على حافة الهاوية.. هل يقتل "كورونا" المستجد الاتحاد الأوروبي بالكامل؟

ميدان – شعارات أوروبا "الجوفاء".. هل يكتب فيروس "كورونا" المستجد شهادة وفاة الاتحاد الأوروبي؟
اضغط للاستماع

ربما لم يكن معدّو برنامج "جرولاند" الساخر على قناة "كانال بلس" الفرنسية يتوقعون أن يُثير مقطع ساخر امتد لأقل من 10 ثوانٍ بوادر أزمة دبلوماسية بين فرنسا وإيطاليا، بعدما أظهر المقطع الفرنسي طاهيا إيطاليا مريضا يسعل بشدة -في إشارة إلى إصابته بفيروس كورونا- بينما يقوم بإعداد البيتزا الإيطالية الشهيرة، قبل أن يقوم بالبصق على الطبق الوطني الإيطالي مع تعليق ساخر من القناة: "بيتزا كورونا.. البيتزا الإيطالية الجديدة التي تجوب العالم اليوم".

في الظروف العادية ربما لم يكن المقطع ليُثير كل هذا القدر من الاهتمام والقلق، خاصة مع المجتمعات الأوروبية التي تمتلك هوامش عالية في مساحات قبول النقد والسخرية، لكن في الوقت الذي تواجه فيه إيطاليا حالة طوارئ صحية غير مسبوقة بسبب تفشي "كورونا" الجديد؛ فإن آخر ما كان ينتظره الإيطاليون من "أشقائهم الافتراضيين" في أوروبا أن يُحوِّلوا معاناتهم إلى مادة للتندّر والسخرية.

نتيجة لذلك، تسبّب مقطع "بيتزا كورونا" الفرنسي في موجة غضب واسعة بين الإيطاليين على مواقع التواصل الاجتماعي سرعان ما وصل صداها إلى أروقة السياسة، دافعة وزير الخارجية الإيطالي "لويجي دي مايو" للتعليق على الأمر بنفسه مؤكدا أن السخرية من الإيطاليين بهذا الشكل في ظل الأزمة التي يواجهونها "ينم عن عدم احترام عميق"، مؤكدا أنه قام بتفعيل جميع القنوات الدبلوماسية لإبلاغ السلطات الفرنسية بالاحتجاج الإيطالي، ومطالبا القناة بإزالة المقطع وتقديم الاعتذار على الفور.

في مواجهة كل هذا القدر من الغضب لم تجد القناة الفرنسية بُدًّا من التراجع وتقديم الاعتذار إلى الإيطاليين، معترفة أن مقطع الفيديو جاء "بذوق سيئ للغاية، خاصة في السياق الراهن"، ومؤكدة أنها سترسل رسالة اعتذار رسمية للسفير الفرنسي لدى باريس، ورغم أن الاعتذار الفرنسي كان كافيا على ما يبدو لاحتواء أزمة المقطع المسيء، فإنه لم يكن كافيا لإزالة ذلك الشعور بالخذلان الذي شعر به الإيطاليون تجاه أوروبا منذ اندلاع أزمة تفشي الفيروس، فعلى الرغم من الخطابات الرنانة للقادة الأوروبيين حول "أوروبا الموحّدة" و"التضامن الأوروبي"؛ فقد تخلّى الاتحاد الأوروبي عن إيطاليا في أزمتها رافضا مناشدات روما المتتالية لتوفير المعدات الطبية وحزم الإنقاذ المالي اللازمة لمكافحة الوباء.

بالنسبة للإيطاليين، بدأت الأزمة الأكبر في تاريخ بلادهم منذ الحرب العالمية الثانية في 31 يناير/كانون الثاني 2020 عندما ثبت إصابة سائحين صينيين من مقاطعة هوبي الموبوءة بالفيروس بعد ثمانية أيام من هبوطهما في مطار ميلانو في منطقة لومباردي الشمالية، وعلى الفور عُزِل السائحان في أحد المستشفيات وبدا لوهلة أن الأمر تحت السيطرة، حتى أتى يوم 21 فبراير/شباط الماضي حين أكّدت إيطاليا اكتشاف 16 إصابة جديدة بـ "كورونا" المستجد منها 14 إصابة في لومباردي، العاصمة الاقتصادية للشمال. وعلى الرغم من محاولات إيطاليا احتواء الانتشار المرض عبر إغلاق المناطق المصابة؛ كان من الواضح أن الفيروس يواصل الانتشار بلا توقف.

في غضون أيام قليلة كان لدى إيطاليا أكبر عدد من الإصابات في أوروبا مع تحول لومباردي إلى مركز للوباء، ومن أجل تجنُّب انتشار العدوى إلى باقي أنحاء البلاد قامت الحكومة الإيطالية بإغلاق لومباردي وأماكن أخرى في شمال إيطاليا مما أدّى إلى عزل 17 مليون شخص فعليا، ولكن ذلك كله لم يكن كافيا لوقف مسيرة انتشار المرض، ومع استمرار الأوضاع في التدهور اضطرت الحكومة إلى إعلان إيطاليا بأكملها "منطقة برتقالية"، بما يعني إغلاق البلاد بشكل كامل وتعطيل جميع الأنشطة التجارية وقصر حركة المواطنين على التبضع وأداء الأعمال "ذات الأهمية القصوى" مثل الطب وتوريد الأغذية والأدوية والمستلزمات الطبية.

وفي حين أن الحكومة الإيطالية كانت تُدرك التداعيات المؤلمة لفرض حالة الإغلاق الكامل، فإن روما طلبت من الاتحاد الأوروبي إبداء مرونة بشأن التزاماتها المالية، وطالبت بتفعيل تدابير الطوارئ المالية لدعم المواطنين والشركات في إيطاليا، لكن الأزمة لم تكن محسوسة في ذلك التوقيت بالقدر نفسه في سائر بلدان أوروبا، خاصة وسط القوى المهيمنة مثل ألمانيا وفرنسا، لذا فإن استجابة الاتحاد الأوروبي لصرخات روما كانت بطيئة وغير فعّالة(1)، ونتيجة لذلك بدأت إيطاليا التي استضافت معاهدة روما التي تأسّس بموجبها الاتحاد الأوروبي نفسه، والتي تمتلك اليوم رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو (بقيمة 2.1 تريليون دولار)؛ بدأت تشعر أنه تُخُلِّيَ عنها من قِبل المؤسسات الأوروبية.

تفاقم هذا الشعور بالتخلي والخذلان وتحوَّل إلى قطيعة شعورية بين الإيطاليين وأوروبا في 12 مارس/آذار المنصرم حين ألقت رئيسة البنك المركزي الأوروبي "كريستين لاغارد" قنبلة جديدة في وجه روما بعدما رفضت تقليص أسعار الفائدة، مؤكدة أن وظيفتها ليست "إغلاق الفروقات في تكلفة الاقتراض بين مختلف أعضاء الاتحاد"، وهو التصريح الذي تسبّب في ارتفاع حادٍ في العائدات على السندات الإيطالية، وتسبّب في خسائر اقتصادية كبيرة وغير مسبوقة منذ أزمة اليورو عام 2012.

ولكن للمفارقة فإن هذا الشعور الجماعي الإيطالي بالخذلان الأوروبي كان قادرا على توحيد البلد المنقسم سياسيا بشكل لم يستطع سياسيو البلاد فعله على الإطلاق على مدار الأعوام الفائتة، وهو شعور يبدو أن الإجراءات اللاحقة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي لمحاولة احتواء الوباء بعد وصوله إلى معظم دول القارة الكبرى لن تُفلح في تغييره، فبالنسبة للإيطاليين، كان قرار أوروبا بترك إيطاليا تواجه المرض وحدها خطيئة لا يمكن غفرانها، وهو لم يكن خطيئة أوروبا الأولى في حق إيطاليا على كل حال، فبعد أن تُركت روما تئنّ في صمت خلال أزمة اليورو، وبعدها خلال أزمة اللاجئين الكبرى عامي 2015 و2016، واليوم مع تفشي فيروس كورونا؛ فإن الانتماء لأوروبا الموحّدة أصبح بلا معنى بالنسبة للكثير من الإيطاليين، ومع استمرار تفشي المرض في بلدان القارة، وترسيخ سياسات الحدود المغلقة وغلبة النزعة القومية وتحوُّل قيم التضامن والمشاركة الأوروبية إلى شعارات جوفاء؛ فربما يخرج الأوروبيون جميعا -أو معظمهم- من الأزمة مع قناعة راسخة أن الانتماء الأوروبي المزعوم كان في الواقع أكثر ضآلة(2) وأقل جدوى مما يظن الجميع.

إيطاليا المخذولة

حين ضرب فيروس كورونا شواطئ إيطاليا خلال الأسابيع الأولى من العام الحالي كانت التوترات تعصف بشركاء الائتلاف الحاكم في البلاد، منذ انسحاب حزب الرابطة بقيادة وزير الداخلية السابق والسياسي الشعبوي المثير للجدل "ماتيو سالفيني" من تحالفه مع حركة "خمس نجوم" متسبّبا في انهيار حكومة "جوزيبي كونتي" في أغسطس/آب العام الماضي 2019، قبل أن ينجح كونتي، المنتمي للحزب الديمقراطي (يسار وسط)، في تشكيل حكومة ضيقة بالتحالف مع حركة "خمس نجوم" المناهضة للمؤسسية، منقذا البلاد -في اللحظة الأخيرة- من الذهاب لانتخابات مبكرة.

ولكن التوترات الكامنة(3) لم تلبث أن عصفت بشركاء الائتلاف الحاكم على خلفية تصاعد الخلاف حول قضايا مثل الموازنة السنوية وخطة إصلاح نظام العدالة الجنائية، كما تسبّب انشقاق عدد من نواب حركة "خمس نجوم" في مجلس الشيوخ في إضعاف الائتلاف بشكل أكبر، في الوقت الذي أشارت فيه استطلاعات الرأي أن حزب الرابطة بقيادة سالفيني يمكن أن يُحقِّق فوزا مريحا حال أُجريت انتخابات مبكرة، وكان من شأن حكومة يقودها سالفيني، المعادي للاتحاد الأوروبي، أن تُثير المزيد من القلق بشأن مستقبل عضوية إيطاليا في منطقة اليورو، وعلاقة روما مع الاتحاد الأوروبي بشكل عام، غير أن تفشي "كورونا" المستجد تسبّب في تعليق الخلاف السياسي الداخلي بشكل مؤقت، حيث أُوقِف استفتاء كان من المقرر أن يُجرى في 29 مارس/آذار المنصرم لتقليص عدد المشرعين في البرلمان الإيطالي استعدادا للانتخابات المقبلة، وبدلا من ذلك قرّرت الأحزاب المعارضة الالتفاف حول حكومة كونتي وتجميد الخلاف السياسي مؤقتا لحين مرور أزمة تفشي الوباء.

وبشكل غير مقصود على ما يبدو؛ تسبّبت سياسات الاتحاد الأوروبي المتخاذلة في توحيد الفرقاء الإيطاليين بشكل أكبر، وبدلا من أن يعطي التضامن الأوروبي الذي كان متوقعا دفعة لحكومة كونتي، المؤيد للاتحاد، ويسحب البساط الشعبي من تحت أقدام الأحزاب المعارضة للمؤسسات الأوروبية؛ بدلا من ذلك ساهمت سياسات بروكسل المتخاذلة في دفع الائتلاف الحاكم في إيطاليا وربما البلاد بأكملها نحو مواقف أكثر يمينية، وكما يبدو كان التحوُّل السريع في الرأي العام في إيطاليا لافتا للنظر، فوفقا لنتائج(4) الاستطلاع الذي أجرته وكالة دير المتخصصة في تحليل التوجُّهات على مواقع التواصل الاجتماعي في 13 مارس/آذار الماضي، فإن 88% من الإيطاليين باتوا مقتنعين أن أوروبا فشلت في دعم إيطاليا خلال الأزمة، مقابل 4% يرون أنها فعلت ما يكفي، ولكن يبقى الرقم الأكثر دلالة هو أن 67% من الإيطاليين صاروا يرون أن عضوية روما في الاتحاد الأوروبي غير مفيدة، وهو رقم مرتفع جدا إذا قُورِن بنتائج استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال الأعوام القليلة الماضية.

   

ففي استطلاع رأي أُجري بواسطة مركز بيو للأبحاث في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018، أظهر(5) ما نسبته 58% من الإيطاليين نظرة إيجابية تجاه الاتحاد الأوروبي مقابل 47% فقط أظهروا نظرة سلبية نسبيا، ورغم أن معدل تأييد الإيطاليين للاتحاد كان أقل من المتوسط العام في دول الاتحاد الأوروبي (المُقدَّر بـ 62% تقريبا)، فإنه كان أكبر بكثير من معدلات التأييد في الدول التي تُعاني من أزمات اقتصادية طاحنة مثل اليونان (معدل تأييد يُقدَّر بـ 37%)، بما يعني أن التوجُّه المناهض للمؤسسية يتزايد مع شعور المزيد من الناس أن الانتماء الأوسع لأوروبا الموحّدة يفشل في ترجمة نفسه إلى منافع حقيقية لبلدانهم.

في الحقيقة فإن الإيطاليين على وجه الخصوص لديهم كل الحق في الشعور بالسخط تجاه الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، فعندما سقطت روما في فخ الديون خلال الأزمة التي أصابت منطقة اليورو بين عامي 2009 و2012؛ فشلت(6) المؤسسات الأوروبية في تقديم العون لروما، ما تسبّب في ارتفاع العائدات على السندات الإيطالية وزيادة تكاليف الاقتراض وبالتبعية زيادة الضغوط المالية على البلاد. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل قامت المفوضية الأوروبية بالتهديد بتوقيع عقوبات على روما ما لم تتراجع عن سياسات الإنفاق الحكومي الموسَّعة، وهو ما اضطرها في النهاية لسَنّ إجراءات تقشفية لتقليص الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، إجراءات تسبّبت في اضطرابات اجتماعية وسياسية كبيرة أدّت في النهاية إلى سقوط حكومة رئيس الوزراء سلفيو برلسكوني، وسط توتر متزايد مع ألمانيا وقوى الاتحاد التي ضغطت على روما لفرض المزيد من الإجراءات الانكماشية كشرط لتقديم المساعدات.

جاءت أزمة فيروس كورونا المستجد لتُثبت لإيطاليا، للمرة الثالثة في أقل من عشر سنوات، خطأ رهانها على أوروبا

لم تتعافَ إيطاليا أبدا من أزمة الديون السيادية والهشاشة التي أصابت قطاعها المالي خلال أزمة اليورو، حيث تقلص حجم قطاع التصنيع في البلاد بمقدار الربع منذ تلك الأزمة، وخرجت البنوك مُحمَّلة بالعديد من الديون الهشة، وهو ما أثار مخاوف من أن روما يمكن أن تتخلّى في النهاية عن اليورو، العملة الأوروبية المشتركة، من أجل السماح لنفسها باتباع سياسة مالية مستقلة، لكن ذلك لم يحدث في النهاية مع التعافي النسبي للاقتصاد الأوروبي بداية من عام 2014، غير أن القدر لم يمهل إيطاليا طويلا قبل أن تدخل في اختبار جديد(7) لعلاقاتها مع جيرانها الأوروبيين، وكان الامتحان هذه المرة خلال أزمة اللاجئين عام 2015، حين وصل نحو 1.7 مليون شخص إلى أراضي الاتحاد الأوروبي (معظمهم إلى إيطاليا واليونان)، لتطلب روما مجددا العون من الاتحاد من خلال خطة تضامن مشتركة لتوزيع اللاجئين بين دوله، ومن جديد، وقعت مطالبات روما على آذان أوروبية صماء.

وختاما، جاءت أزمة فيروس كورونا المستجد لتُثبت لإيطاليا، للمرة الثالثة في أقل من عشر سنوات، خطأ رهانها على أوروبا، وبخلاف فشل الاتحاد الأوروبي في دعم الدول التي تضرّرت في وقت مبكر من أزمة تفشي كورونا، بدا الاتحاد مترددا في استخدام صلاحياته المقررة بموجب قانون الاستجابة الصحية لعام 2013 الذي يسمح لبروكسل بإعلان حالة الطوارئ الصحية داخل أوروبا وتنسيق استجابة جماعية في مواجهة الأوبئة، وكان السبب الأساسي في هذه الاستجابة الهشة هو أن دول القارة كانت تمتلك تصورات مختلفة(8) حول طبيعة التهديد الذي يُمثِّله "كورونا" المستجد خلال الأسابيع الأولى من تفشيه، ففي حين أن إيطاليا شعرت مبكرا أن الفيروس التاجي يُمثِّل خطرا عالميا كبيرا يستدعي استجابة أوروبية مشتركة، فإن باقي دول أوروبا، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا، استغرقت بضعة أسابيع إضافية للوصول إلى هذه القناعة، وكانت هذه الأسابيع القليلة كفيلة بتغيير كل شيء ليس في إيطاليا فحسب؛ وإنما في أوروبا بأسرها.

الجسد الأوروبي المريض

بحلول الوقت الذي بدأ فيه "كورونا" المستجد بضرب بلدان الشمال والجنوب الأوروبي بشكل متساوٍ؛ بدأت المؤسسات الأوروبية تشعر أخيرا بالخطر والحاجة إلى تعديل سياساتها والتصرف بشكل موحّد، وكانت البداية أخيرا مع قيام البنك المركزي الأوروبي بالإعلان عن برنامج طوارئ بقيمة 750 مليار يورو (827 مليار دولار) لشراء سندات وأصول في منطقة اليورو، وإعلان البنك تخلّيه عن الحد المفروض ذاتيا على نسبة الديون التي يمكن شراؤها من دولة واحدة بما يفتح الباب أمام شراء المزيد من الديون من الدول الأكثر تضرُّرا، ورغم أن هذا التوجُّه كان خبرا جيدا نسبيا بالنسبة لدول جنوب أوروبا الأكثر تضرُّرا بفعل الوباء مثل إيطاليا وإسبانيا، وحتى فرنسا، فإنه لم يحظَ بقبول مماثل في الدول الشمالية مثل ألمانيا وهولندا والنمسا، التي ترى أن التوسُّع في شراء ديون دول بعينها يتعارض مع القواعد التي تحظر تمويل البنك الأوروبي للحكومات الوطنية.

بالمثل، اضطرت المفوضية الأوروبية أخيرا إلى تعليق جميع قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن الديون والعجز، بما يعني السماح للحكومات الوطنية بزيادة الإنفاق العام، كما جمّدت جميع القواعد المتعلّقة بمساعدة الدول، مانحة الفرصة للحكومات لمساعدة الشركات الوطنية التي تُعاني بفعل الأزمة، بل إن المفوضية طلبت من الحكومات توفير حماية خاصة للشركات الحيوية في قطاعات الصحة والبحوث الطبية والتكنولوجيا الحيوية في مواجهة محاولات الاستحواذ من قِبل الدول الغنية خارج الاتحاد الأوروبي، فضلا عن موافقة وزراء مالية الاتحاد في اجتماعهم منذ أيام قليلة، 9 أبريل/نيسان الحالي، على تقديم حزمة إنقاذ بقيمة نصف تريليون يورو للدول المتضرّرة بشدة من الوباء، لكن هذه الإجراءات كانت متأخرة وغير كافية بالنسبة للكثير من الدول المتضرّرة في جنوب أوروبا، التي تُكثِّف مطالباتها للاتحاد الأوروبي بإصدار ديون سيادية مدعومة من الاتحاد تحت اسم "سندات كورونا"، ولكن من جديد فإن هذه الفكرة تواجه معارضة كبيرة من دول شمال أوروبا، خاصة ألمانيا وهولندا، لأنها سوف تسمح بتبادل غير محدود للديون بين مختلف دول الاتحاد، وستُعمِّم الديون على جميع الأعضاء، وسيحمل الجميع تكلفة الأزمة وخسائرها بالتساوي.

ويُعَدُّ دور صندوق الإنقاذ الدائم للاتحاد الأوروبي، المعروف باسم آلية الاستقرار الأوروبية (ESM)، مصدرا ثالثا للخلاف المحتدم بين الشمال والجنوب، وفي حين أن الدول المتضرّرة في الجنوب ترى أن الصندوق يجب أن يستخدم محفظته العميقة المُقدَّرة بـ 410 مليار يورو (452 مليار دولار) لإقراض الدول الموبوءة دون قيود، مُحتجّين بأن الأزمة كانت ناتجة عن عامل خارجي وليس بسبب سياسات مالية غير مسؤولة؛ تعتقد ألمانيا أنه يجب الحفاظ على ارتباط القروض بالإصلاحات الهيكلية، وقد كانت هذه الانقسامات عميقة للغاية حتى إنها أفشلت القمة الافتراضية لأعضاء مجلس الاتحاد الأوروبي في 26 مارس/آذار والتي فشلت في إصدار أي قرارات ملموسة في هذا الشأن، وكادت أن تفشل اجتماع الأيام الماضية أيضا، ويعني هذا الاشتباك المحتدم بين دول شمال وجنوب الاتحاد الأوروبي أن الحكومات الوطنية في أوروبا سيكون عليها أن تتعامل مع تداعيات فيروس كورونا وحدها.

نتيجة لذلك، بدأت حكومات دول أوروبا منفردة في إقرار حزم تحفيز مالي ضخمة بهدف منع الاقتصادات من الدخول في ركود طويل، عبر توفير السيولة المادية اللازمة لحماية البنوك من الإفلاس، وتوفير الدعم للفئات المتضرّرة من إجراءات الإغلاق والحجر الصحي، ومساعدة الشركات على دفع رواتب العمال، ومنح قروض للأفراد والمؤسسات بشروط ميسرة، وتخفيف المدفوعات الضريبية وتأخير مدفوعات الرهن العقاري وغيرها من الإجراءات، ولكن كما تظهر البيانات المصممة عاليه فإن دول الاتحاد تمتلك قدرات متفاوتة على ضخ المزيد من الأموال في اقتصاداتها المتعثرة، وبخلاف ذلك، ورغم أن سياسات الضخ المالي ربما تُساهم في الحد من الآثار الإنسانية لعمليات الإغلاق، فإنها لن تنجح في منح الاقتصاد من الدخول في ركود كبير خاصة الاقتصاد الإيطالي، ويرجع ذلك لحقيقة أنه لا يمكن بداهة الحفاظ على النشاط الاقتصادي في الوقت الذي يقبع فيه الناس في منازلهم، وهنا تكمن المعضلة الحقيقية وهي أن إجراءات التحفيز الاقتصادي يمكن أن تؤتي ثمارها فقط في اللحظة التي تُخفَّف فيها عمليات الإغلاق.

في غضون ذلك سيستمر "كورونا" المستجد في الضغط على القدرات الصناعية وسلاسل التوريد الحيوية في البلدان الكبرى في جميع أنحاء أوروبا، مُعمِّقا الأزمة الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي، وبالأخص داخل دول جنوب أوروبا مثل إيطاليا وإسبانيا التي يمكن أن تفقد بين ربع إلى ثلث ناتجها المحلي الإجمالي بسبب توقف الصناعة وتراجع عائدات السياحة (13% من الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا، و16% من الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا)، ما سيكون له آثار سلبية على اقتصادات هذه البلاد التي كانت تُعاني بالفعل من آفاق محدودة للنمو قبل أزمة كورونا، ورغم أن اقتصادات ألمانيا وفرنسا والدول الأقل تأثرا بالأزمة حتى الآن مثل النمسا وهولندا وبولندا تبدو قادرة على الصمود لفترة أطول، فإن الآلام الاقتصادية سيُسمع أنينها في جميع جنبات أوروبا حال استمرت سياسات الإغلاق حتى منتصف العام الحالي.

لكن اقتصاد أوروبا، ككتلة اقتصادية موحدة وكدول منفردة في آن واحد، لن يكون الضحية الوحيدة لأزمة كورونا التي تستمر في هزّ الأُسس(9) الراسخة التي قامت عليها فكرة الاتحاد الأوروبي، وستكون فكرة الحدود المفتوحة هي أولى ضحايا الجدل الدائر حول كيفية مكافحة الفيروس في أوروبا في ظل استمرار دول القارة في إغلاق الأبواب في وجه بعضها بعضا في محاولة لمنع تسلُّل المرض لأراضيها، وحتى مع انحسار المرض في أي وقت قريب أو بعيد؛ فمن المُرجَّح أن القادة والناخبين سيرون أنه من غير المنطقي أن تُفتَح الحدود بالكامل مجددا، وهو ما يضع مصير اتفاقية شنغن التي تُلغي المراقبة على الحدود بين الدول الأوروبية على المحك.

فصل الملحمة الأخير
لم يخلق كورونا أوجاع جسد أوروبا المريض وتناقضاته إذن، وكل ما فعله أنه جلب كل هذه التناقضات إلى السطح في وقت واحد بشكل لم يسبق له مثيل
ومع ذلك كله، فإن الفصل الأخير من هذه الملحمة لم يُكتب بعد، فمع تنحية التأثيرات قصيرة ومتوسطة المدى لأزمة تفشي "كورونا" المستجد، فمن المُرجَّح أن التجربة الخاصة والجماعية لدول أوروبا في مواجهة الوباء ستُعيد تعريف الطريقة التي يرى بها الأوروبيون أنفسهم، سواء على المستوى الوطني بشكل خاص، أو على مستوى الانتماء إلى أوروبا الموحّدة بشكل عام.

بالنسبة للكثيرين، لم يكن هناك وجود حقيقي للانتماء الأوروبي المزعوم في أي وقت، وكما يُشير الكاتب الأميركي الشهير "دوغ باندو"، فإنه بخلاف عدد قليل من سكان بروكسل لا يوجد أي أوروبي تقريبا يُعرِّف نفسه كأوروبي، ولا يوجد أحد يُحيّي علم الاتحاد الأوروبي أو يُغنّي نشيد الاتحاد الأوروبي، وبدلا من ذلك تُظهِر جميع الأحداث الثقافية والرياضية وحتى السياسية غلبة الانتماء الوطني، واليوم يظهر ذلك بوضوح في خضم أزمة صحية عاصفة، فما يحدث في إيطاليا يبقى إيطاليًّا، وعندما يُعاني الإسبان فإن عليهم أن يجدوا طريقا للخروج من معاناتهم بمفردهم.

لم يخلق كورونا أوجاع جسد أوروبا المريض وتناقضاته إذن، وكل ما فعله أنه جلب كل هذه التناقضات إلى السطح في وقت واحد بشكل لم يسبق له مثيل في أي أزمة سابقة. فمنذ البدايات الأولى لتأسيس الاتحاد الأوروبي بشكله الحالي مطلع التسعينيات؛ كان ذلك الاتحاد مجرد وسيلة محدودة للجمع بين ألمانيا وفرنسا اقتصاديا، قبل أن يتطور إلى سوق مشتركة ومنطقة تجارة حرة موسعة، وفي حين رحّبت جميع دول أوروبا بإجراءات التعاون الاقتصادي طالما أنها لم تنتهك سيادة الدول القومية؛ فإن معظم دول أوروبا قاومت الضغوط الناشئة في بروكسل لتشكيل دولة قومية أوروبية متعددة الولايات على شاكلة الولايات المتحدة الأميركية.

   

لذا عندما طُرِح مشروع الدستور الأوروبي الموحّد عام 2004 سرعان ما اصطدم برفض الناخبين في فرنسا وهولندا، وهو ما تسبّب في تعطيل المشروع وجميع خطط الوحدة الأوروبية اللاحقة، وحتى البرلمان الأوروبي، المؤسسة الوحيدة المنتخبة شعبيا داخل الاتحاد، لم يُعبِّر في أي وقت من الأوقات عن شكل من أشكال الانتماء الأوروبي الموحّد، حيث يُصَوَّت لأعضائه سلبا وإيجابا على أساس أدائهم في القضايا المحلية بما يجعل تركيبة البرلمان الأوروبي تعكس بشكل أساسي موقف الرأي العام من القضايا السياسية الأساسية في كل دولة، لدرجة أن الأحزاب اليمينية المناهضة للاتحاد الأوروبي بدأت في حوز حصص كبيرة في مقاعد البرلمان القاري منذ عام 2014 في مفارقة ساخرة.

وفي الوقت الذي كشف فيه فيروس كورونا عيوب وعورات الاتحاد الأوروبي، فإنه أكّد بشكل غير مقصود أهمية الدول القومية وانهيار جميع معالم النماذج فوق الوطنية، ليس فقط بسبب اتجاه الدول إلى إغلاق الأبواب في وجه بعضها بعضا، ولكن لأن هذه النماذج المعولمة أثبتت قصورها في معالجة المشكلات الحيوية الطارئة مثل أزمات الرعاية الصحية، ففي ظل نقص قدرة الدول المنفردة على إنتاج احتياجاتها الخاصة من المواد الضرورية مثل أجهزة التنفس الصناعي والأقنعة الواقية والسترات الطبية، واعتمادها على الواردات الرخيصة، فإن ذلك الوضع يتركها مُعرّضة للانكشاف في أي أزمة، وفي لحظة الحقيقة، تقوم الدول بتسخير شركات السيارات لإنتاج أجهزة التنفس الصناعي وإمبراطوريات النسيج لإنتاج أقنعة الوجه، بينما يتفرّغ جنود الجيش والمحاربون لتأمين وصول الإمدادات الغذائية.

بعبارة أخرى، في أوروبا وخارجها، تُثبت الأزمة زيف دعوة أنبياء العولمة، وتُعيد الاعتبار لحجج القوميين(10) بأن القطاعات الإستراتيجية مثل الرعاية الصحية والنقل والطاقة والاتصالات والدفاع ينبغي أن يُنظر إليها من منظور الأمن القومي وليس من منظور الأعمال التجارية، ومن المُرجَّح أن تأثير هذه الأفكار الجديدة سيبدأ في الظهور مع تلاشي الأزمة وانحسار مظاهر التضامن الافتراضي تاركة الحكومات الهشة تواجه عواقب الأزمة، وستكون البداية مع إيطاليا التي ستذهب لانتخابات مبكرة في أقرب فرصة ممكنة، مع احتمالات أن تذهب مقاليد السلطة إلى حكومة شعبوية ربما تقود حملة لإخراج إيطاليا بشكل كامل من منطقة اليورو كما حدث في بريطانيا.

لن يكون الوضع أفضل حالا في ألمانيا، الزعيم الفعلي للاتحاد الأوروبي، في وقت كانت فيه الحكومة الائتلافية المشكَّلة بين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشارة أنغيلا ميركل والاتحاد الاجتماعي المسيحي "يمين وسط" والحزب الاشتراكي الديمقراطي "يسار الوسط" على وشك الانهيار في بداية العام الحالي بعد أن حكموا معا على مدار معظم فترات العقدين الماضيين، لكن الأداء الضعيف لأحزاب التحالف الحاكم في الانتخابات الإقليمية أثار تكهّنات حول إمكانية الذهاب لانتخابات مبكرة أيضا.

بالتزامن مع ذلك، سيكون على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي تعيين رئيس جديد خلفا لميركل، وسيكون على رئيس الحزب الجديد أن يُقرِّر ما إذا كان سيستمر في نهج ميركل الوسطي، أو أنه سيقود البلاد بنهج أكثر قومية لوقف استمرار نزيف ناخبي الحزب لصالح حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي المتطرف، وسيكون أداء الحكومة الألمانية في أزمة كورونا عاملا حاسما في تحديد هذا التوجُّه.

ولن يكون الوضع أفضل حالا في بلجيكا ورومانيا حيث يخضع البلدان بحكم الواقع لسلطة حكومتَيْ تصريف أعمال من المُرجَّح أن تنهارا بمجرد انكشاف حالة الطوارئ الصحية، لتجد الحكومات نفسها في مواجهة أشباح الركود الاقتصادي والبطالة والمرتفعة والديون المتراكمة، جنبا إلى جنب مع عدم الاستقرار السياسي، ما سيقلّص المجال أمام الحكومات لإجراء إصلاحات هيكلية ويحجم قدرة المؤسسات الأوروبية على التدخل لإنقاذ الاقتصادات الضخمة من الانهيار، وبمرور الوقت سيكتشف الجميع أن الأثر الأكبر لأزمة كورونا هو إضعاف السلطة الرمزية للمؤسسات الأوروبية على الدول والناخبين داخل القارة، مع تبدُّد الأوهام حول قدرة أوروبا على مساعدتهم، وحينها لن تكون إيطاليا وحدها التي ستشعر أنها تُركِت بمفردها، ولكن سيكون ذلك على الأرجح مصير كل عضو آخر في الاتحاد الأوروبي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما إن تنتهي الأزمة الطارئة لكورونا، يتعيّن على إيران مواجهة سؤال أرّقها لسنوات: هل سيكون من حق المهنيين الصحيّين، الذين شنّوا هذه المعركة وانتصروا، المشاركة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد؟

بات من المؤكد أن آثار كورونا المستجد ستتجاوز التوقعات والآثار المعتادة لحالة مرضية عابرة، فالأمر يتعلّق بتعقيدات تتصل بالنظام الاقتصادي والاجتماعي السائد عالميا.. فكيف يمكن أن يُغيّر الفيروس نظرتنا للاقتصاد؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة