مبادرة الحزام والطريق الصينية.. هل تكون سببا في نشر الموت الأسود من جديد؟

ميدان – مبادرة الحزام والطريق الصينية.. هل تكون سببا في نشر الموت الأسود من جديد؟
اضغط للاستماع
    
مقدّمة التَّرجمة
مع انتشار فيروس "كوفيد-19" ووتيرة وفياته المتعاظمة في أوروبا، لا سيّما في إيطاليا وإسبانيا، لا يجدُ الكثير منَّا حرجا في العودة إلى طاعون "الموت الأسود" الذي أباد ثلث سكّان العالم المعروف آنذاك، قبل اكتشاف الأميركيتيْن، وكان قد انطلق من الصّين. لكننا نكتشف أن وباء الطاعون كان متواتر الانتشار في الصّين، وأنّه حصد من قبل أرواح عشرات ومئات الآلاف فيها من قبل في مناسبات متفرّقة. فمن أين إِذن اكتسب الموت الأسود فتكه الخاصّ؟ تتناول المادّة التالية أربعة عوامل جعلت فتك الموت الأسود خاصّا وشرسا إلى تلك الدّرجة، وتُقارِنُ تكرار هذه العوامل بعوامل موجودة سلفا اليوم، فهل يكون الوباء الحالي مجرّد مقدّمة لموجة أخرى أكثر فتكا؟ 

  

نص المادة

"في أي صحف التَّاريخ جاء قطُّ أنَّ بيوتا خلت من أصحابها، وأنَّ مدنا هُجرت، وبلدانا بأكملها تُرِكت، وأنَّ الحقول الفسيحة ضاقت بالجثامين، وأن العزلة الكونية المخيفة أُسدلت أسدالها على الأرض، أيّها السعداء من الزمن الآتي؟ يا مَن لم يشهدوا هذه التّعاسات، ومَن قد يُنزِلون شهادتنا هذه منزلة الأسطورة من الحقيقة". 

(الشاعر الإيطاليّ فرانشيسكو بترارك)

 

كان الشَّاعر الإيطاليّ بترارك دقيقا في وصف حملة "الموت الأسود" عام 1348، وهذه الأيام لا يمكننا أن نتصور حقيقته المَعيشة، لكن لكي تأخذ فكرة عمّا كان عليه الموت الأسود بالفعل، فعليك أن تتخيّل أن ثلث الأشخاص الذين تعرفهم، أو ثلث البشر الذين قد تصادفهم يقطعون الشارع، يختفون فجأة، من غير الممكن التفكير في العالم الحاليّ منقوصا من ثلث سكّانه على مدار 6 سنوات، لكنّ ذلك قد وقع ذات مرة في التّاريخ.

  

خلال تلك الحملة، ضاقت الأرض عن استيعاب الجثث، وتُرك الناس لحتفهم في الشوارع، أو على الأرصفة ينازعون الموت على أنفاس أخيرة، كان يُمكن أن تلتقي بصديقك على الغداء، ويكون ميتا بحلول الليل، يتناول العشاء مع أسلافه في الفردوس، كما يضعها الشَّاعر الإيطاليّ جيوفاني بوكاشيو. وكان يصعب أن تعرف مَن سيكون الضحيّة التالية لضربة السَّهم، زوجتك، أبناؤك، أصدقاؤك، والداك، أم أنت نفسك. كان من الممكن لورم كبير مؤلم أن يندفع فجأة من ذراعك أو أُربيّتك، أو الأسوأ من ذلك، كان من الممكن أن تشعر أنك بأفضل حال ثم ما تلبث أن تبدأ ببصق الدَّم، ودائما ما كان بصق الدم ذاكَ فتَّاكا.

    

  

كانت هناك أوبئة فظيعة من قبل: طاعون أثينا عام 430 قبل الميلاد، الذي دمّر أثينا بركليس، وتسببت به على الأرجح الحمّى النمشيّة أو "التيفوس"، والطاعون الأنطوني بين عامَيْ 165-180 للميلاد، الذي مهّد طرقا غير متوقّعة لإمبراطورية ماركوس أوريليوس الرُّومانيّة، والذي يُرجَّح أنّه كان الجدريّ، وهناك أسوأ هذه الأوبئة، طاعون جستنيان، عام 541 للميلاد، الذي فتك بالملايين بانتشاره من حوض البحر الأبيض إلى فرنسا، فألمانيا، ويُرجَّح بأن يكون وصل الجزر البريطانيّة.

  

مثله مثل الموت الأسود، تسبّبت بطاعون جستنيان -نسبة إلى الإمبراطور البيزنطيّ جستنيان الأوّل الذي شارف على الموت إثر الإصابة به- جرثومة تُسمّى "اليرسينية الطاعونية". غير أن ديناميكيّات الموت الأسود وطاعون جستنيان تباينت، فطاعون جستنيان انتشر بشكل عشوائي، لا ممنهج كما فعل الموت الأسود، وتشير معظم السّجلات إلى أنّه لم يكن مرضا معديا بشكل عام، كما أنَّه بالتأكيد لم يمسح ثلث سكّان العالم عن وجه البسيطة، وإن كان من المستحيل التثبت من الأعداد الدقيقة لضحاياه.

  

يُعرف وباء جستنيان هذه الأيام باسم "الوباء الأوّل"، وأعقبه الموت الأسود "الوباء الثاني" بعد نحو 800 سنة، بالتحديد بين عامَيْ 1346 و1353، بينما بدأ "الوباء الثالث" انتشاره في الصين خواتيم القرن التَّاسع عشر ثم امتدَّ إلى أفريقيا والأميركيتين، وما زال مسؤولا عن عدد من الإصابات التي تظهر هناك من حين لآخر، وعلى مدار 30 سنة، فتك الوباء الثالث بنحو 12 مليون شخص في الهند وحدها، غير أنَّه -إنْ تغاضينا عن عدد من المناسبات التي انتشر فيها ذات الرئة بآسيا الوسطى- اتَّسم ببطء إيجابي مقارنة بأسلافه.

 

كل الطاعون مميت، وفي حال عدم علاجه يُمكن للطاعون الدمليّ، الذي تنقله البراغيث عبر الجلد ويُعرف بانتفاخات ضخمة في الغدد اللمفاويَّة تُسمَّى "الدَّمل"، أن يقتل نحو 60% من أولئك المصابين به، وهذه نسخته الرحيمة، فالطاعون الرئوي، أو وباء ذات الرئة، المنقول عبر الهواء من شخص لآخر، يقتل قرابة 100% من المصابين به.

    

  

لكي نفهم الاختلاف بين أنواع الأوبئة من المهمّ استيعاب أنَّ فوعة المرض، أيّ درجة فتكه، وقابليَّة انتقاله، أي قدرته على التفشّي من مضيف لآخر، ليسا الشيء نفسه. الموت الأسود لم يكن أكثر فتكا من الطواعين الأخرى، لكنَّه كان أكثر قابلية للانتقال. لقد توحّش بالانتقال من بلدة لأخرى، ومن بلد لآخر، وأباد عائلات بأكملها، وبعض العائلات دفنت أبناءها قبلها، وكان الأطبَّاء يخشون علاجه، حيث أُصيب به أغلب المعالِجين، ثم ماتوا، واعتنت الراهبات بالمرضى، ثم شققن هُنَّ أيضا سبيلهنّ إلى الموت، أو الفردوس، وامتطى الرّجال صهوات الخيول هربا لكنَّ المرض أدركهم بعد أيام قليلة فحسب، وهكذا انتشر الطاعون كالنار في الهشيم.

  

مع أنَّ الأوبئة تحدث عن طريق المصادفة، لكنها لا تحدث بلا مسبب، وبإمكانك أن تبدأ بقدرة إحدى أكثر جراثيم الأمراض شراسة على الانتشار بسرعة وبالكفاءة نفسها إمَّا عن طريق الهواء وإمَّا من خلال البراغيث البشريّة، ثم تمزجها بالظروف الاجتماعيّة المميِّزة للإمبراطوريّة المغوليّة، التي عُرفت بحشود من القوافل المغوليّة تتحرك مسرعة في أرجاء آسيا الوسطى وما وراءها. لقد نشأ الموت الأسود من تحالف دقيق بين عدد من الظروف، حيث بزغت في سماء تلك الليلة أربعة نجوم: الجراثيم، المضيف، الإمبراطوريّة، والبرغوث. لولا بريق النجوم المظلمة الأربعة تلك، وبتلك المسافة فيما بينها بالتحديد، لما أمكن للموت الأسود أن يقع على الإطلاق. لقد كان الموت الأسود كابوسا من الماضي، حدثا من المُرجَّح له أن يقع مرة في الزمان، لكن إذا ما تحالفت نجومه من جديد، فسنكون أكثر تسلحا في محاربته.

  

ولأنَّ الموت الأسود كان فريدا من نوعه، تساءل العديد من الباحثين عمّا إذا كان سببه هو الطاعون حقا. وفي كتابه "الموت الأسود: إعادة نظر جديدة في البيولوجيا" (1984)، جادل الاختصاصيّ في علم الحيوان، غراهام تويغ، بأن الطاعون كما نعرفه لا يُمكن أن ينتشر بالسّرعة التي انتشر عليها الموت الأسود، وكان مصيبا في هذه الجزئية، لكن لسوء حظّ تويغ فيما يخص مصداقيته، فقد افترض بأنّ "جمرة خبيثة" تبدأ في الرّئة هي العامل وراء الموت الأسود، متغاضيا عن حقيقة أن الجمرة الخبيثة ليست مرضا يبدأ في الرئة.

    

كتاب "الموت الأسود: إعادة نظر جديدة في البيولوجيا" (مواقع التواصل)

     

بينما اقترح باحثان من جامعة ليفربول، هما الراحل كريستوفر دونكن وسوزان سكوت، أن يكون الجاني فيروسا شبيها بفيروس إيبولا. لكنْ لا نمط الانتقال ولا الأعراض الموصوفة عن بُعد يطابقان فيروس إيبولا، دع عنك أن يكون مصحوبا بأي شكل من أشكال الحمّى النزفيَّة، كما أنَّ كلًّا من الجمرة الخبيثة وإيبولا لا يتسرّب من الرئة، بإمكانهما دخول الرئة وإصابتك بالمرض، لكن لا يُمكنهما الخروج منها مرة أخرى.

  

كان هناك آخرون لديهم شكوك حول الأمر، ومنهم المؤرّخ صمويل كيه. كوهن من جامعة غلاسكو، الذي ركَّز تحلَيلَه لانتشار الموت الأسود من بلدة لأخرى، ومن بلد لآخر، في نقطة لا تقبل الجدال: انتشار الموت الأسود كان أسرع من انتشار الطاعون في أيامنا الحاليّة.

  

وأخبرني كينيث غايغ، وهو اختصاصي في إيكولوجيا الطاعون بمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) في فورت كولنز، كولورادو، عام 2003 عندما كنت أعمل على كتابي "الطاعون: ماضٍ غامض ومستقبل مروّع لأخطر أمراض العالم"، أنَّ وقتا سيأتي وسيرفض الناس تصديق أن الموت الأسود قد تسبب به الطاعون.

  

في عام 2004، حلّل فريق فرنسي من الباحثين حمضا نوويا قديما مأخوذا من إحدى الأسنان العائدة لهيكل عظميّ في مقابر الموت الأسود، ووجد دليلا وراثيا شافيا على وجود "اليرسينيّة الطاعونيّة". ثم في عام 2011، استخدم فريق دولي بقيادة هندريك بوينار من جامعة ماكماستر في هاملتون أونتاريو حمضا نوويا قديما لتطوير مخطط وراثي يتعقَّب العوامل المُمْرِضَة في الموت الأسود، ولم يكن هناك أي خطأ: الموت الأسود كان طاعونا.

    

اليرسينية الطاعونية (مواقع التواصل)

   

هذه هي النجمة المظلمة الأولى: اليرسينية الطاعونية، والطاعون هو أكثر الأمراض البكتيريّة فتكا على وجه الأرض.

   

المخطط الوراثي الذي صممه بوينار لم يكشف عن جينات محددة مسؤولة عن الفتك المفرط في الموت الأسود، كما أنه لم يحلَّ لغزا جوهريا: ما الذي جعل الموت الأسود يكون أسوأ بمراحل عن أي تفشّيات طاعونيّة أخرى، بل أن يكون الوباءَ الأكثر فتكا على الإطلاق؟ في ضوء شحّ الإجابات، افترض بوينار أنَّ ضراوة الموت الأسود يُمكن أن تقبع في فقر وقذارة القرون الوسطى، لا في الجرثومة نفسها.

  

لكنّه كان مخطئا، ولكي نستوعب القوّة الفتّاكة للموت الأسود، علينا أن نحوّل أنظارنا صوب شيء آخر: قارضُ المرموط، منشأه الأصليّ والنجمة المظلمة الثانية، فنحن نعرف أنّ الموت الأسود استهلّ رحلته من آسيا الوسطى، وبشكل شبه مؤكّد من قارض المرموط، وهي قوارض كبيرة، جماعيّة إلى حدٍّ كبير، درج البشر على اصطيادها، كما أنّها واسعة الانتشار وفريدة إلى درجة أنَّ ماركو بولو أسماها بـ "الجرذان الفرعونيّة"، وكانت مسؤولة عن انتشار ثلاثة أوبئة رئوية كبرى رافقت القرن العشرين، اثنان منها معروفان جيدا باسم الأوبئة المنشوريّة، نسبة إلى منشوريا في الصّين، ضرب الأوّل عام 1910 وقتل 60.000 شخص، في حين بدأ الثاني عام 1920 وقتل 10.000 شخص، أمَّا الانتشار الثالث فقلّة تعرف بأمره ووقع بين عامَيْ 1917-1918 في شانشي، الصين، وقتل نحو 16.000 شخص.

  

تحليل بوينار، في الحقيقة، لفت الأنظار إلى أهميّة الدور الذي لعبه المرموط في الموت الأسود، فالسلالات الجديدة من المرموط تمتلك جينات تُمكِّنها من "تخمير الغليسرول"، وهي عمليّة الاستفادة من كتل وحواجز دهنيّة تقوم هذه الحيوانات ببنائها في أثناء السبات، وحينما يدخل المرموط سباته الشتوي، يكون بإمكان جراثيم الطاعون إبقاء نفسها داخل هذه الحيوانات دون أن تقتل المُضيف، في الربيع تصحو حيوانات المرموط، وتصحو معها الإصابة، لتُمرض القارِض وتُلوِّث براغيثه بالدّم المحمَّل بالبكتيريا والجراثيم. هناك العديد من السلالات الحديثة، بالأخص تلك الآتية من الجرذان التي لا تدخل السبات الشتوي، وبالتالي فلا يمكنها أن تُخمِّر الغليسرول، لكن بشكل لافت، يُظهِر الجينوم الذي قام بوينار بإعادة تصميمه أن السلالات القديمة التي عاشت زمن الموت الأسود يُمكن أن تخمِّر الغليسرول أيضا، وهو ما يُشكِّل دليلا إضافيا على إمكانيّة تعقُّب أصل الموت الأسود إلى هذا القارض.

   

   

وأشار الطبيب وولين ته في بداية القرن العشرين إلى أنَّ إصابات الطاعون الآتية من المرموط انتشرت فيما بعد بفعل قدرة استثنائية للبراغيث على الوصول إلى رئات البشر المرضى والتسبب بحالات الالتهاب الرئوي. في أثناء وباء عام 1920، كان وولين يعالج "المريضَ رقم صفر" أو الحالة الأولى، وهي امرأة التقطت الطاعون الرئوي عبر الجلد من قارض المرموط، لتُطوِّر لاحقا التهابا رئويا ثانويا أو الالتهاب الرئوي البكتيري. وبرغم جهوده الأمينة، تسرّبت السلالة الطاعونيّة من المستشفى وسافرت مع الجنود على متن سكك الحديد، وتسبّبت بمقتل 10.000 شخص قبل أن يتمكّن الأطباء والعاملون الصحيّون من السيطرة على المرض.

  

قال لي خبير الطواعين الروسي الراحل إيغور في. دوماراديسكتتش، المؤسس المشارك في تصميم برنامج الأسلحة البيولوجية السوفيتي المعروف باسم "بيوبريبارات" في عام 2003، إن سلالة الطاعون الوحيدة التي تعامل السوفييت معها كانت الطاعون المرموطي، الذي كانوا يعرفون قواه التدميرية حقّ المعرفة.

  

ويتفق فلاديمير موتين، وهو خبير طاعون روسي يعمل في الوقت الحالي بجامعة "تكساس ميديكال برانش" في غالفستون، أن السلالات المنبثقة عن المرموط وسط الآسيوي أكثر فتكا وخطورة من سلالات الطاعون التي وُجدت في أماكن أخرى حول العالم، لكنه يُضيف أنه لا أحد يعرف السبب. ولا يمكننا أن نقرأ قابلية الانتقال بالنظر إلى مخطط وراثي، وإن كان من الواضح أن السلوك المتفشّي للطاعون المرموطيّ ينتمي إلى تاريخ حديث.

    

المضيف المرموط وسط الآسيويّ (مواقع التواصل)

  

وهذه هي النجمة المظلمة الثانية، المضيف المرموط وسط الآسيويّ، ثابت في السماء كحامل لأكثر أشكال المرض تفجُّرا وانتشارا.

   

النجمة المظلمة الثالثة هي الإمبراطوريّة، وتشير سجلّات تعود إلى العصور الوسطى إلى أن أصل الموت الأسود في "الشرق" أو "في أرض الظلام"، في إشارة لآسيا الوسطى، أو لربّما الصين. تعود أقدم مقابر الطاعون المكتشفة على الإطلاق على يد عالم الآثار الروسي في القرن الـ 19 دانيال أبراهموفيتش خولسن فيما يُعرف اليوم على أنه "قيرغيزستان" إلى نحو عام 1339، قبل انتشار الموت الأسود في آسيا وأوروبا. تقبع تلك القبور الآن في مقبرة "المسيح النسطوري" قرب "البحيرة الدافئة" أو "إيسك جول"، بما لا يبعد عمّا يُعرف اليوم بإقليم سنجان أو منطقة غرب الصين. ما من سبب يدفعنا للتفكير بأن الحالات الأولى للموت الأسود كانت بين أولئك المسيحيين المسالمين في مثواهم، لكنهم كانوا بكل تأكيد من بين الحالات المبكّرة.

  

لقد وجد الموت الأسود طريقه عبر القرى الصغيرة لمستوطنات البوادي المغوليّة، وانسلَّ في المدن والمناطق الزراعية عبر معسكرات وقوافل الجنود، مستفيدا من نظام التنقل المغولي "ترانزيت الخيول السريعة"، الذي أسرع بالجنود على متن خيول صغيرة من القرون الوسطى تلهث عدوا في أرجاء الإمبراطوريّة. وانطلقوا في أرجاء الممالك الأربع التي يحكمها أحفاد جنكيز خان، فارتحل الطاعون معهم في أرجاء أوزبكستان وكازاخستان إلى فارس فالقِرَم. ومن هناك، تفشّى المرض في التجار الجنويِّين الذين نزلوا بجوار مدينة تجارية تُدعى "كفَّة" على ضفاف البحر الأسود، ومن ثم إلى القسطنطينية على ضفاف مضيق الدردنيل إلى البحر المتوسط حيث كريت وسردينيا وصقلية قبل أن يشق طريقه إلى جنوى ويتفجر فوق ربوع القارة الأوروبية.

  

كيف يُعقل القول إنَّ كل تلك الظروف الاجتماعية والإيكولوجية بل والساكنين المحليين كانوا سواء، أي على القدر نفسه من الهشاشة أمام الطاعون؟ من بين كل تفسيرات الموت الأسود، نظرا لانتشاره وعدم تمييزه بين ضحيّة وأخرى، تبدو الظروف "الإيكولوجيّة والاجتماعية" هي الحلقة الأضعف هنا، حيث لا يمكنك أن تقارن منطقة عشوائية لندنيّة بقصر فارسي، دع عنك أن تقارنها بقرية نسطوريّة، فهُناك عوالم تفصل بينها.

  

لكن كيف تمكّن الموت الأسود من الدخول إلى المغول وبين صفوفهم؟ هل كان الجيش المغوليّ يحمل قوارض المرموط معه في ارتحاله عبر آسيا؟ هل كدس التجار المغوليّون الحبوب وما رافقها من قوارض داخل أكياسهم المسرَّجة فوق ظهور الخيول، كما تشير كتابة المؤرّخ ويليام ماكنيل في كتابه "طواعين وشعوب" (1976)؟ كان ماكنيل يفكّر بالجرذان، لكنَّ مرموط آسيا الوسطى يُمكن أن يصل في الطّول إلى 30 إلى 60 سم، مما يستبعد فرضية إهمال الرحّالة المغول. لعلّ أصول الموت الأسود أبسط من ذلك بكثير: لقد جاء من المرموط وصيّاديه المُصابين، كما فعل مرارا وتكرارا، فما جعل الموت الأسود مختلفا هو طريقة انتشاره.

      

    

على الرغم من أنَّ الطاعون مرض يصيب القوارض وينتهي في البشر، فإنَّ الموت الأسود لم ينتشر في قوارض المرموط تلك، بل في البشر فقط. لقد تحرَّك الطاعون بسرعة لأنَّ المغول على ظهور الخيول، وهم نجمتنا المظلمة الثالثة (المضيف)، كانوا يتحرَّكون بسرعة بدورهم. وهذا الانتقال السريع الغامض للموت الأسود يمكن أن يعنيَ شيئا واحدا فحسب، أنَّه قد أصبح لمرّة في الزمن على الأقل، وعبر نقله السريع والفعّال لمرض محمول على ظهور الخيل، عاملا ممرضا بشريا مؤثرا ينتشر عبر الخيَّالة المسرعين في المدى.

  

شيئا فشيئا، تتّضح ملامح الموت الأسود، وتُظهِر إعادة بناء حمض نووي قام بها باحثون صينيّون وجود ما يسمّى بالشجرة المتفرّعة، أو تفتُّح سلالات جديدة بعد بدء الانتشار بفترة وجيزة. يبدو أن بعض تلك السلالات يتوقف عند كونه محض سلالات وراثية، لكنَّ بعضها الآخر أدّى إلى ظهور كل سلالات الطواعين في العالم اليوم.

  

هذا يشير، لا إلى عمليّة انحراف وراثية، ولكن إلى تكيّف تطوّري: لقد كانت سلالات الطاعون تتكيّف مع مضيف جديد بشريّ. وأن يكون هذا التكيّف عمليّة تطوريّة أفضت إليها عمليّة الانتقاء الطّبيعي، أكثر من كونه مجرّد سلسلة من التغييرات التصادفيّة عديمة المعنى، لا يخطئه أي شخص على اطلاع بالطريقة التي دائما ما تتكيّف فيها عوامل الأمراض المعدية مع المضيفين الجدد. على سبيل المثال، من الممكن لجدريّ القوارض أن يتكيّف مع الأجسام البشريّة بحيث يصبح مرض الجدري، وعلى المنوال نفسه، أتقنت الفيروسيّة السّنجابيّة الخدع الذكيّة للمناعة البشريّة، وتطوّرت "المتفطّرة الجذاميّة" بحيث أنتجت المرض البشري الذي نعرفه باسم "الجذام".

  

كان روبرت بروباكر، خبير الأحياء الدقيقة والطواعين من جامعة "ولاية ميتشغان"، ينكز ويستفزّ ويدكُّ ويطرق جرثومة الطاعون لأكثر من 50 سنة لكي يرغمها على البوح بأسرارها الدفينة، ويجادل بأن الجراثيم إجمالا لا تتطوّر بحيث تقتل المضيفين، لأنَّ إمكانيّة قيام مضيف ميت بنشر العدوى إلى مضيف جديد ستكون أقلّ. 

    

  

وينقّح عالم الأوبئة التطوريّة بول دبليو. إيوالد من جامعة لويسفيل هذه النقطة ببراعة: في "الأمراض المنقولة بالنواقل الجرثوميّة"، أي تلك الأمراض التي تنتشر عبر الحشرات، يمكن للعدوى أن تنتقل من مضيف ميت على القدر نفسه من جاهزيتها بالانتقال من مضيف متحرّك شرس، ويمكن لبعوضة أو برغوث أن يلسعك سواء أكنت تسير في الحقل تؤرجح منجلا في يدك، أو تطارد طفلا، أو تستلقي مضطجعا على فراشك. من هنا، يكتسب مستوى الفوعة أهميته، فأيُّ حيوان يمتلك درجة أكبر من تجرثم الدَّم، أي بكتيريا أكبر في دمه، كنتيجة لمرض مزمن، يصبح مرشحا أكبر لنقل تلك السلالات من البراغيث من ثم إلى المضيف التالي.

  

هذا يعني أن الانتقاء الطبيعي سيسلّط ضغطا هائلا على فصائل الطاعون المنقولة بالبراغيث لكي تكتسب مزيدا من الخطورة. المستويات المرتفعة من البكتيريا في الدم تُنتج الإنتان، أو تعفّن الدم. ودائما ما يكون هذا الإنتان فتاكا، وفي حالة الطاعون تقترب وتيرة موتاه من 100%.

  

لكن البراغيث لا يمكن أن تلسع مضيفا ميتا، ولذا لكي يكون بإمكانها أن تحقق ذلك المستوى من التجرثم في الدَّم، ولكي تحول دون موت المضيف على الفور، تخمد جراثيم الطاعون المناعة عبر تثبيط إنتاج جزيئات التهابيّة، تسمّى سيتوكينات. لهذا السبب تمكّن المغول من الارتحال لأيام بعد التعرض للإصابة. دون حمّى، أو غدد متضخّمة، أو أي أعراض للمرض على الإطلاق، وإلى أن يسقط مغشيا عليه تكون أعضاؤه بالكامل تقريبا قد استُبدلت ببكتيريا الطاعون، ودمه يكاد يكون بيئة تامّة من اليرسينية الطاعونيّة. يقول بروبابكر: "الطاعون إصابة خفيّة".

  

ولكن كان على نجمة أخيرة أن تتراصف مع البقيّة لكي يستفحل الموت الأسود: البرغوث. فلأنَّ الدمّل كان ملحوظا في قرصات براغيث الجرذان، جادل الخبراء منذ بداية القرن العشرين أن المنشأ هو براغيث الجرذان، أي الجرذان نفسها، لكن ذلك ليس صحيحا.

    

  

وفقا لخبير الطاعون في المراكز الأميركيّة لمكافحة الأمراض والوقاية منها كينيث غايغ، كانت النجمة المظلمة الرَّابعة في علياء الموت الأسود هي البراغيث المُهيِّجة، أو ما يسمّى بالبراغيث البشريّة. لا تعيش هذه البراغيث كثيرا على الجلد أو في الشّعر البشريّ، لكن في الألبسة وملاءات السرير، وفي القرن السابع عشر، ذكر كاتب اليوميات اللندنيّ صموئيل بيبيس أسرابا من البراغيث أثخنت المسافرين الذين أُجبروا على النوم بأغطية متّسخة. وعادة ما كانت الملاءات والألبسة المهملة، حتّى من موتى الطاعون، يُعاد استخدامها بما أن أحدا لم يكن يعلم كيفية انتشار الطاعون. مع تراصف النجوم الأربعة المظلمة تلك، يمكننا تخمين التَّالي: الموت الأسود تسببت به جرثومة الطاعون المسمّاة "يرسينية طاعونية"، التي تطوّرت في آسيا الوسطى، وانتقلت إلى البشر من المرموط، المصدر الأصلي والأكثر فتكا.

  

ما إن احتجبت تلك الجراثيم في البشر حتَّى تطوّرت بسرعة، منتجة سلالات جديدة أكثر فعالية كعوامل ممرضة للبشر، وإن كنّا ما زلنا نجهل تغييرات الحمض النووي المحددة التي تقود ذلك التغيير. لكننا نعرف من السجلات التاريخيّة أن الموت الأسود انتشر من رئة إلى أخرى، كما فعلت السلالات المنحدرة من المرموط خلال طواعين القرن العشرين في منشوريا. وقد ذكرت نصوص القرون الوسطى كلًّا من بصق الدم -أي الانتقال الرئوي- والدمّل، وهو دليل الانتقال الآتي من البراغيث بمساعدة شبه مؤكّدة من البراغيث البشريّة.

  

انتهى الموت الأسود نحو عام 1353، لكنّه منح الحياة لسلالات جديدة واصلت ارتِحالها بأنحاء أوروبا حتى منتصف القرن الثامن عشر. كان آخر وباء ضخم انتشر في غرب أوروبا عام 1720 في مرسيليا الفرنسيّة. وانتشرت الأوبئة في روسيا وبلاد الشام خلال أواخر القرن التَّاسع عشر. لكن في هذه الأوبئة الأخيرة، كان "بصق الدَّم" قد تلاشى ثم اختفى من السجلات بوصفه العارض الرئيسي. كان الطاعون الرئوي الذي رافق الموت الأسود، بمعدّلات وفياته المرعبة، مرضا أخبث من البقاء والتحوّل إلى محنة دائمة للجهاز التنفّسي البشري. بعد الموت الأسود، كان الشكل الرئيسي للعدوى من شخص لآخر بشكل شبه مؤكّد هو البرغوث البشريّ. لكننا لا نعلم بعد إن كانت سلالات الطاعون خلال عصر النهضة تنحدر مباشرة من الموت الأسود أم أنها عُزِّزت بفعل واردات جاءت من آسيا على طول طرق القوافل البطيئة المضجرة التي نعرفها ومنها "طريق الحرير".

    

تفشّيات طاعون المرموط لا تزال تحدث في الصين وكازاخستان وأماكن أخرى بوتيرة غير منتظمة لكنَّها باعثة على الكآبة
   

ولا نعلم أيضا الصورة الدقيقة التي انتقل عليها الطاعون إلى جنوب آسيا، وهي أرض المنشأ لكلّ التفشّيات الحديثة لهذا المرض القديم. كانت جرثومة الطاعون في أثناء الموت الأسود، أو خلال الانتشار الطبيعيّ للقوارض، تتحرك في أنحاء تلك البلاد الشاسعة ثم ما لبثت أن استقرت في "يونان". في تلك المنطقة، فقدت قدرتها على تخمير الجليسرول. وبطريقة ما، بجثومها فوق الجرذان والتخفي في براغيث تلك المقاطعة المكتظّة بالبشر، تمكّنت جرثومة الطاعون من التلبُّس بلبوس "اليرسينية الطاعونيّة الشرقيّة"، والقفز على متن السفن والإبحار حول العالم، لتنشر الموت والبؤس في أفريقيا والهند وأميركا الجنوبية ومن ثم غرب الولايات المتحدة، كان ذلك هو الوباء الثالث الذي بدأ أواخر القرن التَّاسع عشر ولا تزال آثاره المصاحبة معنا.

  

كما أنَّ طاعون المرموط المتفشّي لا يزال موجودا أيضا، في عام 2015، تكلم توماس زمرمان، وهو باحث كان قد عمل في مجلس الأمن القومي الأميركي والبنتاغون، عن مقترح الصّين الجديد الطامح "مبادرة الحزام والطّريق"، لبناء طريق سريع ضخم يمتدّ من جنوب الصين مارًّا بالصين نفسها ومن ثم روسيا وبيلاروسيا إلى بولندا وألمانيا وفرنسا، ومجسّات تصل إلى أوزبكستان وباكستان. والهدف من المبادرة هو إحياء طريق الحرير العتيق لبيع البضائع الصّناعية، ومنها القطارات والطائرات، بدلا من الحرير والتوابل والبورسلين.

  

يطالع فلاديمير موتين هذا الطريق السريع الضّخم، الذي يقطع أحد أسوأ أوكار الطاعون على الأرض، بنظرة وجلة، ذلك أنَّ طاعون المرموط المتفشّي لم ينحسر إطلاقا، وأنَّ تفشّيات طاعون المرموط لا تزال تحدث في الصين وكازاخستان وأماكن أخرى بوتيرة غير منتظمة لكنَّها باعثة على الكآبة، ولا تزال حتّى يومنا هذا أحياء سكنيّة بأكملها تدخل الحجر الصحّي من حين لآخر. في عصر المضادَّات الحيويّة، في عصر الصحّة حيث لم يعد بإمكان البراغيث أن تنزل بنا الآلام، فمن المستبعد أن نشهد انتشار موت أسود آخر، لكن ما زال بإمكان اثنين من النجوم المُعتمة القديمة، طاعون المرموط وإمبراطوريّة اقتصاديّة توسعيّة، أن يكونا مسؤولين عن إنتاج جيوب لأمراض متفجّرة فتّاكة، فحتى مع توافر أفضل العلاجات، لا يزال 14% من ضحايا الطاعون الرئوي يفقدون أرواحهم. وصحيح أنَّ انسلال طاعون المرموط الخاطف إلى القطارات السريعة أو على امتداد الطريق السريع الضخم قد لا يتسبب بموت أسود جديد، لكنّه ليس بالاحتمال السارّ أيضا. إن كنّا نعرف العوامل التي أدّت إلى الموت الأسود، إن فهمناها وأحطنا بها جيدا، فلن يكون من المنطقيّ عندئذ السّماح بتراصف هاتين النجمتين الفتَّاكتين من جديد.

————————————————————-

هذا التقرير مترجم عن Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة