هل توغل الفساد في منظمة الصحة العالمية؟

ميدان – كيف توغل الفساد في منظمة الصحة العالمية؟

"لقد أفسدت منظمة الصحة العالمية الأمر بالفعل، لسبب ما، ورغم أنها ممولة من جانب الولايات المتحدة، فإنها تُركِّز على الصين، سنُلقي نظرة على هذا الأمر.. لا أصدق أن رئيس المنظمة يتحدث عن السياسة عندما تنظر إلى العلاقة التي تربطهم بالصين، إن الصين تنفق 42 مليون دولار، ونحن أنفقنا 450 مليون دولار (لصالح المنظمة) ويبدو كل شيء على أنه في جانب الصين… هذا ليس صحيحا، ليس عدلا لنا وبصراحة ليس عدلا للعالم"[1]

  

بهذه الكلمات هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترامب منظمة الصحة العالمية متهما إياها بأنها منظمة "مسيّسة" لا تُراعي مصالح الولايات المتحدة في مقابل تعظيمها لمصالح الصين، ونتيجة لهذا الانحياز قرّر ترامب في 14 (إبريل/نيسان) 2020م أن يقطع التمويل عن المنظمة بشكل تام ويحرم المنظمة من التمويلات الأميركية، أكبر مصدر تمويل لها في ميزانيتها المعلنة.

   

       

وبعيدا عن فخ الانحياز لهجوم ترامب على المنظمة، أي باعتباره هجوما مسيّسا بذاته، ويتضمّن في القلب منه طرحا يفترض وجوب انحياز المنظمة للسياسات الأميركية، أو مراعاتها على الأقل، فبعيدا عن تحليل هذا الأمر؛ طرحت أزمة ترامب مع المنظمة عددا من الأسئلة، أهمها: ما الذي يعنيه مراعاة مصالح الصين أو الولايات المتحدة في قضية الصحة العامة؟ إذ ألا يُفترض بالصحة العامة أن تكون مسألة إنسانية لا تُفضِّل أحدا على أحد؟ والأهم من ذلك: هل وقعت المنظمة في براثن الاستغلال السياسي والاقتصادي لبرامجها وتمويلاتها وتوصياتها؟

  

منظمة الصحة العالمية: المركب الغارقة

في الحقيقة، لم يكن اتهام ترامب هو الأول من نوعه الذي ربط قرارات المنظمة بمصالح اقتصادية وسياسية على حساب الاهتمام بصحة شعوب العالم، ففي عام 2000م نشر الفرنسيان، الصحفي برتنار ديفو والأستاذ بعلم الاقتصاد برتنار ليمينسي، كتابا بعنوان "منظمة الصحة العالمية: المركب الغارقة للصحة العامة؛ انحرافات وإخفاقات الأمم المتحدة"[2]، وعرضا في كتابهما العديد من قضايا الفساد التي تُثبت تورُّط منظمة الصحة العالمية في الانحياز لمصالح اقتصادية وسياسية تتعارض مع مصلحة الصحة العامة.

  

غلاف كتاب "منظمة الصحة العالمية: المركب الغارقة للصحة العامة؛ انحرافات وإخفاقات الأمم المتحدة" (مواقع التواصل)

   

وبنظرة أكثر تفصيلا، فمنذ انفجار أزمة إنفلونزا الطيور عام 2004م بدأت الأصوات الناقدة للمنظمة في الظهور علانية وعبر منابر إعلامية متعددة، ثم مع قدوم إنفلونزا الخنازير عام 2009م تحوّلت الأصوات الناقدة إلى نداءات عامة بإصلاحات عاجلة ومحاكمات في حق المسؤولين وتحقيقات في البرلمانات الأوروبية، وأخيرا مع تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد-19) في 2020م خرج الهجوم من الرئيس الأميركي نفسه ليُعلن تعليق الدعم المالي للمنظمة كليا.

  

لم يكن ترامب يغرد وحيدا في هذا المضمار كما أشرنا، إذ تزايدت النداءات التي تنادي بسحب الثقة من المنظمة بشكل مُطّرد، لا سيما مع انضمام دول ألمانيا وبريطانيا وأستراليا إلى قائمة الدول التي تطالب الصين بتعويض مادي مقابل الأضرار الناجمة عن سوء إدارتها للفيروس[3]، مما يُثير الريبة في دور المنظمة الحقيقي وعلاقتها بالصين. فهل فعلا يمكننا الثقة في منظمة الصحة العالمية لإدارة أزمة كورونا المستجد؟ وما مدى تحكم المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي فيها؟ وما أبرز قضايا الفساد التي اتُّهمت فيها المنظمة في تاريخها؟

    

الرئيس الصيني "شي جين بينغ" والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية "تيدروس أدهانوم غيبريسوس" (رويترز)

    

الصحة العامة: شأن اقتصادي أم ضرورة إنسانية؟!

"الصحة العامة هي مسألة اقتصادية واقعة بين الأفكار المثالية وحقيقة السوق"

(برتنارد ديفو، أستاذ الاقتصاد الفرنسي[4])

 

يذكر برتنارد ديفو في كتابه أن منظمة الصحة العالمية هي منظمة وليدة لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في عالم غربي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية، وكانت مستقلة عن التأثيرات الخارجية في بداية تأسيسها عام 1948م، لكنها مع مرور الوقت بدأت تفقد استقلاليتها وتخضع لرغبات مموليها واتجاهات جماعات الضغط والشركات الرأسمالية التي باتت تؤثر في قراراتها بشكل كبير[4].

 

ومن أجل الاستدلال على صحة نظريته يطرح ديفو عددا من قضايا الفساد التي تورطت فيها منظمة الصحة العالمية بسبب فقدانها لاستقلاليتها، منها قضية منتجات لبن الأطفال الضار صحيا والتي أنتجته شركة "نستله" (nestle) خصيصا لأسواق الدول الفقيرة، حيث تغيب الرقابة الصحية، كما ترتفع معدلات المواليد في سياق من الفقر والفساد الحكومي وانتشار الأمية والجهل وإصابة الأمهات بسوء التغذية والأنيميا، مما جعل أسواق تلك البلاد كنزا ذهبيا لشركة "نستله" (nestle)، وعبر إستراتيجيات التسويق والترويج والإقناع بالطرق المشروعة وغير المشروعة كافة لاستبدال حليب الأم باللبن الصناعي، انخفضت نسب استخدام لبن الأم لتغذية الأطفال في البلدان الأفريقية من 100% عام 1870م إلى 14% في 1970م[5].

  

بدأت موجات التشكيك في الإستراتيجيات التسويقية للشركة مع تواتر الأبحاث حول ضرر هذه الألبان الصناعية المغشوشة على صحة الأطفال حديثي الولادة، ثم في عام 1979م أجرت منظمة الصحة العالمية تصويتا لصالح ضبط عملية التسويق داخل هذه الدول الفقيرة حتى لا يُتَلاعب بصحة المواطنين. كانت نتيجة التصويت 118 لصالح تقنين الوضع، وصوتا واحدا فقط ضد التقنين: الولايات المتحدة الأميركية، نظرا لعلاقتها الوطيدة مع شركة "نستله" (Nestle) التي كانت تتحكم في ثلث سوق بدائل لبن الأم الذي كان يبلغ حجمه حينذاك 3 مليارات دولار سنويا[6].

  

انصاعت المنظمة لرأي الولايات المتحدة، وفضّلت الحفاظ على تمويلها القادم من أميركا بدلا من حماية شعوب تلك الدول الفقيرة من جشع الشركات الأميركية. وقد نشأت حركة "قاطعوا "نستله" (Nestle)" التي ترى أن الشركة تنتهك صحة الأطفال في دول العالم النامية وتدعو إلى مقاطعة منتجاتها تزامنا مع تلك الفضيحة اللا أخلاقية التي وقعت فيها منظمة الصحة العالمية[7].

     

 

  

عقود من التسييس

"شركات العقاقير تسيطر على منظمة الصحة العالمية".

هالفدان مالر، رئيس منظمة الصحة العالمية 1973م-1988م[8]

   

كان انحياز المنظمة لمصالح شركة "نستله" (Nestle) مجرد مثال لتحكُّم جهات التمويل في قرارات المنظمة سلبا و/أو إيجابا، وإن جاء على حساب أرواح الفقراء والأطفال، ويذكر ديفو عددا من الممارسات "غير السليمة" التي تُثير الشك في مصداقية أهداف المنظمة، فيتساءل ديفو: "ما فائدة تدشين المنظمة لحملة ارتداء حزام الأمان في السيارات في دولة موزمبيق في حين أن ويلات الحرب الأهلية تُمزِّق أشلاء الناس هناك؟". لاحظ مؤلفا الكتاب هذا التوزيع غير العادل وغير المناسب للبرامج الإغاثية، فأجريا استقصاء حول 161 دولة، درسوا فيها الناتج القومي ومتوسط عمر المواطن في هذه الدول، وكان المتوقع أن الدول الأفقر ذات نسب الوفاة والأمراض العالية هي التي ستحوز أكبر نصيب من المساعدات والبرامج الإغاثية.

   

لكنّ المؤلفَيْن فوجئا أن العكس كان هو الحاصل، فدولة مثل موزمبيق التي يبلغ متوسط دخل الفرد فيها 80 دولارا سنويا ومتوسط عمر الإنسان فيها 47 سنة فقط كان نصيب المنظمة فيها أقل من مثيله في الولايات المتحدة أو كندا أو أيسلندا. وبالمثل كانت المساعدة المخصصة لسنغافورة وجزر سيشل، وهما من الدول ذات الدخل القومي العالي ومتوسط دخل فرد مرتفع، أكبر من مثيلتها في البرازيل أو الجابون وهي الدول الأفقر والأقل حظا في معدلات النمو والثراء[9].

   

لم تكن الفروقات بين التمويلات هي المشكلة التي رصدها الباحثان فحسب، بل كانت تباين المساعدات، مما يُمثِّل مفارقة عجيبة، ففي الوقت الذي تبلغ فيه الميزانية السنوية لمنظمة الصحة المخصصة للوضع الصحي في دولة الهند 7.5 مليون دولار، بلغت ميزانية منظمة اليونيسيف للوضع الصحي في الدولة ذاتها 100 مليون دولار، رغم أنها غير معنية بالشأن الصحي أصلا، الأمر الذي علّقت عليه الطبيبة الهندية إنديرا ناث قائلة إنه "أمر لم يكن متصورا قبل سنوات قليلة، لكنه حدث بسبب خضوع منظمة الصحة لتأثيرات السياسة والشركات وجهات التمويل"[9].

 

وطبقا للمؤلفين، لم يكن رئيس المنظمة بمعزل عن هذه الألاعيب السياسية، فعلى سبيل المثال، عرضت مملكة تونجا -وهي مجموعة جزر في المحيط الهادئ تمتلك ثروة سمكية هائلة تنتفع منها اليابان- صوتها في المنظمة للبيع لصالح أعلى سعر. وفي أحد الاجتماعات، عرضت اليابان على المملكة بناء مختبرات بحثية في الأمراض السمكية مقابل التصويت لصالح مرشح اليابان هيروشي ناكاجيما[10].

    

هيروشي ناكاجيما (رويترز)

  

وبالفعل، تم الاتفاق وتنفيذ الأمر وصار ناكاجيما رئيس المنظمة بين 1988م و1998م بفضل صوت مملكة تونجا الحاسم في عملية التصويت[10]. فهل يمكن لرئيس المنظمة أن يكون حتى الآن طرفا في منظومة الفساد بالفعل داخل المنظمة؟ أم أن هناك فرقا بين 1990م و2020م جعل رئيس المنظمة بمنأى عن الضلوع في تضارب المصالح السياسية والاقتصادية والصحية؟

 

رئيس المنظمة وسجل غير نظيف

"يبدو أن تيدروس، رئيس منظمة الصحة العالمية، غضّ الطرف عما حدث في ووهان وباقي الصين، وبعد اجتماعه مع شي جين بينغ في يناير/كانون الثاني ساعد الصين على التخفيف من خطورة فيروس كورونا واستشرائه وتضييق نطاق انتشاره"[11]

(برادلي ثاير، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تكساس)

   

منذ بداية أزمة فيروس كورونا المستجد، كانت أصابع الاتهام موجهة إلى الصين لتعاملها المتهاون مع المرض وتكتُّمها على خطره الحقيقي، ومع استفحال الأزمة بحلول منتصف مارس/آذار امتدت أصابع الاتهام لتطول المنظمة التي تحظى بسمعة "ناصعة البياض" لدى عامة الناس والحكومات: منظمة الصحة العالمية.

 

بدأت الاتهامات تنتقل من الصين إلى رئيس المنظمة نفسه، الإثيوبي تيدروس جبريوسوس، وهو ما أثار الشك حول تواطؤ تيدروس مع الحكومة الصينية في إخفاء آثار الفيروس الحقيقية عن عامة الناس وحكومات العالم. ولم تكن هذه الشكوك شاذّة أو منعزلة عن ترابطات لها ما يسندها في الواقع، فقد كانت الصين أبرز داعمي تيدروس للفوز بالمنصب في 2017م، عبر علاقاتها ولوبيهاتها وتمويلها، وبعد يوم واحد من فوزه بالمنصب خرج تيدروس ليُشيد بالسياسات الصينية في إدارة دولتها متجاهلا الانتهاكات الحقوقية كافة المسجلة فيها[12]. الأمر الذي يطرح تساؤلا يحتاج إلى تقرير موسّع حول مدى نفوذ الصين على قرارات رئيس المنظمة.

  

  

وما زاد موقف تيدروس حرجا أمام الاتهام الموجه إليه بالتستر على أزمة فيروس كورونا المستجد 2020م هو أن تاريخه كان حافلا بحوادث مماثلة، فعلى سبيل المثال أوردت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا يتهم تيدروس بالتستر سابقا على وباء الكوليرا في بلده الأم، إثيوبيا، ثلاث مرات، في أعوام 2006م و2009م و2011م، عندما كان وزيرا للصحة في حكومة قمعية ديكتاتورية[13].

 

وضعت هذه التقارير تيدروس في حرج أمام مهاجميه، ولم يكد المراقبون ينسون هذه الاتهامات حتى وجد تيدروس نفسه يتلقى ضربة جديدة عندما امتدت الاتهامات لتشمل ما سماه الصحفيون والمراقبون "نقطة سوداء في تاريخه". فبعد أن أصبح تيدروس رئيسا لمنظمة الصحة العالمية حاول تعيين الديكتاتور الزيمبابوي آنذاك، روبرت موغابي، سفيرا للنيّات الحسنة لمنظمة الصحة العالمية، وكانت محاولته تلك مثارا للنقد اللاذع نظرا لسجل موغابي الحافل بالقمع والظلم[14]. والنتيجة: أحاطت الاتهامات تيدروس من كل جانب، وأثار ذلك حفيظة الكثيرين، لكن على الجانب المقابل: أليست المنظمة هيئة مؤسسية لا يمكن أن نختزلها في شخص رئيسها؟

   

غياب الشفافية والرقابة

"نحن نعلم أن مصداقيتنا على المحك".

(د. تيكي بانج، مدير سياسات البحث في منظمة الصحة العالمية[15])

   

رغم توفر عشرات ومئات الأوراق على موقع المنظمة التي تشرح دستورها وآليات اتخاذ قراراتها وإستراتيجيات عملها، فإن هذه الأوراق كافة تبقى في إطار الخطوط العامة، ولا تزال هناك حالة من الغموض التي تعتري تصريحات وتوجهات المنظمة، ما جعل ليليان باسكير السياسية السويسرية تقول: "أنا دائما أجد أن منظمة الصحة العالمية هي صندوق أسود كبير من الصعب أن تفهمه عندما تكون خارجه، وأعتقد أن هذا أمر متعمّد".[16]

    

وهذا الغموض تحديدا هو ما دفع الباحث النرويجي أندرو أوكسمان إلى التشكيك في مصداقية المنظمة خصوصا مع التعتيم الشديد على مجريات توصياتها ومجالسها، قائلا: "من الصعب أن يتم تقييم ثقتنا في التوصيات التي تُقدِّمها منظمة الصحة العالمية بدون أن نعرف كيف تم تحضير هذه التوصيات ابتداء"[16].

   

  

فإذا حاولنا فك شفرات هذا الغموض ربما نجد ما يُغيِّر وجهة نظرنا تجاه المنظمة، فالباحثة الكندية أليسون كاتز، التي قضت 17 عاما في منظمة الصحة العالمية، أرسلت خطابا مفتوحا في يناير/كانون الثاني 2007م إلى رئيسة المنظمة حينذاك، الصينية مارجيريت تشان، متهمة المنظمة بالفساد والمحسوبية وانتهاك القوانين وعدم فاعلية نظامها الرقابي الداخلي.

 

واحتوت رسالة كاتز شديدة اللهجة على انتقادات لاذعة لأداء المنظمة، وفقدت كل أمل في إصلاحها من الداخل، قائلة: "لقد وقعت منظمة الصحة العالمية ضحية للعولمة النيوليبرالية، وقامت بتسليع العلم من خلال روابطها القوية بشركات العقاقير وصناعة الأدوية، فيبدو أن القطاع الخاص صار هو الممول الوحيد للمنظمة"[18].

   

فضيحة المنظمة في اليمن

"هدف منظمة الصحة العالمية هو حصول أكبر عدد من الشعوب على أعلى مستوى للصحة ممكنة بحلول عام 2000م"[19]

(دستور المنظمة في بداية تأسيسها قبل أن يتم تغييره)

   

في أكتوبر/تشرين الأول 2018م، تجمّع محققو الأمم المتحدة في مطار صنعاء استعدادا لمغادرة اليمن وهم يمتلكون أدلة دامغة على تورط بعض مسؤولي منظمة الصحة العالمية في اليمن في قضايا تربح غير مشروع واستغلال نفوذ ومحسوبية و"استغلال جنسي".[20]

    

لكن قبل مغادرتهم للمطار، هاجمتهم ميليشيات الحوثي داخل المطار واستولوا على الأدلة التي بحوزتهم. وبعد توالي التحقيقات تبيّن -فيما بعد- أن هذه الميليشيا تحرّكت بناء على طلب منظمة الصحة نفسها بعد أن دفعت لهم أموالا نظير الاستيلاء على الأدلة. وخربت الميليشيات الأدلة، وعاد الطاقم إلى جنيف دون أدلة تُثبت تورط المسؤولين، ونجت منظمة الصحة من الإدانة[20].

     

شغل الطبيب الإيطالي نيفيو زاجاريا منصب رئيس مكتب منظمة الصحة العالمية في صنعاء (رويترز)

   

شغل الطبيب الإيطالي نيفيو زاجاريا منصب رئيس مكتب المنظمة الصحة في صنعاء منذ عام 2016م حتى سبتمبر/أيلول 2018. وخرج تحقيق المنظمة في سلوك الموظفين لديها في ورقة تقع في 37 صفحة من التقرير السنوي للمدقق الداخلي لعام 2018م للأنشطة في جميع أنحاء العالم. ورغم أن التقرير لم يذكر زاجاريا بالاسم تحديدا، فإنه وجد أنّ الضوابط المالية والإدارية في مكتب اليمن كانت "غير مرضية" -وهو أدنى تصنيف لها وفقا لبروتوكلات المنظمة-، وأشار إلى مخالفات في التوظيف وعقود أُبرِمت من دون منافسة، مع نقص في الرقابة على المشتريات.

   

وقامت وكالة أستوشيتد برس بمقابلة أربعة موظفين حاليين وسابقين اتفقوا جميعا أنّ مكتب منظمة الصحة العالمية في اليمن -تحت قيادة زاجاريا- يعج بالفساد والمحسوبية، وأن بروتوكولات العمل والمشاريع "تمتلئ بالفجوات التي تسهّل الفساد"[21]. كما ذكرت الوكالة أنّ "اثنين من هؤلاء الموظفين حصلا على منصبين مرموقين، لكنّ دورهما الوحيد انحصر في الاهتمام برعاية كلب زاجاريا". وقال مسؤول إغاثي سابق إنّ "الموظفين غير المؤهلين الذين يتقاضون رواتب مرتفعة يقوضون نوعية العمل ومراقبة المشروعات، ويخلقون ثغرات كثيرة من أجل الفساد"[21].

   

وتتضمّن قائمة نتائج تحقيق المنظمة التي نشرتها الوكالة: أخذ رشوة مقابل تقديم خدمات صحية، ضياع الأموال المخصصة للميزانية الإغاثية دون رقابة، شراء الموظفين للسلع والخدمات الشخصية وسط الأزمة من ميزانية المنظمة. مثّلت هذه التحقيقات فضيحة لمكتب اليمن بأسره،[21] وبدأت الأسئلة الأهم تطفو على السطح: هل مشكلة تضارب المصالح والمحسوبية تنحصر في أزمة اليمن في 2016م، أم أنها مجرد نموذج مصغر لمنهاج عمل المنظمة بأكملها؟

 

إنفلونزا الطيور: فصل من تضارب المصالح

"منذ فترة من الزمن تتفاقم الفجوة بين احتياجات الشعوب وبين استجابة المنظمات، هذا الفرق سياسي في المقام الأول. ورغم علم المنظمة بأمراض الشعوب فإنها لا تهتم ولا ترسم برامج لعلاج هذه الأمراض. نحن لسنا مستعدين للوباء بأي شكل، ولحسن الحظ أصاب وباء الإيدز الدول الغربية مما نحا بالمنظمة إلى الاهتمام به، لكن مَن يفكر في الأوبئة التي تضرب بقية العالم؟"[22]

(جوناثان مان، المدير الأسبق لبرنامج مكافحة الإيدز بمنظمة الصحة العالمية)

     

  

إذا رجعنا بالزمن قليلا، وتحديدا من أزمة اليمن في 2016م باتجاه أزمة إنفلونزا الطيور في عام 2004م، فإننا نجد فريقا مكوّنا من ثلاثة علماء رفعوا تقريرا إلى منظمة الصحة العالمية آنذاك يحثّون فيه المنظمة على توزيع عقار "Tamiflu" على دول العالم، باعتبار أن هذا العقار هو الوحيد الذي يعالج جائحة إنفلونزا الطيور التي أعلنتها منظمة الصحة وباء عالميا في منتصف 2004م.

 

استجابت منظمة الصحة العالمية للتوصيات المدونة في التقرير بالفعل، وأطلقت توجيها لدول العالم كافة بتخزين كميات ضخمة من عقار "Tamiflu" للحفاظ على حياة المواطنين من الوباء المتوقع، وعلى الفور تسابقت الدول لشراء العقار من شركة "Roche" السويسرية. إلى هنا تبدو الحكاية معقولة ولا غبار عليها، لكن الفضيحة قد ظهرت بعدما قامت بعض المنظمات غير الحكومية بفحص الفريق العلمي الذي رفع التقرير إلى منظمة الصحة، وكانت المفاجأة هي أن الفريق كان مرتبطا بشركة "Roche" المنتجة لعقار "Tamilfu" الذي وصّى فريق منظمة الصحة ببيعه وتوزيعه في كل العالم[23].

  

وبلغت علاقة هذا الفريق بالشركة إلى حد أن واحدا من هذا الفريق، بالتحديد البروفيسور فريدرك هايدن، كان مسؤولا عن إصدار دراسة للشركة -اعتمدت عليها المنظمة- تؤكد النقطة التسويقية الأهم للعقار: تقليل 60% من إصابات الإنفلونزا في المستشفيات، ما يعني أن ثمة اتهاما قويا لهايدن بالعمل لمصلحة شركات الأدوية. أما العالمان الآخران، كارل نيكولسون وأرنولد مونتو، فقد تلقى الأول تمويلا ماليا من الشركة، وعمل الأخير مستشارا فيها[23].

   

أثار هذا التمويل والروابط الخلفية شكوكا هائلة في مصداقية ما ورد في توصيات هذا الفريق، ففي نهاية المطاف مر الوباء بسلام وظلت عقاقير "Tamiflu" مخزنة في المستودعات والمستشفيات بلا طائل حتى انتهت صلاحيتها عام 2011م، وكان المستفيد الوحيد من هذا الإهدار هو شركة "Roche" نفسها حيث تربحت من وراء هذا الماراثون العالمي لشراء العقار ما يساوي 7 مليارات دولار[23].

     

  

وقد علق السياسي البريطاني بول فلين على هذا الحدث الخطير قائلا: "إن دور منظمة الصحة العالمية خطير جدا، ولهذا فهي منظمة مستقلة، فهم الذين يحددون متى يكون المرض وباء، وكل دول العالم تستمع إليهم وتتبع نصيحتهم، لو كانت نصيحتهم هذه ملوثة بالمصالح التجارية، فهي نصيحة لا قيمة لها".

   

إنفلونزا الخنازير: إنذار كاذب أم وباء متوهم؟

"إنفلونزا الخنازير هو إحدى أكبر الفضائح الطبية في القرن الحادي والعشرين".

(فولفجانج فودارج، رئيس لجنة الصحة بمجلس أوروبا[24])

   

بجانب فريدريك مونتو، شملت قائمة المتهمين بالفساد أرنولد مونتو، هنري نيمان، كارل نيكولسون، وآخرين. وكان من أشهر المتهمين الطبيب الأستاذ الهولندي ألبرت أوتسرهاوس، الذي زعم أنه أول مَن اكتشف قدرة إنفلونزا الطيور على الانتقال إلى البشر في 2003م[24].

     

الطبيب الأستاذ الهولندي ألبرت أوتسرهاوس (مواقع التواصل)

    

وبسبب سمعته ذائعة الصيت وعمله خلال وباء إنفلونزا الطيور كان أوسترهاوس الطبيب الأشهر خلال جائحة إنفلونزا الخنازير الذي ظهر عام 2009م حتى صار لقبه حينذاك "بابا إنفلونزا الخنازير" بصفته أحد القادة الأساسيين لمنظمة الصحة العالمية ومستشارا للحكومة البريطانية والهولندية على حدٍّ سواء. فكان أوسترهاوس وجها إعلاميا مألوفا في العالم بأسره مما أعطاه مصداقية عالية لدى الحكومات والمنظمات. 

     

لكن في عدد شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2009 نشرت مجلة "ساينس" (Science) المرموقة اتهاما صريحا لأوستراهوس قائلة: "خلال ستة الأشهر الماضية كان من الصعب على المرء أن يفتح قناة فضائية بدون أن يرى الوجه المألوف للدكتور ألبرت أوسترهاوس، لكن في الأسبوع الماضي أخذت سمعته في الانهيار بعد اتهامه أنه بنشر الخوف من الوباء لتقوية مصالحه الاقتصادية الخاصة في صنع الأمصال. وقد قام مجلس النواب الهولندي بفتح تحقيق في الموضوع"[25].

    

كان أوسترهاوس على رأس المهوّلين من وباء إنفلونزا الخنازير وإطلاق صيحات النذير في كل حدب وصوب، وعلى إثر صيحاته شعر العالم بالهلع الشديد، وعندما تم اعتماد اللقاح من منظمة الصحة العالمية تسابقت الشعوب للحصول على الدواء، وطبقا لبنك "JP Morgan" فقد ربحت شركات الأدوية الكبرى نحو 9 مليارات دولار جراء إعلان منظمة الصحة العالمية لإنفلونزا الخنازير وباء عالميا[26].

 

لكن الحقيقة أن الوباء لم يكن بهذه الضخامة التي صوّرها أوسترهاوس وأقرانه في المنظمة، وهو ما لم يتحمله الطبيب جيرمان فيلاسكي لما رأى هذا الكم الكبير من المصالح التجارية داخل المنظمة، فقرّر أن يخرج في الإعلام السويسري ليتهم المنظمة، بعدما عمل فيها لمدة عشرين عاما، بالخضوع للابتزاز السياسي وشراء الأصوات والخضوع للشركات الرأسمالية الكبرى[27].

 

تبدو المنظمة إذن متورطة في عدد من القضايا التي تُشكِّك في مصداقيتها أمام المراقبين والمتابعين، فمن اتهامات بالفساد والمحسوبية واستغلال السلطة إلى انحيازها للمصالح الاقتصادية والسياسة والصحية مرورا بغموض آليات اتخاذ القرار وغياب الرقابة والشفافية وضعف وسائل المراجعة والتحقيق، كل ذلك يجعل مستقبل المنظمة موضع تساؤل في ظل عالم يتعطش لحقيقة إدارة المنظمة دفة مواجهة الأوبئة العالمية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة