الجنرال و"البيزنس مان".. محنة العمل مع ترامب على لسان رجاله السابقين

حينما انتُخب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، كان ثمة سبب جيّد للاعتقاد بأنه سيحظى بشعبية في أوساط القوات المسلّحة؛ إذ كان بداية رئيسا جمهوريّا، والجيش يميل بقوّة إلى التيّار المحافظ، وكان أطلق حملة انتخابية تتبجّح بمناصرتها للجيش، وتعِدُ "بإعادة بناء المؤسسة العسكريّة، ورعاية المحاربين القدامى، ودفعِ العالم إلى احترام الولايات المتحدة من جديد!". لكن كان هناك بالتأكيد بعض العلامات التحذيريّة على مشكلة تلوح في الأفق، مثلما حدث عندما هاجم الرئيسُ بطلَ الحرب جون ماكين، السيناتور الجمهوري عن ولاية أريزونا، قائلا: "إنني أُفضِّل أولئك الذين لم يُؤسروا في الحروب"، وعندما هاجم أسرة جنديّ قضى في إحدى المعارك لأنها تجرأت على انتقاده.

 

لكن مبدئيا، ومن منظور عسكريّ على الأقلّ، بدا أن إيجابيّات الأمر تفوق سلبياته؛ فقد دفع ترامب بزيادة الإنفاق العسكري الدفاعي، وأرسل مزيدا من القوات والعتاد العسكري إلى أفغانستان والعراق وسوريا، وحرّر قواعد الاشتباك العسكري، مانحا القادة والجنرالات في ميادين المعارك حرية أكبر في المناورة. ولعلّ الأهم من ذلك تعيينه شخصيات عسكرية في مناصب مدنية رفيعة، كتعيين قائد قوات مشاة البحرية المتقاعد جيمس ماتيس وزيرا للدفاع، وقائد قوات مشاة البحرية المتقاعد جون كيلي وزيرا للأمن الداخلي ومن ثم رئيسا لموظفي البيت الأبيض، والملازم الجنرال المتقاعد مايكل فلين الذي أصبح مستشارا للأمن القومي في إدارة ترامب، واستُبدل عقب إخفاقه بعد 24 يوما قضاها في الخدمة بالملازم الجنرال الذي كان قيد الخدمة العسكرية آنذاك إتش. آر ماكماستر. وقد وجد ترامب، بدوره، متعة عظيمة في إحاطة نفسه بهالة من رجولية الجنرالات، إذ أشاد بماتيس واصفا إيّاه بـ "الكلب المجنون"، وهي كنية كان ماتيس يمقتها أيما مقت، وبوصفه "جنرال كل الجنرالات".

تخوَّف بعض المنتقدين من أن يؤثر ازدياد تمثيل الجنرالات في الإدارة سلبا على السلطة المدنية فوق الجيش، لكنّ كثيرين غيرهم نظروا بعين الارتياح لتلك التعيينات، آملين أن يتيح حضورهم في الإدارة الأميركية نوعا من إشراف "الراشدين" المطلوب لنجمِ تلفزيون الواقع الذي يتولى رئاسة البلاد.

 

وساءت الأمور على الفور تقريبا؛ وكيفية حدوث ذلك -كيف تحول الوعد بعلاقات مدنية عسكرية سلسة إلى غضب وغدر وصدمة- توثّقها أربعة كتب جديدة، اثنان منها روايات صحفيّة: "ترامب وجنرالاته"، وهي مراجعة أمينة شاملة لسياسة ترامب الخارجية من قِبل الصحفي والعضو في إحدى جماعات التفكير بيتر بيرغن، وكتاب "عبقريّ بكامل قواه العقلية"، وهو عبارة عن تغطية صحفية رفيعة الطراز واستبصار رصين لفيليب راكر وكارول ليونينغ، المراسلين في الواشنطن بوست حيث أعمل أنا كاتبا في عمودها الصحفي.

 

والكتابان الآخران عبارة عن مذكرات: "عدم الرضوخ"، لـ غاي سنودغراس، وهو ضابط متقاعد في البحرية الأميركية والذي عمل كاتبا لخطابات البنتاغون تحت إمرة ماتيس، والكتاب يترك انطباعا بأنّه قد كُتِبَ على عجل ويورِد من كواليس السياسات الداخلية أكثر مما سيودّ الناس معرفته بكثير، لكنه يضمُّ عددا من القصص التي لم يُفصح عنها أي عمل آخر، منها الادعاء بأن ترامب طلب من ماتيس أن "يخدع أمازون" بعقد ضخم لأنه لم يكن مسرورا من صحيفة الواشنطن بوست المملوكة لجِيف بيزوس مؤسس أمازون، أمّا كتاب المذكّرات الآخر "كود النداء: فوضى" لمؤلّفيه جيمس ماتيس وبينغ ويست فلا يتطرق إلى الخلافات التي صاحبت فترته في إدارة ترامب على الإطلاق، ويقول ماتيس: "أنا رجل قديم الطراز، ولا أحبذ الكتابة عن رؤساءَ لا يزالون قيد الخدمة"، لكن الكتاب يتيح لقرّائه رواية شائقة لمسيرة ماتيس يمكن أن تُساعدنا في تفسير لماذا كان الزواج بين ترامب وجنرالاته محكوما بالطلاق.

كتاب"ترامب وجنرالاته"وكتاب "عبقريّ بكامل قواه العقلية" وكتاب المذكرات "كود النداء: فوضى" وكتاب مذكرات: "عدم الرضوخ"

شخص آخر يدفع ثمن المواجهة

طرأت نقطة التحوّل الكبرى في العلاقة في اجتماع عُقد في شهر يوليو/تموز 2017 داخل ما يُعرف باسم "ذا تانك"، وهي غرفة مؤتمرات سرّية للبنتاغون تُستخدم من قِبل هيئة الأركان المشتركة، وقد وردت تفاصيل الاجتماع في كتب كلٍّ من بيرغن إذ يستهل بها كتابه، وسنودغراس الذي نظّم الاجتماع وكان حاضرا، بالإضافة إلى راكر وليونينغ اللذين يعرضان أكثر التفاصيل أهميّة. وكان ماتيس قد طلب عقد لقاء مع الرئيس ومستشاريه الكبار لكي يُفسّر لهم لماذا لا تزال نظم التحالفات الأمنية بقيادة الولايات المتحدة والعلاقات التجارية ذات أهميّة في الوقت الحاليّ. لكن الأمور لم تسر على النحو المأمول؛ إذ تتفق كل الروايات على أن ترامب، الذي يُعرف بدارّات انتباهه القصيرة ومزاجه سريع التعكّر، عبّر عن غضبه صراحة خلال عرض ماتيس، فوفقا لراكر وليونينغ، انتقد الرئيس حلفاء الولايات المتّحدة، قائلا لجنرالاته: "إنّهم يدينون لنا بأموال لم تحصّلوها"، ثم تدخّل ماتيس قائلا: "لكن ذلك ما يحفظ أمننا"، لكنّ ذلك التعليل لم يكن كافيا لترامب كما هو متوقع، ثم قال: "جميعكم فشَلة"، ناظرا شزرا: "إنكم لم تعودوا تعرفون طريق الفوز". بعدها بعدّة دقائق، توجّه الرئيس -الذي تذرّع بنتوء العظام لكي يتجنّب الخدمة العسكرية في حرب فيتنام- إلى مجموعة من الجنرالات المقلَّدين بأوسمة الحرب قائلا: "لا يمكن أن أدخل حربا وأنتم برفقتي؛ إنكم حفنة من الأطفال الحمقى".

 

أما الجنرالات، وقد نشؤوا على عدم التشكيك بسلطة القائد العام، فجلسوا مشدوهين في صمت سحيق، ثم أخذ ريكس تيلرسون وزير الخارجية آنذاك على عاتقه الكلام، فردّ على الرئيس قائلا: "كلا، هذا خاطئ فحسب.. سيدي الرئيس، أنت مخطئ كليا؛ ليس أيّ من هذا صحيحا". لكن في أعقاب الاجتماع، وأثناء وقوفه مع عدد من الموثوقين، قال تيلرسون عن الرئيس إنه "حقير أخرق"، وعندما نشرت قناة إن بي سي نيوز هذا التعليق بعد الواقعة بعدّة أشهر، كانت قد جفّت الصحف وأُقيل تيلرسون من منصبه.

ترمب وتيلرسون

وجاء طرد تيلرسون من منصبه منتصف مارس/آذار 2018 بعواقب لم تكن بالحسبان؛ إذ تُركت وزارة الدفاع بدون حلفاء لها، فحتّى ذلك الوقت، شكّل تيلرسون وماتيس جبهة موحّدة لإيقاف اندفاعات ترامب الأكثر تهورا، ونجحا معا في منع الرئيس من الانسحاب من اتفاق إيران النووي والتخلي عن التفاهمات الدفاعية المشتركة مع حلف الناتو. وعمل ماتيس مع كيلي على تأخير تنفيذ مطالب ترامب الأكثر استفزازية، كما كتب بيرغن، ومنها أوامرهُ في مطلع عام 2018 بإجلاء المواطنين الأميركيين عن كوريا الجنوبية بهدف التحضير لضربة عسكرية محتملة لكوريا الشمالية.

 

مع ذهاب تيلرسون، كانت مسألة خروج ماتيس من الباب الخلفيّ مسألة وقت أيضا، وكتب سنودغراس أنه اكتشف مبكّرا في صيف عام 2018 أن ماتيس كان يخطط للبقاء في الخدمة حتى نهاية تلك السنة فحسب، فجاءت المواجهة الأخيرة في ديسمبر/كانون الأول، عندما اعترض ماتيس على قرار ترامب المبدئي بسحب القوات الأميركيّة من شمال سوريا، ثمّ ترك كيلي المقرب من ماتيس منصبه، وذلك بعد سنوات من الخدمة قضاها إلى جانبه في خدمة مشاة البحريّة، بعد مغادرة ماتيس بفترة وجيزة، وكان ماكماستر مستشار الأمن القومي قد أُقيل من منصبه في مارس/آذار من تلك السنة بعد صِدام مع ترامب وماتيس. وكتب بيرغن أنّ ماتيس قد "أشار قاصدا" إلى مستشار الأمن القومي على أنه "الجنرال الملازم ماكماستر" لكي يوضح له بأنه أدنى منهُ منزلة في الترتيب العسكري.

 

كان مسؤول النخبة الوحيد الذي حافظ على تأثير متواصل على ترامب منذ بداية إدارته هو الجنرال المتقاعد جاك كين، وهو نائب رئيس الطواقم السابق في الجيش والذي لعب دورا محوريا في مناصرة ما يسميه "انتفاضة" العراق عامَيْ 2006 و2007. لم يقبل كين مطلقا بتعيين رسمي، إذ كان يُفضِّل عرض المشورة بشكل غير رسمي. وكتب بيرغن أن كين ساعد مرات عديدة في ثني ترامب عن سحب الجنود من شمال سوريا وأفغانستان، لكن حتى كين لم يتمكّن من إيقاف ترامب بشكل كلّي. وتخلّى ترامب منذ ذلك عن الأكراد السوريين بإعادة نشر الجنود الأميركيين في حقول نفطية سوريّة ضيّقة، ووافق على سحب كل القوات الأميركية من أفغانستان بحلول مايو/أيار 2020 كجزء من الصفقة مع طالبان.

الجنرال المتقاعد جاك كين والرئيس الأميركي دونالد ترامب

فهم المقروء

مع أن كتاب "كود النداء: فوضى" لا يُفصِّل كثيرا في فترة ولاية ماتيس بوزارة الدفاع، لكنه يكشف عن السبب الذي يجعلهُ، أي ماتيس، وسواهُ من الجنرالات يتصادمون مع ترامب في عديد المناسبات. وكتب ماتيس قائلا إن قوات مشاة البحرية قد غرست فيه منذ زمن طويل أساسيات القيادة التي يُلخّصها بـ "الخصال الثلاث": "الكفاءة: لا تتصرف كهاوٍ في وظيفتك؛ أتقن صنعتك، والاكتراث: جندي البحرية يعرف متى تكون أنت جزءا من شخصيته، وأحلامه، وتقدُّمِه؛ إنَّ رجالا بهذه الشيم لا يتخلّون عنك أبدا، والالتزام: صرّح بقواعدك الأساسية ثمّ التزم بها… على أن تشذّب شغفك والتزامك المهني بالتواضع الشخصي والتعاطف مع جنودك". إنه لمن الصعب أن نتخيل أخلاقيات أخرى تكون على هذا البعد من صفات ترامب، ومنها نَسبُهُ الفضل مرارا وتكرارا لنفسه، وازدراء من هم دونه، وتحقير أصحاب الخبرة والكفاءة. إنّ مصطلح "التضحية بالنفس" لا يرد في قاموس ترامب، كما أنه ينظر إلى الولاء كشارع باتجاه واحد: إنه يريد من كل الخاضعين لإمرته أن يُخلصوا له، حتّى وإن كلفهم الأمر خرق القانون، لكنه سيكون عديم الوفاء لهم إن اقتضت مصلحته ذلك، وكثيرا ما يزعم عدم معرفتهم عند وقوعهم في المشكلات.

 

الشيء الوحيد الأكثر غرابة على ترامب من أخلاقيات ماتيس هو حب وزير الدفاع السابق للقراءة؛ لقد أنهى ماتيس تأليف كتابه قبل انضمامه للإدارة، لكن بالإمكان قراءته كما لو أن وزير الدفاع السابق يتناول الرئيس باللمز، إذ يقول: "ما لم تكن قد قرأت مئات من الكتب، فإنك أُميّ من الناحية العمليّة، كما أنك ستفتقرُ إلى الكفاءة، ذلك أن خبراتك الشخصية وحدها ليست من السعة بما يكفي لكي تحفظكَ وتحميك. إن أي قائد يزعم بأنه أكثر انشغالا من أن يقرأ سيملأ أكياسا من الجثث برفقة جنوده فيما هو يتعلّم بالطريقة الصعبة". ومن المعروف أن ترامب بالطبع لا يقرأ أوراق الملخصات، دع عنك أن يقرأ كتابا من الكتب.

 

على العكس منه، فقد اتسم كل الجنرالات الذين عملوا في المناصب العليا داخل إدارة ترامب بنهم للقراءة، وكان من الصادم بالنسبة إليهم التعامل مع رئيس جاهل فكريا وعلى ثقة مع ذلك بأنه يعرف سلفا كل شيء، مع أن راكر وليونينغ كتبا أن ترامب لم يكن يعرف حتى أن الهند تقتسم 3218 كيلومترا من الحدود مع الصين. لقد خاب ظن ترامب بماكماستر لأنّ مستشار الأمن القومي كان محترفا جدا، وكان يحاول إحاطة الرئيس بالكثير من المعلومات. وكتب ليونينغ وراكر قائليْن إن "ترامب كان يستهزئ بماكماستر، بالحديث عن ’موضوع اليوم‘ وتوظيف سلسلة من الجمل الطويلة المعقدة في إشارة إلى درجة الملل التي يثيرها ملخص ماكماستر"، وأضافا أنّ "طاقم مجلس الأمن القومي شعر بضيق شديد إزاء معاملة ترامب لرئيسهم"، وقد كان لهم كل الحق في ذلك، لأن كثيرا من أولئك الموظفين كانوا ضباطا في الجيش، وقد شاعت الأحاديث في أرجاء المجتمع العسكري الضيّق بشأن سوء المعاملة التي يتلقاها المحارب القديم المقلّد بأوسمة عن حرب الخليج و[غزو] العراق وأفغانستان.

مستشار الأمن القومي ماكماستر والرئيس الأميركي دونالد ترامب

للناس أفواه وألسِنة

سرعان ما تسرّبت العدوانية بين ترامب وجنرالاته إلى المشهد العام؛ فبعد أن كتب ماتيس رسالة استقالة لاذعة، قال عنه ترامب إنه أكثر الجنرالات "المبالغ في تقييمهم". أما كيلي فقد انتظر لأكثر من سنة بعد الرحيل لكي ينتقد ترامب على رؤوس الأشهاد، وعندما فعل ذلك في فبراير/شباط من هذه السنة، هاجمه ترامب على تويتر قائلا: "عندما أنهيت أمر جون كيلي، وهو أمر لم أتمكّن من القيام به بالسرعة الكافية، كان يعرف تمام المعرفة أنه في مكان أكبر منه، إن منصب رئيس الموظفين في البيت الأبيض لم يكن له فحسب". وهذا الانتقاد بالطبع يثير أسئلة مشروعة حول سبب تعيين ترامب كيلي -وغيره الكثير من المسؤولين الذين يحتقرهم اليوم- من البداية.

 

علاوة على صدامه العلني جدا مع جنرالاته، فقد تدهورت علاقة ترامب بالجيش بفعل سلسلة من القرارات التي لم تستسِغها القوات المسلحة جيدا. وتشير حواراتي مع المسؤولين السابقين والحاليين إلى أن القوات المسلحة قد اتفقت مع ترامب في قتل قاسم سليماني، الجنرال الإيراني الذي كان مسؤولا عن موت مئات من الأميركيين في العراق، وأبي بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". لكنّ كثيرا ممن تكلمت إليهم كانوا مستائين من قرار ترامب في أكتوبر/تشرين الأول المنصرم بالتخلي عن القوات الكردية السورية ونقل القوات العسكرية الأميركية التي عملت طويلا كجدار فصل بين الأكراد والقوات التركية المعادية لهم، برغم حقيقة أن الأكراد قد حاربوا إلى جانب الولايات المتحدة في هزيمة تنظيم الدولة وفقدوا أكثر من 11000 جندي في خضم تلك العملية.

 

هذا القرار، كما شعر كثيرون، جاء بعكس ما يقتضيه التزام الجيش بالحلفاء في أرض المعركة. وكان الكثيرون في الجيش الأميركي مستائين من أن ترامب قد استعاد رتبة إدوارد غالاغر عضو فرقة العمليات الخاصة في البحرية الأميركية "نافي سيلز" -الذي اتُّهم بارتكاب جرائم حرب في العراق- وقام بطرد المقدّم ألكسندر فيدمان، وهو من قدامى المحاربين في العراق والذي قدّم شهادته بشأن محاولات ترامب ممارسة ضغوط على أوكرانيا للمساعدة في حملة إعادة انتخابه. وقام ترامب بمرافقة فيندمان وأخيه التوأم إلى جانب مقدّم يعمل ضمن طاقم مجلس الأمن القومي إلى خارج البيت الأبيض، ثم أشار إلى الجيش ببدء إجراءات تأديبية ضد فيندمان، وهو أمر رفض الجيش القيام به. وأشاد كيلي بفيندمان بعد طرده من منصبه لأنه "قام بالضبط بما نعلّمهم القيام به" برفضه الانصياع "لأمر غير قانوني"، وانتقد ترامب لدعمه غالاغر بوصفه "بالأمر الخاطئ كليا". يعرف مسؤولون من أمثال كيلي كم يكون من الصعب التحلي بالانضباط واتّباع الحكم الرشيد عندما يكون لديك قائد عام يقول ضمنا إن جرائم الحرب مقبولة، لكن قول الحقيقة ليس كذلك.

إدوارد غالاغر

من الواضح أنه لا يزال هناك الكثير من رجال الجيش الذين يدعمون ترامب ويوافقونه في تطاولاته، لكن اعتداءات الرئيس على تقاليد الجيش المقدسة كـ "الواجب، الشرف، الوطن" أثارت استياء كثيرين غيرهم. وتعكس مسوحات أجرتها صحيفة "ذا ميليتري تايمز" لأبناء المؤسسة العسكرية خيبة الأمل تلك، فعندما انتُخب ترامب رئيسا في البداية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، كان لدى 46% من المستجيبين نظرة إيجابية لترامب، وكان لدى 37% منهم نظرة سلبية، ثم طرأ تغيير واضح بنسبة 42% من الآراء الإيجابية و50% من الآراء السلبية. في ذلك الشهر بالتحديد، كان هناك عدد من الجنرالات الذين انتقدوا ترامب، وإن كان ذلك قد تم تحت غطاء المجهولية، في مقالة عبر الأتلانتيك لمارك باودن. بعضهم انتقد الجنرالات المرحّلين مؤخرا لعدم حديثهم بصورة أكبر على الملأ، لكن التكتم مفهوم بالنظر إلى أنهم عُلِّموا من بداية سيرتهم المهنية الابتعاد عن المعارك السياسية، وأن معارضة ترامب يمكن أن تؤدي إلى صدام بين الرئيس وزملائهم الذين لا يزالون قيد الخدمة. في الوقت نفسه، وبعدم دفاعهم عن ترامب فقد أوضح الجنرالات المتقاعدون أنه ما من أنصار للرئيس.

فلتنحنُوا تبجيلا

لقد كانت رئاسة ترامب بمنزلة درس له وللجنود الذين يقودهم في آنٍ واحد معا. فقد عرف ترامب الذي كان يعرف الشيء البسيط عن الحكم في البداية مقدار النفوذ الذي يمكن أن يكون بحوزته، ولا يبدو أنه يعرف لماذا رسم الرؤساء السابقون الحدود لأنفسهم من خلال، على سبيل المثال، عدم إخبار وزارة العدل بمَن عليها أن تلاحق وأي أحكام السجن التي ينبغي أن تُسن وبحقّ مَن. أمّا ترامب فقد تجرأ لأنه يشعر أن قراراته المثيرة للجدل -مثل نقل مقر السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس واغتيال سليماني- قد تمخضت عن نتائج أفضل مما توقَّع الرافضون والمعارضون في الكونغرس. لقد أصبح أكثر تعنتا وأقل عزما على الاستماع إلى المشورة كلما طال بقاؤه في المنصب.

 

أما الجنرالات، فقد عرفوا بدورهم أنه ليس بإمكانهم ببساطة متابعة العمل كالمعتاد. لقد بدّد ترامب ذلك الأمل حينما فاجأ قيادة البنتاغون بقرارات فُجائية بوقف التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية وطرد الجنود المتحولين جنسيا من الخدمة العسكريّة. وقد أثار القرار الأخير كما كتب سنودغراس "الفوضى داخل أروقة البنتاغون". حاول ماتيس مجاراة ترامب قدر الإمكان، لكنه ردعه قدر الإمكان أيضا. ويتذكر سنودغراس قول ماتيس إنه "يُفضِّل ابتلاع الأسيد" على عقد استعراض الجيش الذي طلبه ترامب في واشنطن. لكن حتّى ماتيس اضطرّ لعقدِ التسويات، ومنها إرسال الحرس القومي في انتشارات عسكرية عديمة الجدوى فقط لكسب نقاط سياسية لترامب. ومع أن قرار ماتيس بتفادي انتقاد الرئيس الحالي يبدو منطقيا من منظوره كجنرال متقاعد، لكن عليه أن يدرك أنه كان يخدم في منصب مدني، وأنه يدين للشعب الأميركي بإيضاح قبيل انتخابات عام 2020 بشأنِ ما إذا كان ترامب ملائما للرئاسة من منظوره الشخصي. ولأن ماتيس تحديدا شخصية قديرة لها احترامها، فإن حكمه سيحمل ثقلا كبيرا، لا سيما في أوساط الناخبين الجمهوريين. يفتقر خليفته، مارك إسبر، إلى شأن وصيت ماتيس في أوساط الجمهور وبين حلفاء لهم كلمتهم في أعلى هرم الحكم، وبالتالي فإن ماتيس أكبر قدرة على التأثير السياسي.

"مايك بومبيو" وزير خارجية ترامب، و"روبرت أوبراين" مستشار ترامب لشؤون الأمن القومي

لقد أحاط ترامب نفسه بالحزبيين، من أمثال مايك بومبيو، وزير خارجيته، وروبرت أوبراين، مستشاره لشؤون الأمن القومي، اللذين يريان نفسيهِما داعمين للرئيس، بدلا من رسم الحدود له. ويشاع أن أوبراين يوزع مطبوعات من تغريدات ترامب على طاقمه لكي يوجّه قراراتهم وأولوياتهِم. لكن الوكالات التي يشرفان عليها تكبّدت خسائر طويلة الأمد؛ في مجلس الأمن القومي قام أوبراين بالتخلص من ثلث الموظفين، وفي وزارة الخارجية انهارت معنويات الموظفين بعد أن رفض مايك بومبيو الدفاع عن دبلوماسيين من أمثال ويليام تايلور وماري يوفانوفيتش ضد انتقادات الرئيس وحلفائه في الطيف السياسي. أما وزارة الدفاع، ولأنها أكبر بكثير من أي وكالة حكومية أخرى ومترعة بأخلاقيات الجيش، فإنها أكثر قدرة على مقاومة التأثير الخارجي، لكنها ليست منيعة إلى ذلك الحد. وأحد الشواهد، على سبيل المثال، قرار ترامب في فبراير/شباط بطرد جون رود، وهو وكيل وزارة الدفاع والذي تصادم مع الرئيس بالدفع للإفراج عن مساعدات أوكرانيا وعبر معارضة إعلان الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

 

لكن محاولات ترامب إخضاع وزارة الدفاع لمشيئته وتوظيفها لأغراض سياسية وتطهيرها من كل الآراء المخالفة سوف تتسارع فحسب إن هو ظفر بولاية ثانية. لقد غادر الجنرالاتُ الذين قيل إنهم "محور البالغين" مقاعدهم في السلطة، أما خلفاؤُهم، في الجيش والسلطة المدنية على حدٍّ سواء، فقد أصبحوا عبرة لأي مسؤول تسوّل له نفسه الوقوف في وجه رئيس تنفيذي متلوّن هائج. وكلما طالت مدة إقامة ترامب في منصبه، سيكون من الأصعب حماية التقاليد غير السياسية ومنها خدمة الوطن، والتفاني في خدمة حكم القانون، والوفاء للدستور، وهي علامات مسجّلة للقوات المسلحة الأميركية.

 

إن خسر ترامب في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني فسيكون من الممكن استهلال عملية إصلاح الأضرار، لكن السنوات الثلاث الماضية قد أبانت كم من السهل لرئيس متعطش للسلطة أن يستخف بالأعراف بطرق يمكن أن تُلحق الضرر بمؤسسات الدولة. مستقبلا، لا بد للكونغرس أن يفرض حدودا أكبر على سلطة الرئيس ويمنعه من إساءات من قبيل التدخل السياسي بوزارة العدل ونشر القوات لأغراض سياسية. والكونغرس يتخذ هذه الإجراءات حاليا -على سبيل المثال، عبر إبطال التصريحات باستخدام القوة العسكرية- مع أن تشريعا من هذا النوع لا يمكن أن يُسنَّ طالما أن ترامب في البيت الأبيض، وطالما أن ميتش ماكونيل جمهوريُّ ولاية كنتاكي يتحكم بمجلس الشيوخ. لكن حدود سلطة الرئيس ستكون دائما صعبة الدعم في نطاق الأمن القومي، حيث ثمة سبب جيد للتحفظ بشكل كبير على قرارات القائد العام لحماية البلاد. في النهاية، فإن أقوى درع ضد إساءة استخدام الجيش يكمن في غرس أكبر تفانٍ ممكن في نفوس ضباط الجيش بحيث يتمكّن القادة العسكريون مستقبلا من مجابهة الأوامر غير القانونية أو الأخلاقية، كما فعل ماتيس وكيلي وماكماستر مؤخرا في العديد من الحالات.

————————————————————————————-
هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع "ميدان".


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة