الصحافة في الصين.. كيف يمكن أن ترصد الحدث ولا تقع في قفص الرقيب؟

ميدان – الصحافة الصينية.. عزف على إيقاع الشيوعية
تقديم

ترصد هذه الورقة مراحل تشكيل صناعة الإعلام في الصين منذ عهد الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، حيث كانت الصحافة مجالا للكفاح والنضال وأداة من أدوات الحزب الدعائية، مرورا بعصر الإصلاح والانفتاح الذي منح هامشا من الاستقلالية لعمل الإعلام مع تحول الدولة الصينية في أواخر سبعينيات القرن الماضي من الهيمنة الأيديولوجية إلى فضاء منفتح على الرأسمالية، وصولا إلى عهد الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ، الذي أعاد الاعتبار للمذهب الشيوعي رغم مُضي الدولة في طريقها الرأسمالي، وأكّد دور الصحافة باعتبارها لسان حال الحزب، ومنبرا ينشر روايته التاريخية. تعتبر الورقة مادة أولية يمكن أن تُشكِّل إطار عمل لتحليل النظام الإعلامي في الصين بصورة موسعة في المستقبل.

   

محددات السياسة الإعلامية

يخضع الإعلام الصيني كليا لإشراف الحزب الحاكم والدولة، ويعتبر جزءا أساسيا من النظام السياسي في البلاد، وأداة دعائية للترويج لأيديولوجيا الحزب وتوطيد سلطته، وذلك انطلاقا من فلسفة شيوعية ترى أن السيطرة المشددة على البنادق والأقلام هي أهم الطرق وأقصرها للحفاظ على السلطة.

 

قسم الدعاية المركزية: هي دائرة حزبية تابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، تأسست عام 1924، تتولى إدارة وتوجيه السياسات الإعلامية في البلاد، ومتابعة الشؤون اليومية لوسائل الإعلام المختلفة، ويمتد عملها ليشمل كل ما يتعلق بالشؤون النظرية والأيديولوجية داخل الحزب والدولة. تُوْكَل للدائرة أيضا مهام إعداد وتدريب الكوادر الإعلامية. يُعيَّن رئيس الدائرة بتوجيه مباشر من الأمين العام للحزب الشيوعي (رئيس البلاد)، وغالبا ما يكون عضوا في المكتب السياسي التابع للحزب، ويعادل هذا المركز منصب وزير الإعلام في دول أخرى. حسب تقرير صدر عن منظمة فريدوم هاوس الأميركية، يُعَدُّ قسم الدعاية المركزية في الصين أقوى مؤسسة لمراقبة العاملين في وسائل الإعلام والتحكم في محتوى الإعلام المرئي والمقروء.

  

المكتب الإعلامي: هي دائرة حكومية، تتبع رئاسة الوزراء، تأسست عام 1991، ينحصر عملها في الإشراف على أجهزة الإعلام الصينية الموجهة إلى الخارج، ومتابعة عمل وسائل الإعلام الأجنبية في عموم البلاد. يعتبر المكتب الإعلامي المسؤول المباشر عن التسويق للصين بما ينسجم مع مكانتها الجديدة، بالإضافة إلى التصدي للهجمات الإعلامية المضادة التي تستهدف تشويه سمعة البلاد وصورتها في الخارج. يعتبر دور المكتب الإعلامي مكملا لمهام قسم الدعاية المركزية من حيث المتابعة وليس الرقابة.

       

   

أدوات التحكم وصور الرقابة

يعقد قسم الدعاية المركزية اجتماعا أسبوعيا برئاسة مدير الدائرة، يحضره رؤساء تحرير وسائل الإعلام الرئيسية في البلاد (1)، لتلقي تعليمات حول القصص التي يجب تأكيدها أو التقليل من شأنها أو عدم الإبلاغ عنها مطلقا. تعتبر هذه التوجيهات حتمية، وتُطَبَّق من خلال ضوابط محددة داخل الحزب. بالإضافة إلى ذلك يتلقى رؤساء التحرير يوميا تدفقا من التعليمات المحددة عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني، ليس فقط حول ما ينبغي كتابته ونشره، بل أيضا كيف يجب اختيار العناوين وقصص المقالات، وأولويات النشر في الصفحات الأولى حسب أهمية الخبر.

   

أما عمليات الرقابة، فتمر بثلاث مراحل:

توجيهات ما قبل النشر: يُصدر قسم الدعاية توجيهات بالخطوط العريضة والعناوين الرئيسية للأخبار، ويتم إطلاع القسم من قِبل رؤساء التحرير على جميع التقارير الصحفية، ولا يتم النشر إلا بعد أخذ إذن سابق، مهما كان الخبر مُلِحا. وربما يُفسِّر ذلك سبب اختفاء الأخبار العاجلة في الصحافة الصينية.

 

الرقابة الذاتية: تتم الرقابة الذاتية من قِبل هيئة التحرير نفسها. فالعاملون في وسائل الإعلام الصينية يخضعون لدورات تدريبية مكثفة تهدف إلى تحويل المحرر إلى أداة في مهب الشيوعية، لا يكتب إلا ما ينسجم مع روح الحزب وسياسته.

 

المراجعة: تأتي المراجعة بعد النشر وتنقسم إلى قسمين: مراجعة ذاتية يخضع فيها المحرر نفسه للنقد الذاتي، للتأكد من عدم تجاوز الخطوط الحمراء، ومراجعة يقوم بها قسم الدعاية في حال تسجيل أخطاء، وعادة ما يترتب عليها عقاب قد يصل إلى حد الفصل من العمل في بعض الأحيان.

   
الصحافة في زمن ماو
ماو تسي تونغ (مواقع التواصل)

     

حسب أيديولوجيا الحزب الشيوعي الصيني الذي تأسس عام 1921، لا تقل السيطرة على وسائل الإعلام أهمية عن السيطرة على الاقتصاد، والتفريط بملكية هذه الأجهزة يعني منح أعداء النظام الشيوعي فرصة لتقويض سلطة النظام والانقضاض عليه. لذلك حاول قادة الحزب أثناء الحرب الأهلية، التي اندلعت في أواخر عشرينيات القرن الماضي، السيطرة على وسائل الإعلام في البلاد، لكنهم فشلوا في استمالة بعض الصحف المستقلة، مثل صحيفة "تا كونغ باو" أقدم الصحف الصينية (تأسست عام 1902) والتي رفعت شعار "لا" للأحزاب السياسية، وكانت أول مَن نادى بالإصلاحات الديمقراطية في السنوات الأخيرة من عمر سلالة "تشينغ" آخر السلالات الحاكمة في الصين.

  

أيضا فشل الحزب في إخضاع صحيفة مستقلة أخرى "ون خوي باو" التي تأسست عام 1938، على يد مثقفين لا علاقة لهم بالأحزاب السياسية، وقد تعرضت الصحيفة فيما بعد للهجوم من الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، بسبب نشر مقال انتقد سياسات الحزب أثناء القفزة الكبرى إلى الأمام عام 1957. في عام 1942 ألقى ماو خطابا تحت عنوان "محادثات منتدى ينان حول الأدب والفن" (2)، قال فيه:

"في نضالنا من أجل تحرير الشعب الصيني، هناك جبهات مختلفة، من بينها جبهات القلم والبندقية، الجبهات الثقافية والعسكرية. لهزيمة العدو يجب أن نعتمد بشكل أساسي على الجيش والبنادق. لكن الجيش وحده لا يكفي. يجب أن يكون لدينا أيضا جيش ثقافي، وهو أمر لا غنى عنه لتوحيد صفوفنا وهزيمة العدو".

  

هذا الخطاب حدّد لاحقا الغرض الأساسي للصحافة في الصين، وهو ما تجلى في محطات مهمة أبرزها:

القفزة الكبرى: لعبت الصحافة دورا رئيسيا في تسويق خطة ماو التي سعى من خلالها إلى تحويل المجتمع الصيني في خمسينيات القرن الماضي من الزراعة إلى الصناعة، وهي خطة عُرفت بـ "القفزة الكبرى إلى الأمام"، وشهدت تلك الفترة بين أعوام 1958 و1962 سحب نحو مئة مليون فلاح من الحقول إلى إنتاج الفولاذ، فعريت الجبال من الأشجار لاستخدامها وقودا، وتوقف الإنتاج الزراعي تماما، ما أدى إلى أزمة غذاء سرعان ما تحولت إلى مجاعة في عموم البلاد. 

        

دعاية خطة ماو "القفزة الكبرى إلى الأمام" (مواقع التواصل)

     

وكانت مهمة الصحافة آنذاك تضليل الرأي العام فيما يتعلق بالأرقام والإحصاءات، فمع إهمال الزراعة وإعطاء الأولوية للفولاذ، قُرع ناقوس الخطر محذرا من أن شحا في الغذاء قادم مع اقتراب جني الحصاد في صيف عام 1958، في ذلك الوقت أعلنت صحيفة الشعب اليومية الناطقة باسم الحزب أن إنتاج الصين من القمح تخطى إنتاج الولايات المتحدة، بل أكثر من ذلك، حيث فتحت نقاشا حول موضوع كيف نعالج مشكلة الفائض من المحصول؟

  

في أعقاب المجاعة التي تسبّبت في قتل نحو ثلاثين مليونا، برّرت الصحافة لاحقا الكارثة بأن زعيم الاتحاد السوفيتي الراحل نيكيتا خرشوف أجبر الصين فجأة على تسديد دين كبير تراكم عليها خلال الحرب الكورية.

    

موت 30 مليون صيني بالمجاعة في مطلع ستينيّات القرن العشرين (مواقع التواصل)

       

الثورة الثقافية: شهدت الأشهر الأخيرة قبل اندلاع الثورة الثقافية عام 1966 صداما غير مسبوق بين الصحافة والزعيم ماو تسي تونغ.  ففي أعقاب القفزة الكبرى والفشل الذريع لسياسة ماو، عُرضت مسرحية لنائب عمدة بكين "وو هان" (3) تتحدث عن مسؤول شجاع ينتقد الإمبراطور لعدم اكتراثه بفقر الفلاحين. رأى ماو في العمل المسرحي تلميحا لشخصه، حيث كان قد تعرض للنقد نفسه من مسؤولين في الحزب، فقرّر أن يرد بهجوم مضاد عبر مقالة تطالب بإدانة وو هان، وطرد أنصار الطريق الرأسمالي من الحزب، غير أن جميع الصحف رفضت نشر المقالة بمَن فيها صحيفة الشعب اليومية التي تعتبر لسان حال اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي الصيني. شعر ماو بأنه معزول داخل المنظومة الحزبية، وأنه فقد زمام السيطرة، لذلك كان بحاجة إلى أن يقلب المكان رأسا على عقب لتأمين سلطته، وبعد عدة محاولات نجح في نشر المقالة بصحيفة مغمورة في شانغهاي، وظهر في تلك المقالة لأول مرة مصطلح "الثورة الثقافية"، وحسب مؤرخين فإن المقالة تعتبر الشرارة الأولى لاندلاع الثورة.

    

فيما بعد اضطرت صحيفة الشعب لنشر المقالة بعد إجراء تعديل من رئيس الوزراء آنذاك جو إن لاي يُشير إلى أن الثورة الثقافية ينبغي أن تكون نقاشا أكاديميا وليس سياسيا، بمعنى ألا تُفضي إلى إدانات سياسية، وهو الأمر الذي رفضه ماو لاحقا، قبل أن ينقضّ على الصحيفة ويُعيّن سكرتيره تشن بودا رئيس تحرير لها في مايو/أيار 1966، مؤمّنا بذلك منبرا يستطيع من خلاله مخاطبة  مئات الملايين من الصينيين. وبالفعل بدأت صحيفة الشعب تفرد صدر صفحاتها لخطابات ماو الحماسية، داعية إلى إقامة سلطة مطلقة له لا ينافسه عليها أحد.

    

في التاسع من يناير/كانون الثاني عام 1967، كتبت صحيفة الشعب اليومية في افتتاحيتها أن "عاصفة كانونية هبت من شانغهاي"، في إشارة إلى الاحتجاجات والاضطرابات التي أثارها العمال في المدينة. كان هذا الإعلان إيذانا بنشر الثورة الثقافية في عموم البلاد، من خلال دعوة المتمردين إلى الاقتداء بالعمال والفلاحين، وانتزاع السلطة من أنصار الطريق الرأسمالي. لتعم الفوضى بعد ذلك وتدخل الصين في عشرية سوداء لم تخرج منها إلا بموت ماو تسي تونغ عام 1976.

 
هامش من الحرية في عصر الانفتاح
الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ (رويترز)

   

بعد وفاة ماو، حاول الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ النأي بنفسه عن تداعيات الثورة، فأطلق سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978، وكان من جملة ما فعله إغلاق صحيفة "العلم الأحمر" التي أسّسها ماو عام 1958 واتخذها منبرا إلى جانب صحيفة الشعب أثناء الثورة الثقافية. في مقابل ذلك أسّس دينغ شياو بينغ عام 1988 صحيفة "تشو شي" وتعني "البحث عن الحقيقة"، وكان هدفها نشر فلسفة الحكم للحزب الشيوعي الصيني بمحتوى جديد يقدم تقارير عن قضايا اقتصادية وثقافية واجتماعية إلى جانب القضايا السياسية.

  

خلال تلك الفترة بدأت الصحافة تشهد انتعاشا واتساعا في هامش التحرير، وذلك بعد أن خففت الدولة من إصرارها على أن يكون الصحفيون محض دعاة لسياسات الحزب، فظهرت العديد من الصحف التجارية الموجهة إلى السوق، كما بدأ صحفيون صينيون يعتمدون بعض أساليب الصحافة الغربية، وهو الأمر الذي أدّى لاحقا إلى إضعاف سيطرة الحكومة نسبيا.

  

وكانت نقطة التحول في عودة الرقابة إلى سابق عهدها الأحداث التي شهدها ميدان تيان آنمن عام 1989، حيث حظيت المظاهرات الطلابية المطالبة بالإصلاح والديمقراطية بتغطية إعلامية متحررة خصوصا من قِبل الصحف المستقلة. لذلك كان أبرز الدروس المستفادة التي تم تداولها داخل القيادة العليا للحزب بعد فض الاعتصامات وإنهاء الأزمة؛ لا تدعوا وسائل الإعلام تخرج عن سيطرتنا مرة أخرى. 

      
الأحداث التي شهدها ميدان تيان آنمن عام 1989 (مواقع التواصل)

    

صحيفة في مرمى النار

في مطلع الألفية الثانية ظهرت لأول مرة الصحافة الاستقصائية في الصين، وذلك مع انفتاح البلاد الاقتصادي ووصول الرئيس هو جينتاو إلى سدة الحكم، والذي شدد على ضرورة أن تصبح وسائل الإعلام التي تديرها الدولة أكثر استجابة للبيئة الرقمية الحديثة. بدأت وسائل الإعلام تتحول تدريجيا من أدوات دعاية للحزب الشيوعي إلى عيون تتقصى الحقيقة. وتجلى ذلك مع تفشي فيروس سارس بين عامي 2002 و2003، حيث وجهت بعض الصحف المستقلة سهام النقد للحكومة بسبب التأخر في التعامل بجدية مع انتشار الفيروس، على ضوء تلك التقارير أطلقت الحكومة المركزية قوانين وأنظمة مساءلة جديدة. 

  

تكرّر الأمر أيضا في زلزال سيتشوان عام 2008، والذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، حيث كشفت وسائل إعلام صينية النقاب عن فساد مسؤولين حكوميين كانوا ضالعين في صفقات مشبوهة لها علاقة بانهيار  المباني الرديئة أثناء الزلزال، لتتم محاكمتهم فيما بعد، وهو ما أثار الآمال بنظام مسؤول وشفاف. 

 

في حادثة نادرة مطلع عام 2013، رفض محررون في صحيفة "سوثرن ويكلي" الليبرالية أوامر دائرة الدعاية الإقليمية في مقاطعة غوانغ دونغ جنوبي البلاد بنشر مقال يمجّد الحزب الشيوعي بدلا من افتتاحية الصحيفة السنوية التي كانت تدعو إلى تنفيذ صحيح للدستور (4)، حيث كان مقررا أن تنشر الصحيفة الافتتاحية بعنوان: "حلم الصين، حلم الدستورية" كتحية بمناسبة العام الجديد، مشيرة إلى أن الناس لن يتمكنوا من تحقيق أحلامهم إلا عندما يتم تنفيذ الدستور بشكل صحيح، وحين رفعت الافتتاحية لدائرة الدعاية تم التعديل عليها وتغيير العنوان إلى "نحن أقرب من أي وقت مضى إلى أحلامنا". رفض المحررون التعديل، وحين زاد الضغط عليهم من الحزب، نظموا إضرابا خارج مكتب الصحيفة للتعبير عن رفضهم لتقييد حرية الرأي والتعبير، وهو الأمر الذي اعتبرته قيادة الحزب القطرية مخالفا للنظام العام، وفي النهاية اضطر القائمون على الصحيفة لنشر المقال وفق تعديلات دائرة الدعاية الإقليمية.

  
ألف صحيفة وعنوان واحد
 شي جين بينغ (غيتي)

    

مع وصول شي جين بينغ إلى سدة الحكم عام 2013، والذي يصفه مراقبون بأنه الرئيس الأقوى بين أقرانه منذ رحيل الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، ازدادت الرقابة تشديدا على عمل وسائل الإعلام، وقد كشفت السياسة الجديدة التي اتبعها شي بما لا يدع مجالا للشك أن وسائل الإعلام يجب أن تكون أولا وقبل كل شيء لسان حال الحزب.

 

وهو الأمر الذي أكّده الرئيس عام 2016 أثناء زيارة له إلى أكبر ثلاث مؤسسات إعلامية في البلاد: تلفزيون الصين المركزي، وكالة شنيخوا للأنباء، صحيفة الشعب اليومية، حيث قال لمسؤولي الإعلام الذين تجمعوا حوله وهو جالس على مقعد المذيع: "يجب أن تعمل جميع وسائل الإعلام الإخبارية للتحدث عن إرادة الحزب ومقترحاته وحماية سلطة الحزب ووحدته". في اليوم الثاني بعد الزيارة، صدرت جميع الصحف الصينية بعنوان واحد وصورة واحدة للرئيس شي جين بينغ، وهي تغطية عكست السياسة الجديدة التي تعتبر أن وسائل الإعلام الصينية موجودة لتكون بمنزلة أداة دعائية للحزب الشيوعي، كما يجب عليها أن تتعهّد بولائها التام للسيد شي.

 

حول هذه الزيارة، قال ديفيد باندورسكي، المدير المشارك في مشروع تشاينا ميديا بروجيكت: "رسالة شي كانت صريحة، أعتقد أن المعنى هو نحن نمتلكك، ونُديرك، ونخبرك كيف تسير الأمور، الحزب هو المركز، وأنت تخدم جدول أعمالنا" (5)، وأضاف: "الحزب يسيطر على وسائل الإعلام، وهذا يعني بالطبع أنه يسيطر على الرسالة، والرئيس شي هو الرسالة".

        

  

وزارة الحقيقة، اكتب شيئا إيجابيا

في عام 2015، صدر توجيه من دائرة الدعاية المركزية يُطالب وسائل الإعلام الصينية تجنُّب نشر الأخبار السلبية، وذلك بعد قيام بعض الصحف بنشر بيانات قاتمة عن حالة الاقتصاد الصيني. وجاء في التوجيه أن وسائل الإعلام مطالبة بتعزيز الخطاب حول مستقبل مشرق لاقتصاد البلاد، كما تضمن التوجيه حث الصحفيين على تكثيف تغطيتهم للأخبار الإيجابية وتجنُّب تغطية الأحداث التي من شأنها أن تبث طاقة سلبية داخل المجتمع الصيني.

  

يُعيدنا هذا التوجيه بالذاكرة إلى وينستون سميث، بطل رواية جورج أورويل "1984"، الموظف في وزارة الحقيقة المسؤولة عن الدعاية ومراجعة التاريخ، حيث كان يعكف على إعادة كتابة المقالات القديمة وتغيير الحقائق التاريخية بحيث تتفق مع ما يعلنه الحزب، بالإضافة إلى إتلاف أي مستندات لا تتضمّن تلك التعديلات، وبذلك يضمن الحزب عدم الطعن في روايته الرسمية الصادقة والمصدقة دائما. 

  

ولكن ما يتناقض مع هذا التوجه، خصوصا فيما يتعلق ببث الأخبار الإيجابية، هو قيام الصحافة الصينية بفرد مساحات كبيرة لتغطية قضايا وشؤون أميركية محلية لا تهم القارئ الصيني، مثل انتقاد ملف حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، والعنف المسلح والنزاع العِرقي، في حين أن الأحداث المشابهة في الصين مثل: النزاع في إقليمَيْ شينجيانغ والتبت تخضع لرقابة شديدة ليس فقط في وسائل الإعلام المحلية، بل أيضا على منصات التواصل الاجتماعي.

  
الماركسية واختبار الولاء

  

في عام 2019 طالبت السلطات الإعلامية جميع الصحفيين الصينيين حضور دروس في تعلم الماركسية، ورغم وجود برنامج مماثل منذ عام 2003، فإن المتطلبات الجديدة كانت أكثر صرامة، وشملت الدورة (مدتها 50 ساعة) جلسات تدريب أيديولوجية لدراسة الفكر السياسي الحزبي، ودور الإعلام في العمل الفكري، ما يعكس تصميم الحزب تحت قيادة أمينه العام شي جين بينغ على السيطرة بقوة على وسائل الإعلام والصحفيين مع اتساع نطاق الفضاء الأزرق.

  

في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، تقدّم عشرة آلاف مراسل ومحرر يعملون في وسائل إعلام حكومية بإجراء اختبار الولاء، وذلك عبر تطبيق إلكتروني خاص، أجاب فيه الممتحنون عن أسئلة لها علاقة بالفكر الماركسي الذي تتبناه الدولة، وقد ربط مكتب الإشراف على وسائل الإعلام التابع لقسم الدعاية المركزية تجديد ومنح بطاقات صحفية جديدة بالقدرة على اجتياز الامتحان الإلزامي بامتياز وتفوق.

  

وحسب شهادة بعض الممتحنين، فإن مواد الدراسة تضمنت مجموعة اقتباسات من خطابات الرئيس الصيني شي جين بينغ، والكتاب الأحمر الخاص بالزعيم الراحل ماو تسي تونغ، ونظرية دينغ شياو بينغ، بالإضافة إلى مقالات منوعة ومقاطع فيديو وأفلام وثائقية عن تاريخ الشيوعية والماركسية اللينينية. ومن ضمن الأسئلة التي طُرحت في الامتحان: ما مفهوم الماركسية؟ ماذا تعرف عن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية؟ بالإضافة إلى مناقشة أفكار الرئيس الصيني شي وإسهاماته في تطوير وتنمية التوجه الماركسي.

  
خلاصة

   

لو كنت صحفيا، وقُدّر لك أن تعمل في بيئة مشابهة تماما لظروف عمل الصحافة في الصين، من حيث الرقابة الصارمة، والتحكم في صنع القرار التحريري، كيف ستتعامل مع هذه الضغوط؟ هل ستقبل أن تكون مجرد أداة دعائية مفرغة من شغف البحث عن الحقيقة؟ عن هذا السؤال أجاب قائلا زميل أجنبي يعمل في وسيلة إعلام حكومية بالصين: "أكثر ما تعلّمته خلال سنوات عملي بالصحافة الصينية استخدام الاستعارات والتورية للهرب من مقص الرقيب، في محاولة ربما كانت فاشلة للتعبير عن رفضي الشخصي. في البداية استمتعت بهذه الحيلة، إنها أشبه بلعبة القط والفأر، ولكن لطالما تملّكني الخوف، كنت أشعر أن أحدا ما يقرأ ما بين السطور. الآن بِتُّ أكثر انسجاما مع نفسي، لأني أدركت متأخرا أن محاولاتي في التعبير عن ذاتي لن تُفضي إلى شيء، ولن تُغيِّر من حقيقة أننا لسنا سوى صدى لصوت الحزب، وانعكاس لسياسته".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة