تاريخ من الفشل في محاربة الأوبئة.. هل تعلمت الصين درسها هذه المرة؟

اضغط للاستماع

    

عندما ظهر فيروس كورونا أول مرة بإقليم هوبي بالصين تأرجحت ردود الأفعال الخارجيّة على طريقة التعامل مع الوباء بين نقيضين؛ ففي مؤتمر صحفي عُقد في بكين أواخر فبراير/شباط، أشاد بروس أيلوارد، القائد المشارك في "المهمّة المشتركة بين الصين ومنظمة الصّحة العالمية" لمواجهة المرض الذي بات يُعرف الآن باسم "كوفيد-19″، بما كان على حد تعبيره "أحد أكثر جهود احتواء المرض طموحا، بل وسأقول أكثرها ذكاء وشراسة في التاريخ"، وبينما هو يُشير إلى رسم بياني يُظهِر تراجعا هائلا في أعداد الحالات، أضاف مُعلِّقا: "إن كنت أُعاني من مرض "كوفيد-19″، فإنني سأودُّ أن أتلقّى العلاج في الصين".

  

جاءت ردود الأفعال الأخرى أكثر حِدّة، وعنونت وول ستريت جورنال إحدى مقالاتها في قسم الرأي بعنوان "الصين هي رجل آسيا المريض الحقيقي" لكاتبها والتر راسل ميد، البروفيسور بكليّة بارد، والذي أشار إلى أنَّ إدارة الصين "الضعيفة" للأزمة قد تُعزِّز "اتجاه الشركات العالميّة نحو وقف صَنْيَنَةِ سلاسل التوريد الخاصّة بها". وأثار استخدام مصطلح "رجل آسيا المريض" في العنوان استياء من نوع خاص، حيث اتُّخِذَ ذريعة لترحيل ثلاثة مراسلين للصحيفة من الصين، بينما أدان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غينغ شوانغ استخدام "لغة التمييز العنصري" التي أجاب بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في دفاعه عن حريّة الصّحافة.

 

للتسييس المتسارع لفيروس كورونا الجديد، وبالأخص للدور الصينيّ في احتوائه، سوابق تاريخيّة، فبدءا من الطّاعون الدبلي نهاية القرن التاسع عشر إلى فيروس الإيدز تسعينيّات القرن الماضي وصولا إلى سارس بين عامَيْ 2002 و2003، دأبَ المراقبون الغربيّون على النظر لاستجابة الصّين لأزماتِ الأوبئة كمؤشرات على مدى انفتاحها النسبي في الميادين السياسية والاقتصادية، وكان تعامل الصين مع المرض عنصرا حاسما في طريقة نظر الصينيين لبلادهم كما في كيفية إعادة السلطات الصينية تثبيت شرعيتّها. 

    

    

موبوءة بالهزيمة

بين عامَيْ 1894 و1950 تُوفي نحو 15 مليون شخص بالطاعون الدبلي، وهو الوباء الذي بدأ في الصين من مدينة يونان، على الحدود الجنوبية الغربية للبلاد، حتّى دلتا نهر اللؤلؤة حيث عملت هونغ كونغ كمنصّة إطلاق دوليّة للعدوى. وكان العديد من المعلّقين الغربيين على قناعة بأنَّ جرثومة الوباء وجدت لنفسها حاضنة في المدن الصينية المزدحمة، واعتبر النقاد غياب الصحّة العامة الحديثة آنذاك مؤشرا على فشل سلالة تشينغ في حكم البلاد، وكشف المرض، كما ذهبت استنتاجاتهم، عن حقيقة وضع النظام السياسي: نظام محتضر وبحاجة ماسة إلى إصلاحات جوهرية.

   

ضرب الطاعون الصين وقت أن كانت القوى الإمبريالية المتعادية تتنافس من أجل توسعة نطاق تأثيرها ونفوذها عام 1894، ودخلت اليابان الحرب مع سلالة تشينغ في النزاع على شبه الجزيرة الكورية، وكشفت آنذاك هزيمة الصين وخسارتها لكوريا كدولة تابعة عن ضعف إمكانيات تحديث البلاد، إذ لم يكن جيش ولا بحرية تشينغ نِدًّا لقوات اليابان الحديثة. وفي عام 1889 نشر وزير الخارجية الأميركي جون هاي "ورقة الباب المفتوح"، وهي سياسة رمت إلى بناء هيكلية لمصالح القوى الأجنبية المتصارعة في الصين لحفظ مبدأ "السلامة الإقليميّة" الذي كان قد تعرّض للتهديد مؤخرا. لكن تزايد الشبكات الإمبريالية والدفع باتجاه فتح الأسواق الصينيّة جاء بعواقب غير مقصودة: لقد وفّر الظروف الملائمة لعولمةِ العدوى والسببَ الجوهريَّ الذي قامت عليه مزيد من التدخلات في الشؤون الصينية.

 

صُكَّ مصطلح "رجل آسيا المريض" ضمن سياق ما بعد الحرب ذاك، وكان هناك بحث صينيّ معمق في أسباب هزيمة البلاد النكراء في الحرب مع اليابان، وأشار العديد من الإصلاحيين إلى الضعف الثقافي والسياسي المستفحل، مستندين إلى أفكار التطوير الاجتماعي في علاج الضعف الصيني المعنوي والمادي، وكان في طليعة هؤلاء النقّاد المفكر الصيني "يان فو"، وهو مترجم مرموق تلقّى تعليمه في بريطانيا، وفي مقالة له بعنوان "في القوّة" نشرتها صحيفة تيانجين عام 1895، شبّه الصين برجل مريض يحتاج إلى علاج جذري، وتعيّن على الصينيين حسب رؤيته ترك عادات مؤذية من بينها تدخين الأفيون وعادة ربط الأرجل. كانت البلاد إذن أشبه ما تكون بكائن حي في صراع مُستميت على البقاء، وكان المواطنون هم الخلايا التي تُشكِّل هذه الكتلة الحيويّة، وعليه فقد شكَّل تحسين الحال المعنوي والجسماني أولوية قصوى.

   

عادة ربط الأرجل (مواقع التواصل)

    

تعالت الأصوات المُنادية بالإصلاح أواخر العقد 1890، وكرّر المثقف ليانغ تشي تشاو مزاعم يان أنَّ البلاد يسكنها "شعب معتلّ"، وأنَّ الصين "أمة معتلّة". ففي ظلّ دولة استبداديّة تفتقر للكفاءة؛ لم يقتصر اعتلال الصينيين على الجانب المعنوي، بل امتدّ إلى النواحي الجسمانية أيضا، وكانت الأمراض المستفحلة -ومن بينها الطَّاعون والجذام والسلّ والجدريّ- تستنزف الشعب، ونادى الإصلاحيّون باستعادة صحة الصينيين وضخّ الدماء في عروق الجسد السياسي الهَرِم للدولة.

    

وهكذا فقد أسّس المرض والعافية الجسدية لتبرير إصلاحات تبدأ من الجسد الصيني الهشّ إلى جسد الدّولة المنهكة، وفي عام 1923 زار صن يات شن -وهو أوّل رئيس لجمهورية الصين الشعبية- هونغ كونغ لإلقاء إحدى المحاضرات، وقال للحضور في معرض حديثه عن تخرّجه في كليّة الطب قبل 20 عاما: "رأيت أن من الضروري التخلي عن مهنتي في مداواة الناس وتولّي مسؤوليتّي في شفاء البلاد".

    

استمرَّت الجهود الإصلاحية في السياسة والصحّة العامّة بالصين إلى ما بعد سلالة تشينغ والطاعون الدبلي. وفي عام 1910 سقط حكم السلالة، وأُوفِد وولين ته الطبيب الذي تلقّى تعليمه في بريطانيا من قِبل الحكومة البريطانية للحد من انتشار الطَّاعون الدبلي شمال شرق الصين، وشرَّع إستراتيجيات صارمة لاحتواء المرض بالاستناد إلى التعاليم العلميّة الحديثة، كان من بينها تقصيَّات في بيولوجيا البكتيريا في الحالات المتوفّاة، وترميد الجثث وإحراقها. وكان برنامج وولين مختلفا بشكل واضح عن استجابة الطَّاعون الدبلي قبل عقدين من الزَّمان، عندما أُلقيت مساعي إيقاف انتشار العدوى على عاتق منظمات خيريّة محليّة أو مسؤولين أجانب قاموا بإسناد هذه المهمّة إلى "خدمات الجمارك البحرية الإمبراطوريّة" بإشراف محدود من قِبل القائم بأعمال الجيش الأميركي في غوانزو. 

 

وكما في السابق، امتدَّ تعامل الصين مع انتشار الطَّاعون ضمن حدودها إلى الجغرافيا السياسية، فخلال انتشار الطَّاعون الرئوي كان كلٌّ من الصين واليابان وروسيا يتنافسون لبسط الهيمنة السياسية والاقتصادية على مدينة منشوريا، ومع تحديث اليابان المتسارع وتوسُّع روسيا بأريحيّة إلى الشرق، كانت إدارة الصّين للوباء فرصة لعرض كفاءتها الحديثة وتعزيز مطالباتها بالأراضي التي ادّعت أنها ملك لها. لكنّ الإصلاح جاء متأخرا جدا، وفي عام 1911 أطاحت ثورة شينهاي بسلالةِ تشينغ، وفي ذلك الوقت كانت عاصمة الثورة هي ووهان، المدينة التي ستصبح بؤرة وباء "كوفيد -19".

     

    

محاربة المرض

انعكس الانفتاح النسبي الذي رافق فترة الصين الشعبية بين عامَيْ 1911 و1949، والذي تميّز بالأسواق الحرّة، والصحافة المزدهرة، والحريات الجديدة، والانخراط الحيوي بالعالم، انعكس على القطاع الصحّي بالبلاد، حيث شارك علماء صينيّون في لقاءات دوليّة، وأُتيحت فرص جديدة للنساء في القطاع الصحّي، وانتشرت كليّات ومدارس الطب، ومن ثم أُسِّست وزارة الصحّة في عام 1928، وجاءت هذه الخطوة جزئيا جرَّاء التفاوت الصحّي في المناطق الريفية.

   

وصل ذلك العصر إلى نهايته مع استيلاء الشيوعيين على السُّلطة بقيادة ماوتسي تونغ في عام 1949. وبالرغم من أنّ جمهورية الصين الشعبية، كما دأبت حكومات سابقة من قبل، قد ركزت على منع انتشار الأمراض، وعلى الصحة العامة، والقوّة القومية، لكنها تعاملت مع هذه الشؤون بأسلوب مختلف كليّا. كانت الحكومة الشيوعية تنظر من عدسات دولتيّة كشرط ضروريّ لحكم الحزب الواحد، وكانت حرب ماو على المرض أحد الشّواهد على تلك النظرة، حيث كانت الحملة التي ظهر أنّها من أجل الصحّة العامّة في باطنها حربا تقوم في جزء منها على برنامج اجتماعي طموح سعى إلى اجتثاث المعارضين، وتعزيز الوحدة، والنضال ضد الإمبريالية الرأسمالية.

 

خلال الحرب الكورية، على سبيل المثال، زعمت كوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي أن الولايات المتحدة تستخدم أسلحة بيولوجيّة لنشر الأمراض المعدية، وأيّدت الصّين الاتهامات زاعمة أنّ الولايات المتحدّة تُمطر الصين بالحشرات ونواقل أمراض أخرى لنشر الطَّاعون والكوليرا والتهاب الدّماغ والجمرة الخبيثة. واستجاب ماو بـ "حملة الصحّة الوطنيّة" في عام 1952، وأخذ يحث المواطنين على البحث عن الآفات الغازيَة وتدميرها، ومنها الذباب، والبعوض، والجرذان، بل وحتّى الكلاب، واتُّخذ عدد من التدابير في المعركة ضد البكتيريا، كان من بينها محطّات للحجر الصحي، وبالرغم من استمرار الجدل بخصوص صحّة مزاعم الحرب البيولوجيّة، لكنّ الدليل القاطع يشير إلى أنَّ التُّهمة فُبرِكَت كجزء من حملة بروباغندا مدبّرة، وفَّرت لقياديي الحزب الشيوعي الذريعة للدفع بأجندة سياسية داخليّة تحت غطاء الأمن البيولوجيّ.

    

"حملة الصحّة الوطنيّة" في عام 1952 (مواقع التواصل)

         

استمر ماو بالاستفادة من الصحّة كأداة سياسية خلال الثورة الثقافية، التي استُهِلّت في عام 1966 كحرب ضد المؤسسات البرجوازية بما فيها الطب الحديث، وفي 1964 هاجم ماو وزارة الصحّة بوصفها مؤسسة نخبويّة، وخلال الثورة الثقافية استمر بملاحقة الأطباء وقطع الدَّعم عن المستشفيات، وهكذا ولّدت الثورة الثقافية الظروف المثالية لانتشار الأمراض المعدية.

   

وسرعان ما امتد انتشار السَّحايا في بكين أواخر صيف وخريف عام 1966 إلى أرجاء البلاد عبر قوات شبه عسكرية هي "الحرس الأحمر" تنقّلت في أرجاء الصين عبر قطارات السكك الحديدية، ولم تبذل السلطات الصينية أي جهد لاحتواء الوباء، لأن القيام بذلك كان ليعرقل الثورة الثقافية التي قامت على حشد مجموعات ضخمة من الحرس الأحمر لتطهير المجتمع من العناصر البرجوازيّة المتمرّدة، وعرضت الولايات المتحدة المساعدة لكنّ الصين رفضتها قولا واحدا.

   

بحلول ربيع عام 1967 فقد أكثر من 160.000 شخص أرواحهم، لكن حتّى مع تدمير حكومته للطب البرجوازي سعى ماو لتأسيس برنامج مكافحة أمراض مخصص لداء البلهارسيا، أو حُمّى القواقع، وهو مرض مُعْدٍ تُسبِّبه أصناف من الديدان المسطّحة الطفيليّة، وتضمّنت حملة مكافحة البلهارسيا حشد أعداد ضخمة من عُمّال المناطق الريفيّة للعمل في جمع وتدمير القواقع في وسط وجنوب الصين. وفي قصيدته "وداعا لإله الطاعون"، احتفى ماو بنجاح الحملة بنظرة تتمحور حول بثّ الحياة في القرى الخاوية "المختنقة بالحشائش"، لكن الحملة فشلت، في النهاية، في تحقيق تطلعات ماو وظلَّ البلهارسيا مرضا مزمنا بالصين. 

   

ألقت الدولة الشيوعية بمسؤولية الصحة على عاتق الجميع، وفي عام 1968 أصبح برنامج "الطبيب الحافي" سياسة قومية، وجُنِّد القرويّون في طواقم الإسعاف الطبي، وخضعوا لتدريب أوّلي في الرعاية الصحية، وأُتيح لهم الحصول على التطعيمات، لكنّهم بخلاف ذلك تلقّوا الحد الأدنى من دعم الدّولة. هذه النظرة للقطاع الصحي من القاعدة إلى القمة كانت مصدر إلهام لأحد التحولات العالمية، ففي عام 1978 تبنّت الدول المجتمعة في المؤتمر الدولي لمنظمة الصحة العالمية حول الرعاية الصحيّة الأساسية إعلان "ألما آتا" الذي أكّد الصحة كحق إنساني أساسي وشدّد على الرعاية الصحيّة الأهلية للجميع، وللمفارقة الساخرة أن يحدث هذا الاعتراف بإرث ماو بالضبط في الوقت الذي كان فيه خليفته، دينج شياو بينج، يُجري إصلاحاته الاقتصادية وبعد أن أصبح نظام الرعاية الصحية الصيني أول القطاعات المرصودة للتغيير.

    

الفضائح والإصلاح الاقتصادي

  

تصادف عصر الإصلاح في الصين مع ظهور أمراض معدية جديدة من بينها مرض الإيدز، وظهرت أولى حالات الإيدز بين الساكنين المحليين في الصين في يونان وبالأخصّ في أوساط مستخدمي الهيروين، لكن بحلول السنوات الأولى من القرن الجاري كانت العدوى المنقولة عبر الممارسة الجنسية تنتشر بشكل متزايد، وساهم اقتصاد البلازما في عام 1990 بإشعال الوباء أكثر من ذي قبل، حيث كان الطرف الخارجي يدفع المال لسكّان المناطق الريفية المعدَمة مقابل الدَّم، ومن هذه الدّماء كانت تُستخرج البلازما لتُباع لشركات التّقانة الحيويّة، وكان الدَّم الزائد عن الحاجة يُعاد إلى الواهبين. وعادة ما كانت تُخلَط الدماء المستخرجة من واهبين مختلفين ببعضها بعضا عبر جهاز الطرد المركزي ذاته من أجل توفير النفقات. وكانت النتيجة هي ارتفاعا حادا في الأمراض المنقولة عبر الدَّم الملوّث، ويُقدَّر بأنّ أكثر من مليون شخص في الصّين قد أصيبوا بالفيروس.

 

وقد أسّست فضيحة الدم الملوّث لنمط مُتَّبع في معظم أزمات الأمراض المعدية المستقبليّة في الصين، حيث تنتشر الشائعات بشأن وباء من الأوبئة، ثم نجد محاولات للتستّر، ومن ثم فضح للأمر من أحد العاملين في القطاع الطبيّ "مُخبر"، يتبعها إقرار رسمي بالأزمة ثم تدابير تعسفيّة للحدّ من الأضرار. وفي حالة فضيحة البلازما كان المُخبر هو باحث طبيّ يُدعى شو بينغ وانغ، من لفت أنظار المسؤولين إلى الدّم الملوّث في هنان، الإقليم الذي سُجّلت فيه أسوأ الإصابات.

 

حاول المسؤولون الإنكار أو التستّر على الأزمة، غير أن الأخبار سرعان ما تسرَّبت للإعلام الدّولي، وما لبثت أن أُغلقت مراكز جمع البلازما في نهاية المطاف بحجة "الإصلاح" في عام 1996.

 

غير أنَّ الإعلام الغربي سارع إلى تصوير فضيحة الدّم الملوّث كدليل على ضعف القوانين والأنظمة والفساد المستشري في الصين، أضف إلى ذلك أنَّ هذه الحلقة كشفت عن تعايش مدهش بين الرأسماليّة المنفلتة والصين الفاشستية في فترة ما بعد ماو، في مزيج سامّ يتألف من الأسواق غير الخاضعة للوائح والتنظيمات، والإشراف الإقليميّ الترقيعيّ، والحكم البيروقراطيّ.

   

  

وأُثيرت مخاوف مماثلة بشأن الدَّولة في خضمّ أزمة صحيّة أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني 2002، عندما اكتُشف فيروس "سارس" القاتل في إقليم غوانغدونغ. وقد انتشرت أخبار "سارس" على الساحة الدولية كذلك عبر المعلومات المسرَّبة، والتستر، ومن ثم شدّ الخناق من قِبل الحكومة، عندما كشف جينغ يان يونغ، وهو طبيب في بكين، عن جهود الدّولة في إخفاء الأعداد الحقيقيّة لحالات "سارس" في مقابلة مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية. في ذلك اليوم أيضا نشرت المراسلة سوزان جيكس تقريرا مزلزلا في مجلة "تايم"، بناء على تصريح وقَّعه الطبيب، تحت عنوان "هجوم سارس في بكين". ودفعت هذه التقارير بمنعطف جذري في الإجراءات الصينيّة، تمثَّل في استقالة وزير الصحّة العامّة وعمدة بكين، وإطلاق الحكومة حملة موحَّدة نالت تغطيّة إعلامية موسَّعة لاحتواء الوباء.

 

شكَّل "سارس" تحديا ضخما للقيادة الصينيّة، حيث هدّد انتشاره بعرقلة مسار اقتصاد الصادرات الصينيّ، وفي أوّل الأمر على الأقل أدّت استجابة بكين المرتبكة إلى ذعر حدَّ من التطلعات الدولية للحكومة. لقد انضمّت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، وفي العام نفسه اختيرت بكين لاستضافة الألعاب الأولمبية الصيفيّة عام 2008. وقد نُظِر إلى العضويّة في منظمة التجارة العالمية واستضافة الألعاب الأوليمبيّة من قِبل القيادة الصينيّة كمنصّات ذات أهميّة في تعزيز دور الصين كطرف دولي وفي ضمان الاستثمارات الأجنبية، لكنَّ "سارس" وضع كل ذلك على المحكّ، وأعلن رئيس مجلس الوزراء الصيني وين جيا باو قائلا: "إنَّ صحة وسلامة الشعب، والإصلاح الشامل للدولة والتنمية، والاستقرار ومصالح الصين القومية وصورتها الدولية على المحك".

 

العودة إلى المستقبل

من غير المستغرب أن يرسم العديد من المعلّقين خطوطا متوازية بين وباء "سارس" والوباء الحالي، فكما جرى مع "سارس" في البداية قلّل المسؤولون في إقليم هوبي حيث انتشر "كوفيد-19" أوّل مرة من أهمية المشكلة، ثم اتهمهم الشعب بالتستر، وشنّت الحكومة حملة قمع ضد المُخبرين الذين كان من ضمنهم لي وين ليانغ، الطبيب الذي حاول مشاركة المعلومات حول الفيروس وطُورِد من قِبل قوات الشرطة ثم توفّي من مضاعفات المرض.

   

  

سعى الرئيس الصيني تشي جينبينغ إلى احتواء الوباء عبر حملة تُذكِّرنا بشكل كبير بتلك الحملة التي أُطلقت لاحتواء "سارس". وأعدَّت الحكومة الصينية عشرات آلاف من العاملين في الرعاية الصحية والجيش فيما وصفه تشي بأنّه "حرب شاملة"، أما نائب المجلس العام للدّولة دينغ تشانغ يانغ فقد سمّى الوباء "معركة للصين" وتهديدا غير مسبوق للبلاد منذ أن أُسِّست "الجمهورية الشعبية".

 

شكّلت هذه "الحرب" تحديا لسلطة تشي في بعض الجوانب، لكنّها أيضا مثّلت له مناسبة لكي يُعيد تأكيد جدارته كوريث لماو، فمن خلال التركيز على حجم الأزمة يمكن لتشي أن يُوطِّد سمعته كقائد محنك ألمعيّ فور انتهائها.

 

في الوقت الحالي، على الأقل، يبدو أن إستراتيجية تشي قد نجحت في تدعيم شعبيته في العديد من أرجاء الصين، إن لم يكن في إقليم هوبي، حيث بدأ المرض أول الأمر. وفيما المواطنون الصينيّون يشاهدون الفوضى التي تسبّب بها ذعر "كوفيد-19" في أرجاء أوروبا والولايات المتحدّة، تبدو استجابة رئيسهم للفيروس وقد تناسبت مع حجم الأزمة.

 

لكنّ المراقبين لأداء تشي كانوا من حول العالم بمقدار ما كانوا من الدَّاخل، وكما حدث في الماضي، سواء في فترة سارس أو الطاعون، يقيّم المراقبون في الخارج حكمَ الصين عبر قدرتها على إدارة الصحة العامة، وأصبح "كوفيد-19" اختبارا مُهمّا للجوانب الإيجابية من الحكم السلطوي في مقابل حكم الشعب.

   

    

وعيا منها بهذه الدبلوماسية التي تضع كثيرا من الأشياء على المحكّ، تحاول الصين إعادة صوغ السرديّة بحيث تركّز على جهودها في تدابير الاحتواء الشامل للفيروس، والتقليل من أهميّة أخطائها الأولى، حيث تشاركت الصين خبراتها مع الاتحاد الأوروبي وتعهّدت بدفع 20 مليون دولار أميركي لمنظمة الصحة العالمية في مواجهة الفيروس، وأرسلت فرقها ومستلزماتها الطبية إلى إيران والعراق وإيطاليا وصربيا، وتعهّدت بمساعدة البلدان الأفريقية في التجهّز للأزمة. وعلى حين غرّة بدأ تشي يقترب بشكل أكبر من صورة زعيم عالميّ ملتزم بصحّة الجميع.

 

وعلى النقيض، تبدو الدول الغربية أكثر ارتجالا، حيث تواجه أوروبا عقبات لوجستية في خضمّ محاولاتها لفرض حظر التجوّل والحجر الصحي. كما أنّ العبور الحر إلى وسائل التواصل الاجتماعي في الغرب يُغذّي ما سمّته منظمة الصحّة العالمية "وباء معلومات شامل"، حيث تؤدي الكميات الضخمة من المعلومات إلى طمس الحدود بين الحقيقة والخيال. وفي الولايات المتحدة تجاهل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مَن قلَّل في البداية من شأن التهديد، تجاهل مسؤولي الصحّة في البيت الأبيض، وبات يجد نفسه الآن في سباق مع السلطات المحليّة التي تحاول احتواء انتشار العدوى بأسرع وقت ممكن.

 

مع أنَّ وباء "كوفيد-19" لم ينتهِ بعد، لكنَّ العلامة التجارية الصينيّة من الدولة السلطويّة تكتسب مزيدا من المصداقية يوما بعد يوم، بالرغم من الاعتراضات على افتقار الدولة للشفافية والمساءلة. كشف فيروس كورونا الجديد عن مشهد متصدّع للجغرافيا السياسية وأعاد إطلاق الجدالات القديمة حول الانفتاح والفعاليّة. وصحيح أنَّ الفيروس قد عرّى قيادة الرجل القوي في الصين، لكنه أظهر للسطح أيضا أوجه القصور والضعف في الديمقراطيات الغربية. وفي الوقت الذي تحاول فيه حكومات الدّول الغربية فرض تدابير حجر صحّي شامل، تأمل الصّين أن ينتصر أسلوبها التعسفي في إدارة الأوبئة ليصبح العُرف السائد الجديد على الساحة الدولية.

———————————————————

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بينما تتصدّر النقاشات حول كيفية القضاء على فيروس كورونا والإستراتيجيات بالدول المختلفة لمجابهة هذا الفيروس، يطرح السؤال: هل يفتح نجاح الصين بمواجهة كارثة كورونا الباب لهيمنة نموذج التحكم البيروقراطي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة