دبلوماسية تايوان الصحية.. كيف نجحت دولة على حدود الصين في احتواء فيروس كورونا؟

ميدان – تايوان.. كيف نجحت دولة على حدود الصين في احتواء فيروس كورونا؟
اضغط للاستماع

   

لم يكن بروس أيلوارد، الأمين العام لمنظمة الصحة العالمية، يتوقّع أن يكون اللقاء الذي عقده مع قناة "RTKH" التلفزيونية في هونغ كونغ أكثر من لقاء صحفي روتيني كتلك اللقاءات التي اعتاد مسؤولو المنظمة إجراءها بشكل معتاد منذ بدء تفشي فيروس كورونا نهاية العام الماضي، لكنّ سؤالا تلقّاه أيلوارد من مضيفته الصحفية إيفون تونغ جعل اللقاء أبعد ما يكون عن الروتينية التقليدية، وكان السؤال يتعلق ببساطة بإذا ما كانت منظمة الصحة العالمية تدرس السماح لتايوان أخيرا بالحصول على عضوية المنظمة، بعد الدور الكبير الذي لعبه البلد الآسيوي الصغير في مواجهة فيروس كورونا.

 

كان سؤال "تونغ" صادما (1) إلى درجة دفعت المسؤول في المنظمة الدولية إلى حفرة عميقة من الصمت لبضع ثوانٍ قبل أن يطلب بشكل واضح من مضيفته أن تُوجِّه له سؤالا آخر، وفي حين أن مذيعة "RTKH" أصرّت على طرح سؤالها مرارا وتكرارا حتى بعد انقطاع الاتصال مع أيلوارد وعودته مرة أخرى، فقد بات واضحا للعيان أن المسؤول الكبير في منظمة الصحة العالمية لا ينوي الإجابة عن هذا السؤال بالتحديد.

  

تُسلِّط هذه الواقعة الضوء على العلاقة المعقدة التي تجمع بين تايوان ومنظمة الصحة العالمية، حيث ترفض المنظمة الدولية انضمام تايبيه إليها منذ أن صوّتت الأمم المتحدة (2) للاعتراف بالجمهورية الشعبية (الصين) كممثل وحيد للأراضي الصينية في عام 1971، وهي أزمة فرضت نفسها مجددا بفعل تفشي فيروس كورونا المستجد واتباع تايوان سياسة مستقلة تماما عن بكين في مكافحة الفيروس، ولكن على الرغم من اعتمادها التام على نفسها دون الحصول على مساعدة من أي جهة، أصبح واضحا خلال فترة قصيرة أن الدولة الآسيوية حققت نجاحا ملحوظا في مكافحة الوباء، لتتحول بعد ذلك إلى قبلة للعديد من دول العالم التي كانت حريصة على الاستفادة من تجربة تايبيه في مواجهة كورونا، مع دعوات كبيرة لمنح تايوان عضوية منظمة الصحة العالمية بعد أن أثبتت قدرا كبيرا من الشفافية والمسؤولية، بالمقارنة مع جارتها الكبرى، الصين، ذات الحضور القوي على الساحة الدولية.

   

    

اتبعت تايوان في مواجهة كورونا إستراتيجية مثيرة للإعجاب (3) شملت مزيجا من الشفافية العامة والمشاركة المجتمعية والتوظيف الجيد للتقنية والاستفادة من مزايا نظام صحي دقيق ومتطور يُعَدُّ اليوم من أفضل الأنظمة الصحية في العالم، وهو نظام بدأت تايوان في تأسيسه وتشييده منذ التسعينيات كعلامة على قدرتها على الاعتماد على نفسها ولتبتاع لنفسها قدرا من الاستقلالية بعيدا عن الهيمنة الصينية، نظام أثبت اليوم كفاءة لا نظير لها ليس فقط في توفير خدمات صحية فعالة وميسورة لجميع سكان البلاد، ولكن في تقديم معلومات شفافة وموثوقة حول مسار الوباء العالمي، وهي معلومات أثبتت أنها لا تُقدَّر بثمن في ظل المعاناة التي يواجهها العالم بأسره اليوم في مواجهة الفيروس الذي بدأ رحلته في مدينة ووهان الصينية في ظروف غامضة أواخر العام الماضي.

      

في مواجهة كورونا

في تايوان الواقعة قبالة سواحل الصين، وتحديدا على بُعد 110 كيلومترات فقط من بَرّ الصين الرئيسي، كان من الواضح أن الأمر ليس أكثر من مسألة وقت قبل أن تتأثر البلاد (4) بأزمة الفيروس التاجي الجديد الذي بدأ تفشيه في ووهان الصينية في ديسمبر/كانون الأول عام 2019، فبجانب القرب الجغرافي الشديد بين البلدين، كان التوقيت يزيد من قوة احتمالية تفشي المرض، في أوقات هي الأكثر ازدحاما في حركة السفر على مدار العام، وحيث يوجد في بَرّ الصين الرئيسي أكثر من 850 ألف مواطن تايواني بعضهم من المقيمين هناك بشكل أساسي، ومعظمهم ممّن توجهوا إلى الصين للاحتفال بعطلة رأس السنة الصينية الجديدة.

     

كانت هذه الأسباب أكثر من كافية بالنسبة للسلطات في الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها 24 مليون نسمة للتحرك بشكل عاجل لمواجهة احتمالات تفشي المرض داخل حدودها، وكانت البداية مع قيام البلاد بتفعيل آلية الاستجابة للطوارئ في مجال الصحة العامة، وهي آلية تُمكِّن المسؤولين من التعرف بسرعة على أبعاد الأزمة المطروحة وكيفية الاستجابة لها بفاعلية، وفي هذا الصدد، يبدو من المثير للانتباه أن تايوان لم ينخدع للحظة بمزاعم الصين الأولية (5) حول كون الفيروس التاجي لا ينتقل بين البشر، وهو ما دفعها للجوء مبكرا إلى منظمة الصحة العالمية للحصول على تقييم مستقل، ولمّا لم تتلقَّ تايوان ردا شافيا من المنظمة، فإنها قامت بالتصرف من تلقاء نفسها تحسبا للسيناريو الأسوأ.

       
أعلنت الحكومة التايوانية حظراً لمعظم الأجانب الذين يدخلون الجزيرة، كجزء من الإجراءات الوقائية ضد مرض فيروس كورونا (رويترز)

    

على الفور، قامت تايوان بتعليق الرحلات الجوية من وإلى ووهان، في الوقت الذي قامت فيه بتوجيه فِرَق من الأطباء والمختصين نحو الطائرات القادمة من الأراضي الصينية لإجراء فحوصات أولية للركاب للتأكد من خلوّهم من الأعراض الأساسية المعروفة للمرض حتى ذلك التوقيت مثل الحمى أو السعال وذلك قبل السماح بنزولهم من الطائرات، ليتم إخضاع جميع مَن أظهروا واحدا أو أكثر من الأعراض المحددة للحجر المنزلي الإجباري، مع متابعة مكثفة لبيان مدى حاجتهم إلى الرعاية الطبية في المستشفى، وبالتزامن مع ذلك، وفّرت الحكومة في تايوان الآلاف من أجهزة التهوية في بيوت التمريض وزادت عدد أَسِرَّة العناية المُركَّزة إلى 10 آلاف، وهو رقم يعادل أربعة أضعاف عدد الأَسِرَّة في أستراليا التي يبلغ تعداد سكانها 25 مليون نسمة.

  

لم تتوقف إجراءات تايوان عند هذا الحد، ففي الخامس من يناير/كانون الثاني 2020 وسّعت تايبيه إجراءاتها لتشمل أي شخص سافر إلى ووهان بؤرة انتشار المرض في الأسابيع الأخيرة، كما قامت البلاد بتفعيل دور مركز القيادة المركزية للأوبئة (CECC)، وهو هيئة أُسِّسَت لأول مرة في عام 2003 لمواجهة تفشي وباء سارس، ووظّفتها تايوان لاحقا خلال أزمة إنفلونزا الخنازير عام 2009، مع صلاحيات موسعة تتضمن وضع خطط استجابة تشمل مختلف الوزارات والهيئات، وقد تضمّنت الإجراءات التي اقترحها مركز مراقبة الأوبئة بمساعدة الجهات المختلفة في الحكومة مراقبة الحدود البحرية والجوية، ومواجهة الأخبار الزائفة حول المرض عبر تقديم إحاطات توعوية يومية، والبدء في اتخاذ تدابير اقتصادية لمساعدة الأُسر والشركات المتضررة، وإيقاف تصدير أقنعة الوجه والطلب من الشركات المحلية تعزيز إنتاجها من الأقنعة وصولا إلى 10 ملايين قناع يوميا، وهو ما مكّن تايوان ليس فقط من توفير الأقنعة بكميات كافية إلى مواطنيها، ولكن أيضا من تزويد الكثير من دول العالم بشحنات الأقنعة.

  

الأهم من ذلك أن تايبيه بدأت في وقت مبكر في توظيف قدراتها التقنية بشكل باهر في جهود مواجهة المرض، وكانت البداية المبكرة مع إنشاء خريطة تفاعلية حية تُظهِر أماكن الإمدادات المحلية لأقنعة الوجه، ولاحقا، وسّعت "أودري تانغ"، وزيرة التكنولوجيا الرقمية في البلاد، استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لإنشاء تحديثات رقمية لتنبيه المواطنين إلى المناطق الخطرة، وقامت بدمج قاعدة بيانات التأمين الصحي الوطني مع بيانات الهجرة والجمارك للتعرف على المرضى المحتملين وفقا لسجلات سفرهم، وبحلول منتصف فبراير/شباط كانت جميع المشافي والعيادات قادرة على الاطلاع على سجلات سفر المرضى، وفي وقت لاحق طورت الحكومة برنامجا يتيح للمسافرين العائدين إلى تايوان الإبلاغ عن خطوط سيرهم وتسجيل أي تغييرات تطرأ على حالتهم الصحية. 

       

الطلاب يتناولون طعام الغداء بين الفواصل لحمايتهم من مرض فيروس كورونا في مقصف جامعة تايوان الوطنية للعلوم والتكنولوجيا في تايبيه (رويترز)

        

بيد أن تلك الإجراءات الحكومية ما كان لها أن تؤتي ثمارها بدون الامتثال الصارم من قِبل المواطنين للتعليمات الحكومية، فالتايوانيون، الذين لا تزال الذكريات المؤلمة لتفشي وباء سارس عام 2003 حاضرة في أذهانهم، أيقنوا بأهمية تعزيز الاستجابة الجماعية لمواجهة الأزمة، بما يشمل الالتزام بالإجراءات التثقيفية حول طريقة الحجر الصحي في المنازل وما ينبغي للأطفال فعله في مدارسهم، وهو ما مكّن تايوان في النهاية من تجنُّب فرض إجراءات إغلاق صارمة مثل تلك التي اتخذتها العديد من دول العالم، مع إبقاء معظم المدارس والمطاعم والمكاتب مفتوحة، دون المخاطرة بحدوث زيادة في عدد الإصابات، وكما تخبرنا الأرقام، فقد سجّلت تايوان حتى مطلع شهر مايو/أيار 432 حالة إصابة بفيروس كورونا مع 6 حالات وفاة فقط، وهو رقم متدنٍّ جدا ومثير للإعجاب إلى أقصى مدى خاصة بالنسبة إلى دولة واقعة على أعتاب الصين.

  
نظام الرعاية أحادي الدافع

تسبّب نجاح تايوان الباهر -حتى الآن- في احتواء وباء كورونا في إثارة اهتمام العالم ودفعه للتساؤل حول المقومات التي مكّنت دولة صغيرة جغرافيا مع عدد سكان كبير نسبيا وموقع مهمش في النظام الدولي من تحقيق إنجاز لم تتمكّن القوى العظمى حول العالم من تحقيقه، ويكمن الجواب عن هذا التساؤل تحديدا في تاريخ تايوان القريب، فحتى مطلع التسعينيات، لم يكن من الممكن لأحد أن يتوقع أن تُقدِّم الجزيرة الصغيرة هذا الأداء الباهر في مواجهة وباء عالمي كشف قصور البنى التحتية والحكومات في دول ما يُعرف اليوم بـ "العالم الأول".

  

في ذلك التوقيت، تحديدا في عام 1989، زار (6) أستاذ الاقتصاد في جامعة برنستون في الولايات المتحدة أوفي راينهاردت بلاد زوجته مايو تشنغ في تايوان، التي لم تكن بعد دولة ديمقراطية أو متطورة في ذلك التوقيت، حيث كان 40% من سكان البلاد يفتقرون إلى خدمات التأمين الصحي إلى درجة أن بعض الأُسر كانت تضطر أحيانا إلى بيع منازلها لتوفير الخدمات الصحية لأحد أبنائها، وهو ما جعل السلطات الحاكمة في البلاد مهتمة بشكل كبير بإصلاح نظام الرعاية الصحية من خلال الاستعانة بآراء الخبراء الأجانب وعلى رأسهم راينهاردت الذي قدم إلى تايوان للإجابة عن سؤال واحد حول النظام الذي يعتقد أن تايوان يمكن أن تتبعه لتوفير القدر الملائم من الرعاية الصحية لمواطنيها.

    

  

وبعد مشاورات قصيرة مع زوجته، اقترح راينهاردت على السلطات الصينية اتباع نظام الرعاية الصحية أحادي الدافع "Single payer health care"، وهو النظام الذي يُعرف اليوم في الكثير من الأماكن باسم التأمين الصحي الحكومي الشامل، وفيه تتكفل الدولة بتوفير الرعاية الصحية لجميع المواطنين والمقيمين على أراضيها، ويتم تمويل تكاليف هذه الرعاية بواسطة صندوق حكومي موحد تذهب إليه جميع مخصصات الرعاية الصحية، وسواء كانت المشافي الحكومية أو الخاصة هي مَن تُقدِّم الخدمة الطبية، فإن تكاليف هذه الخدمة سوف يتم تمويلها ودفعها من خلال الصندوق الحكومي المخصص، على أن تتولى الحكومة توفير التمويل للصندوق واقتطاع مخصصات الرعاية الصحية المناسبة سواء من رواتب العاملين أو من موازنات الشركات المسجلة بحسب عدد العاملين لديها.

  

من وجهة نظر راينهاردت، كان نظام الرعاية الصحية أحادي الدافع هو الحل الأنسب لتقديم رعاية صحية فعالة وعادلة للجميع، ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية (7)، أولها هو إمكانية التحكم في تكلفة الخدمة الذي كان أحد الأهداف الرئيسية للحكومة في ظل الارتفاع المستمر في فاتورة الرعاية الصحية، وثانيها هو العدالة التي يوفرها النظام حيث يُقدِّم تغطية صحية كفؤا ومتساوية لجميع المؤمّن عليهم بصرف النظر عن قدرتهم على الدفع، وثالثها أن النظام بسيط إداريا ولا يحتاج إلى تجهيزات معقدة ناهيك بأن الحكومة لن تواجه مشكلة في إيضاحه وشرح تفاصيله للجمهور.

  

ورغم ذلك، فقد قوبل البرنامج بمعارضة كبيرة من قِبل العديد من التايوانيين في البداية بسبب الأقساط المرتفعة نسبيا للرعاية الصحية، إلى درجة أن المتظاهرين العماليين قاموا بإلقاء وتمزيق النقود الورقية في طقس جنائزي في اليوم الذي قام فيه المجلس التشريعي بتمرير قانون الرعاية الصحية الإلزامي الجديد عام 1994، مع قرار بدخول البرنامج حيز التنفيذ مطلع عام 1995، ولكن البرنامج سرعان ما بدأ يكتسب شعبية كبيرة بمجرد تطبيقه حين بدأ الناس يشعرون بفوائد الرعاية الصحية الجديدة الشاملة، بما في ذلك أوقات الانتظار القصيرة على قوائم العلاج والتكاليف المنخفضة نسبيا مقارنة بأسعار الخدمات الصحية قبل تطبيق النظام، والأهم هو حصول الجميع على مستوى خدمة لائق ومناسب بصرف النظر عن مستواهم المالي.

   
ترتكز المساعدات الإنمائية لتايوان على تعزيز قوتها الناعمة وبناء سمعة البلاد الدولية وإظهار الفوارق بينها وبين الصين
       

بمرور الوقت، أصبح نظام الرعاية الصحية أحادي الدافع أحد ثوابت السياسة التايوانية، حيث يجلس المسؤولون في كل عام للتفاوض حول أسعار الخدمة الصحية بعد تحديد المدفوعات الإجمالية للصحة التي توفرها الحكومة، ولكن مع مرور الوقت وزيادة عدد المستفيدين، بدأ النظام يُظهِر بعض الثغرات على رأسها الاكتظاظ الكبير للمستشفيات بسبب زيادة عدد المستفيدين من خدمات التأمين، وهو ما تسبّب بالتبعية في نقص أعداد الأطباء والممرضين بالنسبة إلى عدد المرضى، حيث تُشير البيانات إلى أن هناك نحو 1.7 طبيب لكل 1000 مريض في تايوان، وهي نسبة أقل بكثير من المتوسط العالمي ​​البالغ 3.3 طبيب لكل ألف مريض في البلدان المتقدمة الأخرى، وهو ما يجعل الطبيب في تايوان مضطرا للعمل لعشر ساعات إضافية أسبوعيا مقارنة بالطبيب في الولايات المتحدة على سبيل المثال.

  
الدبلوماسية الصحية

ولكن كما هو واضح، لم تمنع هذه الثغرات المحدودة في نظام تايوان الصحي البلاد من إظهار استجابة نموذجية في مواجهة فيروس كورونا، بطريقة أجبرت منظمة الصحة العالمية التي لا تزال تضنّ بعضويتها على تايبيه على الاعتراف بالنجاح التايواني على لسان المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية في المنظمة، مايكل راين، الذي أكد أن "السلطة في تايوان تستحق الإشادة لاستجابتها الممتازة للأزمة الصحية والتي يمكن رؤية نتائجها بوضوح من خلال الأرقام".

  

مجددا، سلّطت هذه الإشادة النادرة من منظمة الصحة العالمية الضوء على المفارقة التي يُظهرها وضع تايوان في المنظمة، مع استمرار استبعادها من المنظومة الدولية بأكملها منذ عام 1971 بسبب ضغوط الصين التي لا تزال تعتبر الجزيرة جزءا من الأراضي الصينية وتجهر بحقها في ضمّها بالقوة، إلا أن هذه العزلة الإجبارية لم تمنع تايوان من الاستجابة بشكل فعال للأزمات الكبرى مثل كورونا والتعامل بمسؤولية (8) كقوة دولية من خلال مشاركة نجاحاتها ونتائج تجاربها مع سائر دول العالم بأقصى قدر ممكن من الشفافية المسؤولية.

         
أضيئت واجهة فندق "غراند هوتيل" الشهير في تايبيه بكلمة "صفر"، مع عدم تسجيل تايوان أي إصابة بفيروس كورونا ليوم ثالث في غضون أسبوع (رويترز)

    

يُعَدُّ هذا النهج امتدادا لنهج تايوان الدبلوماسي التقليدي الذي يعتمد على محاولة إدماج البلاد في المنظومة العالمية بهدوء ودون صخب من خلال إظهار فائدتها للنظام الدولي ومساعدة الدول الضعيفة والمهمشة، فعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود أظهرت تايبيه، على الرغم من عدم الاعتراف بها كدولة مستقلة من معظم القوى الدولية، التزاما كبيرا (9) تجاه القضايا الصحية والإنمائية، وقدّمت مساهمات رائدة في مجال المساعدة الطبية على رأسها مساعدتها لجزيرة ساو تومي، الدولة الواقعة في خليج غينيا قبالة الساحل الغربي لأفريقيا، في جهودها لاحتواء الأمراض المعدية، وخاصة الملاريا، من خلال إرسال فريق متخصص من علماء الأوبئة لعب دورا فعالا في احتواء المرض الذي انخفضت نسبة المصابين به في الجزيرة إلى 1.01% في عام 2015 مقارنة بنسبة 50% في عام 2003.

    

وعلى الرغم من أن ساو تومي خذلت تايبيه في نهاية المطاف وتنكّرت لمساعدتها وقامت بقطع العلاقات الدبلوماسية معها في عام 2016 واعترفت "بجمهورية الصين الشعبية" بوصفها الحكومة الشرعية الوحيدة لجميع الأراضي الصينية التي تطالب بها، ظلّت تايوان تُراهن على دبلوماسيتها الصحية، وتمسّكت بالحفاظ على نشاطها في دعم العديد من الأنظمة الصحية المتردية في العديد من دول العالم.

  

وفي الوقت الذي تُتَّهم فيه الصين بممارسة سلوك استعماري جديد لتحقيق أهدافها الاقتصادية، ترتكز المساعدات الإنمائية لتايوان على تعزيز قوتها الناعمة وبناء سمعة البلاد الدولية وإظهار الفوارق بينها وبين الصين، ففي حين أن الصين أثبتت قدرتها على احتواء المرض داخل حدودها من خلال إجراءات الإغلاق المُشدَّد بعد أن خدعت العالم في البداية بمعلومات مغلوطة حول الفيروس وطبيعة انتشاره ما تسبّب في تحوله إلى جائحة عالمية، فإن تايوان نجحت في فعل الشيء نفسه ولكن مع الالتزام بإجراءات الشفافية والمساءلة منذ اللحظة الأولى، وفي حين أن مساعدات الصين إلى الدول الموبوءة تأتي مصحوبة بضغوط وأغراض سياسية ظاهرة وخفية، تحرص تايوان على تقديم مساهماتها إلى العالم مغلّفة بشعار التضامن الإنساني، على أمل أن يُدرك العالم في لحظة ما أن الجزيرة الصغيرة الواقعة على حافة الصين تستحق قدرا أكبر من الاهتمام وربما الاعتراف من قِبل العالم، بعد أن قدّمت البراهين على شفافيتها ومسؤوليتها في وقت أصرّت فيه الصين على خداع الجميع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما إن تنتهي الأزمة الطارئة لكورونا، يتعيّن على إيران مواجهة سؤال أرّقها لسنوات: هل سيكون من حق المهنيين الصحيّين، الذين شنّوا هذه المعركة وانتصروا، المشاركة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة