اعتقال وتعذيب وإخفاء قسري.. قصص حقيقية من عالم السجون في دولة التسامح!

اضغط للاستماع

 

لا تتوقف المنظمات الحقوقية عن تلقّي رسائل الاستغاثة من المعتقلين السياسيين في سجون دولة الإمارات العربية المتحدة ومن ذويهم، وهي رسائل تُسلِّط الضوء بشكل دوري على الانتهاكات الممنهجة ووقائع التعذيب وسوء المعاملة التي تمارسها السلطات الإماراتية بحق المعتقلين، ومع تفشي فيروس كورونا في المنطقة، تزايدت المخاوف من وصول الوباء إلى السجون الإماراتية سيئة السمعة، بما يجمع على المعتقلين ظلمة السجن وجحيم الوباء.

ويبدو أن هذه المخاوف تحوّلت اليوم إلى حقيقة واقعة، إثر تأكيد المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا أنها تلقّت استغاثات من معتقلين في سجن الوثبة الإماراتي في أبو ظبي تُفيد بحدوث إصابات بفيروس كورونا بين المعتقلين داخل السجن، وتؤكد امتناع الجهات المسؤولة عن توفير الرعاية اللازمة للمصابين أو الحد من وصول الوباء للمزيد من السجناء، وقد حمّلت المنظمة السلطات الإماراتية مسؤولية صحة وسلامة المعتقلين في السجون كافة في ظل تعنُّتها في الإفراج عنهم، ليتحوَّل كورونا بذلك رسميا إلى مصدر جديد لمعاناة المحتجزين في الإمارات، ونقطة سوداء جديدة في السجل الحقوقي المظلم لدولة السعادة.

بالنسبة لـ "محمد بن زايد" ولي عهد أبو ظبي لا يُمثِّل إنفاق مبلغ عشرة ملايين دولار أي مشكلة، فيمكن له أن يُنفق مبلغا صغيرا كهذا على بعض مجموعات الضغط الكبيرة التي يُوظِّفها في واشنطن، أو كراتب سنوي لعدد قليل من جيوش الاستشاريين العاملين في بلاطه، أو حتى كجزء صغيرة من منحة أو معونة يُقدِّمها لأحد حلفائه من السياسيين، أو وكلائه من الميليشيات، أو ربما من أجل نزهة شخصية للحصول على بعض المتعة لا أكثر، لكن الطريقة التي حصل بها "خالد حسن" على هذا المبلغ من ولي العهد كانت مختلفة، وتحمل قدرا لا يمكن إنكاره من الإذلال والمهانة.

ترجع بدايات حكاية "حسن" إلى عام 1984، حين كان الأميركي ذو الأصول العربية يعمل مستشارا لـ "شؤون تعاقدات الأسلحة" لحساب أحد أفراد العائلة المالكة في "أبو ظبي"، قبل أن يُعتَقل من قِبل أحد أجهزة الأمن الإماراتية، ويُحتَجز في زنزانة لا تزيد مساحتها على متر مربع واحد دون أية نوافذ، مع تعرُّضه لتعذيب شديد، شمل تقييد الساقين والقدمين لفترات طويلة، وإجباره على تناول سوائل كريهة المذاق تُسبِّب ألما شديدا و"هلوسة مخية"، وغير ذلك من الأعراض، وعلى مدار العامين التاليين لاحتجازه على أقل تقدير، تعرَّض حسن لـ "اختفاء قسري" وثَّقته مراسلات وزارة الخارجية الأميركية مع الحكومة الإماراتية التي سرَّبتها برقيات "ويكيليكس" عام 2006، والمُرفقة ضمن ملف قضية قرّر حسن رفعها أمام القضاء الأميركي، مُوجِّها الاتهام لثلاثة مسؤولين إماراتيين من بينهم أهم مسؤولين في الدولة: "خليفة بن زايد آل نهيان" رئيس الإمارات، وولي العهد "محمد بن زايد"، والجنرال "سعيد هلال عبد الله الدرمكي".

كانت الشخصيات الثلاث المُدّعى عليها منخرطة آنذاك هي الأخرى في إبرام صفقات أسلحة، إلا أنهم كانوا منافسين لأمير العائلة المالكة ومُوظِّف "خالد" مجهول الهوية، ما دفع الأخير للاعتقاد بكونه ضحية صراع غير معلن داخل طبقة الإمارات الحاكمة على السلطة والنفوذ، مؤكدا في اتهاماته أن "محمد بن زايد" شهد بشكل شخصي وقائع تعذيبه أكثر من مرة.

بذل السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة جهودا دبلوماسية للضغط على المسؤولين الأميركان لتسوية قضية خالد، لكن جهوده فشلت في إسقاط التهم عن بن زايد والدرمكي

بدأت إجراءات التقاضي في عام 2009، وبرغم مرور مدة التقادم في قضايا التعذيب والمحددة حسب القوانين الأميركية بعشرة أعوام، فإن محامي "خالد" دافعوا بأن سطوة ونفوذ المُدّعى عليهم أجبرت موكله على تأجيل قضيته لحين ظهور أدلة تدعم شكواه. في ذلك التوقيت، وكما أظهرت رسائله المسربة، كان سفير الإمارات في واشنطن "يوسف العتيبة" يبذل جهودا دبلوماسية كبيرة للضغط على المسؤولين الأميركيين لتسوية القضية، مع نجاح محدود تَمثَّل في إسقاط الاتهام عن "خليفة بن زايد"، بموجب القانون الأميركي الذي يسمح بإسقاط الاتهامات القضائية الموجهة لرئيس أي دولة لـ "أغراض دبلوماسية"، لكن ضغوط العتيبة فشلت في إسقاط الاتهام عن "محمد بن زايد" أو "الدرمكي" بسبب رفض وزيرة الخارجية آنذاك "هيلاري كلينتون".

واصلت الدبلوماسية الإماراتية محاولاتها للضغط بعد رحيل كلينتون وتولِّي "جون كيري" مقعد الخارجية، إلا أن "كيري" رفض بدوره التدخُّل لإسقاط الدعوى، ولكنه أبدى مرونة أكبر عبر تشجيع المسؤولين الإماراتيين على السعي لتسوية القضية ماليا. وبعد أشهر من المفاوضات، قَبِل "خالد" بالفعل التنازل عن قضيته مقابل الحصول على عشرة ملايين دولار، مع توقيع اتفاق "عدم إفصاح" يقضي بعدم الحديث لوسائل الإعلام. ووُقِّع على الاتفاق رسميا في مايو/أيار عام 2013، في حين لم يقم العتيبة بتحويل مبلغ التسوية إلا بعد التوقيع بعام كامل، بعد أن تأكد من غياب أية تغطيات إعلامية بشأن قضية "خالد" السرية والمثيرة للجدل.

وعلى الرغم من الحرج الذي أصاب الرجلين الأول والثاني في الإمارات بسبب تداعيات القضية، فإنها لم تكن الواقعة الأخيرة التي يتعرّض فيها أجنبي للتعذيب والاختفاء القسري في الإمارات. ففي وقت كان يُتفاوض فيه سرا على صفقة مالية تُنقذ عنق ولي عهد أبو ظبي من مطرقة المحاكم الأميركية، كان أميركي آخر يُلقى في غياهب الاختفاء القسري بصحبة صديقه الهندي ومواطنين إماراتيين، ليس في أبو ظبي هذه المرة وإنما في دبي المجاورة.

لم يكن "شيزان قاسم"، مستشار الطيران العامل في فرع شركة "بي دابليو سي" بدبي وذو الـ 28 عاما، يتوقّع تعرُّضه لعقوبة بسبب بثِّه لمقطع فيديو ساخر على يوتيوب يتناول محاكاة ساخرة لاهتمامات الشباب في حي "سطوة" بالإمارة الغنية، إلا أنه فوجئ في إبريل/نيسان لعام 2013 بتلقّيه اتصالا من شرطة دبي يطلب منه الحضور لمقرها، حيث احتُجِز وأُجبِر على التوقيع على اعتراف مكتوب باللغة العربية التي لا يُجيدها، قبل أن تُوجِّه له السلطات تهمة "تهديد أمن الدولة". وفي نهاية المطاف قضى "شيزان" تسعة أشهر كاملة في السجن، قبل أن يُفرَج عنه بضغوط دولية.

(المقطع الذي صوره شيزان قاسم)

لسوء حظهم على ما يبدو، لا يحمل المواطنون الإماراتيون، المنبوذون من قِبل السلطة، جوازات سفر أميركية ولا يتمتعون بحماية سفاراتها أو ولاياتها القضائية، لذلك فإن قصصهم لا تحظى بتلك النهايات السعيدة من فئة الملايين العشرة أو ذات الضغوط الدولية مهما بلغ شأنهم. فداخل زنزانة ضيقة في السجن نفسه سيئ السمعة في صحراء أبو ظبي، والذي قضى فيه "شيزان" الأشهر الأخيرة من فترة احتجازه القصيرة نسبيا، يقبع اليوم الأكاديمي "ناصر بن غيث"، أحد أبرز الاقتصاديين العرب، مواجها مصيرا مجهولا لم تُفلِح كل نداءات الحقوقيين في تغييره. كانت بضع تغريدات كتبها "ابن غيث"، عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، منتقدا خلالها نظامَيْ الإمارات ومصر كفيلة أن يدفع ثمنها حكما بالسجن لعشر سنوات كاملة، بموجب قانون "مكافحة الإرهاب" الإماراتي المثير للجدل، لينتهي مصيره من جديد مغيبا في قلب السجون الإماراتية للمرة الثانية في غضون بضع سنوات، مسلطا الضوء على الأسطورة الزائفة لدولة الرفاه القابعة على شواطئ الخليج.

"إن المعادلة التي تقوم على مثلث الأمن والثروة والدعم الخارجي لتحقيق استقرار النظام الحاكم، والتي سادت في الدولة وبقية دول الخليج لردح من الزمان، يجب أن تتغير، فلا الأمن، أو بالأحرى التخويف بجهاز الأمن، ولا الثروة والأعطيات، ولا الدعم الأجنبي قادرين على ضمان استقرار الحكم، خاصة الحكم غير العادل"

(ناصر بن غيث)

تحكي تحولات حياة الأكاديمي الإماراتي الشهير التغيرات ذاتها التي شهدتها بلاده منذ أن شوّشت هواجس الربيع العربي عقول حكامها. ففي عام 2002 كان "ابن غيث" يقفز أولى الدرجات الفارقة في مساره الأكاديمي، بعد حصوله على ماجستير القانون الدولي من جامعة "كيس ويسترن ريسرف" بولاية "كليفلاند" الأميركية، قبل أن يتبع ذلك بدرجة الدكتوراه في مجال "التكتلات الاقتصادية" من جامعة "إسيكس" (Essex) البريطانية عام 2007، وهو تخصُّص نادر عربيا يجمع بين ثلاثة علوم هي "الاقتصاد" و"القانون الدولي" و"السياسة الخارجية"، ليصبح بموجبه أول محاضر إماراتي في فرع جامعة السوربون الفرنسية الشهيرة بأبو ظبي. في تلك اللحظة لم يكن ابن غيث يتخيَّل في أبشع كوابيسه أن مسار حياته سيتحوَّل بهذا الشكل الدرامي، أو أن غياهب السجون يمكن أن تحل يوما محل أروقة الجامعات في حياته.

الخبير الاقتصادي د. ناصر بن غيث (رويترز)

في ذلك التوقيت كانت الإمارات تخطو واثقة ضمن خطة تحول اقتصادي واسعة النطاق، صاحبها ارتفاع ملحوظ في المؤشرات الاقتصادية للبلاد، وبالتحديد في أبو ظبي الغنية بالنفط، وفي دبي التي بدأت بالتحوُّل إلى مركز مالي وسياحي عالمي. ومع ذلك فإن البلاد ظلّت تمتلك أحد أفقر الأنظمة في العالم على صعيد المشاركة السياسية والتمثيل السياسي للمجتمع. وقد عرفت الإمارات صناديق الانتخابات لأول مرة في تاريخها عام 2006، بموجب ما عُرف آنذاك بـ "مبادرة التمكين السياسي"، التي تُشكِّل بموجبها "المجلس الوطني الاتحادي"، وهو نظير مشابه هيكليا للبرلمان أو مجلس نواب في أغلب الدول الأخرى.

على العكس من جميع برلمانات العالم، لا يتمتع "المجلس الاتحادي"، المعرف في الدستور الإماراتي على أنه "السلطة الرابعة في الاتحاد"، بعد المجلس الأعلى للاتحاد، ورئيس الاتحاد ونائبه، ومجلس وزراء الاتحاد، بأي صلاحيات تشريعية أو رقابية حقيقية، ويقتصر دوره فقط على رفع المقترحات والنظر في مشروعات يُقدِّمها حكام المجلس الأعلى للاتحاد، وهو ائتلاف يضم قيادات الإمارات السبع في البلاد. وبخلاف ذلك، لم تجرِ الانتخابات وقتها إلا على نصف مقاعد المجلس فقط، واختير النصف الآخر بالتعيين من قِبل حكام البلاد. أما السابقة التي تفرّدت بها الإمارات حقا فتمثّلت في ذلك الفرز المثير للجدل الذي فرضته على مواطنيها عبر منح حق التصويت لأشخاص بعينهم، حيث اقتصر حق الانتخاب على "هيئة انتخابية" شُكِّلت من 6889 ناخبا فقط، وبنسبة تتجاوز بالكاد 1% من تعداد مواطني البلاد.

رغم هذا الانسداد السياسي الكامل، لم يأتِ الربيع العربي إلى الإمارات محملا بقدر كبير من الصخب، مقارنة بجمهوريات الشمال الأفريقي أو حتى مملكة البحرين المجاورة، حيث كانت الدعوات الأولى للإصلاح السياسي في الإمارات حذرة للغاية، واقتصرت على عريضة التماس وقّع عليها 132 شخصية إماراتية من أطياف مختلفة، صدرت في الثالث من مارس/آذار عام 2011، موجهة إلى رئيس الدولة "خليفة بن زايد". وكانت مطالب العريضة محدودة للغاية، مقارنة بسقف الطموحات الكبير المصاحب لأجواء الربيع العربي، وتمثّلت في: منح المجلس الوطني الاتحادي صلاحيات تشريعية حقيقية، على أن يَنتخِب أعضاءه بشكل كامل، وإعطاء جميع الإماراتيين حق التصويت، وتعديل الدستور بما يتناسب مع تحقيق هذه المطالب.

كانت مطالبات محدودة للغاية، إلا أنها بدت أكثر مما ينبغي للطبقة الحاكمة في البلاد التي شعرت بالانزعاج على ما يبدو من فكرة المطالبة ذاتها. لذا فقد كان رد النظام فوريا وقاسيا، عبر اعتقال خمسة من أبرز الموقِّعين على عريضة الإصلاح، ووُجِّهت لهم تهم "كسر القوانين"، و"ارتكاب أعمال تُشكِّل تهديدا لأمن الدولة"، و"تقويض النظام العام، و"معارضة النظام الحكومي"، و"إهانة الرئيس"، في قضية شهيرة عُرِفت إعلاميا باسم "قضية الإماراتيين الخمسة".

لم تشفع المكانة العلمية لـ "ابن غيث" عند حكام البلاد، فأتى على رأس قائمة المعتقلين، ليس بسبب توقيعه العريضة فحسب، وإنما أيضا بسبب مقاله الذي نشره بعد العريضة بأيام، تحت عنوان "ثورات العرب: ظروف تتغير وعِبَر تتيسر"، منتقدا فيه اعتماد الإمارات على مثلث "الثروة والقمع والدعم الخارجي" من أجل ضمان استقرارها. وقد شملت قائمة الإماراتيين الخمسة المعتقلين، إضافة إلى "ابن غيث"، كلًّا من "فهد سليم دلك" و"أحمد عبد الخالق" و"حسن علي الخميس"، وهم نشطاء بارزون إلكترونيا، في حين كان خامسهم هو المهندس والمدون الشهير "أحمد منصور"، مؤسس موقع ومنتدى حوار الإمارات المنطلق في عام 2009 بهدف توفير منصة بلا رقابة لمناقشة قضايا الإمارات السياسية والمجتمعية.

لم يترك "منصور" "ابن غيث" بمفرده، ومنذ انطلاق "حوار الإمارات" فإنه اتخذ نهجا واضحا في مناقشة قضايا محلية حساسة، مثل الفضيحة الشهيرة المرتبطة بمقطع بثته قناة "إي بي سي نيوز" الأميركية، مظهرا "عيسى بن زايد آل نهيان"، الأخ غير الشقيق لرئيس الإمارات، وهو يُعذِّب شابا أفغانيا بطريقة "وحشية"، عبر إدخال الرمال في فمه، وضربه بشكل مبرح باستخدام عصا بها مسامير حديدية، ثم فرك إصاباته بالملح، وإدخال العصا أيضا في مؤخرته، وهي فضيحة مصورة تسبّبت في صدى واسع أجبر الإمارات على تحويل "ابن زايد" للمحاكمة، لكن الأمر انتهى بتبرئته بدعوى ارتكابه هذه الأفعال "تحت تأثير حقنة مخدرة أُعطيت له قسرا بهدف ابتزازه" كما أقرّت المحاكمة. وكما هو متوقَّع دفع "منصور" بالطبع ثمن إثارته للقضية، فأغلق موقعه بعد شهر واحد من إطلاقه، ثم اعتُقل في وقت لاحق.

عيسى بن زايد آل نهيان (الفرنسية)

بعد ثمانية أشهر من الاعتقال، أُدين الخمسة بالسجن لخمس سنوات، قبل أن يُصدِر الرئيس الإماراتي "خليفة بن زايد" مرسوما رئاسيا بالعفو عنهم في اليوم التالي مباشرة، في "لفتة أبوية" كما سمّاها وروّج لها الإعلام الإماراتي الرسمي، برغم أن العفو لم يشمل تبييض السجلات الجنائية لهم والمنشأة على إثر هذه الحادثة، ما يعني استحالة حصولهم على شهادة حسن السير والسلوك اللازمة للعمل، وحتى للزواج، بموجب القانون الإماراتي.

كان سلوك الإمارات في التعامل مع عريضة الإصلاح وقضية المعتقلين الخمسة يُوحي أنها آخذة في التحوُّل تدريجيا من ملكية استبدادية تحمل هواجس أمنية إلى دولة بوليسية كاملة، وفي الوقت نفسه فإن هذا السلوك سلّط الضوء على التحولات الجذرية في سياسات الإمارات الخارجية، حيث لم تكن مشاركتها الفاعلة في قمع تظاهرات البحرين وقتها، أو دعمها العلني لبقاء الرئيس المصري المخلوع "محمد حسني مبارك" مجرد جمل اعتراضية في سياساتها الجديدة، وبعبارة أخرى، فقد كانت أبو ظبي تسعى لإخبار للجميع بشكل واضح أنها تُفضِّل الوضع الراهن، وأنها مستعدة لدفع أي ثمن لمنع موجة الحريات العربية الكبرى من الوصول إلى شواطئها.

قبيل وفاة مؤسس البلاد "الشيخ زايد آل نهيان" والطفرة الاقتصادية التي قادها أبناؤه خلال سنوات عمره الأخيرة، لم تكن الإمارات العربية المتحدة أكثر من ملكية فيدرالية تقليدية قائمة على اتحاد فعلي بين القبائل، إلا أن هذا التحوُّل الاقتصادي الكبير أخفى بين طياته تحوُّلا أعمق، حيث كانت الإمارات تتغير في الوقت نفسه، وبشكل تدريجي، من اتحاد قبلي مستقر، مع مراكز سلطة متعددة وتوازن نسبي بين الإمارات السبع خاصة بين دبي وأبو ظبي، إلى دولة شرطية يقع مركزها في أبو ظبي الغنية بالنفط. ما يعني أن حكام الإمارات الجدد، وعلى عكس سياسات والدهم الراسخة في تحقيق الاستقرار من خلال التحاور مع شيوخ القبائل الآخرين وإشراك مراكز القوى التقليدية في صناعة القرار، حظوا بقدر غير مسبوق من اللامُساءلة، بفضل السيطرة المطلقة لـ "أبو ظبي" على سائر الإمارات.

لم يكن هناك أي منطق يُشير إلى أن رياح الربيع العربي يمكن أن تصل إلى الإمارات، فمن ناحية، تتمتّع البلاد بمستوى معيشة مرتفع جدا مقارنة بالمعدلات العالمية، مع نجاح تاريخي للحكومة في الاستفادة من توزيع الثورة مقابل تحصيل الولاء السياسي، وقاعدة تزيد على 80% من السكان المغتربين الذين لا تفرض عليهم أي ضرائب، ويحيا أغلبهم، باستثناء أرباب بعض الوظائف الدنيا، في ظروف شديدة الجودة مقارنة ببلدانهم، لكن الصورة الحقيقية تبدو مختلفة مع القليل من التدقيق، فعلى بُعد ساعة واحدة من دبي في إمارة رأس الخيمة، كما في الإمارات الشمالية الأخرى مثل عجمان وأم القيوين، وحتى في الفجيرة على الساحل الشرقي، عانى المواطنون لفترات طويلة من الفوارق التفاضلية في التنمية بين الإمارات المختلفة، مع مظاهر واضحة للحرمان. ومع الابتعاد عن بريق دبي وأبو ظبي، تبدأ شكاوى العديد من المواطنين من عدم المساواة في مستويات المعيشة، وتفاضل الخدمات، وحتى الفوارق في فرص العمل في الظهور، وهي السرديات والأجواء ذاتها التي أفرزت الربيع العربي، وأثبتت قدرتها على حشد الجماهير في مصر وتونس. ومع وجود تنظيم "الإخوان المسلمين" في هذه الإمارات، فإن ذلك يعني بالنسبة لحكام البلاد خطرا كبيرا.

مثل دول الخليج الأخرى، بدأ وجود الإخوان في الإمارات خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين وُظِّفت أعداد كبيرة منهم لسد نقص الكوادر في الوظائف الفنية والأكاديمية، ليستحوذ الإخوان على المواقع المهمة في قطاعَيْ التعليم والقضاء على وجه التحديد، ما كفل لهم تأثيرا على الحياة الثقافية في البلاد، وتسبَّب في نشوء ظهير محلي من الإخوان الإماراتيين. وتزامن ذلك مع عودة الطلاب الإماراتيين الذين درسوا خارج البلاد، وخاصة في مصر، مُحمَّلين بفكر الجماعة التي أعلنت تنظيمها الرسمي في الإمارات عام 1974 تحت اسم "جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي".

على مدار السنوات التالية، مارس الإخوان في الإمارات أنشطتهم التربوية والخيرية والاجتماعية بشكل معتاد، ورسموا صورتهم في المجتمع الإماراتي كمحافظين على القيم التقليدية، من خلال مجلة الإصلاح التي كانت تهتم بالموضوعات الاجتماعية والتربوية ذات الطابع الإسلامي، ومن خلال أنشطتهم العامة خاصة الطلابية منها مثل المخيمات والمجموعات الكشفية. وفي مطلع الثمانينيات قام الشيخ "سعيد سلمان"، بوصفه رئيسا لجامعة الإمارات في ذلك التوقيت، بإنشاء "اتحاد الطلاب الإماراتيين" الذي سيطر عليه الإصلاح مطلع التسعينيات.

ورغم حرص الإصلاح الواضح على عدم تخطي الحدود في تعاملهم مع حكام الإمارة، فإن تحوُّل الجمعية إلى جهة تنظيمية جماهيرية، مع وجود فعال في قطاعَيْ التعليم والقضاء، كانا وحدهما كفيلين بإثارة قلق الطبقة الحاكمة، خاصة أن الإصلاح كان يطرح بين جنبات نشاطه الاجتماعي المكثف أجندة إصلاح سياسي خجولة لم يغفل عنها حكام الإمارات. لذا، ومع مطلع التسعينيات بدا أن حكام الإمارات كانوا قد اتخذوا قرارهم فعليا بسحق جماعة الإخوان المسلمين.

في البداية، كانت تحقيقات أجهزة الأمن المصرية هي التي دفعت باسم جمعية الإصلاح إلى الواجهة، بوصفها إحدى الجهات الممولة بطريقة غير مباشرة من جماعة "الإخوان المسلمين"، وهو ما منح فرصة أكثر من مواتية للنظام في الإمارات لتدشين الموجة الأولى من حملته القمعية ضد الإصلاح، وكانت الحجة المعلبة جاهزة وواضحة: "جمعية الإصلاح ليست إلا منظمة دولية تُدار من قِبل جماعة الإخوان المصرية بهدف إقامة شبكة إسلامية عابرة للحدود"، وفي تلك اللحظة بالتحديد أصبح واضحا أن الحكومة الإماراتية تنظر إلى "بيعة مرشد الإخوان" كتحدٍّ لولاء الإصلاح للدولة.

على الفور، حُلَّت مجالس إدارات جمعيات الإصلاح، ووُضِعت تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية، وجُمِّدت أنشطتها وفُرِز أعضاء جماعة الإخوان لمنعهم من تولّي المناصب العامة. ومثّلت أحداث 11 سبتمبر/أيلول، مع تورُّط اثنين من الإماراتيين فيها، فرصة لتغليظ عصا القمع، فقام جهاز أمن الدولة الإماراتي بالقبض على 250 شخصا من المتعاطفين مع "الإسلاميين"، ووجّهت لهم تُهما تتعلّق بدعم الإرهاب في عام 2002، ورغم أن الكثير منهم أُفرِج عنهم بحلول عام 2004، فإن أبو ظبي لم تُبدِ أي إشارة إلى أن حربها الداخلية قد تضع أوزارها.

شهدت الفترة ما بين عامَيْ 1994-2004 وضع أسس البنية التحتية لـ "دولة القمع" الإماراتية، رغم أن تحرُّكات الحكومة لمحاصرة المجال العام كانت قد بدأت فعليا مع نهاية الثمانينيات، وكما تظهر برقية نشرتها ويكليكس، فإن مديرية أمن الدولة الإماراتية قامت في عام 2004 بحصر 700 من أعضاء جماعة الإخوان، منهم ما بين 50 إلى 60 شخصا كانوا منخرطين في صفوف الجيش.

وسرعان ما بدا واضحا أن قضية الإماراتيين الخمسة لم تكن سوى الموجة الأولى من موجات القمع العنيف التي دشّنتها عريضة الإصلاح، ففي مارس/آذار عام 2012، فوجئ سبعة إماراتيين ينتمون لجمعية "الإصلاح" بقرار تجريدهم من جنسياتهم، قبل أن يُعتَقلوا جميعا بعد رفضهم مغادرة البلاد استجابة لأوامر الدولة، وأصبح من الواضح أن موجة القمع التالية، والمرتبطة بالربيع العربي، ستُوجَّه نحو الإصلاح. ومع نهاية عام 2012، كانت السلطات الإماراتية قد اعتقلت 94 من المنتمين للإصلاح، من بينهم 13 امرأة، وعقدت لهم أكبر محاكمة سياسية شهدتها الإمارات منذ تأسيسها، محاكمة انتهت في عام 2013 بإدانة 69 منهم، والحكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين سبعة وخمسة عشر عاما.

زعمت الحكومة في تحقيقاتها أنها حصلت على اعترافات من المحكوم عليهم بأنهم قاموا بـ "تأسيس جناح مسلح يهدف إلى قلب نظام الحكم الإماراتي بهدف تأسيس الخلافة الإسلامية"، ورغم الغرابة الشديدة لهذه الاتهامات لجمعية لم يثبت أي ارتباط فكري أو تنظيمي لها بأي نشاط مسلح منذ تأسيسها، فإن السلطات الإماراتية استغلّت الزخم المصاحب للقضية في شنّ حملة إعلامية واسعة تحت شعار فضفاض هو "محاربة الإرهاب"، وتوّجت الحملة بإصدار تشريع جديد لـ "مكافحة الإرهاب" في أغسطس/آب عام 2014، يسمح بالتوسُّع في استخدام العقوبات المشددة خاصة الإعدام في مواجهة تهم فضفاضة تندرج جميعها تحت بند "الإرهاب". ثم تلا التشريع قائمة جديدة لتصنيف "المنظمات الإرهابية"، شملت طيفا واسعا من الجمعيات ذات "التوجُّه الإسلامي"، والمفارقة أن بعضها مُصرَّح له بالعمل في أوروبا والولايات المتحدة، وجاء في مقدمة القائمة بالطبع جمعية "الإصلاح" وجماعة "الإخوان المسلمين".

 

كانت هذه التحولات السياسية والتشريعية إيذانا بتحوُّل الإمارات إلى دولة بوليسية تقليدية بالشكل الحرفي تخضع لسيطرة جهاز أمن الدولة الإماراتي. ولفترة طويلة، خضع جهاز أمن الدولة المذكور لسيطرة مستشار الأمن الوطني القوي "هزاع بن زايد"، الأخ الشقيق لـ "محمد بن زايد"، قبل أن يقوم ولي العهد بنقل السيطرة على الجهاز لنجله "خالد بن محمد" مطلع عام 2016، ضمن مساعيه لإحكام سيطرته الشخصية على الأجهزة الأمنية. وكان من الواضح أن "ابن زايد" يُعِدُّ نجله لهذه المهمة منذ فترة طويلة، وتحديدا منذ عام 2007، بعد أن أرسله ليحذو حذوه بإتمام دراسته في أكاديمية "ساند هيرست" العسكرية، قبل أن يعود ليتولّى الإشراف بشكل شخصي على ملف مطاردة "التيارات الإسلامية الإماراتية"، ويتوج مسيرته بتولّي قيادة جهاز أمن الدولة.

يتغلغل الجهاز سيئ السمعة اليوم في جميع مفاصل الدولة، ويتحكم في التعيينات والترقيات لدرجة أنه يُعرف اليوم باسم "ستاسي" الإمارات، لتشابهه مع جهاز المخابرات القمعي الشهير لألمانيا الشرقية، وهو يعمل بلا أي رقابة على سياسته الوحشية، التي تبدأ من الإخفاء القسري للمعتقلين والمعتقلات، وصولا إلى انتزاع الاعترافات المطلوبة من المتهمين تحت التعذيب بشتى وسائله، مستعينا في ذلك بشبكة من السجون السرية أمثال "الوثبة"، و"بني ياس" الجديد في أبو ظبي، و"العوير" و"مكتب الهجرة" في دبي، وعلى رأسها بالتأكيد سجن "الرزين" الشهير، موطن العديد من المعتقلين السياسيين، والمعروف بـ "غوانتنامو الإمارات".

وفيما يبدو، فإن حكام الإمارات تجاهلوا الحقيقة الواضحة وهي أن التوسع في استخدام القمع في بلد اعتاد أهله على الرفاه الاقتصادي والتمتع بحدود واضحة بين الحكام والمحكومين ربما يأتي بثمن فادح. وتاريخيا، كانت هناك ثلاثة افتراضات أساسية حول أسباب استقرار الأنظمة الملكية في الخليج: أولها أن هذه البلدان تمتلك ما يكفي للحفاظ على إغداق منتظم للثروة على مواطنيها مقابل الولاء السياسي، وثانيها أن معظم المواطنين "غير مسيسين"، أو ينظرون إلى النظام القبلي باعتباره النظام الوحيد للحكم بشكل فعلي، وثالثا أن الحكام رغم كونهم غير منتخبين يُنظر إليهم دوما على أنهم حكام جيدون وغير فاسدين.

ولكن القمع الوحشي الذي استخدمه حكام الإمارات تسبّب في تحطيم اثنين من هذه الافتراضات بشكل كامل، لذا، وفي محاولة لصرف الانتباه عن حوادث المحاكمات الجائرة والممارسات القمعية والتضييق غير المسبوق على المجال العام، قامت الإمارات بزيادة المدفوعات المالية لمواطنيها إثر الربيع العربي، فأقرّت زيادات ضخمة في أجور القطاع العام، وصلت نسبتها إلى 100% أحيانا، وعزّزت استحقاقات الرعاية الاجتماعية، ووفّرت تسهيلات للمقترضين المتعثّرين، ورفعت حجم الاستثمارات المحلية في الإمارات الأكثر فقرا. ومن أجل استباق دعوات التوسع في المشاركة السياسية، وسّعت أبو ظبي تدريجيا من أعداد الناخبين في المجلس الوطني الاتحادي خلال انتخابات 2011 و2015، وصولا إلى 50% من المواطنين، إلا أنه ظل مفتقرا لأية سلطات حقيقية. ورغم ذلك، ظلّت الإصلاحات "الكبرى" في نظر حكام الإمارات أقل كثيرا من مستوى الطموحات الداخلية، والأهم من ذلك أن صورة الحكام الخيرين في أعين شعوبهم كانت قد تعرّضت للضرر بشكل لا يمكن إصلاحه.

جلسة المجلس الوطني الاتحادي (رويترز)

 

لم يقتصر الضرر الذي أصاب سمعة حكام الإمارات على الداخل فقط، ولكن كان ضررا عابرا للحدود، فمع حلول عام 2012، كان القمع الإماراتي قد تحوَّل لأول مرة إلى مادة دسمة للصحف العالمية، التي رصدت باهتمام وقائع تحوُّل الإمارة الخليجية إلى دولة بوليسية، وكان أحد هؤلاء الذين اهتموا برصد هذا التحول هو الأكاديمي في كلية لندن للاقتصاد "كريستيان كوتس أولريخسن"، كاتبا عدة مقالات رصد خلالها آنذاك التحوُّل المثير في الدولة الخليجية.

لم يتطلّب الأمر وقتا طويلا ليُدرك "أولريخسن" أن موقفه سوف يأتي بثمن أيضا، بعد أن فوجئ في العام التالي باحتجازه لمدة 45 دقيقة في مطار دبي، حين كان مُتوجِّها لإمارة الشارقة للمشاركة في مؤتمر حول الانتقال السياسي في البحرين، قبل إخباره أنه ممنوع من دخول البلاد. وكان تبرير وزارة الخارجية الإماراتية أن الدولة "رأت أنه في هذا المنعطف الحساس للغاية في الحوار الوطني البحريني، سيكون من غير المفيد أن يُعبَّر عن وجهات نظر غير بنّاءة بشأن الوضع هناك من داخل دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي".

تسبّبت واقعة "أولريخسن" في انتقادات أكاديمية واسعة للإمارات، في وقت كانت البلاد تُعزِّز فيه قوتها الناعمة القائمة بإقامة روابط فعّالة مع المؤسسات الثقافية والأكاديمية المرموقة والعالمية. ورغم الضرر اللاحق بسمعتها، فإن الإمارات نجحت في المحافظة على روابط مع العديد من المؤسسات الأكاديمية الغربية مستغلة حاجتها إلى المال، وحاولت الإمارات استغلال تمويلها لتلك المؤسسات من أجل توجيه النقاش الأكاديمي بعيدا عن قضايا التغيير في دول الخليج، وتجذير "ثقافة الرقابة الذاتية" على الباحثين والأكاديميين المتوجسين من انقطاع التمويل. بيد أن كل هذه الأموال لم تنجح فيما يبدو في الحفاظ على صورة إمبراطورية المال والأضواء، ففيما وراء الأبراج العالية في أبو ظبي ودبي، تطل على العالم تلك الصورة القاتمة لدولة صغيرة ثرية تمتلك حكاما مهووسين بنشر الفوضى والدمار حولهم، في الوقت الذي تكتظ فيه سجونهم بآلاف المعتقلين الذين يطغى أنينهم على أصوات المرح الصاخبة في دولة السعادة.

 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

إذا استمر تسريب البيوت إلى المستوطنين خلال الخمس سنوات القادمة، عبر البيع المباشر (بأموال إسرائيلية) أو الوسطاء (بأموال عربية)، ستتحول أجزاء كبيرة من البلدة القديمة إلى مناطق يهودية السكن.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة