على سواحل السمراء.. التغلغل الصيني العسكري في جيبوتي وأهدافه

أمام مبنى محطة السكة الحديد في نهاية جيبوتي "نجاد"، يرى المار العلم الصيني بين العلمين الجيبوتي والإثيوبي، فيما تظهر الأجواء صينية أكثر في الداخل، إذ بمجرد دخول المحطة تُرى على حائط المحطة ساعة من ماركة "بولاريس" (Polaris) الصينية، ويتعامل المار مع مواطنين صينيين يبيعون التذاكر قبل أن يركب قطارا صيني الصنع.

 

يسعد سكان جيبوتي البالغ عددهم 900 ألف نسمة برؤية الصين تنضم إلى نادي الجهات الأجنبية التي لها وجود هناك، ومن بينها اليابان وإيطاليا وبريطانيا، ذلك لكونهم ينظرون إلى جملة الوجود الأجنبي كقوة استقرار تحمي بلادهم من التهديدات المحتملة من الجيران مثل إثيوبيا والصومال وإريتريا، وتمنحهم مالا يعوضهم نقص الموارد لديهم، كما أن تلك القوات -حسب اعتقاد السكان- بمنزلة حصن ضد الإرهاب الذي زعزع استقرار دول أخرى في المنطقة.

 

لكن في تلك النقطة الجغرافية الإستراتيجية، هناك مَن لا يُرحِّب بالوجود الصيني المتغلل، بل يعتبره تهديدا وجوديا له، إنهم الأميركيون الذين لا تجمعهم حدود مشتركة بخصمهم الصيني، لكنهما يمتلكان عداء تاريخيا يجعلهما يدوران دوما حول بعضهما بعضا، ويصوّبان أسلحتهما إلى مدن بعضهما بعضا، إذ أصبحت جيبوتي التي قررت الصين أن تبني عليها قاعدتها العسكرية الخارجية الوحيدة في العام 2017 اليوم مكانا مهما لتنافس الخصمين الإستراتيجيين، مكانا قد ترجح فيه كفة الميزان في المستقبل القريب -حسب تقديرات المحللين- لصالح بكين.

لم يَحُل كونها الدولة الأصغر مساحة في القارة الأفريقية من امتلاكها العديد من المزايا التي جعلتها كيانا ذا ثقل إستراتيجي يجذب القوى العالمية، فجيبوتي تتحكّم بأحد أكثر الطرق البحرية ازدحاما في العالم "مضيق باب المندب"، الممر المائي الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر ويمر عبره نحو 4 % من إمدادات النفط العالمية.

 

يعود الاهتمام العالمي بجيبوتي إلى وجود هيكل سياسي مستقر في القرن الأفريقي الذي مزقت غالبيته الصراعات، هيكل مقتنع لأقصى حدٍّ بأن الدعم الخارجي وتنويع الشراكات الخارجية هو سبيله لضمان استمرارية النظام السياسي وتوفير الاستقلال الذاتي، وهي القناعة التي جعلت البلاد بالفعل مركزا للمنشآت العسكرية الأجنبية التي تدر أهم مصادر الدخل المستخدمة في تحسين البنية التحتية للبلاد وزيادة قدرتها التجارية، فقد حطّت كلٌّ من الولايات المتحدة والصين وفرنسا وإيطاليا والسعودية وغيرها قواعدها العسكرية في جيبوتي، أو لا تزال تعمل من أجل أن تنال حصة عسكرية على هذه الأرض، وعلى خُطى تلك الدول تحركت الصين لوضع بصمة بحرية عسكرية لها في المياه الزرقاء بجيبوتي.

 

لقد أصبحت الصين سابع دولة تقيم وجودا عسكريا في الدولة الأفريقية الصغيرة، بعد سنوات من العمل الدؤوب لها في توسيع علاقاتها العسكرية في أفريقيا، من خلال بعثات حفظ السلام الممتدة، وتدريب الأفراد العسكريين، وزيادة مبيعات الأسلحة، فكما يُبيّن بحث أجراه معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تُعَدُّ الصين هي المورد الثاني للأسلحة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بعد روسيا والمورد الثالث لشمال أفريقيا بعد روسيا والولايات المتحدة.

في البداية، ركّزت الصين بعد إعلانها بناء منشأة عسكرية في العام 2015 على الاستفادة القصوى من الموقع الإستراتيجي لجيبوتي التي تقع على الحافة الشرقية للقارة الأفريقية والضفة الغربية للمحيط الهندي، ففي بلد لا يوجد فيه موارد طبيعية تقريبا أرادت الصين تحويل جيبوتي إلى دبي القرن الأفريقي، فاستثمرت بشكل كبير في مشاريع البنية التحتية كالمطارات الدولية وخطوط السكك الحديدية التي تمتد إلى إثيوبيا غير الساحلية، وعلى سبيل المثال أنشأت خط السكة الحديد الكهربائي الإثيوبي – الجيبوتي بقيمة 4 مليارات دولار، وقامت بتمويل شبكة أنابيب مياه تزيد قيمتها على 300 مليون دولار تنقل مياه الشرب من إثيوبيا إلى جيبوتي، كما أنفقت بكين مئات الملايين من الدولارات لتحويل ميناء جيبوتي إلى أكبر ميناء في المنطقة.

 

وفيما يتعلّق بالقاعدة العسكرية الصينية، وهي إحدى القواعد التي تُعَدُّ مصدر دخل مهما لجيبوتي، تدفع الصين 100 مليون دولار سنويا كإيجار، وهو مبلغ يفوق بكثير ما تدفعه الولايات المتحدة وفرنسا، إذ من المهم بالنسبة لبكين أن تصبح جيبوتي فعلا شريكا اقتصاديا موثوقا يصل بها إلى لؤلؤة جديدة في "سلسلة اللؤلؤ" التي تعمل بكين على إنجازها بربط الموانئ البحرية بعضها ببعض، لتأمين الممرات البحرية للنقل والتجارة والاتصالات من الصين إلى أفريقيا.

 

الرئيس الصيني "شي جين بينغ" والرئيس الجيبوتي "إسماعيل عمر جيله"

في يوليو/تموز 2017، غادرت سفن حربية المدينة الساحلية الواقعة في جنوب الصين "تشانجيانغ" متوجهة نحو قاعدة الدعم الصينية الأولى في جيبوتي، هذه السفن، وفي تنفيذ عملي لاتفاق يمنح بكين وجودا عسكريا في البلاد حتى عام 2026، حملت نحو 10000 جندي صيني للوجود في الموقع الحيوي الذي أرادت بكين منه إبراز قوتها في أفريقيا والشرق الأوسط.

 

قبيل افتتاح القاعدة التي بلغت تكلفة بنائها 590 مليون دولار، وتحديدا في العام 2015، تحدثت الصين عن أن القاعدة هي مجرد "منشأة لوجستية"، لديها مهام معينة، كالمشاركة في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام ومكافحة القرصنة في خليج عدن ومهام أخرى تتعلق بالإغاثة الإنسانية في جيبوتي، واستمر الإصرار الصيني على أن تلك هي مهام القاعدة حتى مع استعراض القوات الصينية بعد شهرين من وصولهم للقاعدة قوتها القتالية بشكل كبير في أول تدريبات بالذخيرة الحية.

 

فكما قالت البحرية في جيش التحرير الشعبي إن "قوات جيش التحرير الشعبي المتمركزة في جيبوتي يجب أن تكون قادرة على حماية نفسها ومقاومة الهجمات التي يشنها الإرهابيون أو القراصنة أو القوات المسلحة المحلية أو حتى القوات الأجنبية". يحدث ذلك في وقت انخفضت فيه القرصنة بشكل كبير، ولم تعد تمر فيه عبر جيبوتي أيٌّ من عمليات حفظ السلام الصينية، كما أن البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني والتي تتولّى مهام تلك القاعدة تقوم مرة واحدة فقط في العام ببعثات مرافقة إنسانية لشحنات برنامج الغذاء العالمي إلى الصومال.

تتجاوز الأهداف الصينية كل ما حاولت القيادة الصينية تأكيده للعالم، إذ إن القاعدة التي ستُستخدم أيضا لتعزيز موقع بكين في المحيط الهندي لخدمة الإستراتيجية الصينية البحرية القائمة على مواجهة الهند في المحيط الهندي تهدف اقتصاديا إلى تعزيز الصادرات الصينية من خلال الطرق البرية والبحرية التجارية، فقاعدة جيبوتي ستُحقِّق إلى حدٍّ كبير أهداف مبادرة "حزام واحد وطريق واحد"، كون معظم صادرات الصين اليومية إلى أوروبا التي تبلغ قيمتها مليار دولار تجتاز مسيرها عبر خليج عدن وقناة السويس.

 

أما عسكريا، فتحركات الصين الجارية الآن في تلك القاعدة والتي كشفتها الأقمار الصناعية والتقارير غير الرسمية تُظهِر أن القاعدة هي بالأحرى حصن عسكري قد يستوعب آلاف الجنود بسبب البنية التحتية العسكرية الهائلة التي تضم ثكنات ووحدات تخزين وصيانة، ومرافق إرساء يمكنها التعامل مع معظم السفن في أسطولها البحري المجهز، ومهبط طائرات هيلوكوبتر، وكذلك هي مجهزة بمرافق الحرب السيبرانية والإلكترونية التي توفر سهولة في جمع المعلومات الاستخبارية، وقد قال ضابط مخابرات متقاعد في الجيش الهندي إن "المنشأة التي تبلغ مساحتها 200 فدان تضم 10 ثكنات على الأقل ومستودع ذخيرة ومهبط طائرات عمودية، وتحيط أربع طبقات من الأسوار الواقية بالمحيط؛ يبلغ طول السياجين الداخليين ثمانية إلى عشرة أمتار ومرصعة بأعمدة حراسة".

 

الأكثر وضوحا أن القاعدة البحرية في جيبوتي صُمِّمت بمحيط أمني ​​واسع يتميز بثلاث طبقات للدفاع، كما "تتكوّن الطبقة الداخلية من جدار محيط كبير مع العديد من الأبراج المكونة من طابقين في الزوايا للمراقبة أو لوصول القوات إلى الجدار، وخارج هذه الجدران الكبيرة يمكن رؤية جدار أصغر أو سياج سميك مع العديد من أبراج المراقبة المنتشرة على طول المحيط، حيث توفر المسافة بين الجدران وخارج الجدار الخارجي الطبقة الثالثة من الأمان" كما جاء في تقرير موقع "ستراتفور" الأميركي، بل إنه في مايو/أيار الماضي كشفت الأقمار الصناعية أن الصين التي تُواصِل العمل في القاعدة المحصنة كقلعة حديثة جهّزت رصيفا يبلغ طوله 1120 بشكل يسمح قريبا باستخدام السفن، وكذلك استيعاب حاملات الطائرات الصينية الجديدة، وحاملات الهجوم أو السفن الحربية الكبيرة الأخرى، بل يمكن للرصيف أن يستوعب بسهولة أربع غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية في الصين.

وبرغم أنه لا يمكن تفنيد حقيقة أن القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي بشكل عام لديها دفاعات عسكرية قوية كقاعدة "ليمونير" الأميركية، فإنه حسب ما تكشفه لا شيء يُضاهي قوة القاعدة الصينية التي تضم الآن دفاعات كبيرة على جميع الجوانب، وتضم مجموعة من المدافع الأوتوماتيكية والصواريخ المضادة للدبابات والمدافع الكبيرة.

 

من المفارقة أن جيبوتي، تلك البقعة الجغرافية الصغيرة في القارة السمراء، هي مَن جعلت الخصمين الإستراتيجيين بكين وواشنطن جيرانا، إذ أنشأت الصين أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي على بُعد نحو 7 أميال فقط من القاعدة الوحيدة للجيش الأميركي في أفريقيا "ليمونير"، والتي أنشأتها الولايات المتحدة في عام 2001 لتنسيق عملياتها في "مناطق القتال الفعلي" في الصومال واليمن، حيث يوجد بها نحو 4000 جندي.

 

يُدرك المسؤولون الأميركيون أن بناء القاعدة الصينية في جيبوتي يُمثِّل علامة فارقة في تحركات بكين الآخذة في الاتساع على حساب الهيمنة العسكرية الأميركية الطويلة، ففي السنوات الأخيرة ارتفع الإنفاق العسكري الصيني إلى حد توقع أن تصل ميزانية الدفاع في بكين إلى 233 مليار دولار في العام 2020، أي بمبلغ يتجاوز ما تنفقه جميع دول أوروبا الغربية مجتمعة، وفي وقت أصبحت فيه السفن البحرية الصينية والغواصات النووية تجوب معظم أنحاء العالم، تنظر واشنطن بحذر شديد إلى قرب القاعدة الصينية لأقل من 5 أميال عن ميناء الحاويات الرئيسي في جيبوتي الذي تزوره السفن الحربية الأميركية والأوروبية، وهو المصدر الرئيسي للإمدادات لدعم قواتها في قاعدة "ليمونير"، إذ ما يقرب من 98% من الدعم اللوجستي لجيبوتي والصومال وشرق أفريقيا يأتي عبر هذا الميناء.

جنود أميركيون في قاعدة ليمونير الأميركية في جيبوتي

وقد بدأت التخوفات الأميركية من أن يُهدِّد هذا الوجود الصيني المصالح والعمليات الأميركية التي أصبحت واقعا ملموسا في مايو/أيار 2018، حين أقدمت القوات الصينية في تلك القاعدة على إطلاق أشعة الليزر على الطيارين الأميركيين في محاولة منها للتدخُّل في مهام الطيران الأميركية، وقد سبق ذلك إرسال البنتاغون شكوى رسمية إلى بكين تستنكر إصابة طيارين أميركيين بجروح طفيفة نتيجة استهداف طابعات الليزر الصينية لهما، وفي النطاق ذاته اشتكت الصين من أن الطائرات الأميركية منخفضة الطيران تقوم بمهام تجسس بالقرب من المنشأة الصينية.

 

وفيما تستمر الصين بتوسيع وتقوية قاعدتها العسكرية، تتفاقم المخاوف الأميركية من زيادة السيطرة والنفوذ الصيني في جيبوتي بسبب نقطتين مهمتين، أولاهما النفوذ الذي يمكن أن توفره الأموال الصينية السخية التي تُضخ كديون في تمويل البنية التحتية الحيوية من موانئ ومطارات وسكة حديد جديدة وخط أنابيب مياه في جيبوتي، فهذا البلد كغيره من الدول الأفريقية التي تقضم أكثر مما تستطيع مضغه من الديون الصينية من السهل أن تقوِّضها الديون الصينية التي تبلغ 60% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فأحد أهم المخاوف الأميركية هو أن حكومة جيبوتي التي تواجه دينا متزايدا من السهل عليها تسليم بعض الأصول الرئيسية ومن ضمنها قاعدة "ليمونير" إلى الصين التي تمتلك حصة الأسد من الدَّيْن العام في جيبوتي، يدعم تحقيق ذلك أن التباين في المساعدات كافٍ لخلق تضارب في المصالح بين الجهات الأجنبية ومن ثم توجيه الموازين نحو مراعاة مصالح بكين، خاصة أن رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلي يبدو على استعداد "لبيع بلاده لأعلى مزايد" كما قال الأميركيون.

النقطة الثانية التي يمكنها أن تُعمِّق الوجود الصيني الأمني ​​والاستخباري في جيبوتي على حساب الأميركيين تخص الوجود المتزايد للمملكة العربية السعودية في جيبوتي، إذ إن الرياض المعنية إلى حدٍّ كبير بتعزيز العلاقات الأمنية مع بكين تسعى نحو كل ما يُعزِّز لها تدابير دفاعية وهجومية محتملة في نزاعها الإقليمي مع إيران التي تستخدم جيبوتي كمحطة وطريق تحمل عبره معدات اتصالات عسكرية مشفرة وأجهزة أخرى، فجيبوتي، وهي عضو في جامعة الدول العربية وتنضم لـ "التحالف الإسلامي" الذي تقوده السعودية، تستجيب للتأثير السعودي على أيٍّ من المنشآت العسكرية غير العربية في البلاد، لذا رفضت الحكومة الجيبوتية اقتراح روسيا بإنشاء قاعدة خاصة لموسكو الحليفة لإيران، ففيما كانت موسكو غير مفيدة للسعودية في حرب اليمن، أخذت الصين مؤخرا تُعبِّر عن دعمها للموقف السعودي في اليمن على اعتبار أن هذه الروابط تُقلِّل من اعتماد السعودية على الدعم الأميركي.

 

في النهاية، ينظر القادة الأميركيون بحذر شديد إلى ظروف بلادهم المتغيرة في جيبوتي والتي تُعَدُّ عرضا من أعراض انسحابها السياسي والعسكري الأوسع، وتُدلِّل على ضعف قدرتها على ممارسة القوة الناعمة في البيئات الأجنبية المتنازع عليها سياسيا، وفي ظل احتمالية تنحية الصين للنفوذ الأميركي في جيبوتي، إذ تكفي همسة واحدة من بكين في أذن رئيس جيبوتي، يتضح أن إدارة ترامب التي لا تمتلك حتى الآن خطة إستراتيجية مناسبة لحماية مصالح بلادها في جيبوتي هي بحاجة ماسة إلى خطة تمنحها القدرة على الدفاع عن نفسها وحلفائها.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة