توماس كابلان.. إمبراطور السبائك الذي يرعى مصالح الإمارات في الشرق الأوسط

على بُعد عدة بنايات فقط من مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وتحديدا في فندق روزفلت الشهير في ضاحية مانهاتن، وبعد ساعات قليلة من كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية في سبتمبر/أيلول 2017 التي وجّه فيها انتقادات لاذعة لإيران وللاتفاق النووي، اجتمعت مجموعة من أبرز الصقور المناهضين لإيران في بهو الفندق الفخم لعقد مؤتمرهم السنوي الأول، وفي حين كانت وجوه جميع الحاضرين معروفة ومألوفة لمَن هم على دراية بمثل هذه التجمعات، تركّزت الأضواء هذه المرة على وجه غير مألوف لرجل خمسيني مفعم بالثقة، يرتدي حلة زرقاء أنيقة من ثلاث قطع، بينما يشق طريقه بثبات إلى المسرح لإلقاء كلمته، في الوقت الذي يقوم فيه مدير الجلسة، السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة مارك والاس، بتقديمه للحضور باقتضاب: رجل الأعمال، عاشق الفن، والمحب للخير؛ توماس كابلان.

 

كان ذلك هو الظهور العلني الأول لكابلان في حدث رسمي تُنظِّمه مجموعة "متحدون ضد إيران النووية"، إحدى أكثر الجماعات المناهضة لإيران نشاطا في الولايات المتحدة وخارجها، ورغم ذلك، فإن الخطاب الذي ألقاه كابلان في ذلك اليوم حمل جميع السمات التقليدية لخطابات الصقور المتمرسين في معاداة طهران، حيث بدأ رجل الأعمال كلمته بتقديم موجز وقائع حول السياسة الخارجية "العدوانية" للنظام الإيراني، قبل أن يُقدِّم تفسيرا مؤامراتيا رائجا لهذه السياسة من خلال عدسة "التقية"، مُتَّهِما طهران بتشجيع المسلمين الشيعة على ممارسة الكذب الممنهج لأغراض دينية، وأخيرا، فإن كابلان قرّر أن يُصعِّد من لغته العدوانية ضد طهران مُشبِّها إياها بثعبان يلتهم فرائسه، ولم تكن الفرائس المقصودة ببساطة سوى بلدان الشرق الأوسط مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن.

 

بالنسبة إلى رجل أعمال ثري حرص على ربط صورته بالأنشطة الخيرية وجهود حماية البيئة واقتناء اللوحات الفنية النادرة، كان الظهور في قلب منتدى سياسي مناهض لإيران خطوة غير عادية وضعته في قلب إحدى أكثر قضايا السياسة الأميركية إثارة للجدل، لكن الأثر الأكثر مباشرة للظهور الجديد لكابلان لم يكن متعلّقا بشخصه، ولم يحدث في نيويورك أو في الولايات المتحدة كلها على الأرجح، ولكنه وقع على بُعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر هناك في طهران نفسها، حيث تسبّب خطاب كابلان في محنة إنسانية لمجموعة من الأشخاص الذين لم يكن لهم أبدا أي علاقة بلعبة الجغرافيا السياسية عالية المخاطر.

توماس كابلان (وكالة الأنباء الأوروبية)

كان مجموعة من علماء البيئة الإيرانيين الذي يعملون في مشروع للحفاظ على الفهد الآسيوي النادر من الانقراض ضمن صفوف مؤسسة التراث البري الفارسي قد بدؤوا يشعرون بالحذر والترقب مع ظهور كابلان المثير في نيويورك، وكان هذا القلق راجعا بشكل أساسي إلى أن مؤسستهم حصلت على مساعدة من جمعية تُدعى "بانثيرا"، وهي إحدى الجمعيات غير السياسية التابعة لكابلان الذي وقف للتو متحدثا بشكل علني أمام مجموعة معادية للغاية للنظام في بلدهم، ونتيجة لذلك، وفي محاولة يائسة للنأي بأنفسهم عن سياساته المثيرة للجدل، أرسل المسؤولون في مؤسسة التراث الفارسي رسالة عاجلة إلى "بانثيرا" أعربوا خلالها عن قلقهم الواضح بشأن التصريحات التي أدلى بها كابلان ضد إيران، مؤكدين أن ادعاءاته ضد بلادهم لا أساس لها على الإطلاق، وأن تصريحاته كانت مُهينة لإيران وشعبها، ومؤكّدين أسفهم بسبب "التأثير السلبي للسياسات الشخصية على جهود حماية البيئة"، بحسب وصفهم.

 

لكن "بانثيرا" لم ترد على هذه الرسالة أبدا، وخلال الأسابيع القليلة القادمة بات من الواضح أن حماة البيئة الإيرانيين هم مَن سيدفعون الثمن الأكبر لسياسات مموّلهم، ففي يناير/كانون الثاني 2018 قامت السلطات الإيرانية باعتقال مراد طهباز، مُؤسِّس مؤسَّسة التراث الفارسي، إلى جانب ثمانية آخرين من العاملين في المؤسسة، وأدرجتهم في محاكمة عاجلة اتهمتهم فيها بالحصول على الأموال من دولة معادية، والسعي إلى مراقبة المواقع العسكرية السرية في البلاد ومنصات إطلاق الصواريخ باستخدام معدات المراقبة التي ثبّتوها تحت دعوى رصد ومراقبة الفهود البرية.

وكما هو متوقَّع، أُدين المتّهمون جميعا، وحصلوا على أحكام بالسجن لمُدد تتراوح بين 6 إلى 8 سنوات، لكن النتائج الكارثية للقضية لم تقف عند هذا الحد، فبعد أقل من شهرين على اعتقالهم، وقبل صدور الأحكام القضائية، أُعلِن عن وفاة أحد نشطاء البيئة المسجونين، وهو حامل الجنسية الكندية كافوس سيد إمامي، في مقر احتجازه في سجن إيفين سيئ السمعة شمال غرب طهران، وفي حين ادّعت الحكومة أن الوفاة حدثت بسبب الانتحار، فإن أسرة إمامي شكّكت في هذه الرواية، مستشهدة بوقائع التعذيب الجسدي التي رواها المعتقلون أثناء جلسات محاكمتهم، وشملت التهديد بحقنهم بعقاقير مهلوسة لإجبارهم على توقيع الاعترافات التي تريدها السلطات.

 

ورغم ذلك كله، وباستثناء الاتهامات الرسمية التي كُشِف عنها خلال المحاكمات، لم تفصح طهران أبدا عن أسباب الذعر الذي صَبَغ طريقة تعامل السلطات في البلاد مع قضية نشطاء البيئة، وفي حين أن الأمر فُسِّر غالبا وفق الأسباب المباشرة المتعلّقة بتوجُّهات توماس كابلان نفسه، ودوره النشط في تمويل المؤسسات المعادية لإيران في الولايات المتحدة، كان ما يشغل الإيرانيين وراء الكواليس أكبر من ذلك بكثير، حيث كان الحرس الثوري الإيراني يشعر بقدر كبير من الريبة تجاه أنشطة الملياردير الأميركي في الشرق الأوسط، وعلاقاته المتنامية مع أقطاب السلطة في المنطقة، وتحديدا تلك العلاقة الوثيقة التي تربطه بولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، وهي علاقة تسبّبت في تنامي مخاوف إيران من أن تكون أنشطة حماية البيئة المزعومة التي يرعاها كابلان مجرد واجهة لإخفاء أهدافه الحقيقية، ودوره الفعلي كأحد أهم وسطاء السلطة الذين يرعون مصالح الإمارات، ليس في واشنطن فحسب، ولكن في الشرق الأوسط أيضا.

"لقد وصلت إلى نقطة أشعر فيها بأن الأصل الوحيد الذي يمكنني الوثوق به هو الذهب".

(توماس كابلان)

خلال العقد الأخير من القرن العشرين، كان هناك عدد قليل جدا من رجال الأعمال ومديري الصناديق المالية ممّن يدركون أهمية الاحتفاظ بجزء من ثرواتهم في الذهب والمعادن الطبيعية كإجراء للتحوُّط ضد التقلبات في الأسواق المالية، لكن المستثمر الثلاثيني الصاعد -آنذاك- توماس كابلان كان يرى ما هو أكثر من ذلك، وبحكم تأثُّره بأطروحات مواطن عائلته، الاقتصادي السويسري مارك فابر، الذي اعتبر أن المعادن الثمينة هي أكبر تأمين ضد "الحماقات المالية للحكومات"، وبالنظر إلى أطروحة الدكتوراه الخاصة به في جامعة أوكسفورد، والتي درس خلالها تورط بريطانيا في جزر مالايا الماليزية بعد الحرب العالمية الثانية بهدف تأمين الموارد الطبيعية مثل المطاط والقصدير الثمين، فإن كابلان أدرك المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الحكومات لتأمين الموارد الطبيعية، وخصوصا في أوقات الأزمات.

 

ونتيجة لذلك، بنى ابن مدينة نيويورك السويسري الأصل طموحاته الاقتصادية الناشئة حول الموارد الطبيعية، بادئا رحلته من إسرائيل، موطن زوجته دافنا ريكاناتي، سليلة عائلة ريكاناتي المالية البارزة، وابنة الممول الإسرائيلي الشهير، ليون ريكاناتي، مدير صندوق الاستثمار "جلين روك إسرائيل"، حيث قدّم في البداية المشورة لصناديق التحوط في البلاد، قبل أن ينجح في كسب ثقة المستثمر الشهير آفي تيومكين، ليخطو بذلك خطوته الأولى إلى قلب عالم الأعمال الكبير.

 

بحلول عام 1993، أسّس كابلان شركته الأولى، "أبيكس سيلفر ماينز" (Apex Silver Mines)، للاستفادة من الطلب المتوقَّع على المعادن، وبخاصة الفضة، وعلى عكس سائر المستثمرين الذين يميلون بشكل تقليدي لوضع أموالهم في الدول المستقرة سياسيا، كان توماس كابلان يرى أن الرهان على المعادن يتطلّب الاستثمار في الفوضى، وفيما يبدو، كانت تلك هي الرسالة التي تُروِّجها مجموعة أبيكس بوضوح ودون مواربة، وفق ما أكّده التقرير السنوي الصادر عن المجموعة عام 2002، والذي أشار إلى الاضطرابات في منطقة الخليج والشرق الأوسط والتوترات بين الهند وباكستان واحتمال حدوث مواجهات نووية مع إيران أو كوريا الشمالية، وحتى التطرف والإرهاب، بوصفها عوامل يجب أن تدفع المستثمرين للاستثمار في المعادن والأصول مثل الفضة التي تُنتجها شركات كابلان.

توماس كابلان (يسار) وكيث هولي (يمين)، رئيس ونائب رئيس "أبيكس سيلفر ماين" يتحدثان مع ممثلهما في بوليفيا عام 1998، حول إعادة فتح منجم الفضة في سان كريستوبال. المنجم هو واحد من أكبر المناجم في العالم (رويترز)

في ضوء ذلك، لم يكن من المستغرب أن معظم استثمارات كابلان الأولى كانت في بلدان غير مستقرة سياسيا أو اقتصاديا، وغالبا ما كانت تُوصف بأنها طاردة لرؤوس الأموال، بداية من بوليفيا حيث قام كابلان بالاستثمار في منجم سان كريستوبال الذي يُعتبر اليوم أحد أكبر مناجم الفضة والزنك في العالم، مرورا ببيرو والمسكيك وصولا إلى قيرغيزستان، قبل أن يتّجه لاحقا إلى أفريقيا وتحديدا إلى معاقل البلاتينيوم في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، حيث أصبح أكبر مستثمر في مجموعة ساوث أفريكان ريسورسز، المعروفة اليوم باسم أفريكان بلاتينوم (African Platinum Plc)، المسؤولة عن أكبر مشروعات استكشاف واستخراج البلاتينيوم في جنوب أفريقيا.

 

في وقت لاحق، وسّع كابلان استثماراته إلى مجال استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات في الولايات المتحدة مؤسسا شركة ليور للإنتاج والاستكشاف (Leor Exploration & Production LLC) التي أصبحت خلال فترة قصيرة الشركة الأسرع نموا في مجال الاستكشاف والإنتاج الهيدروكربوني في الولايات المتحدة، لكن كابلان قرّر بشكل مفاجئ منتصف العقد الماضي التخلص من بعض استثماراته في مجال المعادن، فقام في عام 2004 بالتخلُّص من حصته في شركة أبيكس (أعلنت الشركة إفلاسها في عام 2008)، ولاحقا في عام 2007، قام كابلان ببيع حصته في أفريكان بلاتينوم لصالح شركة إمبالا بلاتينوم المحدودة في صفقة بلغت قيمتها 580 مليون دولار، وفي العام نفسه، بِيعت كامل أصول شركة ليور في صفقة ضخمة مقابل 2.55 مليار دولار.

عبر بيع الحصص المملوكة له في أفريكان بلاتينوم، وليور، كان كابلان يهدف فيما يبدو إلى إعادة هيكلة استثماراته وتوجيهها بشكل رئيسي نحو الذهب تزامنا مع تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، وذلك من خلال شركته الأهم مجموعة إلكتروم (Electrum Ltd)، التي امتلكت محفظة دولية منوّعة من أصول استكشاف وإنتاج الذهب، أهمها استثماراتها الكبيرة في شركتَيْ "نوفا غولد ريسورسز" و"جابرييل ريسورسز ليمتد"، اللتين امتلكتا العديد من أكبر موارد الذهب المثبتة في العالم، وفيما يبدو، كان كابلان يُراهن على أن الحكومات حول العالم لن تكون قادرة في النهاية على معالجة آثار المشكلات التي تواجه النظام المالي العالمي، مما يترك الذهب وحده ملاذا أخيرا للجميع.

 

لم يكن كابلان على عجلة من أمره للحصول على عوائد استثماراته من الذهب، مؤكّدا أنه إذا كان محقا بشأن الصورة الكبيرة سوف يُكافأ على صبره، ولكن رجل الأعمال الأنيق لم ينتظر طويلا على ما يبدو، فبحلول عام 2010، كان من الواضح أن رهانات كابلان قد آتت أُكلها، فمع انهيار قيمة الأصول بسبب الأزمة المالية العالمية، سجّلت أسعار الذهب أرقاما قياسية جديدة تجاوزت 1250 دولارا للأوقية، دافعة الدول والبنوك المركزية والمستثمرين وحتى الناس العاديين للتسابق من أجل زيادة حصيلتهم من السبائك الذهبية وحتى العملات المعدنية والمجوهرات، وفي ظل هذه الأجواء المتشائمة، كان توماس كابلان أحد القلائل الذين نجحوا في الاستفادة من أجواء الفوضى والتشاؤم التي اجتاحت العالم.

 

"الإماراتيون شركائي على أصعدة مختلفة بشكل لا يضاهيه أحد سوى زوجتي".

(توماس كابلان)

بعيدا عن الذهب، لا يفوت توماس كابلان فرصة للإعلان عن ولعه برامبرانت فان راين، الفنان الهولندي الشهير في القرن السابع عشر، وهو ولع يبدو أنه كلّفه ثروة طائلة طوال حياته، منذ أن قرّر القيام بأول غزواته في عالم الفن في عام 2003، مستثمرا مبلغ 150 ألف جنيه إسترليني من أجل شراء لوحة "ديرك فان بيرنشتاين" للرسام الهولندي جيريت دو، الذي يُعرف اليوم بوصفه أول وأهم تلاميذ رامبرانت.

توماس كابلان خلال افتتاح معرض يضم 11 عملًا فنيًا بواسطة رامبرانت فان راين (وكالة الأنباء الأوروبية)

لم تكن لوحة لرامبرانت نفسه، ولكنها كانت بداية مناسبة لإشباع شغف كابلان الفني، والخطوة الأولى في طريقه لتحقيق حلمه لتكوين مكتبة خاصة من اللوحات الفنية النادرة، لذا، لم يكن مفاجئا بحال أن رجل الأعمال البارز وزوجته قاما بإنفاق بضعة ملايين من الدولارات خلال الأعوام التالية على جمع أكثر من 250 لوحة من أهم مقتنيات العصر الذهبي الهولندي، بما فيها 40% من تراث رامبرانت المملوك للقطاع الخاص، وبعض لوحات يوهانس فيرمير، جعلت كابلان المالك الخاص الوحيد لتراث فيرمير الشهير.

 

ومن أجل عرض مجموعته الفنية، قام كابلان وزوجته في عام 2017 بتأسيس مجموعة لايدن الفنية، بهدف ترويج مقتنياتهما من اللوحات في أكبر المتاحف الفنية حول العالم، وهو ما تحقّق لهما بالفعل خلال فترة قصيرة، بعدما زيّنت مجموعات كابلان الفنية جدران أشهر متاحف العالم، مثل متحف اللوفر الشهير في باريس، ومتحف الأرميتاج الحكومي في سان بطرسبرغ، ومتحف بكين الوطني في الصين، فيما كانت الوجهة الأخيرة -والمفضلة على ما يبدو- لمجموعة كابلان هي متحف اللوفر في أبو ظبي، حيث التقط الكثير من الصور الحميمية مع قادة البلاد، وفي مقدمتهم ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، الذي لم يبذل كابلان أي جهد لإخفاء ولعه الشخصي به وفخره بالعلاقة الخاصة التي تجمعهما.

 

يزعم كابلان أن حبه للإمارات يُعَدُّ امتدادا لعشقه الكبير للفنون الجميلة، وهو يرى أن علاقته مع محمد بن زايد تقوم بشكل أساسي على ذلك الشغف المشترك بالفنون، والاهتمام المتبادل بالحفاظ على التراث والحياة البرية، ويُدلِّل على ذلك بتلقّي منظّمته المتخصصة في حماية القطط البرية، "بانثيرا"، تبرُّعا بقيمة 20 مليون دولار لمدة 10 أعوام من "محمد بن زايد" شخصيا، ورجل الأعمال الماليزي "جو لو"، الذي سيشتهر اسمه لاحقا بسبب تورُّطه في فضيحة الاختلاس الشهيرة من صندوق الثروة السيادي الماليزي، قبل أن يقوم ابن زايد بنفسه بتعيين كابلان رئيسا للتحالف الدولي لحماية التراث في مناطق الصراع، وهو مؤسسة تأسّست في جنيف عام 2017 بمبادرة مشتركة بين ولي عهد أبوظبي والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، بهدف حماية التراث الثقافي في سوريا والعراق من آثار الحروب.

لم تقف علاقات كابلان الحميمية في الخليج عند حدود أبو ظبي، فعلى ما يبدو، فإن المستثمر المرموق وصديقه ولي عهد أبو ظبي قد وجدا رفيقا ثالثا لهما في رحلة الغرام المزعوم بالفنون والقطط البرية، وهو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي صار كابلان خلال العامين الأخيرين أحد المستثمرين المفضّلين في دائرته القريبة، ففي الوقت الذي كان فيه أصحاب الأموال يفرّون من صحبة ابن سلمان في أعقاب اتهامه بالتورُّط في مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، لم يجد كابلان غضاضة في زيارة الرياض لمتابعة أحد سباقات السيارات في العاصمة السعودية بصحبة ولي العهد السعودي، وهي لفتة جرت مكافأة كابلان عليها بعقد سخي بقيمة 20 مليون دولار وقّعته "بانثيرا" مع مبادرة عربية لحماية الفهود تابعة لوزارة الثقافة السعودية.

 

ورغم ذلك، يُعتقد أن علاقة كابلان المهنية مع دول الخليج بدأت قبل ذلك بكثير، ربما منذ أكثر من عقد من الزمان حين قُدِّم كابلان كمستثمر إلى دولة الإمارات للمرة الأولى، أما على مستوى الروابط الشخصية، يمكننا أن نزعم بسهولة -ولن نكون مخطئين في ذلك- أن الروابط التي جمعت الملياردير الأميركي مع دوائر المال والسلطة في المنطقة قد بدأت في وقت أبكر بكثير من حياته، وتحديدا منذ كان طالبا في المدرسة الداخلية السويسرية المرموقة، لو روزي، المشتهرة بلقب "مدرسة الملوك" بسبب التحاق عدد كبير من الأمراء والملوك بصفوفها منذ تأسيسها في نهاية القرن التاسع عشر، أمثال ملك بلجيكا "ألبرت الثاني"، وحتى "فاروق الأول"، آخر ملوك مصر.

 

نسج كابلان شبكاته المالية، ودوائر التأثير الخاصة به، وحتى حياته الأسرية، اعتمادا على علاقاته المبكرة في لو روزي، بدءا من زوجته دافنا ريكاناتي، التي درست في المدرسة نفسها لتصبح في وقت لاحق أكبر شريك لزوجها، خاصة في مشاريعه غير الربحية، انطلاقا من "بانثيرا"، منظمة حماية القطط والفهود النادرة التي أسّسها الزوجان في عام 2006، ومرورا بجمعية "أوريان سوسيتي"، المسماة تيمُّنا باسم ابنتهما، والتي تُعنى بشكل خاص بالحفاظ على الثعبان النيلي الشرقي في غابات الصنوبر الأميركية، وليس انتهاء بمجموعة لايدن الشهيرة التي صنعت سمعة الزوجين الثريين في عالم الفن.

داخل مدرسة لو روزي نفسها، صنع كابلان روابطه الخليجية الأولى من خلال زميله محمد خاشقجي، الابن البكر للملياردير السعودي الراحل عدنان خاشقجي، الذي كان لعقود الوسيط الرئيسي بين صناعة الدفاع الأميركية والعالم العربي، وشقيقته نبيلة خاشقجي، سيدة الأعمال والممثلة السابقة، وكانت الثمرة الأولى لشراكة كابلان مع خاشقجي هي صندوق الاستثمار بريدج كابيتال الذي أسسه الرجلان في أواخر الثمانينيات، قبل أن يُقرِّر خاشقجي، لاحقا في التسعينيات، الاستثمار في شركة كابلان الأولى في مجال التعدين "أبيكس سيلفر ماينز"، وفيما يبدو، فإن الشراكة بين الزميلين السابقين لا تزال مستمرة، حيث يشغل رجل الأعمال السعودي، ومالك شركة "MK associates"، عضوية المجلس الاستشاري لمؤسسة كابلان الخيرية، "بانثيرا"، إلى اليوم.

 

داخل ذلك المجلس الاستشاري لمؤسسة "بانثيرا" نفسه، يمكن بسهولة تمييز أسماء خليجية مألوفة للغاية، على رأسها سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة، وزوجته عبير العتيبة، والأميرة ريما بنت بندر آل سعود، سفيرة المملكة العربية السعودية في واشنطن، بجانب أسماء أخرى ذائعة الصيت مثل القائد الأسبق للقيادة المركزية في الجيش الأميركي، ديفيد باتريوس، والدبلوماسي البريطاني الشهير جوناثان باول، ورجل الاستخبارات الإسرائيلي السابق إسحاق دار، وغيرهم، أما إذا انتقلنا خطوة واحدة إلى الأعلى وصولا إلى مجلس إدارة "بانثيرا" نفسه، فسوف نجد أسماء لا تقل أهمية مثل وزير الثقافة السعودي، بدر بن عبد الله آل سعود، ورزان المبارك، المدير التنفيذي لوكالة أبو ظبي للبيئة، وشقيقه خلدون المبارك، عضو المجلس التنفيذي لإمارة أبو ظبي، ورئيس صندوق مبادلة للتنمية الذراع المالي الأبرز للإمارة، وأحد أعضاء الدائرة الداخلية لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد.

 

يُعَدُّ خلدون المبارك على وجه التحديد إحدى الشخصيات الرئيسية في دوائر كابلان في أبو ظبي، إلى درجة أن الملياردير الأميركي بات يمتلك كلمة مسموعة في تسمية المرشحين لتولّي المناصب البارزة في الصندوق السيادي الإماراتي، وهو ما ظهر بوضوح مع قيام المبارك في عام 2018 بتوظيف إريك فنسنت، الرئيس التنفيذي السابق لمجموعة إلكتروم بين عامَيْ 2012-2017، لتولّي مهمة تطوير مبادلة كابيتال، إحدى الشركات الفرعية التابعة للصندوق، في وقت لا يزال فيه فنسنت يشغل عضوية مجلس إدارة شركة "صن شاين سيلفر ماينينج" (Sunshine silver mining)، وهي شركة تعدين مملوكة جزئيا لمجموعة إلكتروم (بنسبة 72%)، وتعمل بشكل رئيسي في الولايات المتحدة والمكسيك.

 

"لا تملك متحدون ضد إيران النووية صواريخ توماهوك أو حاملات طائرات، ومع ذلك فإن ما فعلناه لإخضاع إيران أكبر مما قدّمته أي مبادرة أخرى في القطاع الخاص ومن معظم المبادرات العامة أيضا".

(توماس كابلان)

ربما يكون من الصعب تتبُّع مدى تأثير علاقات كابلان مع حكام الخليج، والإمارات على وجه التحديد، على حياته المهنية كرجل أعمال ومستثمر مرموق، ربما باستثناء استثمارات صندوق مبادلة في مجموعة إلكتروم التي يمتلكها كابلان، لكن من المؤكد أن هذه العلاقة كانت لها آثار بالغة على توجّهاته وانحيازاته السياسية، فقبل قرابة عقد من الزمان، لم يكن قطب الذهب معروفا بأي شكل من أشكال الحضور السياسي في واشنطن، باستثناء بعض التبرعات الانتخابية الموزّعة بالتساوي تقريبا بين كلا الحزبين، ولكن يبدو أن العلاقة المتنامية بين كابلان وابن زايد قد لفتت نظر الرجلين أن ما يجمعهما ليس فقط الحب المزعوم للقطط واللوحات الفنية، ولكن أيضا الكراهية الحقيقية، والعداء المتأصل، تجاه إيران.

 

بحكم انتمائه إلى عائلة يهودية عريقة، ولاحقا بحكم علاقة المصاهرة التي جمعته مع عائلة ريكاناتي الإسرائيلية البارزة، وعلاقة العمل التي جمعته مع عدد من أقطاب الصهيونية البارزين وعلى رأسهم والده الروحي، آفي تيومكين، أحد أبرز ممولي معهد "هرتسليا" المرموق للدراسات في تل أبيب ومؤتمر هرتسليا السنوي صاحب الدور البارز في تشكيل السياسة الإسرائيلية، كان كابلان مناصرا ثابتا ومخلصا لمختلف القضايا المتعلقة باليهود وإسرائيل، وهو ما يكشفه دوره كمتبرع دائم للعائلة اليهودية الأبدية (Eternal Jewish Family)، وهي منظمة مخصصة للإشراف على قواعد التحوُّل إلى الديانة اليهودية، والتزامه الأيديولوجي الواضح تجاه منع إيران من الحصول على أسلحة نووية.

عند هذه النقطة بالتحديد، يبدو أن علاقة كابلان مع محمد بن زايد وجدت مغزى حقيقيا وهدفا مشتركا، فرغم أن منظمة "متحدون ضد إيران النووية" (UANI)، التي تُعَدُّ اليوم الواجهة الأبرز في حرب كابلان الشاملة ضد إيران، قد تأسّست منذ أكثر من عقد، وتحديدا في عام 2008، على يد ثلاثة دبلوماسيين أميركيين سابقين هم دينيس روس، وريتشارد هولبروك، ومارك والاس، والأخير تحديدا لديه تاريخ طويل من العمل في المؤسسات الاقتصادية والسياسية المملوكة لكابلان، فإن المنظمة ظلّت حتى عام 2013 تقريبا بلا فعالية حقيقية، وكانت تمتلك ميزانية متواضعة تُقدَّر بـ 1.7 مليار دولار، ولم يكن مفاجئا بالطبع أن 80% من هذه الأموال أتت حصرا من اثنين من المليارديرات اليهود الأميركيين الذين تربطهم علاقة قوية بإسرائيل، وهما توماس كابلان نفسه (قدّم 843 ألف دولار من خلال صندوقين خاصين هما صندوق باترفيلد وصندوق الأجيال الجديدة)، وقطب الكازينوهات الشهير شيلدون أديلسون (قدّم 500 ألف دولار).

 

ولكن في عام 2014، دخلت "متحدون" بشكل مفاجئ في عملية إعادة تنظيم واسعة، حيث انقسمت إلى مشروعين منفصلين، هما "متحدون ضد إيران النووية" (UANI) و"مشروع مكافحة التطرف" (CEP)، في حين جُمِعَ كلا المشروعين تحت مظلة كيان ثالث هو مشروع مكافحة التطرف المتحد (CEPU)، ما منح المنظمة أريحية أكبر في جمع التبرعات والحصول على الأموال، وفيما يبدو فإن عملية التنظيم هذه قد آتت أُكلها حيث ارتفعت عائدات مجموعة التطرف المتحد بشكل مفاجئ إلى 16 مليون دولار في عام 2016، وصولا إلى 22 مليون دولار في عام 2017، وبدورها، استمرت المجموعة الجديدة في ضخ ثلث عائداتها المتنامية على الأقل إلى "متحدون".

 

استخدمت المنظمة المناهضة لإيران هذه الأموال بشكل فعّال جدا لتحويل نفسها إلى منفِّذ خاص للعقوبات ضد طهران، حيث قامت بإعداد سجلات خاصة لمئات الشركات في جميع أنحاء العالم التي ترتبط بعلاقات تجارية مع الدولة الفارسية أو تُخطِّط للتجارة معها، وعمدت إلى شنّ هجمات على هذه الشركات وتشويهها عبر وسائل الإعلام، وحث الجهات الرسمية على فرض عقوبات عليها، دون استثناء حتى لشركات الأدوية والمعدات الطبية الحيوية مثل "فايزر" و"أبوت" و"ميرك" و"ليلي" وغيرهم، وفي الوقت نفسه، قامت المنظمة بحَثِّ الشركات للتوقيع على إعلان تُقِرُّ فيها أنها لا تقوم بأعمال تجارية مع إيران، ولا تنوي فعل ذلك، واعتبرت التوقيع على هذا الإعلان بمنزلة شهادة ثقة لهذه الشركات، وبالطبع لم يكن مفاجئا أن العديد من الشركات الكبرى مثل مجموعة "جنرال إلكتريك" العملاقة، وشركة إنتاج المعدات الثقيلة المرموقة "كتربلر"، وشركة الكيماويات الشهيرة "هانتسمان"، وغيرها، اضطرت للاستجابة إلى ابتزازات "متحدون" والتوقيع على إعلانها الخاص.

 

بالتزامن مع ذلك، قامت كلٌّ من "متحدون" و"مشروع مكافحة التطرف" بتوظيف العائدات المالية الجديدة في تكديس مجالس إدارتهما ومجالسهما الاستشارية بقائمة طويلة من الدبلوماسيين السابقين ورموز المحافظين الجدد والصقور المناهضين لإيران، ومنحهم رواتب ورسوما استشارية باهظة، قائمة شملت أسماء مثل جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة ترامب الذي حصل على 240 ألف دولار كرسوم استشارية من مشروع التطرف المتحد، وهو مبلغ كان كافيا على ما يبدو لدفع بولتون لاقتطاع جزء من وقته المزدحم حين كان لا يزال يعمل في صفوف الإدارة الأميركية لكتابة تغريدة على تويتر يرد فيها على انتقادات وجّهتها وزارة الخارجية الروسية إلى "متحدون"، بسبب رسالة أرسلتها المنظمة إلى بعض الشركات الروسية تُحذِّرها فيها من مواصلة العمل مع إيران.

بدوره، تلقّى نورمان رولي، المسؤول المخضرم السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ومسؤول الشؤون الإيرانية السابق في وكالة الاستخبارات القومية، تلقّى 366 ألف دولار كرسوم استشارية من المنظمة، وهي أموال كانت كفيلة أيضا بإقناعه بالذهاب إلى السعودية بصحبة كابلان للقاء ولي العهد السعودي، وتسخير جهوده لاحقا للترويج لإصلاحاته المزعومة من خلال الصحف والمحطات الفضائية، فيما تلقّت شركتان إسرائيليتان هما "دارلينك" و"غروف بزنس" معا نحو مليونَيْ دولار من موازنة مشروع مكافحة التطرف المتحد نظير أعمال استشارية وخدمات لم يُفصَح عنها.

 

أثار هذا البذخ الشديد في الإنفاق الكثير من التساؤلات حول مصادر التمويل السخية لهذه المنظمات، خاصة أنها جميعا غير مسجلة كولاء ضغط عن بلدان أجنبية، وبعضها يرتبط بعلاقات عمل متداخلة مع وزارة الخارجية الأميركية، ما يجعلها غير مُجبرة على الإفصاح بالتفصيل عن مصادر تمويلها، وقد تعزّزت هذه التساؤلات بشكل خاص بسبب قدرة هذه المنظمات على استقدام العديد من الدبلوماسيين ومسؤولي الاستخبارات السابقين، ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن أيضا في بريطانيا وإسرائيل وبولندا وإيطاليا وكندا وإسبانيا وأستراليا، وهو تجمُّع لم يُتَح لأي منظمة مماثلة حشده أبدا، ورغم ذلك، فإن جميع المحاولات لإلقاء نظرة شاملة على مصادر تمويل "متحدون ضد إيران النووية" ومشروع "مكافحة التطرف" غالبا ما كانت تبوء بالفشل.

 

وقعت أبرز هذه المحاولات في عام 2014، حين قام رجل أعمال يوناني يعمل في مجال الشحن البحري يُدعى فيكتور ريستيس برفع دعوى ضد "متحدون" يتّهمها فيها بتشويه سمعته علنا عبر الزعم أن شركاته انتهكت العقوبات المفروضة ضد إيران، مطالبا بالكشف عن مصادر تمويل المنظمة وهوية مَن يقف وراءها، وكانت المفاجأة هي أن وزارة العدل الأميركية تدخّلت لإيقاف الدعوى مستفيدة من امتياز "حماية أسرار الدولة"، وهو ما يعني ضمنا أن الكشف عن مانحي "متحدون" سوف يضرّ بالأمن القومي الأميركي.

رجل الأعمال اليوناني "فيكتور ريستيس" (رويترز)

كان تدخُّل الحكومة الأميركية في دعوى قضائية بين طرفين خاصين أمرا غير اعتيادي إلى حدٍّ كبير، وهو ما أثار المزيد من الشكوك حول هوية مَن ترغب الحكومة في حمايتهم من الانكشاف بسبب الدعوى، وبينما لم يُقدِّم أحد أي إجابات حاسمة حول هذا السؤال إلى اليوم، كانت هناك دوما تلميحات حول تمويل أطراف أجنبية لأنشطة "متحدون" ومشروع مكافحة التطرف، وبالطبع فإن أصابع الاتهام توجّهت مباشرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بسبب علاقاتها الوثيقة مع توماس كابلان، أبرز الممولين المعروفين لـ "متحدون" من ناحية، وبسبب جهودها المعروفة للتأثير على مراكز الفكر والرأي وتوظيف جماعات الضغط في الولايات المتحدة من ناحية أخرى.

 

دفعت هذه الحقائق الصحفي "إيلي كليفتون" لمحاولة إجراء فحص أعمق لطبيعة علاقة الإمارات مع توماس كابلان والمنظمات المثيرة للجدل المرتبطة به بعيدا عن الدعاية المكثفة التي تُركِّز على القطط واللوحات الفنية، وقد وفَّرت الرسائل المسرَّبة لسفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة مادة خصبة لهذا الغرض، على سبيل المثال، تُشير رسالة يعود تاريخها إلى سبتمبر/أيلول عام 2015 وُجِّهت إلى العتيبة من قِبل مستشارة شؤون الأمن الداخلي الأميركي السابقة فرانسيس تاونسند، التي تُدير بشكل رسمي مشروع مكافحة التطرف المتحد (CEPU)، إلى تواصلها مع مارك والاس، الرئيس التنفيذي لـ "متحدون"، لتنسيق دعم الإمارات للمنظمة، مقترحة تنظيم مؤتمر لها في أبو ظبي، دون أن تنسى بالطبع أن تمهر رسالتها بالشكر الجزيل للعتيبة على دعمه السخي للمشروع.

 

في السياق ذاته، تُظهِر رسالة أخرى بتاريخ يناير/كانون الثاني 2015 أن تاونسند نفسها طلبت مساعدة العتيبة لتنظيم لقاء مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، فيما حوت رسالة ثالثة موجَّهة من نورم كولمان، أحد وكلاء الضغط الذين يعملون نيابة مع السعودية بموجب عقد رسمي مع شركة "هوجان لوفلز"، حوت تفاصيل حول الوضع الضريبي لمشروع مكافحة التطرف، حيث أكد كولمان أنه قام بإرسال هذه الرسالة إلى العتيبة بناء على أوامر جاءته من وزير الخارجية السعودي آنذاك عادل الجبير.

يوسف العتيبة (رويترز)

بشكل إجمالي، يُعتقد أن هناك 35 مليون دولار من الأموال مجهولة المصدر قد تدفّقت خلال عامين إلى المنظمات السياسية المرتبطة بكابلان، وهي أموال استُخدِمت في تجنيد شبكة مُريبة وغير مترابطة من المُعادين لطهران تبدأ من الولايات المتحدة وتنتهي في الشرق الأوسط، شبكة تضم بين صفوفها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون ورئيس الاستخبارات السعودية الأسبق تركي الفيصل، وسفير الإمارات لدى واشنطن يوسف العتيبة، وسفير البحرين عبد الله بن راشد آل خليفة، وحتى السفير الإسرائيلي في واشنطن رون دريمر، ونخبة من مسؤولي الاستخبارات السابقين والحاليين في عدة دول، وعددا من أبرز وكلاء الضغط، وحتى قياديين في منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة المصنفة كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة.

 

تهدف هذه الشبكة فيما يبدو إلى صياغة رؤية أحادية خاصة بها، وفرضها بالقوة الناعمة على صناع القرار ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة والغرب، رؤية تُقدِّم إيران وحلفاءها وجميع خصوم الحكام الاستبداديين في الشرق الأوسط بوصفهم مصدرا لكل الشرور، وفي الوقت نفسه فإنها تُصوِّر الإمارات والسعودية وإسرائيل كضحايا للتطرُّف والإرهاب وحلفاء مخلصين لواشنطن، رؤية تُموِّلها بسخاء أموال أبو ظبي والرياض، وتدعمها لوبيات تل أبيب، ويقودها ملياردير طموح مثير للجدل صنع ثروته من بين ركام الفوضى، قبل أن يُقرِّر استثمار جزء منها في بناء سمعته كعاشق مُتيَّم للقطط ومُحبٍّ مخلص للفنون.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة