شركاء متشاكسون.. ما السر خلف الهجمة الإعلامية الروسية على الأسد؟

رغم المظاهر الحميمية الواضحة التي يحرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس النظام السوري بشار الأسد على إظهارها في لقاءاتهما العلنية، فإن الأمور كثيرا ما تبدو مختلفة خلف الكواليس، إذ لا يتوقف القيصر الروسي عن إذلال حليفه السوري بطرق مختلفة عبر تذكيره بأنه لم يكن ليبقى في مقعده حتى اليوم إذا لم تكن روسيا قد تدخّلت عسكريا لإنقاذه من السقوط عام 2015، ولسوء حظ الأسد، فإن بعض مظاهر هذا الإذلال تتسرب -خطأ أو عمدا- أمام الكاميرات، كما حدث أثناء زيارة الرئيس الروسي لقاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر/كانون الأول عام 2017 حين قام ضابط روسي بإيقاف الأسد لمنعه من السير بمحاذاة بوتين، وكما حدث مرارا في اللقاءات المشتركة بين الرئيسين حين جرى تجاهل وضع العلم السوري في خلفية الاجتماع، كما هو متعارف عليه في بروتوكولات اللقاءات بين الزعماء.

قيام ضابط روسي بإيقاف الأسد لمنعه من السير بمحاذاة بوتين

من المرجح أن هذه الإيماءات المُذِلّة كانت تزعج الأسد بكل تأكيد، لكن الديكتاتور السوري لم يكن ليسمح لهذه اللفتات العابرة أن تُكدِّر صفو علاقته مع حليفه الأهم على الإطلاق، خاصة في ظل العُزلة الدولية التي يُعاني منها النظام منذ عقد من الزمان، ولكن جرعة الإذلال والإهانة التي تعرّض لها الأسد على يد حليفه الروسي قبل أسابيع كانت مختلفة تماما وغير مسبوقة، فلم يكن بشار الأسد يتوقّع في أسوأ كوابيسه أن يتعرّض لهجوم إعلامي مُمنهج ضد نظامه، وضد شخصه أيضا، من وسائل إعلام روسية رسمية وشبه رسمية، وهو هجوم يُدرك الأسد تماما أنه لم يكن ليحدث دون تعليمات، أو في أدنى الأحوال ضوء أخضر، من فلاديمير بوتين نفسه.

 

بدأت انتفاضة الإعلام الروسي المزعومة ضد الأسد في الأسبوع الأول من إبريل/نيسان، مع قيام وكالة الأنباء الروسية تاس (TAS) التابعة للدولة بنشر افتتاحية أكّدت فيها أن روسيا صارت تشك في قدرة الأسد على قيادة البلاد، وحذّرت من أن رئيس النظام السوري ربما يجر موسكو نحو "مستنقع أفغاني جديد"، وأكثر من ذلك، هاجمت الوكالة الروسية إيران -حليف الأسد الأهم وصديق روسيا الافتراضي- بشكل مباشر، عندما ادّعت أن الجمهورية الإسلامية ليس لديها مصلحة في تحقيق الاستقرار في سوريا أو في منطقة الشرق الأوسط نظرا لأنها تعتبرها "ساحة معركة ضد واشنطن".

 

على مدار أكثر من 12 يوما تالية، شنّت العشرات من وسائل الإعلام الروسية المقربة من السلطة حملة منظمة، ضمّت عشرات التغطيات الإخبارية والتحليلات ومقالات الرأي التي اتهمت نظام الأسد بالفساد وانعدام الكفاءة، وطعنت في أهلية الأسد شخصيا بعدما كشفت عن قيامه بشراء لوحة فنية بقيمة 30 مليون دولار لإهدائها لزوجته، لكن الأسوأ لم يكن قد جاء بعد، ففي 17 إبريل/نيسان نشرت وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية، المملوكة لـ "يفغيني بريغوجين"، رئيس شركة "فاغنر" للخدمات العسكرية التي تقوم بتوفير المرتزقة للقتال إلى جانب النظام السوري، والمُلقّب باسم "طباخ بوتين"، نشرت ثلاث مقالات في خلال أقل من ثلاث ساعات يبدو أنها هزّت أوصال النظام السوري حتى النخاع.

في المقال الأول، اتهمت الوكالة الروسية النظام السوري بالفساد والكذب على مواطنيه بشأن ندرة النفط والغاز لتبرير انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، ناهيك باستخدام المساعدات المالية الروسية لتمويل شبكات الفساد وتحقيق المصالح الشخصية لرموز النظام، بينما ركّز المقال الثاني على نتائج استطلاع رأي أجرته مؤسسة روسية نوّهت فيه بانخفاض شعبية رئيس النظام السوري بشكل غير مسبوق، مُشيرة إلى أن 31% من السوريين فقط قالوا إنهم على استعداد لاختيار بشار الأسد في أي استحقاق انتخابي مقابل 56% قالوا إنهم لا يمكن أن يصوّتوا للأسد على الإطلاق، فيما ذهب المقال الأخير إلى أبعد من ذلك حيث ركّز الانتقادات على شخص الأسد نفسه، متهما إياه بالضعف في مواجهة شبكات الفساد.

 

لاحقا، قامت الوكالة الروسية بحذف المقالات المثيرة للجدل، مدّعية أن موقعها الإلكتروني تعرّض للاختراق، ولكن المقالات كانت تُتَداول بالفعل على عشرات المواقع الروسية والعالمية الأخرى على مدار الأيام التالية، وصولا إلى 30 إبريل/نيسان، حين توّجت روسيا حملتها المناهضة للنظام السوري بتقرير صادر عن مجلس الشؤون الدولية (RIAC)، وهو مركز أبحاث تابع لوزارة الشؤون الخارجية في البلاد، أكٍد أن روسيا تُجري مباحثات مع أطراف أخرى في المشهد السوري للاتفاق على حل سياسي ربما لا يشمل بقاء بشار الأسد في مقعد الرئاسة، وسلّط التقرير الضوء على جهود روسيا المزعومة لإجبار النظام على الالتزام بوقف إطلاق النار مع كلٍّ من قوات سوريا الديمقراطية الكردية المدعومة من الولايات المتحدة من ناحية، وفصائل الجيش السوري الحر المدعومة من تركيا من ناحية أخرى، مع بدء خطوات لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم ممثلين عن كليهما.

 

وفيما يبدو، أثارت الحملة الإعلامية ضد الأسد ونظامه الكثير من التكهّنات والتساؤلات، على رأسها سؤال حول إذا ما كانت روسيا تراجع بالفعل خياراتها في سوريا، أو أنها باتت بالفعل على استعداد للتفاوض على حل سياسي لا يشمل بشار الأسد، أم أن هذا التدفق في الكتابات والإشارات الناقدة للنظام كان يهدف فقط لإرسال رسالة واضحة من الكرملين إلى دمشق، ولكن بلغة صاخبة قليلا، وأيًّا كان الجواب عن هذا السؤال الجوهري، تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن موسكو باتت تشعر بإحباط كبير من سياسات حليفها السوري، وأنها بدأت بالفعل في البحث عن طرق مختلفة وغير تقليدية للتعبير عن هذا الإحباط المتزايد.

 

 

لطالما كانت علاقات روسيا مع آل الأسد متقلبة ومعقدة، فرغم أن الاتحاد السوفيتي كان من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال سوريا وأقامت علاقات دبلوماسية معها عام 1944، ورغم الدفعة الكبرى التي حصلت عليها العلاقات بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، فإن الشراكة بين البلدين كانت أكثر تعقيدا مما يُعترف به أحيانا، حيث كان المسؤولون الروس يشعرون بالقلق تجاه حافظ الأسد ويرون أنه من المستحيل السيطرة عليه، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات تلاشت العلاقات بين البلدين تقريبا -باستثناء حفاظ روسيا على وصولها إلى ميناء طرطوس- قبل أن تُستَعاد مجددا منتصف العقد الماضي (عام 2005)، حين تقاطعت رغبة موسكو في ممارسة سياسة خارجية مستقلة مع بحث دمشق الحثيث عن حلفاء أقوياء للاستعانة بهم في مواجهة الضغوط الغربية.

 

ومع اندلاع الانتفاضة السورية ضد نظام الأسد عام 2011، ازداد دعم روسيا للنظام السوري بشكل ملحوظ، وهو دعم بلغ ذروته في سبتمبر/أيلول 2015 حين قرّرت موسكو التدخل عسكريا في سوريا لإنقاذ آخر حلفائها في منطقة الشرق الأوسط من السقوط، والحفاظ على موطئ قدمها الأخير على شواطئ البحر المتوسط، إلى جانب إثبات جدارتها كقوة عظمى وقدرتها على الدفاع عن مصالحها في منطقة طالما وُصِفت بأنها أميركية بامتياز، وبالطبع فإن موسكو لم تكن تُمانع بجانب ذلك من تحقيق حزمة من الفوائد الجانبية كانت أقرب إلى أهداف القراصنة منها إلى أهداف الدول العظمى، على رأسها اختبار الأسلحة الروسية الجديدة في صراع فعلي على الأرض، واستغلال شبكات الفساد عبر سوريا ولبنان لغزو السوق السوداء للأسلحة في الشرق الأوسط.

 

لم تنتظر روسيا طويلا لتحقيق أهدافها، وبالتزامن مع حملة القصف الوحشية التي قادتها ضد المعارضين للأسد، والتي نجحت سريعا في فك الحصار على النظام السوري وساعدته على استعادة الكثير من المناطق، بدأت موسكو تنسج شبكاتها الخاصة من العسكريين ورجال الأعمال الفاسدين من الروس والسوريين على حدٍّ سواء في قلب بيئة المحسوبية والفساد التي عزّزها النظام، وبالتزامن مع إقامة موسكو لمعسكراتها على سواحل اللاذقية، كانت الأسلحة الروسية مثل مسدسات "فايكنج MP466" وبنادق القنص وحتى قاذفات الصواريخ المحمولة تغزو الأسواق في لبنان المجاورة، فيما بدأت الشركات العسكرية الروسية الخاصة وجيوشها من المرتزقة في التدفق إلى دمشق، لكن ما لم تكن تتوقعه موسكو ربما هو أن استثمارتها السوداء على سواحل المتوسط سوف تواجه منافسة محتدمة للغاية من شريك روسيا الأساسي والوحيد في جمعية أصدقاء الأسد.

ففي الوقت الذي وصلت فيه روسيا إلى سوريا، كانت إيران موجودة هناك بالفعل، ورغم أن العناوين الرئيسية للأجندة السياسية لطهران وموسكو كانت متطابقة تقريبا، فإن المنافسة كانت تحتدم بين الطرفين حول مَن يتمتع بالهيمنة الحقيقية على الأرض، وفي تلك اللحظة يبدو أن إيران كانت فائزة بوضوح، فقد كان الشخوص المهيمنون في عائلة الأسد يقودون بالفعل الميليشيات المدعومة من إيران في القرداحة ومعاقل دعم النظام في محافظة اللاذقية، مستفيدين من التحالف طويل الأمد الذي أسّسه حافظ الأسد مع نظام الثورة الإسلامية الإيراني قبل 40 عاما.

 

تعاونت روسيا وإيران إذن من أجل منع سقوط الأسد، ولكنهما تنافستا بشدة حول مَن سيملك الكلمة العليا ومفاتيح النفوذ الحقيقية، ومَن سيُحقِّق الاستفادة الأكبر من الفساد النظامي، ولم يكن من المفاجئ أو المستغرب أن تتحول هذه المنافسة في كثير من الأحيان إلى اشتباكات مسلحة، ظاهرة تفاقمت بشكل واضح مع تولّي ماهر الأسد، شقيق بشار الأسد، قيادة الفرقة المدرعة الرابعة التابعة للجيش السوري، وهي واحدة من أقدم الألوية في البلاد وأكثرها تجهيزا، لتتولّى الفرقة منذ ذلك الحين السيطرة على جميع عمليات التهريب داخل البلاد، من البوكمال على الحدود الشرقية لسوريا مع العراق، وصولا إلى اللاذقية على الساحل السوري، حيث حصلت إيران على امتياز استخدام الميناء الشهير في أكتوبر/تشرين الأول 2019، ليتحوّل منذ ذلك الحين إلى أحد أكبر مراكز تصدير المنتجات النفطية المهربة، بل والمخدرات، إلى أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

لم تُرْضِ هذه التطورات الميدانية موسكو على الأغلب، ليس فقط لأنها عزّزت من نفوذ إيران في شبكات المحسوبية السورية على حساب روسيا، ولكن أيضا لأنها تسبّبت في إحراج كبير لبوتين والدبلوماسيين الروس مع إعلان أكثر من دولة قيامها بضبط شحنات مخدرات قادمة من اللاذقية، بمَن في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية واليونان، التي أعلنت في يوليو/تموز 2019 عن تنفيذها أكبر عملية ضبط مخدرات في تاريخ البلاد شملت 5.25 مليون طن (33 مليون حبة) من مخدر الكبتاجون بقيمة 660 مليون دولار مخبأة في حاويات شحن قادمة من ميناء اللاذقية، غير أن الأمور دخلت في طور غير مسبوق من التصعيد مطلع عام 2019 حين بدأت الفرقة الرابعة المدرعة في شنّ هجمات مسلحة على وحدات النمر العسكرية المدعومة من روسيا، في محاولة لانتزاع السيطرة على طريق التهريب الواصل بين الأراضي الخاضعة للنظام والأراضي الواقعة تحت سيطرة المعارضة في محافظة إدلب، ما أسفر عن سقوط أكثر من 70 قتيلا.

ردا على ذلك، قامت روسيا بتدشين حملة اعتقالات كبرى لأبرز قيادات الفرقة الرابعة المدرعة وغيرها من الوحدات المدعومة من إيران في جميع أنحاء البلاد بزعم التورط في تهريب المخدرات، وقد نجحت الحملة الروسية بالفعل في استهداف العديد من ضباط الطبقة الوسطى المرتبطين بإيران، وكان من بين المستهدفين في الحملة بشار طلال الأسد، أحد أبناء عمومة بشار الأسد، لكنه تمكّن من الهرب، وقام باستهداف الفرقة التي سعت لاعتقاله في منطقة القرداحة، وتعهّد بمهاجمة قاعدة حميميم الجوية الروسية، على بُعد 17 ميلا شرق مدينة اللاذقية، حال سعى النظام لاعتقاله مرة أخرى.

 

بالنسبة إلى روسيا، كان التهديد بشنّ هجمات على بنيتها التحتية العسكرية مصدر قلق حقيقيا، خاصة أن قاعدة حميميم، التي وجّهت روسيا من خلالها كامل حملتها العسكرية في سوريا، سبق وأن تعرّضت بالفعل لسلسلة هجمات محدودة على يد الميليشيات الموالية لإيران في عام 2018، وقد تفاقم شعور موسكو بالتهديد بسبب استحواذ طهران السابق على ميناء اللاذقية، وإعلانها عن بدء تنفيذ مشروع سكة حديد شلمجة، الذي يهدف إلى ربط موانئ الخليج الإيرانية بميناء اللاذقية على البحر المتوسط مرورا بالبصرة وأراضي العراق، ما يمنح طهران وصولا مباشرا إلى السواحل السورية واللبنانية، والأهم من ذلك بالنسبة إلى موسكو أنه سيتسبّب في عزل قاعدة حميميم عن القوات الروسية في وسط وجنوب سوريا، ويُوفّر لطهران طريقا مفتوحا لتسليم الأسلحة إلى وكلائها في معاقل الأسد.

 

من وجهة نظر موسكو، كانت هذه التطورات مجتمعة تعني أن الروس في طريقهم لفقدان الكثير من نفوذهم في سوريا لصالح إيران، والأهم من ذلك أن بوتين كان على يقين أن ذلك يتم بمباركة -أو تقاعس- من الأسد والأجنحة القوية في نظامه التي تميل بوضوح لطهران على حساب روسيا، وكان السماح باستمرار هذا الوضع يعني أن روسيا ستُواصِل فقدان رأسمالها السياسي ونفوذها على النظام في دمشق في المرحلة الحرجة التي كانت تستعد فيها لجني الثمار اليانعة لتدخُّلها في سوريا، لذا، وعند هذه النقطة تحديدا، فإن موسكو قرّرت أن عليها أن تُعبِّر عن إحباطها من سلوك النظام السوري باللغة التي يفهمها جيدا، وظهر ذلك بوضوح في مباركة روسيا -الضمنية- للضربات التي تشنّها إسرائيل على المواقع الإيرانية في سوريا، وهرولة بوتين للاتفاق مع تركيا حول وقف لإطلاق النار في محافظة إدلب رغم رغبة النظام في استمرار العمليات العسكرية للسيطرة على المحافظة.

 

كما هو واضح، كانت روسيا تشعر بالقلق أنها في الوقت الذي اضطلعت فيه بالشق الحاسم في جهود إنقاذ نظام الأسد من السقوط، فإن إيران ستكون هي المستفيد الأكبر بفضل علاقتها القوية مع النظام ومختلف الأطراف على الأرض، وامتلاكها لعدد كبير من القوات في ساحات القتال، بعكس موسكو التي تقوم بمعظم العمل من الجو، ومما جعل الأمور أكثر سوءا أن كلًّا من موسكو وطهران كانتا تُدركان أنهما وصلتا بالفعل إلى نقطة الافتراق في سياستهما تجاه سوريا، فبعد أن أصبح بقاء النظام حقيقة واضحة، بدأت إيران تركز جهودها على إعادة استنساخ النموذج العراقي عبر دمج ميليشياتها داخل النظام السياسي والعسكري السوري، في حين أن روسيا باتت ترى أن الوقت قد حان للتخطيط لمستقبل سوريا مع بعد الحرب.

 

كان ذلك يعني في المقام الأول إعادة تأهيل النظام السوري وغسل سمعته من الجرائم التي ارتكبها وتقديمه كركيزة للاستقرار بطريقة يمكن أن تُقنع المجتمع الدولي بضخ أكثر من 300 مليار دولار لإعادة إعمار سوريا، وهي الأموال التي تأمل روسيا أن تحوز شركاتها على حصة كبيرة منها، لكن موسكو فُوجئت بمدى صعوبة تغيير السلوك المافيوي للنظام السوري والميليشيات الإيرانية المرتبطة به، التي تُواصِل استخدام سوريا كقاعدة لاستهداف المصالح الأميركية والغربية والإسرائيلية وحتى الخليجية، وهو ما سيجعل هذه الدول غير راغبة في ضخ أموالها في البلاد طالما بقي النظام الحالي برئاسة الأسد في السلطة.

 

بعبارة أخرى، فإن نظام الأسد لم يفعل شيئا يمكن أن يساعد روسيا على إعادة تقديمه للعالم، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو حتى العسكري، ففي الشق الاقتصادي، تسبّبت سياسات النظام في اقتصاد البلاد في أزمة عميقة خلال الأشهر الستة الماضية، حيث ارتفعت معدلات التضخم بشكل غير مسبوق، وباتت أزمة القمح تتحدى قدرة السوريين على شراء الخبز، وجرى رفع الدعم الحكومي عن الكثير من السلع الأساسية، وانهار قطاع الأعمال الصغيرة بشكل كامل، فيما استمر قطاع النفط والغاز الحيوي في البلاد معطلا تقريبا بسبب العقوبات، وأيضا بسبب صراعات أمراء الحرب ونخب الأعمال الفاسدة الذين أصرّوا على بيع النفط في السوق السوداء عبر لبنان.

على المستوى العسكري، واصل نظام الأسد إعطاء الأولوية للحملات العسكرية باهظة التكلفة لاستعادة الأجزاء الباقية من البلاد بدلا من التركيز على تحسين حياة الناس في المناطق التي يسيطر عليها بالفعل (أكثر من ثلثي البلاد)، وهو يواصل الاعتماد في حملاته تلك على قادة الميليشيات المرتبطين بإيران، في الوقت الذي يجري فيه فعليا تفكيك الجيش السوري الذي ترغب موسكو في الاعتماد عليه، أما سياسيا، ظل الأسد يرفض جميع الضغوط للدخول في حوارات جادة مع معارضيه، الأمر الذي قوّض الآفاق المتواضعة لعملية الإصلاح الدستوري التي ترعاها الأمم المتحدة وتحظى بدعم روسيا.

 

بخلاف ذلك، كانت روسيا تواجه تحديات على جبهات مختلفة أعاقت جهودها لتحقيق النصر المنتظر في سوريا، فمن ناحية، هناك الولايات المتحدة التي تحتفظ بوجود عسكري مُعتَبر في البلاد وتمتلك كلمة حاسمة في تمرير أي صفقة للانتقال السياسي، وهناك أيضا تركيا التي أسّست وجودا عسكريا شبه دائم في محافظة إدلب ولا تزال ترعى فصائل المعارضة المسلحة هناك، وهي تحرم بوجودها نظام الأسد من الوصول إلى موارد النفط والغاز في الشرق، ومن المؤكد أنها سيكون لها صوت أيضا في أي مفاوضات مقبلة.

 

بالتزامن، تجد روسيا نفسها في مواجهة ضغوط داخلية كبيرة، بعدما أصبحت المغامرة التي تخوضها في دمشق أقل شعبية، وكما يُشير استطلاع رأي أُجري في إبريل/نيسان 2019، فإن الدعم الشعبي للتدخل الروسي في سوريا انخفض إلى أكثر من النصف بالمقارنة مع معدلاته في شهر أغسطس/آب 2017، وقد بات مرشحا للانخفاض بشكل أكبر في ظل التراجع الاقتصادي المصاحب لتفشي فيروس كورونا، والانهيار الحاد لأسعار النفط.

 

لكن ذلك كله يعني أن روسيا في طريقها إلى التخلي عن الأسد أو أنها تُفكِّر في ذلك بجدية على كل حال، وبدلا من ذلك، من المرجح أن هجوم الإعلام الروسي على النظام السوري كان يهدف لممارسة أكبر قدر ممكن من الضغط على الأسد لإجباره على الانصياع لإرادة موسكو، سواء من خلال إبداء المزيد من المرونة السياسية عبر التجاوب مع جهود روسيا للتقدم نحو المفاوضات، أو عبر بذل المزيد من الجهد لتحجيم شبكات المحسوبية السياسية المرتبطة بطهران ومنح موسكو حصة عادلة من النفوذ، وهو ما يبدو أن روسيا حصلت عليه بالفعل إثر إعلان موسكو في 29 مايو/أيار نيتها توسيع قاعدة حميميم الجوية والمنشأة البحرية في طرطوس، وتفاوضها مع الحكومة في دمشق لبناء قواعد عسكرية في مناطق أخرى من البلاد.

 

ترسل هذه التطورات رسالة لا لبس فيها حول التزام موسكو طويل الأمد باستخدام سوريا كحجر زاوية في إستراتيجيتها للشرق الأوسط، ولكن للمفارقة، فإن بوتين يُدرك جيدا أنه لا يمكنه فعل ذلك في الوقت الراهن بدون الأسد نفسه، وأن الأهمية التي يحملها رئيس النظام السوري بالنسبة إلى روسيا توازي أهمية نظامه، وأن الأمر ليس مجرد لعبة استبدال أسماء، كما حاولت بعض وسائل الإعلام تصوير الأمر خلال الأسابيع القليلة الماضية.

 

بادئ ذي بدء، تُدرك موسكو أن أي محاولة لإبعاد الأسد لن تُقاوَم فقط من قِبل رئيس النظام السوري وطغمته، ولكن أيضا من قِبل إيران وميليشياتها، وحتى إذا أقرّت إيران أن الوقت قد حان لرحيل الأسد من حيث المبدأ، فمن غير المرجح على الإطلاق أن طهران وموسكو يمكن أن تتفقا على هوية مَن سيخلفه، وهو ما يُنذر باحتدام المعركة على السلطة داخل المعسكر الداعم للنظام نفسه، حيث تتمتع إيران وحلفاؤها بنفوذ قوي ووجود عسكري مباشر أكبر بكثير من روسيا.

بخلاف ذلك، من الواضح أن استبدال الأسد وحده لن يُغيِّر الأمور كثيرا بالنسبة إلى روسيا، حيث تظل جميع مراكز القوى وأمراء الحرب ومؤسسات الظل داخل النظام غير مهتمة في الوقت الراهن للتنازل عن مكاسبها الاقتصادية الضخمة طمعا في رضا موسكو، ومن غير المرجح -في المدى المنظور- أن يستطيع أي رئيس جديد خوض مواجهة ضد هذه اللوبيات التي راكمت الكثير من الثروة والنفوذ على مدار سنوات الحرب، ولكن على العكس من ذلك، من المتوقع أن تكون السلطة التي سيُمارسها أي شخص آخر أضعف من السلطة التي يتمتع بها الأسد بالفعل.

 

في السياق ذاته، تُدرك كلٌّ من موسكو ودمشق أن النظام السوري صار يتمتع اليوم بقدر غير مسبوق من الثقة التي منحتها إياه انتصارات السنوات الماضية، وبات يرى نفسه قوة مستقلة قادرة على اتخاذ قرارات، والانخراط في مواءمات وانحيازات بعيدا عن فلك روسيا وحتى عن إيران نفسها، فعلى سبيل المثال، يستفيد النظام بشكل جيد من الخلافات بين إيران وروسيا لتلمس سياسات مستقلة عن الدولتين، ويظهر ذلك بوضوح في التقارب الناشئ بين دمشق وعدد من العواصم الخليجية مثل أبوظبي والرياض على خلفية العداء المشترك تجاه تركيا، حيث باتت هذه العواصم اليوم تقود جهود إعادة دمج النظام السوري وإعادته إلى الحظيرة العربية.

وأخيرا، فإن فكرة التخلي عن الأسد تبدو غير منطقية من وجهة نظر السياسة الروسية نفسها، إذ لم يكن تدخُّل روسيا في سوريا في أي وقت مُتعلِّقا بإنقاذ النظام فحسب، ولكنه كان يهدف أيضا إلى إرسال رسالة إلى بلدان الشرق الأوسط وأنظمته الاستبدادية مفادها أن موسكو حليف يمكن الوثوق به، وأنها يمكن أن تصبح بديلا للولايات المتحدة، ومن شأن التخلي عن الأسد والسماح بتغيير القيادة في سوريا أن يُبدِّد هذه الموثوقية ويُعيد إلى الأذهان وقائع تخلّي الولايات المتحدة عن حلفائها المستبدين، مثل زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر إبان انتفاضة الربيع العربي.

 

وفقا للحسابات الروسية إذن، يبقى الأسد هو الشريك المفضل لموسكو في سوريا، وحتى إذا كان هذا الشريك ناقصا للغاية ومثيرا للإحباط في كثير من الأحيان، فإن بوتين يُدرك أن عليه أن يبتلع إحباطاته، ويواجه حقيقة أن سوريا قد أصبحت دولة فاشلة تُحكم بواسطة نظام ميليشيوي يقوده ديكتاتور مهووس بالسلطة ومفعم بالزهو، وأن روسيا نفسها لم تكن بعيدة عن ذلك، غير أن ذلك لا يمنع أن يستنفد القيصر أوراقه في الضغط على المستبد السوري، وأن يُعبِّر عن استيائه وغضبه بين الحين والآخر، على أمل أن ذلك سيكون كافيا لمنع الأسد من إحباط خططه مرة بعد مرة.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة