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وقبل التوصُّل إلى اتفاق حكومة الوحدة، بقي موقف غانتس من خطة الضم التي تبنّاها نتنياهو آنذاك غامضا، حيث فضَّل ألا يُبدي أي موقف من الخطة التي وُضِعت بالشراكة بين فريق إسرائيلي أميركي، لكن وُضِعت الكرة في ملعب زعيم حزب "أبيض أزرق" حين أصرّت واشنطن أن تنال الخطة دعم غانتس بُغية إظهار القيادة الإسرائيلية ملتفة حول هذه القضية.

 

فيما يتعلق بنتنياهو، إذا نظرنا إلى الوراء، فسنجد أن رئيس الوزراء الحالي الذي لم يتوانَ عن شيطنة العرب وخصومه الإسرائيليين وعن العمل الفعلي من أجل السيطرة على القدس وتوسيع رقعة الاستيطان فضَّل لأكثر من 12 عاما عدم ضم المستوطنات وأجزاء من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية لسبب أنه يعرف تكلفة هذه الخطوة على صعيد المجتمع الدولي من جهة، ومن جهة أخرى هي خطوة كانت ستغلق عليه باب التطبيع مع الدول العربية وتقوض السلطة الفلسطينية الملتزمة بفضل "اتفاقيات السلام" بحماية الأمن الإسرائيلي.

الآن يدفع نتنياهو بكل قوته من أجل تنفيذ عملية الضم، في المقام الأول لتجنُّب المواجهة القضائية التي يدور في فلكها منذ وجّه له القضاء الإسرائيلي في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 تهما بالفساد في ثلاث قضايا؛ أولها قبوله رشاوى من السيجار والشمبانيا على مدار عقد من الزمن بقيمة مليون شيكل (288.000 دولار)، وكذلك التواطؤ مع الإعلام، وآخرها تبادل مصالح بين رجال أعمال وموظفين في الحكومة، حيث عجز نتنياهو طيلة معركته مع الشرطة والقضاء الإسرائيلي على الحصول على تشريع في الكنيست يعطيه الحصانة من المقاضاة، وكذلك دون التفاف للتكلفة التي كان يخاف منها في السابق، والمتعلقة بالخطر الذي يحدق باتفاقيات السلام مع الأردن أو إطلاق انتفاضة ثالثة أو إعطاء وصمة حقيقة أمام العالم بكون إسرائيل دولة فصل عنصري.

 

فيما يظهر رئيس حزب "أبيض أزرق" الآن وهو يؤكد أن الضم يجب أن يكون ضمن خطة "أكثر مسؤولية" مما يريده نتنياهو وتُحدِّده "صفقة القرن" الأميركية، ولم يكتفِ غانتس بربط موافقته بقبول الفلسطينيين المُضي قُدما بعملية سلام مع الإسرائيليين، بل يريد أن يتم الضم في إطار اتفاق إقليمي.

 

بحكم التحالف السياسي بينهما، ذهب غانتس للاجتماع مع نتنياهو في منتصف يونيو/حزيران الحالي لمناقشة خطة ضم أراضي الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، أو بالأحرى لمحاولة إقناع زعيم "أبيض أزرق" بإستراتيجية تنفيذ الضم حسب ما حدّده زعيم حزب الليكود في الأول من يوليو/تموز القادم.

كانت الدقائق الأولى لهذا الاجتماع تُظهِر أن هناك صعوبة في إحداث توافق بين خصمين تجمعهما حكومة واحدة على تلك الخطة، وبالفعل سرعان ما تحوَّل النقاش إلى شجار سياسي دفع غانتس إلى مغادرة الاجتماع قبل أن يرى خرائط الضم التي جهّزها نتنياهو للعرض عليه، لم تكن تلك الحادثة لتصل إلى وسائل الإعلام دون تسريب مخطط له من قِبل الليكود الإسرائيلي، الذي لم يكف عن تسليط الضوء على معارضة غانتس لعملية الضم كواحدة من أهم القضايا التي يمكن اللعب عليها وإثارتها في حال وصلت الأمور إلى تفكيك الائتلاف الحكومي والذهاب إلى انتخابات رابعة، إذ حينها سيملك الليكود ورقة رابحة تُحمِّل زعيم "أبيض أزرق" مسؤولية عدم المُضي قُدما في عملية الضم التي تؤكد السيادة الإسرائيلية على جملة من الأراضي الفلسطينية.

 

لكن في الوقت الذي يدعم فيه نتنياهو الضم بشكل خاطف وأحادي الجانب، بينما يتحفظ غانتس على ذلك ويريد أن يكون الضم ضمن عملية سياسية واسعة النطاق، يصطدم الائتلاف الحكومي القائم الآن بقضية خلاف أخرى عميقة وقائمة منذ شُكِّلت تلك الحكومة، تتعلّق تلك العلامة بميزانية الدولة لعامَيْ 2020-2021 والتي بدأت حكومة الائتلاف في صياغتها للعام الحالي على أن ترفق بها ميزانية العام المقبل 2021، هذه الميزانية بالتأكيد ستحمل للإسرائيليين تقليصات في كل نواحي الصرف، أولا بسبب العجز المالي في الموازنة العامة الذي تفاقم منه عام 2019، وما فرضته ثلاث جولات انتخابية على الإسرائيليين من ثمن اقتصادي باهظ، ثم لما أتت به أزمة "كوفيد-19" التي حمّلت الإسرائيليين مزيدا من العجز الاقتصادي.

 

منذ شُكِّلت حكومة الوحدة في إبريل/نيسان الماضي، يطالب نتنياهو باعتماد ميزانية لعام واحد، لغاية انتزاع فرصة جديدة لإفشال الائتلاف الحكومي مع غانتس ومن ثم إجراء انتخابات رابعة في نهاية 2020 دون الاضطرار إلى الاستسلام لقيادة الحكومة الانتقالية، بينما غانتس في أسوأ كوابيسه يدرك أن ميزانية لعام واحد تعني تفويت الفرصة عليه في تحقيق حلمه بتسلُّم منصب رئيس الوزراء خلفا لنتنياهو، كما هو منصوص عليه في اتفاق التناوب على رئاسة الحكومة.

وحسب تقرير موقع "جلوبس" الإسرائيلي، وهو معنيّ بالقضايا الاقتصادية، فإن نزاعات الميزانية تعتبر الأشد ضررا في أي حكومة، وقد طلب نتنياهو لسنوات ميزانيات لمدة عامين من أجل إنقاذ نفسه من الصداع السياسي، ويُضيف الموقع: "إن تقسيم الميزانية إلى جزأين منفصلين -حسب اتفاق الائتلاف- لعام 2020 (أربعة أشهر فقط) ولعام 2021 يعني الدخول في نزاعات سياسية لا تنتهي بين الآن و31 مارس/آذار 2021″، ويوضح الموقع: "لا توجد طريقة لرؤية مثل هذه المطالب على أنها شيء سوى تعبير عن الرغبة في البحث عن الصراعات التي ستنشأ عنها ذرائع لا حصر لها لتفكيك الحكومة، في هذه الحالة، سيصبح غانتس رئيسا للوزراء لمدة ثلاثة أشهر فقط، وسيشنّ نتنياهو حملة ضده بكامل قوته كرئيس بديل للوزراء".

 

يجمّد اتفاق الائتلاف الحكومي بين كلٍّ من غانتس ونتنياهو صدور تشريعات باستثناء تلك الخاصة بمواجهة أزمة "كوفيد-19″، فأي تشريع آخر خلال فترة الطوارئ الممتدة لستة أشهر يجب أن ينال موافقة من الطرفين. بيد أن عملية الضم التي تُجهَّز الآن خرائطها لتحديد أيٍّ من أراضي الضفة الغربية التي يمكن لإسرائيل ضمها من السهل أن يمضي بها نتنياهو قُدما دون موافقة غانتس، ذلك لأن اتفاق التحالف ترك له فرصة البدء بالمناقشات التنفيذية في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) من أجل التصويت على الضم في الأول من يوليو/تموز المقبل، إذ إن غانتس لن يكون قادرا على إبطاء تمرير مشاريع قوانين الضم في اللجان البرلمانية، لكون الحكومة الإسرائيلية منذ نهاية مايو/أيار 2020 لم تتمكّن حتى الآن من صياغة إجراءات عمل الحكومة الخامسة والثلاثين (الحكومة الحالية) لتعكس "مبدأ المساواة بين الشركاء في الائتلاف" كما وعدت، وهو ما يعني أن إجراءات الحكومة الرابعة والثلاثين التي يعود تاريخها إلى 2015 هي السارية الآن وبموجبها يمكن تمرير قرار الضم وغيره بأغلبية الأصوات.

 

الأهم أن نتنياهو خلف الأبواب المغلقة بدأ يلمس قُرب نتائج ما خطط له وتجهّز لجني ثمار الاحتمالات السياسية التي درس جدواها، فهو في تجاوزه لرفض غانتس لخطة الضم من السهل أن يطرح مبادرة للحصول على موافقة الحكومة -لم تشترط موافقة الكنيست لتطبيق الخطة- بضمان حصول الكتلة اليمينية على الأصوات المطلوبة، أو يُنفِّذ ما يُحبِّذه أكثر وهو اللجوء إلى انتخابات جديدة، حيث يمنحه "قانون رئيس الوزراء البديل" الجديد الحق في حل الكنيست خلال الأشهر الستة الأولى من فترة الحكومة دون الحاجة إلى نقل رئاسة الحكومة الانتقالية إلى غانتس.

يقول الصحافي الفلسطيني المقيم في مدينة أم الفحم محمد محسن وتد: "نتنياهو يُصعِّد في قضية الضم من أجل تصدير أزماته الداخلية وملفات الفساد وتحريف الأنظار في المجتمع الإسرائيلي عن محاكمته، بدليل أنه كان لديه كل الفرص لبدء خطة الضم أو حتى فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات في حكوماته السابقة لكنه لم يقم بذلك"، ويتابع وتد لـ "ميدان": "نتنياهو يُوظِّف الضم لتحقيق ابتزاز سياسي ومحاولة منه لترويع الشركاء في الائتلاف الحكومي، وهو الآن يُلوِّح بتفكيك حكومة الطوارئ والذهاب لانتخابات رابعة بهدف تحقيق أهداف ومصالح شخصية تضمن له البقاء على كرسي رئاسة الحكومة وتُبعده أكثر عن قفص الاتهام".

 

في نهاية المطاف، سواء فُكِّكت الحكومة الحالية بسبب الخلافات الجوهرية بين غانتس ونتنياهو أم لا، فستكون الملفات الداخلية الإسرائيلية هي المحرك لأي حراك انتخابي، إذ إنه بالنظر إلى الوراء لم تتوجّه إسرائيل لأي انتخابات برلمانية بسبب خلافات حول جهود الحل وإنهاء الصراع مع الفلسطينيين، ودائما ما كانت القضايا الداخلية هي المسبب لذلك، مما يعني أن الخلافات وراء خطة الضم تبقى شماعة لنتنياهو لإدارة الأزمة حتى الوصول لمبتغاه.


حول هذه القصة

يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يتشبث برقصته الأخيرة على المسرح السياسي هذه المرة في مواجهة خصوم أقوياء يبدو أنهم متمسكون بدفعه إلى الهامش أو إلى السجن.. فهل انتهى زمن نتنياهو؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة