"مسرحية القرن".. هل يتخلى نتنياهو عن صفقة ترامب للسلام؟

اضغط للاستماع

    

في (نوفمبر/تشرين الثاني) عام 1947، وخلال الفترة التي سبقت التصويت التاريخي للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين بين دولتين عربية ويهودية في أعقاب الانتداب البريطاني، ظهر إعلان ممول شهير على صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية بعنوان "التقسيم لن يحل مشكلة فلسطين"، وأتى تمويل الإعلان من قِبل مؤسسة تُدعى "رابطة الصهاينة التصحيحيين في أميركا"، ومُوقَّعا من قِبل الرئيس التنفيذي للمنظمة والرجل الذي صاغ الإعلان بنفسه وهو البروفيسور "بن تسيون نتنياهو".

     
كان "بن تسيون نتنياهو" أحد رواد حركة الصهيونية التصحيحية المتشددة التي كانت ترى أن بريطانيا والعالم الغربي لم يكونوا ملتزمين بما فيه الكفاية بدعم الفكرة الصهيونية، ورأى البروفيسور الصهيوني أن لندن أخطأت بدعم فكرة تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، وأن ذلك التقسيم خالف وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. لذا دعا "بن تسيون" للكفاح المُسلَّح من أجل إقامة وطن يهودي على أرض فلسطين بالكامل، وظل المؤرخ اليهودي المغمور ينافح عن أفكاره المتطرفة على مدار حياته الممتدة لأكثر من مئة عام دون أن يجيبه إليها الكثيرون، لكنّ شخصا واحدا على وجه التحديد يبدو أنه كان الجمهور الرئيس وربما الوحيد لـ "نتنياهو" الكبير، وكان هذا الشخص هو نجله "بنيامين" الذي سيصبح بعد عقود رئيسا لوزراء إسرائيل، حاملا معه نهج والده المتطرف إلى مقعد صناعة القرار في الكيان العبري.
     
حمل بنيامين نتنياهو إرث والده الفكري كاملا غير منقوص، وكما يتضح في كتابه الأشهر "مكان تحت الشمس" الصادر عام 1993، وكذا الطبعة المُنقَّحة منه الصادرة تحت عنوان "سلام دائم" عام 2000، فقد أظهر نتنياهو الابن رؤية مماثلة تماما لرؤية والده واصفا الفلسطينيين بأنهم "أمة مُتخيَّلة صُنعت من قِبل العرب لمواجهة إسرائيل"، ومؤكدا أن قيام دولة فلسطينية من أي نوع يُعَدُّ "وصفة مثالية لا لصنع السلام ولكن لصناعة الكوارث" حد وصفه.
    

"بن تسيون نتنياهو" (يسارا)  ونجله "بنيامين نتنياهو" (غيتي)

       
ويبدو أن جُلَّ ما كان نتنياهو على استعداد لتقديمه للفلسطينيين هو السماح بكيان فلسطيني على مساحة محدودة من الأرض يتمتع بقدر محدود من الحكم الذاتي ويخضع لهيمنة الكيان المحتل أمنيا وعسكريا بشكل كامل، مقابل تنازل الفلسطينيين عن حقوقهم كاملة بما يشمل حق عودة اللاجئين ووضع مدينة القدس وحتى الحدود التي أقرّتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فضلا عن الاعتراف بـ "إسرائيل" كدولة قومية يهودية (رغم أن 20% من سكانها من العرب المسلمين)، وقبول معاملة العرب فيها كمواطنين من الدرجة الثانية أو تهجيرهم من الأراضي الخاضعة للسيادة الإسرائيلية في نهاية المطاف.
   
بعبارة أخرى، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان ولا يزال مُولَعا بالاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من أرض فلسطين في وقت يرغب فيه في التخلُّص من أكبر عدد ممكن من شعبها، وفي خطته تلك يرفض نتنياهو كما رفض والده من قبل فكرة الدولة الفلسطينية بأي صيغة كانت(1)، وحتى حين وجد رئيس الوزراء نفسه مضطرا لتقديم بعض التنازلات الصورية في رؤيته تلك عام 2009 تحت ضغط من الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو ما عَبَّرَ عنه في خطابه الشهير في جامعة بار إيلان في يونيو/حزيران عام 2009 حين أقرّ أنه يمكن أن يقبل قيام دولة فلسطينية إذا ضمن أن هذه الدولة ستكون "مجردة من السلاح"، وإذا اعترف الفلسطينيون بإسرائيل كـ "دولة يهودية" لا كسلطة احتلال، حتى حينها فإن خطواته العملية جاءت مخالفة لتعهداته الصورية تلك، حيث رفض نتنياهو إزالة المستوطنات في الضفة الغربية كشرط للشروع في أي عملية سلام، كما رفض الحدود المقترحة للدولة الفلسطينية بحجة أن هذه الحدود "تسمح للفلسطينيين بتهديد أمن إسرائيل"، وأن الكيان العبري "يجب أن يمتلك حدودا يسهل الدفاع عنها".

  

  
بمعنى آخر، وضع نتنياهو شروطا للدولة الفلسطينية يعلم أن الفلسطينيين لن يقبلوها أبدا على الأرجح، بهدف إدامة الأمر الواقع ومنح إسرائيل الفرصة لتوسيع رقعتها من الأراضي المحتلة وفرض وقائع جديدة يصعب تغييرها كل يوم. واليوم، يبدو أن هناك الكثير من الأسباب للاعتقاد أن نتنياهو يُكرِّر الأمر ذاته مع خطة ترامب وكوشنر للسلام كما تُسمى، فرغم أن الخطة لا تمنح الفلسطينيين سوى وعود غامضة بتأسيس دولة أشبه بقطعة من الجبن السويسري المليئة بالثقوب التي تُمثِّل المستوطنات على مساحة تبلغ بالكاد 20% من مساحة فلسطين التاريخية بعد مدة تبلغ 4 أعوام، وبعد أن يُقدِّم الفلسطينيون جميع التنازلات التي حلم بها نتنياهو، فلا يوجد أي سبب يدفع للاعتقاد أن إسرائيل ستقبل بذلك في نهاية المطاف وستُوفّي بجانبها من التعهد وتسمح بإقامة تلك الدولة المهترئة، وفي الحقيقة فإن نتنياهو تجنّب ذكر الدولة الفلسطينية بأي شكل في أي تعليق له على الخطة، باستثناء ذكره عرضا أن الصفقة تمنح الفلسطينيين "طريقا إلى دولة مستقبلية" حال رأت تل أبيب أنهم التزموا بتطبيق جميع الشروط التي فرضها الكيان المحتل، أي إن تل أبيب ستلعب دور الخصم والحكم في هذه اللعبة بما لا يضمن شبرا واحدا مؤكدا للفلسطينيين في المستقبل على الإطلاق.

  

عقيدة نتنياهو

لطالما اعتقد نتنياهو أن أي مساحة من الأرض تُعرَض على الفلسطينيين تُعَدُّ أكثر بكثير مما يمكن لإسرائيل تحمّله، وكما جاء في كتابه "سلام دائم" السابق الإشارة إليه فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرى(2) أن إسرائيل لا تحتاج فقط إلى الاحتفاظ بالمستوطنات في الضفة الغربية ووادي الأردن، لكن أيضا بجميع النقاط ذات الأهمية الإستراتيجية وجميع المناطق العازلة في البقعتين، ويعني ذلك -بحسب نتنياهو نفسه- أن إسرائيل يجب أن تحتفظ بـ 60% من أراضي الضفة الغربية مع كامل السكان الإسرائيليين فيها، على أن تحصل السلطة الفلسطينية على 40% من الأرض فقط مع كامل السكان الفلسطينيين.

  

 نتنياهو يعلن عن نيته ضم واحتواء السيادة الإسرائيلية على وادي الأردن بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية (وكالة الأنباء الأوروبية)

    
لا تُلبّي خطة ترامب وكوشنر إذن نهم نتنياهو الذي لا يتوقف للاستيلاء على المزيد من أراضي الفلسطينيين، رغم أنها "تُعَدُّ وصفة أحلام بالنسبة للإسرائيليين"، بحسب تعبير الدكتور صالح النعامي الباحث الشهير في الشؤون الإسرائيلية في حديثه إلى "ميدان"، مع كونها تمنح إسرائيل ضوءا أخضر لتقنين استيلائها على جميع المستوطنات في الضفة الغربية (نحو 30% من مساحة الضفة)، ولكن رغم ذلك، فلا يبدو أن الخطة تُلبّي جميع آمال حلفاء نتنياهو في اليمين المتطرف أمثال نفتالي بينيت وبيزاليل سموتريتش وإيليت شاكيد وقادة مجالس المستوطنات، الذين رغم ترحيبهم بالضوء الأخضر الممنوح لهم لضم المستوطنات إلى إسرائيل فإنهم يعارضون(3) وعود تأسيس الدولة الفلسطينية التي تتعارض في أعينهم مع السيادة الكاملة المفترضة لليهود على أراضي فلسطين التاريخية.

   
فرغم أن خطة ترامب تسمح لإسرائيل بالتمسك بالمستوطنات التي بنتها بالفعل في الضفة الغربية، فإنها لا تسمح لها بالتوسع وتشديد قبضتها على كامل المنطقة (ج) من الضفة الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية لإسرائيل بموجب اتفاقية أوسلو، على الأقل خلال السنوات الأربع المقبلة، كما تُقيِّد قدرتها "النظرية" على هدم المنازل الفلسطينية في هذه المنطقة، ناهيك بالمصير الغامض لـ 15 مستوطنة معزولة داخل الأراضي التي يُفترض أن تكون جزءا من الدولة الفلسطينية، وهي أراضٍ لا يرغب مستوطنو الاحتلال في التخلي عنها بالضرورة، ما يضع نتنياهو على خلاف محتمل مع بعض داعميه من المستوطنين، رغم المكاسب الكبيرة التي قدّمتها الخطة لهؤلاء باعترافها بشرعية مستوطنات الاحتلال الإسرائيلي الرئيسة في الضفة.

  
وتبقى القدس قضية شائكة(4) أيضا بالنسبة لحلفاء نتنياهو من الأرثوذكس والمتدينين، فرغم أن خطة ترامب تُبقي على القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، فإنها تمنح الفلسطينيين وجودا رمزيا في المدينة، وتسمح لهم بإنشاء عاصمة في مناطق داخل حدود بلدية القدس خارج الجدار العازل، وهو ما يعارضه الأرثوذكس المتدينون الذين يرون القدس وضواحيها كمدينة واحدة خاضعة لسيطرة اليهود، وهؤلاء لا يُبدون تسامحا أيضا مع استمرار الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى والأوقاف الإسلامية في المدينة، رغم أن خطة ترامب تسمح لهم بالصلاة في المسجد وهو أمر طالما رفضه الفلسطينيون وتسبّب في نشوب مواجهات مع المستوطنين الذين دأبوا على اقتحام باحات المسجد بالقوة تحت حماية جنود الاحتلال.

     

   
تتحدّث خطة ترامب أيضا عن مقايضات تتنازل بموجبها إسرائيل عن مساحات محدودة من الأراضي التي تسيطر عليها للفلسطينيين مقابل المساحات الشاسعة لمستوطنات الضفة الغربية، وتشير الخطة على وجه التحديد -بلغة غامضة قابلة للتأويلات المتعددة- إلى ضم المجتمعات في المنطقة المعروفة باسم المثلث ضمن الدولة الفلسطينية "الموعودة"، والمثلث هو منطقة جغرافية تقع شمال الأرض المحتلة وتضمّ تجمُّعا لقرى ذات أغلبية عربية مثل كفر قرع وعرعرة وأم الفحم والطيبة وكفر قاسم وجلجولية، وغيرها، ويخضع المثلث للسيطرة الإسرائيلية منذ عام 1949 بموجب "اتفاق رودوس" الذي وُقِّعَ في ذلك العام مع الأردن، بهدف اكتساب عمق إستراتيجي للأرض المحتلة وفصل المجتمعات اليهودية عن الخط الأخضر، بيد أن الأهمية الإستراتيجية والأمنية للمثلث تراجعت بعد استيلاء الاحتلال على المزيد من أراضي الفلسطينيين عام 1967، ليتحوَّل بعد ذلك إلى عبء ديمغرافي مع وجود أكثر من 300 ألف عربي يقيمون فيه في الوقت الراهن.

  
بخلاف ذلك، يُعَدُّ المثلث أحد معاقل الحركة الإسلامية هناك وهو ما يفاقم الإشكالية التي تُسبِّبها المنطقة لحكومة الاحتلال، ما دفع في النهاية بعض الأصوات الإسرائيلية نفسها للمطالبة بالتنازل عن المنطقة ضمن أي اتفاق لتبادل الأراضي مع الفلسطينيين، بيد أنه من غير المُرجَّح أن يقبل المتشددون الإسرائيليون ونتنياهو نفسه التنازل عن المساحة الجغرافية للمثلث رغم القلق الديموغرافي الذي يُمثِّله بسبب هيمنة العرب عليه، وربما يكون الحل الأنسب بالنسبة لهم هو ترحيل السكان العرب إلى الضفة الغربية بالتوازي مع توسيع الاستيطان في المثلث على حساب المدن والقرى الفلسطينية، بما يخالف بنود صفقة ترامب التي تحظر تهجير عرب إسرائيل من مناطقهم.

  
لا يؤمن نتنياهو إذن بكل ما حملته وثيقة حليفه الأميركي، فرئيس الوزراء الذي يسعى لتطويع السياسة الإسرائيلية من أجل البقاء في السلطة لولاية خامسة تاريخية لم يتنازل في أي وقت عن أفكاره القديمة التي ترى الدولة الفلسطينية، مهما كان شكلها أو حجمها أو مضمونها، ومهما بلغ حجم التنازلات التي يمكن أن يقدمها الفلسطينيون العرب، يراها خطرا وجوديا يجب منع قيامه بكل الطرق، وهو لا يزال ينظر للشعب الفلسطيني لا بوصفه أمة ولكن كمجموعة بشرية تحيا على أرضٍ مملوكة لليهود، وبخلاف ذلك يدرك نتنياهو أن بقاءه في السلطة يعتمد على أصوات الناخبين المتشددين ودعم الأحزاب الأكثر تطرفا التي تراه الخيار الأفضل في رئاسة الوزراء لأمن إسرائيل، وهو يدرك أن هذه القاعدة من الناخبين المتشددين لن تكون راضية عن توقيع يَعِدُ بدولة فلسطينية مستقبلية، حتى إذا كان الطريق نحو هذه الدولة مشروطا بقبول الفلسطينيين لجميع الشروط التعجيزية التي طالما نادى بها هو نفسه طوال حياته السياسية.

 

بين انتخابين
الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" (رويترز)

   

في ضوء ذلك يبدو أن هناك الكثير من الأسباب التي تدفع للاعتقاد بأن خطة ترامب – نتنياهو ليست خطة سلام حقيقية مطروحة للتفاوض بقدر ما يمكن اعتبارها عرضا إعلاميا دعائيا مُصمَّما بالأساس لخدمة مصالح(5) الرجلين، وبالأخص نتنياهو الذي يحتاج إلى دفعة شعبية قوية قبيل الانتخابات المقررة في مارس/آذار المقبل، وهي الانتخابات الإسرائيلية الثالثة في غضون أقل من عام. وفي هذا السياق يمكن القول إن هناك الكثير من الأسباب التي تدفع ترامب للرهان على نتنياهو، وهي أسباب لا تقف عند حدود الولع الشخصي الواضح لترامب بحليفه الإسرائيلي، أو حتى انتماء الرجلين إلى مدرسة القادة الشعبويين الجدد الذين يغزون مقاعد السلطة في العالم اليوم، ولكن يبدو أن ترامب بات يرى أن دعم نتنياهو يُعَدُّ سياسة جيدة يمكن أن تُعزِّز حظوظه في انتخابات 2020، حيث يأمل ترامب أن الملك بيبي سيكون قادرا على رد الجميل له حال فوزه في مارس/آذار عبر حشد دعم المؤسسات الصهيونية والناخبين اليهوديين الإنجيليين لإعادة انتخاب ترامب فترة ثانية.

  
في ضوء ذلك، لم يكن من المفاجئ أن أهم قرارات ترامب المؤيدة لإسرائيل أُخرِجت إلى العلن في أوقات مُصمَّمة بدقة لخدمة مصالح نتنياهو الانتخابية، مثل قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وقرار الاعتراف بسيطرة إسرائيل على مرتفعات الجولان الذي اتُّخِذَ قبل أسابيع قليلة من انتخابات أبريل/نيسان للعام الماضي 2019 وجرى توقيعه في البيت الأبيض بحضور نتنياهو نفسه، في خطوة نُظِر إليها من قِبل بعض الأوساط الإسرائيلية بوصفها تدخُّلا سافرا في انتخاباتهم.

    

  
لكن الحقيقة أنه رغم الحكمة التقليدية القائلة إن الرؤساء الأميركيين كانوا ينأون بأنفسهم عن التدخل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، فإن أرون ديفيد ميلر، وهو دبلوماسي أميركي سابق عمل في مجال المفاوضات العربية الإسرائيلية لأكثر من عشرين عاما وزميل معهد كارنيجي للسلام الدولي حاليا، يرى أن التدخل الأميركي في السياسة الإسرائيلية لا يُعَدُّ بدعة اختلقها ترامب، وأن العديد من الإدارات الأميركية السابقة على مدار العقود الثلاثة الفائتة قامت بمحاولات متفاوتة من أجل دعم مرشحيها المفضلين في تل أبيب.

  
وقّعت(6) أولى هذه المحاولات وأبرزها أثناء إدارة الرئيس جورج بوش الأب التي كانت تُعاني من علاقات متوترة مع رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إسحاق شامير، فلم يكن بوش يشعر بالرضا عن شامير بسبب تراجعه عن وعوده له بتجميد الاستيطان، وفي المقابل كان شامير ينظر إلى بوش باعتباره ممارسا جامدا للسياسة الواقعية وأنه لا يحمل ارتباطا شخصيا تجاه إسرائيل، ونتيجة لذلك عندما طلب الإسرائيليون من واشنطن مبلغ 10 مليارات دولار كضمانات لقروض الإسكان اللازمة لاستيعاب اليهود السوفييت الذين هاجروا إلى إسرائيل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، فإن بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر رفضا الطلب الإسرائيلي، وحصلا على دعم من الكونغرس لتأجيل النظر في الأمر حتى انتخابات عام 1992، حيث كان بوش يأمل في استخدام ورقة القرض لتعزيز فرص مرشحه المفضل إسحاق رابين معتقدا أنه سيكون شريكا أكثر مرونة في متابعة عملية السلام.

  
آتت مغامرة بوش أُكلها في النهاية، وخسر شامير الانتخابات وتلقّى رابين ضمانات القروض بعد شهرين فقط من انتخابه، وتحوَّلت هذه الواقعة إلى درس يُتَداول في أروقة السياسة الإسرائيلية حول مدى تأثير العلاقات الأميركية الإسرائيلية على فرص المرشحين وتوجهات الناخبين في إسرائيل، وهو درس كاد نتنياهو، النجم الصاعد في أروقة الليكود وقتها، أن يتعلمه بنفسه بالتجربة الصعبة في انتخابات عام 1996، حين خاض منافسة شرسة مع شيمون بيريز الذي تولّى رئاسة الوزراء بعد اغتيال رابين.

    

استوعب نتنياهو جيدا الدروس التاريخية، وأدرك أن العلاقة مع الولايات المتحدة تُعَدُّ أحد المحددات الحاسمة في السياسة الإسرائيلية

  
في ذلك التوقيت، شغل بيل كلينتون البيت الأبيض، ولم يشعر بالوفاق مع نتنياهو الذي كان يراه متغطرسا أكثر من اللازم، ونتيجة لذلك سعى كلينتون لمساعدة بيريز انتخابيا عبر إقناع الرئيس المصري آنذاك "حسني مبارك" بعقد قمة "صناع السلام" التي جمعت بيريز في مشهد سينمائي ملحمي غير مألوف وقتها بجوار القادة العرب، ولاحقا، وقبل أسابيع من الانتخابات، استضاف كلينتون بيريز في البيت الأبيض لمنحه دفعة انتخابية أخرى، وأتى كل ذلك بحسب اعترافات(7) كلينتون نفسه مُقِرًّا في مقابلة عام 1998 أنه حاول مساعدة بيريز لاعتقاده أن انتخابه سيُفيد عملية السلام.

  
لكن التدخل الأميركي لم ينجح، وفاز نتنياهو بالانتخابات بهامش ضئيل، إلا أن ذلك لم يمنع كلينتون من محاولة تشكيل نتائج الانتخابات الإسرائيلية مجددا عام 2001 مقدما الدعم الرمزي لإيهود باراك على حساب أرييل شارون، وساعيا لتوقيع اتفاق سلام تاريخي بين باراك والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خلال الفترة الانتقالية، لكن التدخل الأميركي فشل مجددا بشكل مُذِلٍ هذه المرة بعد أن خسر باراك أمام شارون في أكبر هزيمة سياسية انتخابية في التاريخ الإسرائيلي.

  
وفيما يبدو فإن نتنياهو استوعب جيدا هذه الدروس التاريخية، وهو يدرك أن العلاقة مع الولايات المتحدة تُعَدُّ أحد المحددات الحاسمة في السياسة الإسرائيلية، لذا فإن رئيس الوزراء الأكثر خدمة زمنيا في تاريخ إسرائيل يحرص على الاستفادة من وجود رئيس مؤيد لدولته ولشخصه في البيت الأبيض من أجل تعزيز حظوظه الانتخابية في وقت يواجه فيه اتهامات ضخمة بالفساد تُهدِّد بإنهاء حياته السياسية، مع حالة جمود سياسي اضطرته للذهاب لصناديق الاقتراع ثلاث مرات خلال عام واحد.

    

  
في هذا الإطار يمكن فهم صفقة القرن وتوقيتها إذن، فبالنسبة لترامب ونتنياهو كليهما فإن "صفقة القرن" لا تُعَدُّ خطة سلام حقيقية بقدر ما يمكن اعتبارها خطة علاقات عامة تهدف لتعزيز مواقع ترامب ونتنياهو في الانتخابات القادمة لكليهما، خاصة نتنياهو الذي صار يملك(8) بين يديه اليوم حجة قوية لإقناع الإسرائيليين بأن عليهم تجاهل اتهامات الفساد الموجهة إليه والتركيز على حقيقة أنه بفضل علاقته مع ترامب نجح في إقناع الولايات المتحدة بإعطاء الشرعية للمستوطنات في الضفة، والاعتراف بسيادة إسرائيل على كامل القدس، ولذلك ليس من المستغرب أن نتنياهو وحلفاءه يرغبون في المُضي قُدما في ضمّ المستوطنات والأجزاء الحيوية من وادي الأردن قبيل انتخابات مارس/آذار، حيث يرغب رئيس الوزراء الإسرائيلي في إثبات الثمار الفعلية لصداقته مع ترامب، وتعزيز صورته بوصفه الرجل القادر على تطويع البيت الأبيض لإرادته.

  
ويبدو أن وجهة النظر هذه تجاه صفقة القرن باعتبارها لعبة علاقات عامة انتخابية تلقى رواجا واضحا في إسرائيل، وكما تُشير استطلاعات الرأي الأخيرة فإن نصف الإسرائيليين(9) يعتقدون أن ترامب يسعى من خلال صفقته لمساعدة نتنياهو على الفوز في الانتخابات المقبلة، ويعتقدون أن طرح الصفقة في هذا التوقيت يُعَدُّ تدخُّلا مُتعمَّدا في السياسة الإسرائيلية، مقابل 35% فقط عارضوا هذا الافتراض، غير أن الاستطلاعات لم تُحدِّد بعد بشكل حاسم إذا ما كانت فرص نتنياهو في الفوز بالمزيد من الأصوات تحسّنت بعد طرح الصفقة الأميركية أم لا، وهو ما يتفق معه الدكتور النعامي في حديثه لـ "ميدان"، حيث يرى أنه "لا يوجد حتى الآن ما يؤشر إلى أن طرح الصفقة سوف يؤثر على نتائج الانتخابات، لكنها وفرت بيئة لنتنياهو لنقل تركيز الرأي العام من قضايا الفساد الخاصة به مجددا إلى الوضع الأمني والسياسي".

  
أما على الجهة الأطلسية من الصفقة فإن ترامب يُدرك أن نتنياهو يتمتع بكاريزما وقبول كبيرين لدى اليمين الأميركي بسبب مواقفه المناوئة للإدارات الديمقراطية منذ بيل كلينتون وحتى باراك أوباما، وهو لا يُمانع أن يُقدِّم نفسه كرصيد سياسي لترامب عبر تصوير الحزب الجمهوري باعتباره بطل إسرائيل في أميركا، خاصة في وقت تعرَّض فيه ترامب لمحاولة يائسة طويلة لعزله من قِبل خصومه الديمقراطيين نجا منها أمس بعدما برَّأه مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الجمهورية كما هو مُتوقَّع، وهو وقت تتزايد فيه أيضا الانقسامات حول دعم إسرائيل بين صفوف الحزب الديمقراطي، فضلا عن أن صفقة القرن المزعومة يمكن أن تمنح ترامب فرصة للادّعاء بأنه نجح في تقديم حل "جذري" لصراع فشل جميع الرؤساء الأميركيون في التعامل معه منذ عهد ليندون جونسون (1963-1969).

  

لعبة القرن

  

رغم ذلك، ليس هناك ما يضمن أن مقامرة نتنياهو الانتخابية سيُكتب لها النجاح في النهاية، وكما يُشير الاستطلاع السابق والذي أُجرِيَ بواسطة معهد إسرائيل للديمقراطية (غير حكومي) فإن 32% من الناخبين الإسرائيليين يعتقدون أن التحقيقات المتعلّقة بقضايا الفساد المُتَّهم فيها نتنياهو ستؤثر على قرارهم بشأن التصويت في الانتخابات المقبلة، وبجانب ذلك يبدو أن بيني غانتس زعيم حزب "أزرق – أبيض" ومنافس نتنياهو الرئيس في الانتخابات فطن(10) في الوقت المناسب إلى خطورة الورقة الأميركية التي يلعب بها نتنياهو، لذلك كان حريصا على الذهاب إلى البيت الأبيض لحضور مراسم الإعلان عن الصفقة والحصول على صوره الخاصة مع ترامب، في الوقت الذي تجنّب فيه انتقاد توقيع الإعلان عن الصفقة وأعلن عزمه على الشروع في تطبيقها حال انتُخِب، رغم أن غانتس أعرب في وقت سابق عن أمله بأن الإدارة الأميركية لن تقوم بطرح خطتها للسلام خلال موسم الانتخابات.

  

يتوافق ذلك مع ما ذهبت إليه الدكتورة "هنيدة غانم" مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" في حديثها إلى "ميدان"، مؤكدة أن "غانتز يُظهِر مواقف قريبة من نتنياهو فيما يتعلق بصفقة القرن"، وأن الخلافات بين الرجلين تتعلّق في الحقيقة "بأمور السياسة الداخلية ورغبة نتنياهو في توظيف الصفقة للتغطية على قضايا الفساد"، وهو ما يعضده الدكتور "صالح النعامي" الذي يرى المنافسة بين نتنياهو وغانتز "تدور بالأساس داخل نطاق اليمين الإسرائيلي"، وأن الأخير لا يمكن أن يُخاطر أن يظهر "أقل تشبُّثا من نتنياهو أو ترامب بالمصالح الإسرائيلية".

  
لكن نتنياهو لا يزال يعتقد أن بإمكانه الفوز في الانتخابات والبقاء في مقعد رئيس الوزراء لسنوات قادمة وتغيير القوانين لمنحه الحصانة من الملاحقة القضائية في تهم الفساد الموجَّهة ضده، وهو يأمل أن صفقة ترامب -الذي يعتقد نتنياهو أنه سيبقى في السلطة هو الآخر حتى عام 2024- ستساعده في تحصيل المزيد من المنافع الفورية وكسب ثقة الجماهير وتوسيع قاعدة تحالفاته بما يسمح بتمديد بقائه في السلطة، في مقابل تعهُّد غامض بالاعتراف بدولة فلسطينية مشوَّهة في المستقبل.

    

   

من وجهة نظر نتنياهو وترامب إذن، هناك الكثير من الأسباب لإبقاء الأحلام الموعودة للفلسطينيين بعيدة المنال، وكما يرى(11) "باول بيلار"، الزميل غير المقيم بجامعة جورج تاون والمسؤول التاريخي في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، فإن خطة ترامب تتفق من هذا الوجه فقط مع الإستراتيجية طويلة الأمد للإدارات الأميركية المتعاقبة التي ترسل جميعا -على اختلاف تفاصيلها- رسالة مفادها ألا تدع الفلسطينيين يحصلون على دولة، ولكن أبقِ على حلمهم بالحصول على واحدة قائما دائما، حيث تُعَدُّ هذه هي الطريقة المثلى لجعلهم يقبلون وضعهم الحالي معتقدين أنه مؤقت، وأنه لا يزال بإمكانهم أن يدركوا حلمهم إذا لم يُظهِروا غضبا كبيرا بشأن الوضع الراهن غير المُرضي.

  
ومع ذلك فإن هناك فارقا جوهريا واحدا بين موقف ترامب وموقف نتنياهو فيما يتعلق بصفقة القرن المزعومة، ففي حال قرَّر الفلسطينيون بمعجزة ما ولأيّ سبب القبول بالصفقة فإن ترامب سيكون سعيدا للغاية، فليس هناك ما يمكن أن يهدم صورة الرئيس الأميركي كصانع للصفقات أكثر من استهزاء الفلسطينيين بعرضه ورفضهم له من حيث المبدأ كما يحدث الآن، ويبدو أن ترامب قد لا يمانع حقيقة في منح الفلسطينيين "شبه الدولة الموعودة" بعد مرور أربع سنوات حال قرروا الاستسلام الكامل لصفقته الرديئة، لكن ما نجزم به هو أن نتنياهو ليس مستعدا حتى لمنح الفلسطينيين هذا الخيار الذي صُمِّمَ وفق جميع أهوائه وشروطه، نظرا لأنه يرى ببساطة أن حتى مثل هذه الخطة السيئة هي أكبر بكثير مما يستحقه الفلسطينيون، وأكثر مما تستطيع إسرائيل منحه لهم على الإطلاق، ونظرا لأن هذه الخطة، بكل ما تحمله من انحياز صارخ لإسرائيل، يمكن أن تَدُقَّ إسفينا بينه وبين حلفائه من المستوطنين وفي أحزاب اليمين المتطرف.

    

    
وفقا لذلك، يبدو أن رهان نتنياهو الأفضل هو أن يرفض الفلسطينيون الخطة كما هو الآن، وحينها سيكون بمقدور إسرائيل الاستفادة من جميع امتيازات الصفقة -بدعم من إدارة ترامب- دون تحمُّل أي أعباء تُذكر، فضلا عن تحسين صورتها عبر تقديم نفسها بوصفها الطرف الأكثر حرصا على السلام، وتكريس اتهام الفلسطينيين بوصفهم الطرف الذي يُضيّع الفرص المتتالية لأجل السلام.

  
يُعَدُّ هذا هو السيناريو الوحيد الذي يمكن أن يتمسّك خلاله نتنياهو بخطة ترامب حتى النهاية، فمع كون الخطة تعترف بالواقع الجديد الذي خلقته أفعال الكيان المحتل على مدار العقود الأربعة الماضية وتعفيه من الإدانة على هذه الأفعال ولا تفرض عليه أي التزامات خلال الأعوام المقبلة (باستثناء تجميد بناء المستوطنات الجديدة الذي يمكن أن يلتف عليه نتنياهو في النهاية)، وفي وقت تضع فيه تلك الصفقة جميع الالتزامات على الفلسطينيين فقط تقريبا، رغم ذلك فإن نتنياهو لا يُمانع في إظهار امتثاله لها لبعض الوقت لأنه يعلم أن الفلسطينيين لا يمكن أن يقبلوا بها، وهو يريد أن يترك لهم مهمة رفض "السلام المزعوم" هذه المرة، بدون أن يتحمّل أي عواقب تُذكر حالية أو مستقبلية إن سارت الأمور كما خُطِّط لها.


حول هذه القصة

الاكتشافات الحديثة لحقول الغاز بقدر ما هي فرصة لزيادة التنمية في المنطقة إذا ما وجدت البيئة السياسية الملائمة، فإنها أيضًا تهدد بسلسلة من النزاعات إذا لم تنظِّم الأطراف المعنية خلافاتها

وسط تلك التجاذبات التي امتلأت بها الساحة السودانية عقب لقاء "عبد الفتاح البرهان" بـ"نتنياهو"، نقدم هذا التقرير الذي يسلط الضوء على تاريخ العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية، وكيفية اختراق أنطمة سياسية بالقارة السمراء.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة