تنين من ورق.. هل سقوط الصين محتوم في المستقبل المنظور؟

ميدان – تنين من ورق.. هل سقوط الصين محتوم في المستقبل المنظور؟
اضغط للاستماع

      

على مدار السنوات القليلة الماضية، أخذ نهج الولايات المتحدة مع الصين منعطفا حادّا، وبين التعاون والتنافس بين البلدين أخذت كفة الميزان تميل بقوة باتجاه الخيار الثاني. ينظر الطيف الأكبر من صُنّاع السياسة والمعلقين الأميركيين إلى إستراتيجية المواجهة الجديدة هذه كردّ على حضور الصين المتزايد، مجسّدا بشخصية مثيرة للجدل هي شخصية الرئيس تشي جينبينغ. لكن في نهاية المطاف، من المرجّح لهذا التوتّر المتزايد، لا سيما في ظل الضغوط الإضافية التي سلّطها انتشار فيروس كورونا الجديد والكساد الاقتصادي، أن يكشف عن الهشاشة والضعف القابعين خلف ستار من ادعاءات تشي وبكين بالقوة والتماسك.

 

محدودة هي الوسائل التي تمتلكها الولايات المتحدّة الأميركية للتأثير على النظام السياسي الصيني المغلق، لكن الضغط الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الذي يمكن أن تسلطه واشنطن على بكين سيولد ضغوطا إضافية على تشي والحزب الشيوعي الصيني الذي يتربع على عرشه. ومن المؤكد أن فترة مطوّلة من المواجهة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، كتلك التي تمر بها الصين حاليا، ستخلق ظروفا تُفضي في النهاية إلى تغييرات دراماتيكية. 

 

لقد تنامى التوتر بين الولايات المتحدة والصين، واحتدمَت النقاشات بشأن أوجه الشبه والاختلاف بين تنافس الولايات المتحدة والصين وتنافسها مع الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. ومهما تكن تلك التشابهات محدودة فإن دُروس الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي قد شغلت حصة لا بأس بها من تفكير القيادة الصينية. على أن ذلك، للمفارقة، قد لا يمنع الصين من تكرار بعض أفدح الأخطاء التي ارتكبها النظام السوفيتي. 

   

الرئيس الصيني "تشي جينبينغ" (غيتي)

    

خلال منافسة طالت عقودا من الزمن في الحرب الباردة، كان تعنّت النظام السوفيتي أهم ورقة بحوزة الولايات المتحدة. فقد راهن الكرملين على إستراتيجيات غير مجدية، كالتشبّث بنظام اقتصادي بائد، ومواصلة سباق التسلح الصفري، والتمسك بإمبراطورية عالمية بأعبائها الثقيلة، بدلا من تقبُّل الخسائر التي ربمّا تكون أدّت إليها إصلاحات اقتصادية طالت كل جوانب النظام. 

 

وبالمثال، فالقيادةُ الصينية مكبّلة بأصفاد نظامها المتصلب الذي حدّ من قدرتها على العودة عن سياسات خاطئة. في عام 2018، قرّر تشي التخلص من الفترة الرئاسية المحدودة، مضمرا نيته البقاء في سُدّة الحكم إلى أجل غير مسمى، وشنّ حملات تطهير سياسي مكثفة كفلت له التخلص من شخصيات بارزة داخل الحزب تحت عباءة مكافحة الفساد السياسي. إلى جانب ذلك يأتي قمع احتجاجات هونغ كونغ، واعتقال مئات من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وفرض رقابة خانقة على الإعلام في عصر ما بعد ماو. لقد شيّدت حكومته مخيمات "إعادة التأهيل" في سنجان، حيث يُحتجز أكثر من مليون من الإيغور والكزخيين من بين أقليات مسلمة أخرى، وجرت مركزة صنع القرار السياسي والاقتصادي، بحيث تدفقت الموارد المالية الحكومية على مشاريع ضخمة مملوكة للدولة التي لم تدّخر جهدا في شحذ تقنيات المراقبة. لكن هذه التدابير كلها جعلت الحزب الشيوعي الصيني أضعف من ذي قبل، فتزايد المشاريع الضخمة المملوكة للدولة يخرب الاقتصاد، والمراقبة تستدعي الأعمال الثورية، كما أنَّ انتشار فيروس كورونا الجديد قد عمّق من سخط المواطنين الصينيين على الحكومة. 

 

ولعل التوترات الاقتصادية والانتقادات السياسية النابعة من تنافس الصين والولايات المتحدة تكون القشة التي قصمت ظهر البعير الصيني. فإن استمرّ تشي على النهج الحالي في تدمير الأسس التي قامت عليها القوة الاقتصادية والسياسية الصينية محتكرا القرار والسلطة، فسيكون الحزب الشيوعي الصيني عُرضة لتغيير مدمّر. 

     

احتجاجات هونغ كونغ (رويترز)

    

نمر من ورق

منذ تسلّمه مقاليد السلطة عام 2012، استعاض تشي عن القيادة الجماعية بحكم الرجل المتغلّب. قبل مجيء تشي، كان الحزب يبرهن باستمرار على درجة من المرونة الأيديولوجية والبراغماتية السياسية، وتجنب الوقوع في الأخطاء بالاستناد إلى عملية صنع قرار جماعي تضمنت آراء الجهات المعارِضة واستوعبت المصالح المزدوجة. كما أن الحزب تجنب الصراعات الخارجيّة بالابتعاد عن النزاعات الشائكة، كتلك التي في الشرق الأوسط، وعبر تفادي أنشطة يمكن لها أن تتعدى على المصالح القومية الحيوية لواشنطن. أما داخليا، فقد حافظت النخب الصينية الحاكمة على السِّلم عبر محاصصة غنائم الحكم. لم يكن نظام من هذا النوع مثاليا بأي شكل من الأشكال، فقد استشرى فيه الفساد، وعادة ما أجّلت الحكومة البتّ في قرارات مصيريّة وفوّتت فرصا مهمة، لكن النظام الذي سبق عصر احتكار تشي اتسم بأفضلية فارقة: استعداد متأصل للبراغماتية والاحتراز. 

  

في السّنوات السبع الأخيرة، فُكِّك ذلك النظام واستُبدل بنظام مختلف نوعيا يتسم بدرجة هائلة من التعنت الأيديولوجي، والإجراءات العقابية ضد الأقليات العِرقية والمنشقّين السياسيين في الداخل، وأخيرا، سياسة خارجية مندفعة تُجسِّدها مبادرة الحزام والطريق، وهو برنامج بِتريليونات الدولارات للبنية التحتيّة يَعِد بإمكانيات اقتصادية مريبة تُثير قلقا متصاعدا في الغرب. لقد عرَّى احتكار السلطة تحت عهد تشي نقاط ضعف جديدة وعرّض الحزب لمخاطر ضخمة. إن كان الجانب المشرق لحكم الرجل المتغلب هو القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة بوقت سريع، فإن الجانب المظلم هو أنه يزيد من إمكانية ارتكاب أخطاء مكلفة. لربّما كانت عملية اتخاذ القرار بالإجماع في العهد السابق بطيئة وغير مجدية، لكنها حالت دون أن تصبح الأفكار الجذرية أو الخطيرة سياسة للدولة. 

 

تحت حكم تشي، يتضح أن من الصعب العودة عن السياسات الخاطئة، بما أنّ التراجع عن القرارات التي اتخذها الرجل المتغلب شخصيا سيُضعف من صورته كزعيم معصوم عن الخطأ، فمن الأسهل الرجوع عن قرارات خاطئة اتّخذتها قيادة جماعية، لأن اللوم عندئذ سيقع على مجموعة من الأشخاص، لا شخص بعينه. كما أن مطلب تشي بالولاء قد حدّ من مساحة تبادل الآراء وكتم أصوات المعارضة داخل الحزب الشيوعي. لهذه الأسباب، يفتقر الحزب للمرونة اللازمة لتجنب الأخطاء المستقبلية أو تصحيحها في المواجهة مع الولايات المتحدة. 

   

  

وقد تصل العواقب إلى حد الانشقاق عن النظام؛ فبالتأكيد إن بعض قادة الحزب لا يغفلون عن هذه المخاطر وأنّ القلق سيتنامى من أن يكون تشي يُعرّض استقرار الحزب للخطر. كما أن أي أضرار ناجمة عن المزيد من الحسابات الخاطئة لسلطةِ تشي ستزيد من جرأة خصومه، خاصة رئيس الوزراء لي كه تشيانغ وعضوَيْ المكتب السياسي وانغ يانغ وهو تشون هوا الذين تجمعهم أواصر وثيقة بالرئيس السابق هو جينتاو. من المؤكد أن تنحية زعيم متغلب في نظام الحزب الواحد أمر بعيد المنال لما له من سلطة على الجيش والقوات الأمنية. لكن النشاز المتنامي سيغذّي في أقلّه من ارتياب تشي وقلقه، مما سيحدّ من قدرته على رسم مسار مستقر أكثر من ذي قبل. 

 

ومن الطبيعي لرجل متغلب يواجه الانتكاسات، كما حدث مع ماوتسي تونغ بعد "القفزة العظيمة إلى الأمام"، وهو برنامج التحديث الذي عمد إلى مركزة تصنيع الغذاء، وانتهى بموت 30 مليون صيني بالمجاعة في مطلع ستينيّات القرن العشرين، أن يخشى اقتناص خصومه الفرصة للتآمر ضدّه. وللحيلولة دون وقوع تهديدات من هذا النوع، من البديهي أن يلجأ الرجل المتغلب إلى حملات التطهير السياسي التي لجأ إليها ماو بعد أربع سنوات على برنامج "القفزة العظيمة إلى الأمام" عبر إطلاق "الثورة الثقافية"، وهي الحركة التي أُريد بها التخلص من "العناصر البرجوازية" في المجتمع والحكومة. في السنوات القادمة، من غير المستبعد أن يعتمد تشي على مزيد من هذه الحملات أكثر مما يفعل حاليا، مما سيزيد من حِدّة التوتر وانعدام الثقة في أوساط النخب الحاكمة. 

   

المجاعة التي سببها برنامج التحديث "القفزة العظيمة إلى الأمام" الذي عمد إلى مركزة تصنيع الغذاء، وانتهى بموت 30 مليون صيني في مطلع ستينيّات القرن العشرين (مواقع التواصل)

      

زمان رديء يلوح في الأفق

العنصر المفتاحي في مواجهة واشنطن الإستراتيجية مع بكين هي "الانفكاك الاقتصادي"، أي التخفيض الهائل في العلاقات التجارية الموسعة التي كانت الصين والولايات المتحدة تبنيانِها على مدار العقود الأربعة الماضية. ويعتقد أولئك الذين يؤيدون الانفكاك، ومنهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي شنّ حربا تجارية ضد الصين في عام 2018، أنه عبر إقصاء الصين عن السوق الأميركي الضخم وتكنولوجياته الفائقة فإن واشنطن ستستطيع بشكل كبير أن تحدّ من قوة الصين المتنامية. برغم الهدنة في الحرب التجارية عقب اتفاقية مؤقتة عقدها ترمب مع تشي في يناير/كانون الثاني عام 2020، فإن من شبه المؤكد لهذا الانفكاك الاقتصادي للولايات المتحدة عن الصين أن يستمر في السنوات القادمة بغض النظر عمّن يكون في البيت الأبيض، لأنّ الحد من اعتماد الولايات المتحدة الاقتصادي على الصين وعرقلة القوة الصينية المتنامية هي في الوقت الحالي أجندة كلا الحزبين. 

 

وبما أنَّ الاقتصاد الصيني في الوقت الحالي أقل اعتمادا على الصادرات كمحرّك للنمو، حيث شكّلت صادرات عام 2018 نسبة 19.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بانخفاض عن 32.6% في عام 2008، فإن هذا الانفكاك قد لا يعوق النمو الاقتصادي الصيني بقدر ما يأمل خصومها. لكنّه بالتأكيد سيحمل أثرا سلبيا قد يتفاقم في ظل التباطؤ الاقتصادي الحالي داخل الصين، الذي جاء نتيجة لتضخم الدين القومي، وضعف النمو الاقتصادي المعتمد على الاستثمار، والارتفاع المطرد في شيخوخة السكّان. وقد يتفاقم هذا التباطؤ في ظل محاولة بكين إنقاذ النمو الاقتصادي على المدى القصير بسياسات غير مستدامة، مثل الإقراض البنكي المتزايد والاستثمار في مشاريع غير مجدية في البنية التحتية. 

 

مع ضعف الاقتصاد، قد يجد الحزب الشيوعي نفسه مرغما على مواجهة تآكل الدعم الشعبي الناتج عن تراجع أو ركود المستوى المعيشي. في عهد ما بعد ماو، اعتمد الحزب الشيوعي بشكل كبير على التفوق الاقتصادي للحفاظ على شرعيته، ومما لا شك فيه أن الأجيال التي وُلدت عقب الثورة الثقافية قد اختبرت تحسنا في المستوى المعيشي. وفترة مطوّلة من الأداء الاقتصادي المتواضع أو بضع سنوات تتراوح فيها معدلات النمو بين %3 إلى 4%، وهي الورقة الرابحة تاريخيا للبلدان النامية، قد تخفض بشكل حاد من مستوى الدعم الشعبي للحزب الشيوعي، حيث سيعاني الصينيون العاديون من نسبة البطالة المرتفعة وشبكة الأمان الاجتماعي المتهاوية. 

    

التباطؤ الاقتصادي قد يخلخل البنية المناصرة للحزب الشيوعي، وهي الخدمات والمصالح التي تؤمنها الحكومة للمتعاونين مع النظام وأزلامه
     

في ظل بيئة اقتصادية رثة كهذه، فإن مؤشرات القلاقل الاجتماعية، مثل أعمال الشغب، والاحتجاجات العارمة، والإضراب، ستصبح أكثر شيوعا. سيأتي أعمق تهديد لاستقرار النظام من الطبقة الصينية الوسطى، حيث سيجد خريجو الجامعات المتطلعون والذين تلقّوا تعليما جيدا أن من الصعب الحصول على الوظائف المأمولة في السنوات القادمة بسبب الأداء الاقتصادي الصيني. ومع ركود المستوى المعيشي، قد تنقلب هذه الطبقة الوسطى على الحزب الشيوعي. 

 

لن يكون الأمر واضحا في البداية، فالطبقة الوسطى الصينية كانت تقليديا تتجنب السياسة. لكن حتى إن لم يكن أبناء هذه الطبقة مشاركين في الاحتجاجات ضد النظام، فإنهم قد يعبرون عن سخطهم بشكل غير مباشر، في مظاهرات قد تتعلق بقضايا حماية البيئة، والصحة العامة، والتعليم وصلاحية الأغذية. وقد تعلن الطبقة الوسطى عن سخطها بالهجرة إلى الخارج بأعداد ضخمة. 

 

كما أن التباطؤ الاقتصادي قد يخلخل البنية المناصرة للحزب الشيوعي، وهي الخدمات والمصالح التي تؤمنها الحكومة للمتعاونين مع النظام وأزلامه. في الماضي الحديث، أتاحت الطفرة الاقتصادية للحكومة وفرة من العائدات، حيث تضاعف إجمالي العائدات ثلاث مرات بين عامي 2008 و2018، مما أتاح للحزب الموارد المالية اللازمة لتأمين ولاء التابعين البسطاء، والقادة الإقليميين الكبار، ومديري المشاريع الضخمة المملوكة للدولة. ومع انهيار المعجزة الصينية الاقتصادية، سيواجه الحزب صعوبة في تأمين الامتيازات والفوائد المادية التي أصبح يتوقعها هؤلاء المسؤولون. كما أن نخبة الحزب سيكون عليها أن تتنافس بشكل أكبر فيما بينها للحصول على الموافقات التمويلية لمشاريعها. وقد يتنامى السخط في أوساط هذه النخب إن استمرت أولويات تشي الثمينة، مثل مبادرة الحزام والطريق، في تلقي معاملة تفضيلية في حين تعين على البقية توفير النفقات والتضحية. 

     

الضعف الاقتصادي وتشكك النخبة السياسية سيدفعان ببكين إلى شفير الهاوية، مما سيؤدي إلى فاجعة للحزب الشيوعي
     

أخيرا، وفي حال وقع تباطؤ اقتصادي دراماتيكي، فعلى الأرجح أن الحكومة الصينية ستواجه مقاومة أكبر في الهوامش المتمردة، بالأخص في التبت وسنجان، حيث تعيش أكثر الأقليات العرقية مقاومة، وفي هونغ كونغ التي كانت مستعمرة بريطانية قديمة حتى عام 1997 وتتمتع بنظام حكم مختلف بحريات مدنية أكبر بكثير. بالتأكيد إن التوترات المتصاعدة في الهوامش الصينية لن تُسبّب انهيار الحزب الشيوعي، لكنها ستكون مصادر تشتيت مكلفة. في حال قرر الحزب اللجوء لاستخدام القوة لكي يسحق الاحتجاجات بقوة لتوكيد سيطرته، كما هو متوقع، فإن الصين ستواجه انتقادات دولية حادة وعقوبات جديدة. سيساهم التصاعد في انتهاكات حقوق الإنسان في الصين أيضا في تقريب أوروبا أكثر من الولايات المتحدة، وهو ما سيسهّل تشكيل حلف مناوئ للصين تحاول الصين بيأس أن تمنع تشكّله حاليا. 

 

على الرغم من أن سخط الطبقة الوسطى، ومقاومة الأقليات العِرقية، والاحتجاجات المنادية بالديمقراطية قد لا تُخرج تشي من إطار السلطة، فإن إنهاكا منتشرا إلى هذا الحد سيؤدي بكل تأكيد إلى تآكل سلطته ويُلقي بالشكوك حول قدرته على الحكم بشكل مؤثر. الضعف الاقتصادي وتشكك النخبة السياسية سيدفعان ببكين إلى شفير الهاوية، مما سيؤدي إلى فاجعة للحزب الشيوعي. 

 

اللعب على وتر القومية

نظريا، ينبغي أن يكون الحزب الشيوعي قادرا على تفادي أو الحد من ضرر التباطؤ الاقتصادي. وقد تتضمن إستراتيجية فعالة بعضا من الدروس التي تعلّمها أسلاف تشي من انهيار الاتحاد السوفيتي. لقد استمرت موسكو في توفير دعم هائل لِكوبا وفيتنام وعدة دول حليفة أخرى في أوروبا الشرقية حتى سنوات مغيب الاتحاد السوفيتي. كما أن النظام أصرّ على التدخل العسكري المكلف في أفغانستان وموّل وكلاءَه في أنغولا وجنوب شرق آسيا. لتفادي هذا النوع من الأخطاء، سيكون على بكين أن تضع أولوية لها الحفاظ على موارد مالية محدودة لكي تضمن الانفتاح على كل الاحتمالات في صراع القوى العظمى مع الولايات المتحدة الأميركية. وبالتحديد، لا بد للصين أن تنسحب من مشاريعها التوسعية، وعلى رأسها مبادرة الحزام والطريق، وبرامج الدعم الخارجي، مثل الضمانات والقروض ذات الشروط الميسّرة التي توفرها لكمبوديا، وكوبا، وفنزويلا، ودول نامية أخرى في أفريقيا. يمكن أن تتكبّد الصين أثمانا باهظة على المدى القصير، وتلك تتضمن فقدان المكانة والعلاقات الوديّة، لكنها على المدى الطويل ستتمكّن من تفادي التمدد الإمبراطوري والاحتفاظ بالموارد المالية الكافية لتزويد نظامها المصرفي برأس المال، إذ أنهكته حركة الإقراض الموسَّع على مدار العقد الماضي. 

  

  

ينبغي للصين أيضا إقامة أواصر مودة أوثق مع حلفاء الولايات المتحدة إن أرادت منع واشنطن من حشدهم في تحالف موسع مناوئ للصين. من أجل ذلك، سيكون على النظام توفير تنازلات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية وسياسية، من بينها إتاحة السوق الصيني لليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا، وضمان حقوق الملكيات الفكرية، والتراجع عن مطالبه ببقاع جغرافية معينة. وقد اتخذت حكومة تشي سلفا خطوات لإصلاح العلاقات مع اليابان. لكن لكسب حلفاء الولايات المتحدة بشكل جدي ومنع التباطؤ الاقتصادي، سيكون على تشي أو خليفته الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر إجراء إصلاحات للسوق للحد من الخسائر الاقتصادية التي سوف يسبّبها الانفكاك. 

 

وسيكون من الجيد البدء بخصخصة على نطاق واسع للمشاريع الضخمة المملوكة للدولة، حيث تهيمن هذه الشركات الضخمة عديمة الكفاءة على ما تصل قيمته إلى 30 تريليون دولار أميركي من الأصول، وتستهلك نحو 80% من الائتمان البنكي المتاح، لكنّ مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 23% إلى 28%. والمكاسب التي ستُجنى من كبح جماح دور الدولة في الاقتصاد ستكون أكثر من كافية لتعويض خسائر الانفصال عن السوق الأميركي. ويُقدِّر الاقتصادي نيكولاس لاردي أن إصلاحات اقتصادية حقيقية، بالأخص تلك التي تستهدف المشاريع المملوكة للدولة، سيكون بوسعها أن ترفع نمو الناتج المحلي السنوي للصين بمقدار 2% خلال العقد القادم. 

 

لكن لسوء الحظ، فمن المستبعد لتشي أن يعتنق هذه الإستراتيجية؛ ذلك أنها تتعارض بشدة مع آرائه الأيديولوجية. فمعظم المبادرات الخارجية والسياسات الأمنية التي طرأت على الصين مؤخرا تحمل بصمته الشخصية. وتقييدها أو التخلي عنها سيُنظر إليه كإقرار بالفشل. ونتيجة لذلك، قد يقتصر رد الحزب على تعديلات تكتيكية، مثل تعزيز شراكة القطاع الخاص في الاقتصاد، ورفع القيود عن قطاعات معينة، أو تخفيض الإنفاق الحكومي. وقد تُمثِّل خطوات من هذا النوع تحسنا ما، لكنها لن تؤدي على الأرجح إلى حصد العائدات الكافية أو أن تكتسب جاذبية خاصة لشركاء الولايات المتحدة بحيث يغيّرون مسار المواجهة بين الصين والولايات المتحدة. 

 

بدلا من ذلك، فإن تشي على الأرجح سيقرعُ طبول القومية الصينية لمواجهة الولايات المتحدة. فمنذ احتجاجات ميدان تيانانمين عام 1989، التي صدمت الحزب وتمخض عنها قمع حكومي للمعارضة، لم يتوقف الحزب عن استغلال المشاعر القومية لتوطيد شرعيته. وفي حال الانفصال والتباطؤ الاقتصادي، فإن الحزب سيزيد من هذه الجهود على الأرجح. ومن غير المتوقع أن يكون الأمر صعبا في البداية، فمعظم الصينيين على قناعة بأن الولايات المتحدة بدأت الصراع الحالي بهدف عرقلة الصعود الصيني. لكن المفارقة الساخرة أن تهييج المشاعر القومية قد يصعّب على الحزب في النهاية الانتقال إلى إستراتيجية أكثر مرونة، بما أن اتخاذ موقف متعنت مناوئ لأميركا سيؤجج الصراع ويحدّ من خيارات بكين في اعتناق سياسات معينة. 

    

احتجاجات ميدان تيانانمين عام 1989 (مواقع التواصل)

    

سيكون على الحزب عندئذ التوجه إلى السيطرة الاجتماعية والقمع السياسي. بفضل جهازه الأمني الضخم الفعال، سيواجه الحزب صعوبة محدودة في قمع التحديات الداخلية التي تواجه سلطته. لكن القمع قد يكون مكلفا. في مواجهة احتجاجات متصاعدة يغذيها الركود الاقتصادي، سيكون على الحزب أن يكرس موارد ضخمة لتأمين الاستقرار، وبنسبة كبيرة على حساب أولويات أخرى. كما أن السيطرة الاجتماعية الخانقة قد تؤدي إلى إقصاء بعض النخب، كرواد الأعمال في المشاريع الخاصة والأكاديميين والكُتّاب المرموقين. إن تصعيد القمع قد يولّد مقاومة أكبر في الهوامش الصينية، مثل التبت وسنجان وهونغ كونغ، ويثير انتقادات دولية، لا سيما في البلدان الأوروبية التي تحتاج الصين إلى الاصطفاف معها. 

  

بعد الطوفان

لا يزال الحزب الشيوعي أبعد ما يكون عن الموت. ما دامت الصين لم تخسر صراعا عسكريا مباشرا مع الولايات المتحدة، فسيكون باستطاعة الحزب التشبث بالسلطة. غير أن من الطبيعي لنظام محاصر بالركود الاقتصادي والقلاقل الاجتماعية في الداخل إلى جانب تنافس القوى العظمى في الخارج أن يكون مفتتا. ومن المرجّح أن يحصل هذا التفتت بشكل تدريجي، سينتشر العفن ببطء في البداية لكنه سرعان ما سيتفشّى. 

 

يظل احتمالا قائما، وإن كان بعيدا، أن يدفع السخط المتراكم داخل النظام الأعضاء الكبار لتنظيم انقلاب ناعم واستبدال تشي. لكن الحزب تبنى أساليب مضادة للانقلابات، حيث يراقب المكتب العام للجنة المركزية الرسائل المتبادلة بين أعضاء اللجنة، وهي الطرف الوحيد المخوّل بإزالة تشي من منصبه. علاوة على ذلك، فأنصار تشي يهيمنون على عضوية المكتب السياسي واللجنة المركزية، والجيش بدون شك تحت سيطرته. في ظل ظروف من هذا النوع، يكون من الصعب تنفيذ مؤامرة ضد القائد الأعلى. 

  

  

أحد السيناريوهات الممكنة هي أزمة تخلق انقساما بين النخب العليا في الصين، وهو بالمقابل ما سيشل بعض أدوات النظام القمعية المخيفة. يمكن أن يعجّل حدث من هذا النوع احتجاجات واسعة تعجز القوات الأمنية عن احتوائها. فكما حدث وقت احتجاجات تيانانمين، يمكن للانقسامات أن تظهر بين القادة الكبار بشأن كيفية التعامل مع المحتجين، وهو ما سيسمح للاحتجاج بأن يراكم الزخم ويحشد دعما واسعا في أنحاء البلاد. لكن هذا السيناريو مستبعد بما أن الحزب استثمر بشكل واسع في المراقبة والسيطرة على المعلومات وطوّر وسائل فعالة لقمع الاحتجاجات الضخمة. 

 

لكن الأحداث التي تحمل أكبر احتمال ممكن لإحداث تغيير جذري هي صراع على السلطة يمكن أن يحدث في حال وفاة تشي أو استقالته بسبب مرض ما. وفي العادة، فالصّراع الذي سيقع على السلطة بعد نهاية حكم الرجل المتغلب يجلب حاكما مؤقتا ضعيف الشخصية، ففي حالة رئيس الوزراء السوفيتي جاء غوري مالينكوف، الذي جاء بعد ستالين، أو رئيس الحزب الشيوعي هوا جيو فينج، الذي كان خلفا لماو. وعادة ما يطيح بقادة من هذا النوع نِدّ قوي لديه رؤية جذرية، كما فعل نيكيتا خروتشوف في الاتحاد السوفيتي ودينغ شياو بينغ في الصين. بالنظر إلى أن هذا الزعيم الجديد يحتاج إلى تثبيت أركان سلطته وتقديم أجندة مختلفة أكثر جاذبية، فمن المستبعد أن تنجو سلطوية تشي المفرطة من نهايتها. 

 

وذلك سيترك الرئيس الجديد مع اثنين من الخيارات؛ أولا سيكون من الممكن له العودة إلى إستراتيجية النجاة التي كانت لدى الحزب قبل مجيء تشي عبر استعادة القيادة الجماعية وانتهاج سياسة خارجية تخلو من المخاطر. 

 

لكنه قد يجد أن ذلك أمر متعسر، بما أن الحزب وكل إستراتيجياته السابقة ستكون قد فقدت مصداقيتها وصولا عند تلك اللحظة. لذا فقد يختار بدلا من ذلك إدخال إصلاحات أكثر جذرية لإنقاذ الحزب. مع أن القيام بذلك سيكون اقترابا من الديمقراطية الليبرالية، غير أنه في تلك الحالة سيحدّ من القمع، ويخفف الرقابة الاجتماعية، ويسرّع الإصلاحات الاقتصادية، وهذه عينها الإجراءات التي اتخذها الاتحاد السوفيتي منذ عام 1985 حتى انهياره في عام 1991. قد يكتسب مسار من هذا النوع جاذبية خاصة لنخبة حاكمة روّعها طيلة عقدين من الزمن حكم الرجل المتغلب، كما أنه يمكن أن يجد صداه لدى الشباب الصيني الذي يتحرق لسلك طريق جديد. 

   

  

إن ابتسم الحظ للإصلاحيين وسلكوا نهجا من هذا النوع، فإن أكثر المسائل أهمية ستكون قدرتهم على تفادي "مفارقة توكسفيل"، التي سُمّيت تيّمنا بالمُنظِّر السياسي أليكسس دو توكفيل الذي قال إن الإصلاحات التي تتبعها ديكتاتورية آيلة للسقوط تستجلب في العادة ثورة تنتهي بانهيار الديكتاتورية الإصلاحية ذاتها. 

 

لكن الإصلاحات المعتدلة ستكون أكثر فعالية في حالة الصين عما كانت عليه في حالة الاتحاد السوفيتي، بافتراض أن الزعيم الصيني الجديد لن يكون عليه أن يتعامل مع انهيار إمبراطورية ممتدة، كما حدث مع آخر قادة الاتحاد السوفيتي، ميخائيل غورباتشوف، في أوروبا الشرقية. كما أن الزعيم الصيني الجديد لن يواجه تفكك الوحدة القومية، كما حدث مع الاتحاد السوفيتي بين أواخر ثمانينيات إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، حينما أفلتت 15 جمهورية سوفيتية من سيطرة موسكو، لأن الأقليات العِرقية غير الصينية تُشكِّل أقل من 10% من التعداد السكاني للصين. لا بد من أنهم سيسببّون اضطرابات في التبت وسنجان، لكن بخلاف ذلك، فالأقليات العِرقية لا تُشكِّل أي تهديد فعلي لوحدة الأراضي الصينية. 

 

أيًّا كان الناتج في أعقاب الخروج السياسي لتشي، فلا بد للحزب أن يمر بتغييرات دراماتيكية. في أحسن الأحوال، قد ينجح الحزب في تحويل نفسه إلى نظام أكثر "رأفة وتهاونا"، بحيث يدعم الإصلاحات الاقتصادية والسياسية ويسعى إلى عقد مصالحة جيوسياسية مع الولايات المتحدة. وبانتهاء هذا الأمر، قد لا يعود من الممكن التعرف على ملامح الحزب الشيوعي. أما في أسوأ الأحوال، فإن العفن المؤسسي المستفحل، والقيادة الهوجاء، وحشد الحركات المعادية للنظام قد تؤدي إلى انهيار عارم. وفي حال حدوث ذلك، فإنه سيكون من المفارقات التاريخية الأشد إثارة للسخرية. فبرغم الدروس التي تعلمها الحزب الشيوعي من الانفجار الداخلي الذي أصاب الاتحاد السوفيتي والخطوات التي اتخذها من عام 1991 لكي يتجنب القدر نفسه، فإن انتهاء حكم الحزب الواحد في الصين قد يسلك ذلك النهج بحذافيره. 

   

أحد الأسباب المحتملة لفشل بكين في اتخاذ إجراءات صارمة لاحتواء انتشار المرض في بدايته هي أن عددا من القرارات الحاسمة قد جرى اتخاذها دون موافقة تشي المباشرة
   

  

رجل شرق آسيا المريض

من شأن سيناريو من هذا النوع أن يكون مستبعدا بوصفه أضغاث أحلام من قِبل أولئك الذين يؤمنون بديمومة ومرونة حكم الحزب الشيوعي. لكن دولة حكم الحزب الواحد الصينية أخفقت في استجابتها الأولية لانتشار فيروس كورونا الجديد وحري باندلاع الغضب الجماهيري الذي أعقب الانتشار أن يدفعهم لإعادة النظر بالأمر. لقد كشفت أسوأ أزمة صحية في تاريخ الجمهورية الصينية عن عدد من نقاط الضعف الهائلة، فقدرة النظام على جمع ومعالجة والتصرف بناء على معلومات حساسة أضعف بكثير مما توقّع أي شخص. 

   

بالنظر إلى الاستثمارات الضخمة في السيطرة على الأمراض والوقاية منها التي قدمتها الصين منذ انتشار سارس بين عامي 2002 و2003 وتنفيذ القوانين في إدارة حالات الطوارئ عام 2007، فإن من المذهل رؤية الحد الذي بلغته الصين في إساءة التعامل الأوّلي مع وباء فيروس كورونا المستجد. فقد قامت السلطات المحلية في ووهان بإخفاء معلومات حساسة عن العموم حتى بعد أن دق المهنيّون الطبيّون ناقوس الخطر، كما فعل جيانغ يان يونغ الطبيب المخضرم عام 2003 في حالة سارس. على الرغم من تلقيهم بلاغات من ووهان بشأن انتشار الفيروس في بداية يناير/كانون الثاني، لم يتخذ غالبية أعضاء القيادة العليا أي إجراءات جادّة طيلة أسبوعين من انتشار المرض. 

  

كما أن الأزمة كشفت عن مدى هشاشة حكم تشي، الرجل المتغلب، فأحد الأسباب المحتملة لفشل بكين في اتخاذ إجراءات صارمة لاحتواء انتشار المرض في بدايته هي أن عددا من القرارات الحاسمة قد جرى اتخاذها دون موافقة تشي المباشرة، وهناك العديد من الأمور التي تحتاج إلى وقته واهتمامه المحدودين. يمكن لأزمة من هذا النوع أن تكشف أيضا عن هشاشة الرجل المتغلب الذي يحتكر عملية صنع القرار. سلسلة من القرارات التي اتخذها تشي بعد أن بدأ الحظر على ووهان، كإرسال لي، رئيس الوزراء، إلى بؤرة انتشار الفيروس بدلا من الذهاب إليها بنفسه، والتغيب عن أعين الجمهور طيلة أسبوعين، تحد من صورته كقائد صارم، بالتحديد في وقت يبدو فيه بأن النظام بلا ربّان، حيث أعاد توكيد سيطرته فقط بعد أسبوعين من اندلاع الأزمة عبر إقالة مسؤولي الحزب في المدينة والإقليم اللذين بدأ منهما انتشار الوباء وعبر فرض قواعد رقابة صارمة على الصحافة والإعلام الاجتماعي. 

   

    

لكن الغضب المحدود عبر وسائل التواصل الاجتماعي الصينية وحتى في الصحافة الرسمية كشف عن ضعف سيطرة الحزب الشيوعي على المعلومة وعن القوة الكامنة للمجتمع المدني الصيني. ولأسباب لا نعلمها، فقد اتسم أداء نظام الرقابة الصينية بالضعف على مدار أسبوعين عقب الإعلان عن إغلاق مدينة ووهان. وخلال تلك المدة، عرف الناس كيف لاحقت الحكومة المهنيين الطبيين الذين حاولوا تحذير الجمهور. وقد وصلت هذه الانتقادات ذروتها عندما توفي لي وين ليانغ، الطبيب الذي كان في أواخر ديسمبر/كانون الأول في طليعة مَن حذّروا السلطات الصينية بشأن مخاطر "كوفيد-19″، المرض الذي تسبّب به فيروس كورونا المستجد، والذي استُجوِب لاحقا وأُسكت من قِبل قوات الشرطة المحلية، وتوفي إثر المرض في 7 فبراير/شباط، مما أظهر أن الحزب يمكن أن يخسر الدعم الشعبي بسرعة في الأزمات. 

  

لقد أظهرت أحداث الشهور الأخيرة أن حكم الحزب الشيوعي أوهن بكثير مما اعتقد البعض، وهو ما يدعم فكرة إستراتيجية أميركية من الضغط المتواصل لإحداث تحول سياسي، وينبغي لواشنطن أن تظل على المسار نفسه، ذلك أن فرص نجاحه تتزايد يوما بعد يوم. 

 —————————————————-

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة