مقتل جورج فلويد.. جذور التمييز والعنف داخل الشرطة والمجتمع في أميركا

في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم التاسع من أغسطس/آب 2014، كان مايكل براون، الشاب الأميركي الأسمر صاحب الـ 18 عاما، يسير في أحد شوارع مدينة فيرجسون بولاية ميزوري الأميركية بصحبة صديقته دوريان جونسون، 22 عاما، حين حاول ضابط شرطة يُدعى دارين ويلسون مطاردته مستخدما سيارة الشرطة الرسمية ذات الدفع الرباعي من طراز شيفروليه تاهو، وذلك بدعوى قيامه بسرقة علبة سجائر من أحد المحلات في سوق قريب، لتنشب بين الرجلين مشادة قام على إثرها ويلسون بإطلاق رصاصة أصابت يد براون اليمنى ما دفعه للجري والاختباء وراء إحدى السيارات، ولكن ويسلون قرّر الترجل من سيارته لمطاردته، وبدلا من أن يحاول إلقاء القبض عليه، فإنه أطلق صوبه ست رصاصات قاتلة تسبّبت في مصرعه على الفور.

 

على مدار أربع ساعات لاحقة، تُرِكت جثة براون النازفة في منتصف الطريق بين سيارات الشرطة التي احتشدت إلى مكان الحادث، حيث شاهدها الكثير من الناس والتقطوا صورها عبر هواتفهم المحمولة وبثوها عبر حسابات التواصل الاجتماعي حيث أثارت قدرا كبيرا من الجدل والغضب. غضبٌ سرعان ما تحوّل إلى مظاهرات حاشدة بالتزامن مع جنازة براون ندّدت بعنف الشرطة ضد المجتمعات السوداء في البلاد.

 

تجدّدت المظاهرات والفعاليات الاحتجاجية بشكل أكثر حِدّة وعنفا بعد بضعة أسابيع، وتحديدا في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر/تشرين الثاني إثر قرار هيئة المحلّفين تبرئة الضابط ويلسون وعدم توجيه أي اتهامات له، واستمرت طوال فصل الشتاء وعُرفت باسم "الربيع الأسود"، ممهّدة الطريق لظهور حركة حقوق مدنية جديدة للدفاع عن السود تحت اسم "حياة السود مهمة" ركّزت جهودها بشكل كبير على التنديد بعنف الشرطة ضد السود وكشف مظاهر وممارسات العنصرية داخل أجهزة إنفاذ القانون الأميركية.

بيد أن حادثة مقتل براون لم تكن جريمة القتل الأولى التي يرتكبها أفراد شرطة أميركيون ضد العُزّل من السود وتشوبها دوافع عِرقية أو عنصرية، كما أنها لم تكن الأخيرة أيضا، فرغم المكاسب التي حققتها حركة الحقوق المدنية في جلب المزيد من الحقوق لمجتمعات السود والأفارقة الأميركيين منذ الستينيات، تُسجِّل الولايات المتحدة سنويا عشرات من حوادث القتل والاعتداء بحق رجال وشباب وفتيات عُزّل من السود على يد قوات الأمن، لعل أبرزها على الإطلاق واقعة الضرب المبرح التي تعرّض لها الشاب رودني كينغ من قِبل شرطة لوس أنجلوس عام 1991 وتسبّبت في نشوب أبرز انتفاضة شغب عِرقي في التاريخ الأميركي، قُتل خلالها أكثر من 50 شخصا وجُرح أكثر من 2300 آخرين، فيما قُدِّرت الخسائر الاقتصادية بأكثر من مليار دولار.

 

الأسوأ من ذلك أن ضباط الشرطة الذين يرتكبون هذه الوقائع نادرا ما ينالون عقابهم المستحق، أحيانا بسبب قصور القانون الذي يضع أدلة الإدانة في يد قوات إنفاذ القانون المتهمة أصلا، وأحيانا بسبب تحيزات المحلفين وقصور النظام القضائي، وهو ما تسبّب في النهاية في تفاقم ظاهرة العنف الشرطي العنصري بدلا من انحسارها، وكما تُشير بيانات عام 2018، فإنه بين 992 واقعة قتل ارتكبتها الشرطة عام 2018، كان نصيب السود منها 229 حادثة بنسبة تقترب من الربع، ناهيك عن كون الكثير من هذه الحوادث وقعت ضد أشخاص عُزّل أو تخلّلتها ملابسات مثيرة للجدل.

 

لا شك أن جميع هذه الوقائع، وأكثر منها بكثير، كانت حاضرة في أذهان الآلاف من المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع مؤخرا احتجاجا على مقتل جورج فلويد مختنقا بشكل وحشي بواسطة ضابط الشرطة ديريك شوفين في إحدى ضواحي مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية، في 25 مايو/أيار، وهي التظاهرات التي توسّعت في جميع أنحاء البلاد مجبرة -حتى الآن- 6 ولايات و13 مدينة أميركية على إعلان حالة الطوارئ في الوقت الذي جرى فيه استدعاء الحرس الوطني لفرض الأمن في 20 ولاية، وفرض حظر التجوال في نصف ولايات البلاد تقريبا.

وفيما يبدو، فإن وقائع القتل الوحشي لفلويد الذي شاهده ملايين الأميركيين في مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع الأداء الهزيل للإدارة الأميركية في مواجهة تفشي فيروس كورونا، قد نكأ الكثير من الجراح الكامنة في جسد المجتمع الأميركي، وسلّط الضوء على وقائع عدم المساواة وإرث العنصرية الكامن في مجتمعات إنفاذ القانون الأميركية، ومن ورائه سائر الممارسات التمييزية التي لا يزال يُعاني منها السود و"الملوّنون" في البلاد، وهو إرث طويل تعود جذوره القديمة إلى عهود التأسيس الأول للولايات المتحدة، ويبدو أن واشنطن فشلت في التخلص منه حتى اليوم.

 

مع صدور إعلان الاستقلال الأميركي عام 1776، واجه الأميركيون للوهلة الأولى مشكلة عميقة في التوفيق بين قيم الحرية والمساواة التي نصّ عليها الإعلان التاريخي، وبين نُظم العبودية التي كانت لا تزال تُهيمن على المجتمع الأميركي وأغرقته في نهاية المطاف في خضم حرب أهلية، ورغم أن الإعلان كان مصمما بالأساس لتأكيد قطع العلاقات بين بريطانيا ومستعمراتها الأميركية وإعلان تأسيس دولة جديدة فاعلة على الساحة العالمية، لم يكن بمقدور أحد أن يتجاهل التناقض بين القيم المتضمنة في الإعلان وبين حقيقة أنه كُتِب بواسطة توماس جيفرسون، الذي كان يمتلك أكثر من 600 من العبيد، ونُشِر في 13 مستعمرة كانت تسمح بدرجات متفاوتة من الرق.

 

لم يكن الدستور الذي أُقِرَّ بعد ذلك بعقدين بهدف توحيد هذه المستعمرات في دولة موحدة أقل إشكالية وجدلا، حيث وجد واضعو النصوص أنفسهم مضطرين في النهاية لشرعنة العبودية والتصالح معها في الدولة الجديدة، إلى درجة منح مُلّاك العبيد صلاحية مطاردة الهاربين منهم، وإقرار معاملة السود كمواطنين ناقصي الحقوق والأهلية بنص الدستور نفسه، ورغم ذلك ظلّت الحقيقة الأكثر أهمية حول العبودية الأميركية، والتي ميّزتها عن سائر أنظمة العبودية السائدة، أن أساسها كان عِرقيا محضا، وليس اقتصاديا أو اجتماعيا، حيث اختار النظام الأميركي مجموعة عرقية ولونية محددة وألقى بها -إلى الأبد- خارج المجتمع.

ونتيجة لذلك، ارتبطت العبودية الأميركية تاريخيا، وبشكل لا ينفصم، بالهيمنة البيضاء وأفكار التفوق الأبيض، لذا لم يكن مفاجئا أنه حتى حين ألغى التعديل الثالث عشر للدستور الأميركي العبودية القانونية عام 1865، لم يكن هناك أي حوافز لدى البيض لتغيير مواقفهم من القضية، حيث ظل اللون "الأبيض" في حد ذاته يُمثِّل قيمة مطلقة غير مرتبطة بالوضع الاقتصادي أو الاجتماعي، وكان لا يزال يتعيّن تخفيض رتبة السود لضمان تفوق الأميركيين البيض.

 

كانت هذه الحقيقة هي السبب الأوضح والأكثر مباشرة للحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، حيث احتجّ مؤسسو الولايات الكونفدرالية الأميركية، اتحاد الولايات الجنوبية المنشق عن الولايات المتحدة، أن العبودية تُمثِّل حجر الزاوية في المجتمع الذي يرغبون في تأسيسه، وأن المساواة بين الأجناس التي دعا إليها إعلان الاستقلال وتعديلات الدستور كانت خطأ، وأن "الزنجي" لا يمكن أن يكون مساويا للرجل الأبيض الذي ينبغي أن يكون متفوقا ومميزا بحكم الطبيعة، ودون النظر إلى عوامل أخرى.

 

في ضوء ذلك، كان سؤال إدماج السود داخل المجتمع الأميركي هو التحدي الأكثر إلحاحا وحرجا في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، ورغم أن إصلاحات الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن نجحت في منح الحرية إلى أكثر من أربعة ملايين أميركي من السود ذوي الأصول الأفريقية ومنحهم الحق في التصويت والتعليم والزواج من الأحرار والترشح -نظريا- للهيئات المنتخبة، فإن هذه الإصلاحات ظلّ يُنظر إليها ككابوس من قِبل الكثير من البيض الذين كانوا يرون أن التسلسل العِرقي الهرمي مُقدَّم على الخطة الطموحة لمنح السود المواطنة الكاملة التي أُقِرَّت بموجب التعديل الرابع عشر للدستور عام 1868.

 

ونتيجة لذلك، وفي غضون عقدين فقط من الزمان، كانت ضغوط البيض قد تسبّبت في رِدّة ملحوظة في خطط المساواة العِرقية في الولايات الجنوبية في البلاد على وجه الخصوص، إثر إقرار قوانين جيم كرو التي وضعت قيودا على الوظائف التي يمكن أن يعمل فيها الأميركيون من أصل أفريقي، وحدّدت سقفا منخفضا لرواتبهم، وقلّصت الأماكن التي يسمح لهم بالعيش فيها، وقامت بترسيخ نظام فصل عنصري بين السود والبيض في المدارس والمطاعم والمشافي العامة وحتى وسائل المواصلات، وقد ظلّت قوانين جيم كرو قائمة وحاكمة في معظم الولايات لمدة 8 عقود كاملة، حتى أُلغيت بموجب قانون الحقوق المدنية لعام 1964، وقانون حق التصويت عام 1965، الذي حظر جميع أشكال الفصل العنصري على مستوى الولايات وعلى المستوى الوطني.


خلال العقود التالية، انزوت أفكار التفوق الأبيض وخفتت الممارسات العنصرية داخل المجتمع الأميركي بشكل تدريجي، وأُدمِج ذوو الأصول الأفريقية داخل النسيج السياسي للأمة الأميركية، ومع ذلك ظلّت التوترات العِرقية تطفو إلى السطح كل حين في صورة حوادث عنف متفرقة بحق السود من قِبل العنصريين البيض ووقائع استخدام غير متناسب للقوة الوحشية من قِبل الشرطة وأجهزة إنفاذ القانون، حوادث كانت تُذكِّر الأفارقة الأميركيين دوما أن تاريخهم النضالي الطويل والتضحيات الكبرى التي قدّموها لم تنجح في محو الإحساس الكامن بالتفوق والأحقية لدى الأميركيين البيض.

 

وفيما يبدو، فإن إرث العبودية والتمييز العِرقي في الولايات المتحدة قد رسّخ لعلاقة مضطربة بشكل خاص بين المجتمعات السوداء وبين قوات الشرطة وأجهزة إنفاذ القانون، حيث يبدو أن الأجهزة الأمنية والشرطية كانت أكثر بطئا في التخلُّص من الإرث العنصري من سائر مكونات المجتمع الأميركي بحكم أن هذه الأجهزة كانت هي مَن لعبت الدور التاريخي في تثبيت أنظمة العبودية وفرض القوانين المتعلّقة بالرق ومطاردة المتمردين والنشطاء من أصحاب البشرة السوداء.

 

تعود البدايات الأولى لهذا الدور المثير للجدل إلى ما يُعرف باسم "دوريات الرقيق" في عصر ما قبل الحرب الأهلية، وهي عبارة عن أسراب من المتطوعين البيض المخوّلين باستخدام التكتيكات الشرطية لفرض القوانين المتعلّقة بالرق، بما يشمل القبض على العبيد الفارين وقمع انتفاضات المتمردين ومعاقبة المنتهكين لقواعد العبودية، وقد نشأت أولى دوريات العبيد في ولاية كارولينا الجنوبية مطلع القرن الثامن عشر وتوسّعت لاحقا إلى معظم الولايات، وتسلّحت بصلاحيات واسعة إلى درجة أنه كان بإمكانها الدخول إلى منزل أي شخص يُشتبه في قيامه بإيواء أحد الأشخاص الفارين من العبودية.

ورغم حل دوريات الرقيق بعد نهاية الحرب الأهلية، فإن التوترات تجدّدت بشكل أعمق بين السود وبين أجهزة الشرطة الأميركية التي بدأت تتطور إلى هياكل منظمة في منتصف القرن التاسع عشر، حيث تولّت هذه الأجهزة التعامل مع موجة الهجرة الكبرى للأفارقة الأميركيين الفارين من جحيم قوانين جيم كرو في الجنوب، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف ضحايا لممارسات الشرطة الوحشية والعقابية في الولايات الشمالية التي فرّوا إليها.

 

في ذلك التوقيت، كانت المجتمعات البيضاء في الشمال، بمَن في ذلك رجال الشرطة، غير معتادة على الوجود الكثيف للأفارقة الأميركيين، لذا فإنهم تعاملوا مع وجودهم بقدر كبير من العداء الذي تفاقم بفعل الصورة العنصرية المتأصلة، حيث كانت الشرطة تفترض -بشكل تلقائي- أن الأميركيين الأفارقة لديهم ميول إجرامية فطرية تتطلّب مراقبتهم بشكل كامل ووضع قيود على تحرُّكاتهم من أجل ضمان سلامة البيض، ونتيجة لذلك، وبحلول منتصف الخمسينيات، باتت معظم الإدارات الشرطية تفترض أن مهمتها الأساسية هي حماية الأميركيين من الأفارقة الأميركيين، أو بعبارة أخرى؛ حماية البيض من السود.

 

أثارت هذه الثقافة قدرا كبيرا من الوحشية في تعامل الشرطة مع السود، شملت الاستخدام المفرط للقوة والاعتقالات غير القانونية والإساءات اللفظية وحتى الاعتداءات الجنسية والقتل، وكانت الشرطة متواطئة في كثير من الأحيان في تجارة المخدرات والأسلحة وأنشطة السطو والبغاء داخل أحياء الأفارقة الأميركيين، وبحلول الأعوام الأولى من القرن العشرين بدأت عمليات الإعدام الوحشي في الظهور كتكتيك من الجماعات المتطرفة لقمع السود، بدعم كامل من الشرطة التي شارك أفرادها في عمليات الإعدام أحيانا، وتواطؤوا في التغطية على الجناة في أحيان أخرى، وكانت المحصلة النهائية لذلك هي إعدام الآلاف من السود دون أي عقاب للجناة.

كان أبرز هذه الإعدامات هي واقعة قتل يوجين ويليامز، المراهق الأميركي ذي الأصول الأفريقية، في يوليو/تموز عام 2017، بسبب تحدّيه لممارسات الفصل العنصرية وقيامه بالسباحة في القسم المخصص للبيض في بحيرة ميتشجان، وهو ما أثار انتفاضة دامية في المدينة قُتل خلالها 15 من البيض و23 من السود وأُصيب أكثر من 500 شخص، وفقد على إثرها آلاف العائلات من السود منازلهم.

 

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصبحت الممارسة الوحشية للشرطة ضد الأميركيين الأفارقة أكثر تواترا وكثافة ومنهجية أيضا، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب. بادئ ذي بدء، أدى انتصار القوى الديمقراطية في الحرب إلى خلق توقعات متزايدة بين الأميركيين السود بالمزيد من الحرية والديمقراطية في الداخل، خاصة أن الكثيرين منهم خدموا في وحدات منفصلة في القوات المسلحة الأميركية خلال الحرب، وهو ما دفعهم لزيادة وتيرة المطالبة بحقوقهم الرسمية، وفي المقابل، تسبّب ذلك السلوك في تعزيز ميل ضباط الشرطة للنظر لأنفسهم كحُماة للمجتمعات البيضاء، وبالتزامن مع ذلك، سمح نمو السكان الأميركيين من أصل أفريقي وهرب الكثيرين من البيض من الولايات المهمشة بحثا عن فرصة أفضل، سمح للأفارقة الأميركيين بالحركة بشكل أوضح داخل المجتمعات البيضاء، وهو ما جعل ضباط الشرطة ينظرون إلى تحرُّكاتهم كتهديد ديمغرافي لهيمنة البيض.

 

لاحقا، ومع اكتساب حركة الحقوق المدنية، التي قادت نضال السود للحصول على حقوقهم، للمزيد من الزخم، ركّزت الشرطة جهودها على استهداف نشطاء الحركة لمنع السود من الحصول على حقوقهم، كما حدث خلال حملة برمنغهام عام 1963 ومسيرات مونتغومري عام 1965، وهو ما دفع زعيم حركة الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينغ، لمعالجة قضية العنف الشرطي في خطابه الشهير "لديّ حلم" عام 1963، مؤكدا أن السود لا يمكن أن يشعروا بالرضا طالما أنهم لا يزالون ضحايا "لوحشية الشرطة التي لا تُوصف".

 

ورغم أن نضال حركة الحقوق المدنية تُوِّج في النهاية بقانون الحقوق المدنية الذي منح السود حقوقا مساوية للبيض للمرة الأولى، فإن أحلام مارتن لوثر لأُمة سوداء ليست عُرضة لوحشية الشرطة وعنفها كان من الواضح أنها لن تصبح حقيقة في أي وقت قريب، حيث ظلّت قضايا العنف الشرطي ضد الأفارقة الأميركيين تفرض نفسها -وإن بشكل أقل حِدّة- المرة تلو المرة في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وحتى اليوم، فيما لا يزال السود يتمتعون بتمثيل غير متناسب في الأجهزة الشرطية، بل ويُعَاملون كمواطنين من الدرجة الثانية من قِبل الكثيرين في هذه الأجهزة، ولا يزال عنف الشرطة حتى اليوم يُصنَّف في قائمة الأسباب الرئيسية لوفاة الرجال السود، وعلى المستوى الأوسع، لا تزال الشرطة تستهدف المواطنين السود بشكل غير متناسب عبر تكتيكات التوقيف والتفتيش وسحب رخص السيارات وحتى المخالفات المرورية، في نمط ممنهج ومكرر يُثبت أن العنصرية ضد السود تبقى أحد التقاليد التي تُتَوارث بشكل لا إرادي داخل أجهزة إنفاذ القانون الأميركية.

 

ورغم أن العنف الشرطي غير المتناسب ضد أصحاب البشرة السمراء يبقى العنوان الرئيسي للاحتجاجات التي تشهدها الولايات المتحدة اليوم، فإن معاناة الأقليات العرقية والملونين في عاصمة العالم الحر لا تقف عند هذا الحد، حيث يبدو أن إرث العنصرية لا يلبث أن يطلّ بوجهه القبيح على معظم جوانب حياة السود والملونين غير البيض في الولايات المتحدة، ويظهر ذلك بشكل أساسي في الفجوة الاقتصادية الكبيرة بين الملونين والأفارقة الأميركيين من ناحية، وبين البيض من ناحية أخرى.

 

فرغم أن النمو الكبير للاقتصاد الأميركي خلال العقد الماضي نجح في جلب مكاسب كبيرة للعائلات ذات الدخل المنخفض، فإن هذا المكاسب لم تفعل ما يكفي لتضييق الفجوة الاقتصادية بين الأعراق، حيث ظلّ متوسط دخل الأسرة بالنسبة للأميركيين الأفارقة أقل بكثير من نظرائهم البيض، ففي حين بلغ متوسط دخل الأُسر البيضاء 71 ألف دولار سنويا في عام 2018، كان متوسط دخل الأُسر السوداء أقل بنسبة 40% (نحو 41 ألف دولار)، في حين بلغت النسبة أقل من ذلك بكثير في مينابوليس، مركز الاحتجاجات الأخيرة، حيث تكسب الأُسر السوداء أقل بنسبة 56% مما تكسبه نظيرتها البيضاء.

 

حين ننتقل من الدخل إلى الثروة، تبدو الفجوة أوسع، حيث تُشير البيانات إلى أن الأفارقة الأميركيين يمتلكون بالكاد نسبة 4.2% من إجمالي ثروات الأُسر الأميركية (رغم كونهم يُمثِّلون 13% من التعداد الكلي للأميركيين)، فيما تُشير البيانات الأكثر تفصيلية إلى أن أُسر السود لا تمتلك سوى عُشر الثروات التي تحوزها العائلات البيضاء، ففي حين يبلغ متوسط ثروة العائلة من البيض الأميركيين نحو 171 ألف دولار، فإن المتوسط لدى أُسر الأفارقة الأميركيين يبقى أقل من 18 ألف دولار، وترجع هذه الفجوة بشكل أساسي إلى انخفاض معدلات ملكية المنازل وقلة الأموال والممتلكات المتوارثة داخل أُسر السود مقاربة بالبيض.

تظهر آثار هذه الفجوة بالتبعية على معدلات الفقر التي تُسجِّل بدورها تفاوتا كبيرا بين السود والبيض، وفي حين أن الولايات المتحدة سجّلت معدلات فقر وطنية بلغت 11.8% في عام 2018، فإن هذه النسبة وصلت إلى 20.8% في صفوف السود، مقارنة بـ 8.1% فقط بين البيض، وانعكس ذلك بالتبعية على معدلات البطالة التي شهدت فجوة عِرقية تاريخية، حيث كانت معدلات البطالة في صفوف السود تفوق نظيرتها في صفوف البيض بأكثر من الضعف لفترات طويلة.

 

وجاء تفشي فيروس كورونا ليجعل الأمور أسوأ بالنسبة للأقليات العِرقية في الولايات المتحدة وخاصة الهسبانيين والأفارقة الأميركيين، ففي الوقت الذين خسر فيه أكثر من 40 مليون أميركي وظائفهم منذ بداية الأزمة، كانت الخسائر في صفوف مجتمعات الملونين أكبر بكثير مقارنة بالبيض، نظرا لكون الأميركيين السود يشغلون النسبة الأكبر من الوظائف المتدنية الأكثر تأثرا بالأزمة في قطاعات النقل العام والثقيل والخدمات البريدية والأعمال اليدوية والحرفية ومخازن الأدوية وحتى الوظائف الأدنى في قطاع الرعاية الصحية، بما يعني أنه حتى أولئك الذين احتفظوا بوظائفهم فإنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم وجها لوجه في مصارعة المرض.

 

لم تكن معدلات البطالة غير المتناسبة إذن هي أسوأ الكوابيس التي واجهها الأفارقة الأميركيون بسبب كورونا، بعدما كشفت الأزمة بوضوح عن التداعيات الكارثية للتمييز العراقي داخل المجتمع الأميركي، مع اكتشاف الأميركيين السود أنهم يتحملون حصة غير عادلة من فاتورة الإصابات والوفيات بسبب المرض مقارنة بنُظرائهم البيض، وكما تُظهِر الأرقام، فإن 23% من ضحايا فيروس كورونا في الولايات المتحدة هم من الأفارقة الأميركيين، رغم أن نسبتهم في المجتمع أقل من ذلك بكثير.

ومما يزيد الأمر سوءا أن تداعيات الفجوة العِرقية وصلت إلى قطاع الرعاية الصحية، حيث تبلغ نسبة السود الذين لا يحظون بأي مظلة رعاية نحو 9.7% من عدد السكان، وهي تقريبا ضعف النسبة بين البيض (نحو 5.4%) ويعني ذلك أنه رغم أن الأفارقة الأميركيين يعملون في وظائف تجعلهم أكثر عُرضة للمرض بشكل غير متناسب ويسكنون في مناطق مؤهلة بشكل أكبر لتفشي المرض، فإن فرص حصولهم على الرعاية الصحية في حال الإصابة تظل أقل بكثير من نظرائهم من سائر الأميركيين.

 

تضرب الأزمة إذن بجذورها في أعماق السياسة والمجتمع والاقتصاد وحتى الأمن في الولايات المتحدة، وهي أزمة أكبر وأكثر عمقا بكثير من حادثة مقتل جورج فلويد رغم بشاعتها، ومن العنصرية البغيضة للشرطة الأميركية على وضوحها، ومن آثار تفشي فيروس كورونا رغم خطورته، وحتى من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وميوله اليمينية البيضاء الواضحة وتصريحاته وقراراته التي يرى البعض أنها "حمقاء" وتزيد الأزمات اشتعالا، وهي أزمة تكمن جذورها في إرث العبودية ومعتقدات التفوق الأبيض وتاريخ التمييز العِرقي التي لا تزال تُطارد واشنطن صانعة الخرق الأكبر في صورة المجتمع الليبرالي والتعددي ودولة المساواة والديمقراطية الأكثر جدارة بقيادة العالم الحر.


حول هذه القصة

بات من المؤكد أن آثار كورونا المستجد ستتجاوز التوقعات والآثار المعتادة لحالة مرضية عابرة، فالأمر يتعلّق بتعقيدات تتصل بالنظام الاقتصادي والاجتماعي السائد عالميا.. فكيف يمكن أن يُغيّر الفيروس نظرتنا للاقتصاد؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة