فيروس كورونا.. هل سنشهد تغييرا في السياسة الإيرانية؟

ميدان – فيروس كورونا.. هل سنشهد تغييرا في السياسة الإيرانية؟
اضغط للاستماع
      
مقدّمة التّرجمة
طيلة أسبوعين من انتشار وباء "كوفيد-19" كانت السلطات في إقليم "جيلان" تناشد كبار المسؤولين الحكوميين في إيران التدخّل لوقف تدفّق المزيد من الزوّار للإقليم في الرّبيع، دون أن تلقى هذه الاستغاثات آذانا مصغية من المسؤولين. فهل يدفع الإيرانيّون ثمن تأخّر السلطات في التدخّل من أرواحهم وحياتهم في بلد يعاني سلفا جرّاء العقوبات الأميركيّة؟ 

    

تتناول المادّة التالية من مجلة "فورين أفيرز" الأميركيّة تأثير فيروس كورونا على المشهد السياسي في إيران خلال السنوات القادمة، وكيف تحالفت الظروف من وباء "كوفيد-19" والعقوبات الأميركيّة وفساد المسؤولين في إنهاك البلاد أكثر من ذي قبل. 

    

نص التقرير

"إن أردت الموت، اذهب إلى جيلان"، ليس هدف هذا المثل الشعبي الإيراني القديم تحذير الناس فعلا من الذهاب إلى جيلان، إقليم إيران القزوينيّ الأخضر الأخّاذ، لكن هذا الهدف ربما كان ينطبق على حال جيلان اليوم. فقد سجّل الإقليم أعلى معدّل إصابات بفيروس كورونا الجديد بعد "قُم"، المدينة التي انتشر منها المرض إلى بقيّة أنحاء البلاد. والمثل الشعبي في الحقيقة ينصح أي شخص حظي بحياة مديدة هانئة أن يُحسن ختامها بالدّفن في جيلان، حيث يتكفّل الجيران بإطعام عائلة الفقيد طيلة أسبوع كامل، بدلا من قيام عائلة الفقيد بإطعام الجيران، كما ساد العُرف في إيران.

  

   

يدفع سكّان جيلان ثمنا باهظا لمكانة الإقليم كمزار سياحي، ففي الأسابيع الأخيرة، انتهز آلاف الإيرانيين فرصة إغلاق المدارس للذهاب إلى جيلان، جالبين معهم الفيروس المميت المستجد، وناشد حاكم الإقليم والممثّلون عنه في البرلمان الإيراني عبر التلفاز الوطني الناس بالتوقف عن المجيء إلى الإقليم، مطالبين الحكومة بفرض حظر تجوّل لاحتواء انتشار الفيروس، لكن السلطات في طهران أبدت حزمها تجاه أي حظر من هذا النوع. 

 

في دهشة وحزن من أهالي جيلان، وفي يوم 25 فبراير/شباط، أي بعد أسبوعين من تحول الوباء إلى خبر قومي ومناشدة كبار المسؤولين في القطاع الصّحي النَّاسَ المكوثَ في منازلهم، دشَّن الرئيس الإيراني حسن روحاني أوّل جزء من طريق سريع انتُظِرَ طويلا يربط طهران بقُرَى المنتجعات في جيلان ويختصر الربع من مسافة تبلغ 180 كيلومترا. لحسن الحظّ، وفيما آلاف من الناس يقودون سيّاراتهم عبر الطّريق الجديد، استُجيبت صلوات الأهالي وأدّى انهيار أرضي إلى إغلاق الطّريق السريع، للوقت الحاليّ على الأقلّ. 

 

كشفت ورطة جيلان عن اثنين من مَواطِن الهشاشة في استجابة الحكومة الإيرانيَّة لوباء "كوفيد-19″، الأولى هي أن البيروقراطيّة الإيرانية غير مستعدّة للاستجابة بأسلوب تعاونيّ متماسك لطوارئ الصحّة العامّة، والثانية أن الثقة بين الحكومة والشعب، وبالأخصّ في الإعلام المملوك للدولة، قد انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة. 

 

أحلك الأوقات

  

لسوء حظَّ إيران، فإنَّ تفشّي "كوفيد-19" بدأ في أسوأ وقت ممكن للبلاد، ففي مايو/أيار 2018، فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقوبات جزائية على إيران ألقت بظلالها الثقيلة على اقتصاد البلاد، واستنزفت احتياطيّ البلاد من العملات الأجنبيّة، وحدَّت من قدرة الدّولة الإيرانيّة بشدّة على التعامل مع الأزمة الصحيّة. ومما زاد الطّين بلّة، هبوط أسعار النفط حتى 10 دولارات للبرميل في حين كانت موازنة إيران للعام القادم تتوقّع 50 دولارا للبرميل الواحد. 

 

نتيجة لذلك، طلبت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية في الأسبوع الماضي، ولأوّل مرة في تاريخها الممتد حتى 41 عاما، مبلغ 5 مليارات دولار أميركي، هي حصّتها الكاملة من صندوق النقد الدّولي. ولحين موافقة مجلس الصندوق، وبافتراض أن وزارة الخزانة الأميركيّة لا تحظر التدفقات الماليّة الآتية من الصندوق إلى إيران، سيكون بوسع ذلك المبلغ التخفيف من وقع الضرر على الاقتصاد. في عام 2012، عندما بلغت صادرات النفط الإيراني 120 مليار دولار أميركي، كانت هذه المليارات الخمس لتعتبر غيضا من فيض، أمَّا هذه السنة، ومع صادرات نفطيّة بلغت قيمتها أقل من 10 مليارات دولار أميركي، فيمكن لهذا المبلغ أن يُشكِّل فارقا. 

 

كان الإيرانيّون يرزحون تحت وطأة الضغوط سلفا، حيث قلّصت العقوبات الأميركية القوة الشرائية للفرد بنحو 20% منذ عام 2018، كما أن الأزمة الصحيّة ستؤدي إلى مزيد من تقليص هذه القوّة. ازدهرت الطبقة الوسطى الإيرانيّة خلال طفرة النفط في العقد 2000، وكانت هذه الطبقة تُشكِّل 60% من مجموع السكّان الإيراني عام 2012، وفي عام 2018، تقلّصت الطبقة لتُشكِّل 53% من السكّان. لكنّ من المُرجَّح انكماش هذه النسبة إلى 50% في الوقت الحالي، وبالنسبة إلى أولئك العاملين في القطاع الحكومي، فمن السهل قياس الانكماش، حيث هبط الدخل السنوي لقرابة مليونين إلى ثلاثة ملايين عائلة من الطبقة الوسطى بنحو 15% هذه السنة، ومن المُرجَّح أن تهبط المداخيل بنسبة مماثلة في العام المقبل. تسمح المسودة الحالية للميزانيّة بزيادة المرتبات الحكومية بنسبة 15%، في وقت ترتفع فيه الأسعار بنسبة 30%، في حين من المُتوقَّع ارتفاع فاتورة الأجور الحكومية بأكملها بنسبة 22%، وهي نسبة أدنى بكثير من معدَّل التضخم الذي ينتظر البلاد. 

   

   

تُسلِّط معدّلات البطالة مزيدا من الضغوط على روحاني، حيث يتعيّن على إدارته التعامل مع حقيقة أن 3 إلى 4 ملايين عامل إيرانيّ يواجهون البطالة، وسط توقّعات بفقدان المزيد لوظائفهم في حال استمر انتشار الفيروس مدة أطول في أرجاء البلاد. لقد أدار روحاني ظهره لبرنامج التّحويلات النقدية الذي وضعه غريمه، الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في عام 2011، والذي كان قد انتقده بشدّة، مع أن معظم الإيرانيين اليوم يتلقّون حوالات نقديّة شهرية. 

 

وعلى مدار السنوات الستّ الماضية، سمحت حكومة روحاني للمزيد من التضخم بخفض القيمة الفعليّة لتلك الحوالات لأكثر من ثلثيها. لكن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، احتج الإيرانيّون على أسعار الغاز المرتفعة، ثم ما لبث أن تحوَّل الاحتجاج إلى اضطرابات قومية، دفعت روحاني إلى مضاعفة كميّة النقد المدفوع للحوالات الماليّة. 

 

في عام 2011، كانت الحوالات المالية تُشكِّل نسبة 26% من متوسط دخل الأسرة، أما اليوم، ورغم مضاعفة النقد، فإنها تُشكِّل نحو 8% فحسب. لكنها بالنسبة للإيرانيين الأكثر فقرا الذين يُشكِّلون نسبة 20% من السكّان لا تزال تُشكِّل 24% من إجمالي دخل الأسرة الواحدة. 

 

خلال هذا الأسبوع، أعلنت الحكومة أنّها ستُرسل حوالات نقدية دفعة واحدة للعائلات التي "لا تمتلك مصدر دخل ثابتا". ويندرج تحت هذه الفئة نحو 3 ملايين عائلة، تُشكِّل 20% من إجمالي السكّان. أما بالنسبة للعائلات الأكثر فقرا، فالحوالة ستُغطّي تقريبا قيمة شهر كامل من المصروفات، وستُوزِّع الحكومة أيضا قروضا مخفَّضة الفائدة تصل إلى 20 مليون ريال إيرانيّ لأربعة ملايين أسرة تكبّدت أعمالها التجارية خسائر في أعقاب الأزمة الصحيّة. 

       

قبل الأزمة الصحيّة، حظي الاقتصاد الإيراني باستقرار نسبيّ، كما يتّضح من الناتج المحلّي غير النفطي للبلاد، وهو أفضل مؤشر على النشاط الاقتصاديّ
       

كيف تُخطِّط الحكومة الإيرانية لدفع تلك القروض والحوالات الجديدة؟ فمع عجز الميزانية المتأصّل في إيران، ومع العقوبات الجديدة، والأزمة الصحيّة الطارئة، وأسعار نفط أدنى بكثير من السابق، تقف الحكومة الإيرانيّة في مواجهة أكبر عجز موازنة في تاريخها. وتقترح الميزانيّة التي أرسلها البرلمان الحالي (والمنتهية صلاحيّته) معالجة العجز جزئيا عبر زيادة بيع السندات الحكوميّة، بنحو 150% عن ميزانيّة العام الجاري. 

 

في الأحوال الميسورة، كان الشعب الإيراني يُفضِّل تخزين ثروته بالذّهب، والعملات الأجنبيّة، والأسهم، عوض السندات، وفي أوقات استثنائية كهذه، فقد وصلت ثقة الشعب بالحكومة إلى أدنى مستوياتها، ومن المستبعد أن تجد الحكومة الكثير من المشترين. وهناك وفرة في الأصول السائلة التي يمكن للحكومة الاستفادة منها، كما يتضح من الأداء المتحسن لبورصة طهران، لكن الشعب يُفضِّل المقامرة بأمواله على إقراضها للحكومة. وإن كان الشعب يرفض شراء السندات، فسيكون على البنوك الحكومية أن تتدخل. وفي حال لجأت الحكومة إلى المصارف المركزيّة لسدّ النقص في الاحتياطيّ، فسيرتفع احتياطيّ النقد مسببا التضخّم. 

 

كانت الثقة في السلطات آخذة في التلاشي على مدار الزمن، لكنّها هبطت لأدنى مستوياتها بعد حادثة إنزال طائرة المسافرين الأوكرانيّة المؤسفة في يناير/كانون الثاني. وحينها أنكرت السلطات الإيرانيّة بشكل قاطع أي مسؤولية لها، ثمّ ما لبثت أن أقرّت بإصابة الطائرة عن طريق الخطأ. بعد تلك الحادثة بشهر واحد، أنكرت السلطات الإيرانية في البداية أي إصابة بفيروس "كوفيد-19" في قُم، ثم تعيّن عليها تأكيد انتشار الوباء بعد وفاة اثنين من مواطنيها بالمرض، وأدّت هذه الحادثة إلى مزيد من انعدام الثقة. 

 

حشد المهنيين
أزمة "كوفيد-19" لا تُنذر بخير، فالفيروس عنيد أمام الأدوات التي راكمتها الجمهوريّة الإسلاميّة بمرور الزمن
    

لقد قاومت الجمهوريّة الإسلاميّة على نحو فعّال -إن لم يكن ناجحا- حملة العقوبات التي تسمّيها الحكومة الأميركية بـ "الضغط الأقصى". وبالاعتماد على تداولات الأسواق وتعويم العملة الإيرانيّة، تمكّنت الحكومة من تحفيز الإنتاج المحلّي كبديل للواردات القادمة من الخارج. نتيجة لذلك، ومع أنّ المداخيل واجهت هبوطا حادا، ارتفعت اليد العاملة بشكل مستمرّ منذ دخول العقوبات الأميركيّة حيز التنفيذ في مايو/أيار 2018. قبل الأزمة الصحيّة، حظي الاقتصاد الإيراني باستقرار نسبيّ، كما يتّضح من الناتج المحلّي غير النفطي للبلاد، وهو أفضل مؤشر على النشاط الاقتصاديّ. وتحدَّت الجمهوريّة الإسلامية توقّعات مؤيّدي تغيير النظام المنذرين بانهيار سياسي واقتصاديّ للحكومة. 

  

لكنَّ أزمة "كوفيد-19" لا تُنذر بخير، فالفيروس عنيد أمام الأدوات التي راكمتها الجمهوريّة الإسلاميّة بمرور الزمن. فتعبئة حشود ضخمة من المؤيدين للنظام في شوارع المدن قد تُفيد في تبديد تكهّنات سقوط النظام، واستعراضات الجيش مفيدة في دحض حسابات الأعداء، لكن من الصّعب استخدام الخطوتين ضد الوباء، فبدلا من تعبئة الحشود الضخمة في الشّوارع، ينبغي أن تتمثّل رغبة الحكومة الإيرانيّة في بقاء المواطنين في البيوت، وبدلا من الكوادر الملتزمة بالخطّ الأيديولوجي للجمهوريّة، وموالاته، تحتاج الحكومة إلى حشد المهنيين المتعلّمين. 

 

وللقِطاع الصحّي الإيرانيّ ماضٍ مُشرِّف تحت حكم الجمهوريّة الإسلامية، فقبل ثلاثة عقود، حارب المهنيّون الصحيّون في إيران لتقليص وفيات الرُّضّع والأمّهات في المناطق الريفيّة. وقد أدّى نجاح تلك الجهود إلى رفع مستويات متوسط الأعمار في البلاد بحيث تساوى مع ذلك الذي تتمتّع به الدّول الأكثر تطوّرا. والمهنيّون الذين درّبهم ذلك الجيل هم اليوم في الجبهات الأمامية في المعركة لاحتواء فيروس كورونا الجديد. ومع أنَّ هذا النّزال لم ينتهِ بأي شكل بعد، فقد كان أداء الأجيال الأصغر سِنًّا من المهنيين في القطاع الصحّي مثيرا للإعجاب في علاج الناس في المستشفيات كافّة وتحت ظروف بالغة الصّعوبة. 

   

   

ما إن تنتهي هذه الأزمة الطارئة، عاجلا غير آجل كما نرجو، حتّى يتعيّن على الجمهوريّة الإسلامية مواجهة سؤال أرّقها لسنوات: هل سيكون من حق أولئك المهنيين الصحيّين، الذين شنّوا هذه المعركة وانتصروا في النهاية، المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد؟ سيكون على تيار المحافظين الذي يُهيمن على البرلمان الإيراني الجديد، والذي يتأهّب للفوز بانتخابات 2021، مقاربة هذا السؤال بحذر. 

 

فالجميع يعلم أنَّه على مدار السنوات، وفي انتخابات عدّة، كانت طبقة المهنيين التي تُشكِّل نواة الطبقة الوسطى في البلاد تُصوِّت لرؤية مختلفة جدا عن رؤية التيار المحافظ لمستقبل إيران. وكان المهنيّون في القطاع الصحي، من بين قطاعات أخرى، يأملون في رؤية إيران تحترم خبرتهم وقيمتهم التي لا تزال موصولة بالعالم الخارجي. إنَّ تواصلهم مع المجتمع الصحّي العالمي، لا سيما من خلال منظمة الصحة العالميّة، ليس حاسما فقط في هزيمة فيروس كورونا الجديد في الشهور القادمة، لكنّه كفل للبلاد سمعة عالمية. 

 

فيما المحافظون يُحكِمون قبضتهم على البلاد، سيكون عليهم أن يُقرِّروا أي مساحة سياسيّة تلك التي ستكون متاحة لتُشارك فيها طبقة المهنيين الصحيّين. يطالب الثوريّون الأوائل الذين حاربوا الغزو العراقي في الثمانينيات، وأبناؤهم الذين تمكّنوا حتى اللحظة من إنقاذ إيران من الفوضى التي غزت المنطقة، من الاعتراف المستحق بجهودهم، وقد جرت مكافأتهم بمراكز مرموقة في السلطة. فهل سيتمُّ، في المقابل، الاعتراف بمساهمة المهنيين الصحيين الذين يقومون حرفيا بإنقاذ البلاد اليوم وإتاحة صوت لهم في شؤون البلاد؟

—————————————————————
هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بظل التأثيرات الواسعة لفيروس "كورونا" تُطرح الكثير من الأسئلة، والاستفسارات حول طبيعة الفيروس، وقدرتنا على التعامل معه، وعن مستقبل المرض.. إليكم أبرز هذه التساؤلات والتي يجيب عنها الدكتور ليث العملة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة