أوهام الدولة الرابعة.. كيف سيغير كورونا مستقبل السعودية إلى الأبد؟

ميدان – أوهام الدولة الرابعة.. كيف سيغير كورونا مستقبل السعودية إلى الأبد؟

مع بداية عام 2020، بدا لوهلة أن المسؤولين السعوديين سوف يتنفسون الصعداء (1) وأن المملكة سوف تنعم أخيرا بعام جيد للمرة الأولى منذ فترة طويلة، فمن ناحية، بدا أن أسعار النفط قد استقرت عند مستوى معقول نسبيا حتى لو كانت أقل مما يأمله صناع القرار في البلاد، ومن ناحية أخرى كان الاقتصاد غير النفطي قد بدأ يشهد انتعاشا نسبيا بعد فترة من الركود. أما على المستوى السياسي، فقد كان من الواضح أن المواجهات المسلحة في اليمن تشهد جمودا نسبيا وأن هناك دوافع حقيقية لدى جميع الأطراف لإنهاء الحرب، وأخيرا، وربما الأهم، أصبح واضحا أن العالم قد تجاوز أخيرا صدمة مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وبات مستعدا للتعامل مع القيادة السعودية مجددا تزامنا مع انتقال قيادة مجموعة العشرين إلى الرياض التي كان من المقرر أن تستضيف قمة المجموعة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

  

ولكن أحلام المملكة في عام هادئ ومستقر بدأت في الانهيار فجأة بعد مرور شهر واحد على بداية العام الجديد، مع الأنباء حول تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) داخل الصين، الوجهة الأهم والأكبر للنفط السعودي، مع ما صاحب ذلك من تراجع نسبي في الطلب على النفط وانخفاض نسبي في الأسعار بسبب المخاوف حول تباطؤ الاقتصاد الصيني، ومع إدراك السعودية لخطورة التباطؤ الصيني على اقتصادها فإنها سارعت علنا لإظهار الدعم للصين، حيث تعهّد الملك سلمان بإرسال أطنان من المساعدات إلى الصين خلال اتصال مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.

    

    

لكن الأسوأ لم يكن قد جاء بعد، ففي غضون أسابيع قليلة، كان تفشي الفيروس قد تجاوز حدود الصين وتحوّل إلى جائحة عالمية مُتسبِّبا في ركود اقتصادي في جميع الدول الصناعية، مع تراجع حاد في أسعار النفط التي انخفضت إلى مستويات غير مسبوقة في خضم حرب نفطية بين السعودية وروسيا، لتجد المملكة نفسها تواجه احتمالات مكابدة عجز مالي غير مسبوق (2)، وبالتزامن مع ذلك، بدأ الفيروس يطرق أبواب المملكة التي أيقنت أن عليها التعامل في الوقت ذاته مع التداعيات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لتفشي الوباء داخل حدودها، بما يشمل سياسات الإغلاق الموسعة وتعطيل الأنشطة الاقتصادية وحِزم التحفيز المالي المكلفة اللازمة لدعم الفئات المتضررة ومنع الاقتصاد من الدخول في مرحلة طويلة من الركود.

  

ومع أن هذه التداعيات والسياسات من المُرجَّح أن تُكلِّف خزائن السعودية مليارات الدولارات سواء من الخسائر المتوقعة في أسعار النفط أو تكاليف الإغلاق الاقتصادي، فإن هذه التكاليف تبقى هيّنة بالمقارنة مع التداعيات الجيوسياسية طويلة المدى التي سيُخلِّفها تفشي الوباء على مستوى الاقتصاد والسياسة والمجتمع في السعودية، حيث يبدو أن فيروس كورونا جاء ليُسرِّع (3) من وتيرة ديناميات كانت تعمل بالفعل منذ عدة سنوات في غير صالح الرياض، وعلى رأسها فقدان المملكة لقيادة أسواق النفط، وتراجع مكانتها في العالم الإسلامي، وانكفاؤها المحتمل على ذاتها لمواجهة الأزمات الاقتصادية والتوترات الداخلية، وهي اتجاهات لن تُرضي بالتأكيد طموحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي سيكتشف سريعا مع وصوله إلى السلطة أنه سيحكم دولة مختلفة تماما عن تلك التي حكمها أسلافه على مدار العقود السابقة.

  
نظام نفطي جديد

حتى قبل أزمة كورونا، لم يكن أداء أسواق النفط مُرضيا بالنسبة للمملكة بشكل كبير، حيث لم تكن مستويات الأسعار التي تتأرجح بين 60 و70 دولارا للبرميل كافية لجلب التعادل للموازنة السعودية التي تحتاج إلى مستويات أسعار تتراوح حول 90 دولارا، وقد تسبّبت هذه الأسعار المنخفضة نسبيا في تراجع أرباح شركة النفط الوطنية السعودية، أرامكو، بنسبة 20% في عام 2019 لتُحقِّق 88 مليار دولار فقط من الأرباح مقارنة بـ 111 مليار دولار في عام 2018 رغم طرح 1.5% من أسهمها في البورصة السعودية خلال هذا العام، ومع زيادة المخاوف حول عدم استدامة الأسعار والتأثير المحتمل للأسعار المنخفضة على ربحية أرامكو وأسعار أسهمها، وكذلك على حجم الأموال المتوفرة لتمويل رؤية التحول الاقتصادي لولي العهد محمد بن سلمان، بدأت السعودية في الضغط على الدول المنتجة من أجل إجراء تخفيضات أكبر في الإنتاج ضمن تحالف "أوبك بلس" الذي يُدير أسواق النفط بشكل فعلي منذ عام 2016.

   

    

لكن روسيا رفضت الانصياع للضغوط السعودية لإجراء تخفيضات إضافية في إنتاج النفط، مع كون الاقتصاد الروسي يمتلك أريحية أكبر في التعامل مع مستويات سعرية منخفضة ربما تصل إلى 40 دولارا، ومع مخاوف موسكو من فقدان حصتها السوقية لصالح منتجي النفط الصخري الأميركيين حال وافقت على تخفيضات إضافية في الإنتاج. موقفٌ ردت عليه السعودية بشن حرب أسعار مفاجئة وقصيرة النظر للغاية، أعلنت خلالها زيادة إنتاجها من النفط إلى 12 مليون برميل يوميا وتخفيض أسعار النفط للأسواق في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، ولكن في ظل تزامن حرب الأسعار السعودية مع انهيار تاريخي في الطلب على النفط بسبب التباطؤ في الاقتصاد العالمي بفعل تفشي فيروس كورونا، كانت النتيجة النهائية هي انخفاض الأسعار بشكل غير مسبوق إلى مستوى دون 20 دولارا للبرميل، وهو ما وضع النظام النفطي القائم على حافة الانهيار.

  

في نهاية المطاف، كانت الولايات المتحدة مضطرة للتدخل من أجل تنظيف الفوضى التي خلّفتها حرب الأسعار السعودية وإنقاذ ما تبقى من منتجي النفط الأميركيين من الإفلاس وتنسيق خفض تاريخي لإنتاج النفط بواقع 10 ملايين برميل يوميا، أي بما يعادل 10% من الإنتاج اليومي العالمي على أن يدخل الاتفاق حيز التنفيذ مع مطلع مايو/أيار الحالي، لكن استقبال الأسواق لأنباء التخفيضات الجديدة في الإنتاج كان فاترا على ما يبدو، مع كون جميع أماكن التخزين في العالم قد صارت مكدّسة بالنفط الرخيص ناهيك بمئات السفن التي تجوب البحر مُحمّلة بالنفط بحثا عن مشترين، ناهيك بالتوقعات القاتمة لانخفاض الطلب على النفط بمعدل يعادل ثلث الطلب العالمي (نحو 35 مليون برميل يوميا) بسبب تداعيات كورونا، ونتيجة لذلك فإن أسعار النفط حقّقت انتعاشا محدودا للغاية بعد الاتفاق (تم تداول خام برنت حول مستوى 30 دولارا) قبل أن تنهار مجددا إلى مستوياتها السابقة، مع توقعات بانهيار أكبر في الأسعار حال استمر إغلاق الاقتصاد العالمي بسبب فيروس كورونا خلال الأشهر المقبلة.

  

   

يخلق هذا الانهيار الحاد والهيكلي في أسعار النفط معضلات اقتصادية وجيوسياسية، خاصة لدى الدول المنتجة للنفط وبخاصة المملكة العربية السعودية. ورغم أن المملكة تراهن دوما على قدرتها على استخدام احتياطاتها المالية الضخمة ومحفظتها من الأصول من أجل تمويل عجز الموازنة الناتج عن انهيار أسعار البترول كما فعلت من قبل خلال الأزمات السعرية السابقة، فإن السعودية لم تواجه من قبل انخفاضا مفاجئا في الأسعار على هذا القدر من الحِدّة، مع توقعات أن يستمر لفترة طويلة (ربما لمدة عام كامل وفق التقديرات المتفائلة)، أضف إلى ذلك أن جميع جهود تعزيز الطلب على النفط خلال البيئة الحالية سوف تكون مستحيلة تقريبا في ظل ركود جميع القطاعات المعتمدة على الوقود، وهو ما دفع المملكة لإعلان نيتها إجراء تخفيضات (4) بنسبة 5% على ميزانية عام 2020 (بواقع 50 مليار ريال أو 13.2 مليار دولار)، وهو رقم كبير نسبيا بالنظر إلى أن معظم دول العالم تجد نفسها اليوم مضطرة لزيادة إنفاقها والاستثمار في حزم التحفيز المالي لمواجهة الركود الاقتصادي الناجم عن تفشي كورونا.

  

بخلاف ذلك، ومع استمرار تراجع الأسعار لفترة أطول، سوف تجد السعودية نفسها مضطرة لسحب الأموال من صناديقها السيادية بمعدلات أعلى مما كانت تنويه في الأصل، وهي الأموال التي كان يُفترض أن توجّهها المملكة لدعم أهدافها السياسية طويلة المدى مثل خطط التنويع الاقتصادي وتدخلها العسكري في اليمن ومواجهتها الأوسع مع إيران، وتُشير التقديرات المتفائلة إلى أنه حتى مع الخفض الحالي في الإنفاق، فإن المملكة ستواجه عجزا في الموازنة مقداره 61 مليار دولار، وهو ما قد يُجبرها على تقليص حضورها في مسارح الصراعات خارج الحدود وتقليص الدعم لحلفائها الإقليميين من أجل توفير الأموال لإنقاذ الاقتصاد المتداعي.

  

لا تقف قائمة التداعيات السلبية عند هذا الحد، ففي حين أن أسهم أرامكو يتم تداولها اليوم داخل البورصة المحلية، في الوقت الذي يمتلك فيه 20% تقريبا من سكان البلاد حصصا متفاوتة من أسهم الشركة، فإن مسألة انخفاض أسعار النفط ستصبح أكثر حساسية (5) من ناحية السياسة الداخلية، نظرا لأن انخفاض الأسعار يعني بالتبعية انخفاضا في قيمة الأسهم التي يتم تداولها اليوم عند مستويات سعرية أقل من أسعار الشراء، وهو ما قد يؤدي إلى غضب واسع بين مالكي الأسهم ربما يتحوّل إلى شكل من أشكال المعارضة التي قد تتفاقم بشكل خاص حال ظهرت بوادر الركود في البلاد، خاصة أن معدلات البطالة في السعودية بلغت نحو 12% نهاية عام 2019.

   

    

لكن لا شيء مما ستخسره السعودية ماليا يمكن أن يعادل التداعيات الجيوسياسية (6) بعيدة المدى لنزيف المملكة للمزيد من نفوذها المتآكل في سوق النفط، وهو اتجاه بدأ منذ أزمة الأسعار السابقة في عام 2014 التي وقعت نتيجة تخمة المعروض العالمي وحملة السعودية لتقويض منتجي النفط الصخري الأميركيين، ورغم أن المملكة ومنتجي النفط نجحوا -جزئيا- في ضبط الأسواق مجددا في عام 2016، فإن ذلك الانضباط جاء بثمن جيوسياسي باهظ، حيث كانت الرياض مضطرة للاعتراف أنه لم يعد بمقدورها التحكم في أسعار النفط بمفردها تحت لواء "أوبك"، وهو ما مهّد الطريق لظهور نظام نفطي جديد تحت اسم "أوبك بلس" بعد أن اتفقت الدول الأعضاء في أوبك مع 11 دولة خارج المنظمة لخفض الإنتاج بشكل مشترك من أجل جلب الاستقرار للأسواق الهابطة، وفي جوهره، كان اتفاق أوبك بلس تنازلا من السعودية عن سيادتها المنفردة على أسواق النفط واعترافها بروسيا كقوة مُهيمنة لا غنى عنها في أسواق الطاقة.

    

واليوم، يبدو أن هذه الدينامية تتكرر مجددا بالشكل نفسه تقريبا، حيث تجد السعودية وروسيا نفسيهما عاجزتين عن الوصول لطريقة لإدارة السوق تُلبّي مصالح كل منهما وهو ما يمهّد الطريق لدخول الولايات المتحدة كقوة ثالثة مُهيمنة لإدارة المعترك النفطي عبر رعايتها لاتفاق خفض الإنتاج الأخير، الذي ربما لن يكون فعّالا ما لم تُقرِّر واشنطن المشاركة بقوة في خفض الإنتاج هي الأخرى، حيث لن يكون اتفاق السعودية وروسيا وحدهما كافيا هذه المرة لجلب الاستقرار إلى الأسعار.

    

لا تكمن مشكلة السعودية الرئيسية إذن في خسارة بعض الإيرادات، فالمملكة لا تزال تستطيع التعامل (7) مع هذا الأمر لبعض الوقت، وإن كان مع الكثير من الألم، لكن المشكلة أن مملكة محمد بن سلمان تجد نفسها اليوم مضطرة للتراجع خطوة للوراء مجددا والقبول باشتراك الولايات المتحدة في إدارة سوق النفط بعد أربعة أعوام فقط من قبول تشارك القيادة مع روسيا، ويُعَدُّ هذا تراجعا هائلا في النفوذ عند مقارنته بالمشهد الذي رآه العالم عام 1973 حين اصطفّت السيارات في الغرب في انتظار البنزين المستخرج من النفط السعودي. إلا أن الحال الآن بات مختلفا مع كون النفط يُباع اليوم بثمن قريب من سعر المياه المعدنية، وهو أمر لا تستطيع المملكة وحدها فعل شيء لتغييره على ما يبدو.

     

        

تخلق هذه الديناميات المتغيرة معضلة جوهرية لدولة ابن سلمان الجديدة، فطالما كان النفط هو مصدر نفوذ السعودية على الساحة الجيوسياسية، وهو الذي وفّر للرياض مقعدا على طاولة القوة الكبرى ومنحها عضوية مجموعة العشرين وملأ خزائنها بالأموال التي مكّنتها من مداعبة خيالات مورّدي الأسلحة في الدول الكبرى، وشراء ولاءات السياسيين وتوظيف جماعات الضغط والنفوذ، والحفاظ على علاقتها مع حليفها الأهم، الولايات المتحدة، ولكن مع تراجع الأهمية الدولية للنفط السعودي وانخفاض عائداته في وقت تتعرض فيه سياسة السعودية لقدر غير مسبوق من التدقيق في الغرب بسبب الممارسات السياسية الجائرة للقيادة السعودية الحالية، من المُرجَّح أن المملكة سوف تواجه صعوبات كبيرة في الحفاظ على موقعها الحالي داخل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.

    

عالم إسلامي متعدد الأقطاب

لا تقف تداعيات تفشي فيروس كورونا عند ذلك الحد، حيث يبدو أن تداعيات الوباء العالمي ستواصل النيل من المملكة على أكثر من صعيد، فمع توسُّع الرياض في سياسات الإغلاق لحماية نفسها ومواطنيها من الآثار الصحية لتفشي الوباء، فإنها تخاطر بتدمير السياحة الدينية، ثاني أهم مصادر الإيرادات في البلاد بعد النفط، وقد بدأت آثار هذا الإغلاق في الظهور بالفعل مع إلغاء موسم العمرة في المملكة في أشهر رجب وشعبان ورمضان (مارس/آذار – مايو/أيار 2020)، وتقييد إصدار التأشيرات السياحية إلى المملكة بفعل تفشي فيروس كورونا.

     

    

غير أن الأسوأ بالنسبة للمملكة على هذا الصعيد لم يأتِ بعد، فمع إعلان وزارة الشؤون الدينية في المملكة تأجيل إصدار تأشيرات الحج ومناشدتها الدول الإسلامية تعطيل إجراءاتها على هذا الصعيد، يتوقّع الجميع أن الأمر ليس أكثر من مسألة وقت قبل أن يتم إلغاء موسم الحج الذي يستضيف أكثر من مليوني شخص من مختلف أرجاء العالم الإسلامي في كل عام، ويدرّ أكثر من 20% من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي في المملكة.

  

لكن مجددا، فإن أقل خسائر السعودية المتوقّعة جراء إلغاء موسم الحج هي مليارات الدولارات (8) التي سيفقدها الاقتصاد السعودي جراء تعطيل المناسك المقدسة، ناهيك بمليارات أخرى من الدعم الحكومي التي سيتم ضخها لتعويض خسارة القطاعات المتضرّرة بسبب إجراءات الإغلاق مثل شركات الطيران والفنادق ومكاتب السياحة والبنوك، وستظل الخسارة الأكبر للمملكة نتيجة لإلغاء موسم الحج، رغم كونها أقل قابلية للقياس مقارنة بالخسائر الاقتصادية المباشرة، هي ذلك الضرر البالغ الذي سيُصيب مكانة البلاد الرمزية وشرعيتها الدينية كقائد للعالم الإسلامي مع تداول الصور الخاوية للحرمين الشريفين ومواقع المناسك خلال موسم الشعائر المقدسة.

  

لطالما كانت الشرعية الدينية إحدى الدعائم الرئيسية التي قامت عليها المملكة العربية السعودية الحديثة منذ عهد الملك فيصل (1964-1975)، الذي أسّس السياسة الخارجية للمملكة على مبدأ الريادة الإسلامية مستغلا استضافة المملكة للحرمين الشريفين لإكساب بلاده سلطة دينية رمزية، وموظفا عائدات النفط لتدعيم هذه السلطة الأيديولوجية بالقوة المالية اللازمة لإنشاء المؤسسات ورعاية رجال الدين الحاملين للفكر السعودي، ونشر العقيدة السلفية الوهابية بين المسلمين حول العالم من شرق آسيا إلى وسط وجنوب أفريقيا وحتى أوروبا.

  
استغلت السعودية سيطرتها على الحج لمناكفة خصومها السياسيين خاصة إيران
       

ورغم أن هذه السلطة الأيديولوجية المدعومة بالقوة المالية تعرّضت لضربات قوية بسبب التدقيق الذي تعرّضت له سياسات المملكة عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول وتقلُّص محفظتها المالية بفعل انخفاض أسعار النفط منذ منتصف العقد الماضي، ظل الحج هو ورقة المملكة الرابحة (9) في وقت ذوت فيه سائر المصادر الأخرى لقوتها الناعمة. على سبيل المثال، استغلّت المملكة قدرتها على التحكم في حصة كل دولة من الحجيج من أجل إجبار العديد من الدول على اتخاذ مواقف سياسية موالية للرياض، مثل إندونيسيا، أكبر بلد في العالم الإسلامي، التي ظلّت مترددة دوما في مواجهة التبشير الديني السعودي خوفا من قيام المملكة بتقليص حصتها السنوية من الحجاج (230 ألف حاج) وهي حصة تكفي بالكاد لتلبية احتياجات أكثر من 200 مليون مسلم في البلاد ينتظر بعضهم لفترة تتعدى 20 عاما للحصول على فرصته في أداء الشعيرة المقدسة.

    

بالمثل، استغلّت السعودية سيطرتها على الحج لمناكفة خصومها السياسيين خاصة إيران، لكن تورُّط السعودية في العديد من النزاعات الإقليمية داخل البلدان الإسلامية منذ ثورات الربيع العربي (بعد عام 2013 على وجه التحديد) وتوسُّعها في ممارسات تسييس الحج تسبّب في ظهور دعوات متقطعة لتدويل إدارة الحرمين الشريفين بل ومقاطعة الحج (10) حال رفضت السعودية تغيير سياستها القسرية تجاه دول شعوب العالم الإسلامي، وهو ما ظهر على سبيل المثال في دعوات نقابة الأئمة في تونس لمقاطعة الحج في عام 2018، وفتوى مفتي ليبيا الأكبر "صادق الغرياني" حول الأمر نفسه في إبريل/نيسان 2019.

   

ولسوء حظ المملكة، يأتي الإلغاء المحتمل للحج هذا العام في خضم هذه التجاذبات. وعلى الرغم من أن العديد من الأوبئة والحروب تسبّبت في تعطيل فريضة الحج إلى مكة المكرمة -كليا أو جزئيا- في أكثر من مناسبة من القرن الثامن الميلادي وحتى القرن التاسع عشر، لم يتم إغلاق الحج بشكل كامل منذ أكثر من مئتي عام، وتحديدا منذ عام 1798 حين تم إلغاء الحج بسبب الغزو النابليوني الفرنسي، ويعني ذلك أن الدولة السعودية الحديثة التي تأسست عام 1932، والتي تعتمد على الحج كمصدر للشرعية الدينية، لم تختبر في أي وقت الآثار السياسية للإغلاق الكامل للفريضة المقدسة.

    

    

ومع ذلك، لا يُعَدُّ توقُّع بعض هذه الآثار مهمة صعبة أو عسيرة، ويأتي في مقدمتها تعطيل جهود التبشير الديني السعودي التي كانت تعتمد على الحج كملتقى عالمي للتواصل، وكذلك التأثير على نظام تبادل الطلاب الدينيين عبر العالم الإسلامي، وهو ذراع مهم آخر للدعوة السعودية، ورغم أن سياسة التبشير الديني السعودية كانت تحتل مرتبة متدنية منذ صعود "محمد بن سلمان" في هرم السلطة عام 2015، وطرحه رؤية 2030 التي تتجاهل الدين كمكوّن للهوية السعودية وتقليصه الدعم المالي الموجه لوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد وللمؤسسات الإسلامية السعودية العابرة الحدود، فإن محمد بن سلمان نفسه استفاد في أكثر من مناسبة من المكانة الرمزية التي يحظى بها والده كخادم للحرمين الشريفين، ومن موقع السعودية الافتراضي كقائد رمزي للعالم للإسلامي خاصة في أوقات الأزمات والعزلة الدولية التي تعرّض لها بسبب سياساته.

  

لكن هذا الوضع من المُرجَّح أن يتغير تماما، مع تراجع المكانة الدينية للسعودية، وتسابق الكثير من الدول الإسلامية للتبشير بحقها في الريادة الدينية بما يشمل بعض المنافسين الإقليميين للرياض، مثل تركيا التي تسعى لاستعادة أمجادها العثمانية من خلال تكثيف أنشطة مديرية الشؤون الدينية التركية في البلقان وآسيا الوسطى وأفريقيا، وحتى الإمارات، حليف السعودية المقرب، التي تمتلك اليوم أجندتها الدينية الخاصة القائمة بالأساس على دعم النسخة الصوفية من الإسلام وتأسيس أُطر إسلامية موازية ومنافسة للمؤسسات التي تُديرها السعودية وتيارات الإسلام السياسي.

  

وكما هو الحال مع النفط، من الواضح أن مشكلة ولي العهد السعودي الرئيسية مع إلغاء الحج لا تدور حول الفقدان المحتمل لمليارات الدولارات من الإيرادات، ولكن مع كون المملكة ستكون مضطرة للخضوع لسلطة نظام إسلامي متعدد الأقطاب تتقاسم فيه المملكة الشرعية الدينية مع جيرانها وخصومها، ورغم أن هذه الشرعية لم تكن ركنا رئيسا في خطاب المملكة الجديدة في عهد ولى العهد السعودي محمد بن سلمان، فقد أثبتت التجربة أن هذه هي الشرعية الحقيقية التي يمكن للمملكة أن تحوزها، في الوقت الذي يُهدِّد فيه فيروس كورونا أيضا رؤية المملكة الجديدة وبرنامج التحول الوطني، مع انهيار أسعار النفط وتقلُّص الإيرادات اللازمة لتمويل التحول الاقتصادي وإغلاق دور السينما والملاعب الرياضية وأماكن الحفلات الموسيقية وتعليق فعاليات الترفيه والسياحة التي يُقدِّمها محمد بن سلمان كأيقونة لدولته الجديدة.

   

      

بعبارة أخرى، في الوقت الذي سيقوّض فيه فيروس كورونا المكانة الدينية للمملكة، فإن سيُلحق أضرارا دائمة بأجندة ولي العهد القومية مع فقدان محمد بن سلمان لطقوس التمجيد الخاصة به المتمثّلة في مشاهد الحشود الشابة التي تُعبِّر عن فرحتها في حفلات البوب ومباريات الملاكمة وملاعب الكرة في مشهد يجعل المملكة أشبه بسيرك ترفيهي عالمي، ومع اختفاء الصخب المؤقت لهذه الحشود، سوف يكتشف صُنّاع القرار في المملكة، بشكل غير مفاجئ، أنه ليس بإمكان بلادهم أن تصبح رائدة في الترفيه مثل دبي، وأنها لا تملك المقومات الديموغرافية والجيوسياسية ذاتها للقيادة التي تمتلكها القاهرة أو أنقرة، وأن المجال الوحيد الذي كان بإمكان المملكة عبره ممارسة النفوذ في العالم الإسلامي هو المجال الديني، كما كان النفط هو البوابة الوحيدة للمملكة لممارسة النفوذ في العالم الأوسع، ومع انغلاق هاتين البوابتين، أو قرب ذلك بصورة ما أو بأخرى، فإن نفوذ المملكة سوف ينحسر تدريجيا إلى شبه الجزيرة العربية مع قدر محدود من النفوذ الذي سيتعرّض لمقاومة كبيرة من الخصوم في العالم الإسلامي الأوسع، وشيئا فشيئا ستبدأ المملكة في الانكفاء لمواجهة التحديات الداخلية الخاصة بها، فمع ذهاب مصادر نفوذها الإقليمي والعالمي، سوف تبدأ شرعية النظام السعودي الداخلية في الانكشاف هي الأخرى رويدا رويدا.

       

مناورات القصر

على المستوى الداخلي، تتمتّع المملكة العربية السعودية، شأنها شأن سائر دول الخليج، بوضع خاص وفريد ديموغرافيا وطائفيا. فمن الناحية الديموغرافية، تستضيف المملكة قرابة 13 مليون وافد من عدد من البلدان العربية والأفريقية والآسيوية يعملون في مختلف المهن الماهرة وغير الماهرة ويُمثِّلون أكثر من 38% من عدد سكان المملكة، وفي أوقات الأزمات مثل تفشي الأوبئة يمكن لهؤلاء العمال أن يجعلوا جهود محاربة المرض ومراقبته أكثر تكلفة وصعوبة (11)، لمجرد أنهم يزيدون من عدد الأشخاص المعرضين للمرض، ناهيك بصعوبة التزام العديدين منهم بإجراءات السلامة مع سكنهم في مساكن مكتظة وأحياء فقيرة، وتمتعهم بمستوى رعاية صحية منخفض نسبيا، وتكمن المشكلة الرئيسية هنا أنه مع تزايد أعداد الإصابات بين العمال المهاجرين، فلن يكون الأمر أكثر من مسألة وقت قبل أن يتزايد عدد الإصابات بين المواطنين مع ما يُصاحب ذلك من توترات بين المواطنين والوافدين ظهرت بوادرها بالفعل مع الحملة الإعلامية التي شنّها سعوديون على تويتر مطالبين بترحيل جالية البورميين الروهينجا في مكة المكرمة بدعوى مسؤوليتهم عن تفشي الفيروس في المدينة المقدسة.

     

      

بشكل أكثر أهمية وخطورة على ما يبدو، يمكن لتفشٍّ واسع وغير متساوٍ للمرض أن يكون له آثار وخيمة على التوازن الطائفي الحساس في المملكة حال تكاثرت الإصابات بشكل غير متناسب بين المنتسبين للطائفة الشيعية في مدن المنطقة الشرقية مثل القطيف، خاصة إذا جاء هذا التفشي مصحوبا بمحاولات للتوظيف السياسي والأيديولوجي من قِبل الحكومة (12)، كما ظهر خلال الأيام الأولى لانتقال كورونا إلى المملكة بواسطة الحجاج الشيعة القادمين من الأماكن المقدسة الشيعية من إيران، حيث اتهمت المملكة إيران بتعمد تجاهل ختم جوازات سفر مواطني دول مجلس التعاون الذين تحدّوا حظر السفر إلى إيران، وصاحب ذلك رواية واسعة الانتشار حول تعمد إيران تصدير المرض إلى دول الخليج العربية عبر المواطنين الشيعة.

  

ونتيجة لذلك، قامت السعودية في وقت مبكر من الأزمة -تحديدا في 8 مارس/آذار- بوضع محافظة القطيف ذات الأغلبية الشيعية تحت الإغلاق الكامل لمواجهة الفيروس، وهو ما تسبّب في اتهامات للمملكة باستغلال الوباء لفرض المزيد من التهميش على مواطنيها الشيعة، اتهامات انحسرت بشكل كبير مع توسُّع سياسات الإغلاق لتشمل المدن الكبرى مثل الرياض وجدة وحتى مكة المكرمة والمدينة المنورة، جنبا إلى جنب مع مساعي المملكة لتهدئة الاحتقان الطائفي والاجتماعي من خلال التعهُّد بتحمُّل جميع نفقات الفحوصات الطبية والعلاج لجميع المواطنين بغض النظر عن جنسياتهم أو طوائفهم، والعفو عن المخالفين الذين تحدّوا حظر السفر إلى طهران شريطة الذهاب للمراكز الصحية المعتمدة لإجراء الفحوصات والالتزام بالإجراءات المفروضة لمنع نقل العدوى.

  

بالمثل، سوف يكون لتفشي كورونا تأثيره الخاص (13) على مسار صراعات القصر المحتدمة داخل المملكة، خاصة مع اقتراب المرحلة الحاسمة التي سيتم فيها نقل السلطة من الملك إلى ولي عهده سواء كان في حياته أو بعد وفاته، ما يعني أن المرحلة القادمة سوف تشهد المزيد من مناورات السلطة الهادفة إلى توطيد سلطة ابن سلمان وحصار معارضيه الحقيقيين والمحتملين وحتى المتوهمين، وهو ما ظهر بالفعل خلال موجة الاعتقالات الأخيرة في شهر مارس/آذار التي طالت شقيق الملك، الأمير أحمد بن عبد العزيز، الذي يراه الكثيرون الأجدر بوراثة عرش المملكة، وكذلك ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف، ونحو 20 أميرا آخرين بدعوى ضلوعهم في تدبير انقلاب ضد "ابن سلمان"، قبل أن يتبيّن لاحقا أن السبب الحقيقي لهذه الخطوة هو سعي بعض الأمراء لتعيين الأمير أحمد رئيسا لهيئة البيعة السعودية، بما قد يُمكّنه ربما من إعاقة تولّي ابن سلمان للسلطة عقب وفاة والده، وهي الخطوة التي رد عليها ولي العهد باعتقال عمه وعدد آخر من كبار الأمراء.

   

    

في ظروف أخرى أكثر مثالية، كان اعتقال الأمير أحمد بن عبد العزيز ليثير قدرا أكبر من الاهتمام العالمي، خاصة أن الأمير عاد إلى المملكة بضمانات دولية بعدم المساس به بعد توجيهه انتقادات ضمنية للملك وولي عهده بشأن حرب اليمن أثناء إقامته في لندن، ولكن ذلك لم يحدث، وتم تمرير اعتقال الأمراء المرموقين هذه المرة دون صخب دولي كبير بما يعني أن أزمة كورونا ربما تمنح ابن سلمان الفسحة لتقويض معارضيه المحتملين وتعزيز الإجراءات القمعية مع أقل قدر ممكن من الانتقادات الدولية (14)، خاصة مع اتجاه العالم لفرض المزيد من القيود على حرية الحركة لمواجهة تفشي كورونا، ففي بلد مثل السعودية يمكن لإجراءات الحجر الصحي وسياسات الانتشار الأمني الموسعة وتعليق عمل مؤسسات الدولة أن تتحول إلى أدوات للبطش السياسي في الظلام، وهو ما ظهرت بوادره بالفعل مع الأنباء المتداولة حول قيام ولي العهد بإعداد منطقة للحجر الصحي لأمراء العائلة المالكة في مدينة نيوم الجديدة المنعزلة على البحر الأحمر، يمكن أن يتم استخدامها بسهولة كوسيلة لعزل الأمراء المعارضين.

   

بالمثل، يمكن لتعطيل النظام القضائي بدعوى منع انتشار الفيروس أن يُقدِّم لولي العهد ذريعة (15) للمماطلة في مواجهة دعوات الإفراج عن رجال الدين والنشطاء والناشطات المحبوسين واعتقال المزيد من المعارضين لآجال طويلة مستغلا عطلة القضاء، وعدم وجود فرصة لنشوب احتجاجات سياسية على هذه الخطوات بسبب تأثير الوباء الذي سيجعل الناس مترددة في النزول إلى الشوارع، وأكثر من ذلك يمكن لولي العهد أن يُقرِّر نقل العرش لنفسه من والده في هذه الأجواء مستفيدا من الانشغال العالمي بجهود مواجهة الفيروس، ومن وجود ترامب في السلطة خاصة في ظل الغموض الذي يكتنف فرص إعادة انتخابه في ظل الأداء الهزيل للإدارة الأميركية في مواجهة كورونا.

   

ولكن على النقيض، هناك ديناميات معاكسة قد لا تلعب في صالح ولي العهد السعودي في هذا الملف، خاصة في حال تفشي الفيروس بشكل واسع في المملكة، وهو ما قد يجعل ابن سلمان غير راغب في تحمل المسؤولية عن هذه الأزمة بمفرده، خاصة أن تفشي الوباء قد يُوفِّر ذرائع إضافية لمعارضيه للتشكيك في أهليته للحكم، ولكن أيًّا كانت النتيجة التي ستُسفر عنها هذه السجالات، من المؤكد أن المملكة التي سيقودها ابن سلمان سوف تكون مختلفة جذريا عن المملكة التي قادها والده وأسلافه من قبله، وأن أشباح الانهيار الاقتصادي وتراجع المكانة الدولية والإقليمية والاضطرابات الداخلية المحتملة سوف تعصف بأحلام الدولة السعودية الرابعة التي يبدو أنها وُلدت ميتة في مهدها.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة