مصالحة حقيقية أم سلام بارد.. ما الذي ينتظر الأزمة الخليجية في قمة الرياض؟

في الرابع من ديسمبر/كانون الأول الحالي، فاجأ وزير الخارجية الكويتي العالَم مُعلِنا نجاح بلاده في إجراء محادثات أثمرت اتفاقا مبدئيا لحل الأزمة القائمة داخل مجلس التعاون الخليجي منذ قرابة أربعة أعوام، وتحديدا منذ يونيو/حزيران 2017، حين قطعت دول السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها الدبلوماسية مع دولة قطر بشكل كامل، وفرضت حصارا بريا وبحريا وجويا عليها. وفي الأيام التالية للإعلان الكويتيّ، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين خليجيين تأكيدهم أن القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي، التي كان مقررا عقدها في العاشر من ديسمبر/كانون الأول الحالي، قد أُجِّلت إلى الخامس من يناير/كانون الثاني المقبل من أجل منح الفرصة للإعلان الرسمي عن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الأزمة.

 

بشكل أكثر تحديدا، أشارت التسريبات شبه الرسمية إلى أن القمة الخليجية ربما تشهد الإعلان عن رفع القيود المفروضة على استخدام قطر للمجال الجوي للدول المحاصِرة، جنبا إلى جنب مع تدشين مفاوضات رسمية مباشرة لحل نقاط الخلاف بين الطرفين. كان هذا الاختراق فيما يبدو ثمرة لجهود دبلوماسية مكثفة قادتها الكويت على مدار الأسابيع الماضية برعاية من إدارة ترامب التي ترغب في تسجيل حل الأزمة الخليجية في سجل إنجازاتها الدبلوماسية قبل مغادرة البيت الأبيض مطلع العام المقبل، وهو السبب الذي دفع الإدارة أيضا إلى إيفاد صهر ترامب ومستشاره المقرب جاريد كوشنر إلى الشرق الأوسط مطلع الشهر الحالي لعقد اجتماعين منفصلين مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني للوصول إلى تسوية مبدئية للخلاف.

 

ولكن رغم تلك المؤشرات الإيجابية، هناك الكثير من الأسباب التي تدعو إلى عدم المبالغة في التفاؤل، وتدفع للنظر إلى التطورات الحالية بقدر أكبر من الحذر. فكما هو معلوم، فإن هذه ليست المرة الأولى التي تنجح فيها جهود الوساطة في إحداث اختراقات محدودة في جدار الأزمة الصلب. وقد وقع أبرز هذه الاختراقات خلال النصف الأخير من العام الماضي 2019 الذي شهد مؤشرات إيجابية غير مسبوقة حول قرب الوصول إلى تفاهم خليجي، في مقدمتها حضور رئيس الوزراء القطري السابق عبد الله بن ناصر آل ثاني اجتماع دول مجلس التعاون الخليجي الطارئ في مكة، في مايو/أيار للعام المذكور، لمناقشة المخاوف الأمنية الجماعية لدول الخليج أعقاب الهجمات على ناقلات النفط وخطوط أنابيب النفط السعودية، في زيارة هي الأولى لمسؤول قطري إلى المملكة منذ بدء الحصار.

Qatar's Prime Minister and Interior Minister Sheikh Abdullah bin Nasser bin Khalifa Al Thani attends the Arab summit in Mecca, Saudi Arabia, May 31, 2019. REUTERS/Hamad l Mohammedحضور رئيس الوزراء القطري السابق عبد الله بن ناصر آل ثاني اجتماع دول مجلس التعاون الخليجي الطارئ في مكة، في مايو 2019

لاحقا، تداولت صحف غربية أنباء حول زيارة سرية قام بها وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، كما شهد الشهر ذاته أيضا إعلان السعودية والبحرين والإمارات المشاركة في بطولة كأس الخليج السنوية الرابعة والعشرين لكرة القدم المُقامة في الدوحة رغم حظر السفر المفروض على قطر من قِبَل الدول الثلاث المقاطعة، وأخيرا، جاءت الدعوة التي وجّهها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للمشاركة في القمة الأربعين لمجلس التعاون الخليجي في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه لتُكلِّل علامات التقارب المتواترة آنذاك، ورغم أن أمير قطر اختار عدم حضور القمة بنفسه، فإنه أوفد رئيس وزرائه للحضور حيث حظي باستقبال لافت في الرياض.

 

لكن مؤشرات التقارب تلك سرعان ما انهارت فجأة دون أسباب مُعلَنة دافعة الأزمة مجددا إلى المربع الصفري، وفيما يبدو، فإن عوائق مثل الخلافات الجوهرية حول السياسات، والفجوة الكبيرة في التوقعات خاصة من جانب دول الحصار التي رغبت في الحصول على تنازلات لا تجد قطر نفسها مضطرة إلى تقديمها، فضلا عن التباينات داخل معسكر الحصار نفسه، يبدو أن كل تلك العوائق وغيرها تغلّبت على الدوافع الضعيفة لإنجاز المصالحة في ذلك التوقيت.

 

ورغم سوابق التاريخ القريب غير المُبشِّرة، لا تزال هناك الكثير من الأسباب السياسية والاقتصادية التي توفر أساسا منطقيا لذوبان الجليد المحتمل في العلاقات الخليجية، وتُبرِّر وجود الأمل في أن تشهد القمة المقبلة لمجلس التعاون بداية ذوبانه. فرغم مرور أربعة عقود على تأسيسه فإن مجلس التعاون الخليجي لم يفقد بعد المبرر الأساسي لإنشائه وهو توفير الأمن الجماعي لأعضائه في مواجهة التهديدات الخارجية وضمان استدامة الرفاهيات الاقتصادية لدوله، رغم السياسات الفردية الجائرة والطموحات الشخصية للقادة الصاعدين التي ألحقت أضرارا بالغة بوحدة المجلس، التي تجعلنا نتوقّع اليوم أن الطريق نحو مصالحة خليجية حقيقية لن يكون مفروشا بالورود أو مُمهَّدا بالكامل.

 

عنوان ميدان

غالبا ما يُسلَّط الضوء على حجتين رئيسيتين لتفسير أي ذوبان محتمل للجمود في العلاقات الخليجية. تتخذ الحجة الأولى منهما طابعا جيوسياسيا وتتمحور حول كون كلا طرفَيْ الأزمة، وبشكل أدق الدول المقاطعة، قد أدرك أخيرا أن الحفاظ على مظاهر الوحدة داخل مجلس التعاون الخليجي أفضل بكثير من الانقسام، وأن دول الخليج بحاجة إلى العمل بشكل جماعي من أجل مواجهة التحديات المحدقة بها. ويقول أنصار هذه الحجة إن ما ساعد على الوصول إلى هذا الاستنتاج هو الفوضى الواضحة في سياسات إدارة ترامب تجاه الخليج والمنطقة عموما، بما في ذلك فشله في مواجهة إيران -رغم تشديد العقوبات- والانسحاب المفاجئ من سوريا، فضلا عن تراجع ترامب السريع عن دعمه الأوّلي لموقف دول الحصار المناهض لقطر.

 

ما جعل الأمور أكثر سوءا على صعيد هذه المخاوف هو أن الضغوط على قطر، وبدلا من أن تدفعها لتقليص أو قطع علاقاتها مع إيران، فإنها أجبرتها على تعزيز علاقاتها مع "الجمهورية الإسلامية"، ليس فقط على صعيد التعاون الحتمي في مجال الطاقة بحكم اشتراك البلدين في حقل الشمال الضخم للغاز الطبيعي، ولكن أيضا لأن قطر باتت في حاجة إلى الاعتماد نسبيا على المنتجات القادمة من الأسواق الإيرانية لسد احتياجات السوق المحلي، والأهم أنها كانت مضطرة للاعتماد على المجال الجوي الإيراني لتسيير الرحلات الجوية بعيدا عن أجواء دول الحصار، وهو أمر لم يتسبّب فقط في تعزيز علاقات الدوحة وطهران، ولكنه أثرى الخزائن الإيرانية بأكثر من 133 مليون دولار تدفعها الدوحة سنويا نظير استغلالها لمجال الدولة الفارسية.

 

بخلاف ذلك يبدو أن مزيجا من المصالح المتباينة، والمواقف الأميركية المترددة تجاه إيران على وجه الخصوص، قد أحدث فجوة بائنة فيما بدت للوهلة الأولى قناعات صلبة متفقا عليها داخل تكتل الحصار. فعلى خلاف الموقف السعودي المتشدد على طول الخط تجاه طهران، أظهرت الإمارات إشارات واضحة على رغبتها في تحسين علاقاتها مع الإيرانيين، وأرسلت وفدا من خفر السواحل منتصف العام الماضي لتنسيق التعاون حول الحدود البحرية، كما أعلنت بشكل مفاجئ في فبراير/شباط 2020 سحب قواتها من حرب اليمن، مفضلة رعاية مصالحها من خلال الميليشيات الوكيلة في الجنوب، في خطوة من الواضح أنه لم يجرِ تنسيقها مع السعودية، التي كانت مضطرة في المقابل لتخفيف تعنُّتها وقبول الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع الحوثيين، رغم مواصلتهم استهداف منشآت المملكة وأراضيها بالصواريخ والطائرات المسيرة.

بيد أن قضيتَيْ التعامل مع إيران والملف اليمني لم تكونا السببين الوحيدين للخلاف بين الدول المحاصرة لقطر. وعلى النقيض من الخط المتشدد للإمارات هذه المرة في التعامل مع الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء المنطقة، كان لدى السعودية ومصر استعداد أكبر للفصل بين سياستيهما تجاه الإسلاميين داخل الحدود وخارجها، حيث لم تمانع الرياض على سبيل المثال في التعاون مع حزب الإصلاح اليمني، الفرع المحلي لجماعة الإخوان الذي تعتبره الإمارات خصما لدودا، وبالمثل ظلّت القاهرة ترى أن مصالحها الأمنية ستُخدم بشكل أفضل من خلال إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة. وفي سياق مشابه، أبدت السعودية ومصر في أكثر من مناسبة إشارات حول استعدادهما لتخفيف التوتر مع تركيا في تناقض مع الموقف الإماراتي المتصلب على طول الخط. وكما يبدو فإن هذه الفجوة المتزايدة في السياسات داخل تكتل دول الحصار حول العديد من القضايا والمفاهيم الجوهرية القابعة وراء الأزمة قد أفقدت الكتلة الرباعية الكثير من تماسكها الأيديولوجي.

 

تتخذ الحجة الثانية حول دوافع المصالحة طابعا اقتصاديا على الأغلب، وتتلخّص في تشكيل إجراءات التقشف المالي التي فرضتها دول الخليج بسبب انخفاض أسعار النفط لتحديات خطيرة للأنظمة غير الديمقراطية التي اعتاد مواطنوها على تلقي الرعاية المالية السخية مقابل الولاء السياسي. ويجادل أنصار هذه الحجة بأن الدول التي قطعت الشوط الأطول في فرض تدابير الإصلاح غير الشعبية هي الدول المحاصَرة وعلى رأسها السعودية والبحرين. وفي المقابل فقد استغلت قطر حالة الحظر المفروض عليها لتأجيل تطبيق أي أجندة تقشفية، وتعمّدت عزل المواطنين عن أي تغييرات اقتصادية غير مرغوب فيها.

 

تسبّب هذا التباين في السياسات الاقتصادية في ظهور ثنائية الشرطي الجيد والشرطي السيئ داخل مجلس التعاون الخليجي، ففي حين كان مطلوبا من المواطنين في الرياض والمنامة تقديم تضحيات مالية كبيرة، ظلَّ المواطنون في الدوحة يعيشون في ظل النظام الاقتصادي السابق الأكثر وفرة. ولم تقتصر المشكلة التي خلقها هذا التباين على إظهار بعض الأنظمة بمظهر أقل سخاء من البعض الآخر، لكن الأزمة الحقيقية هي أن العديد من قادة الدول الخليجية باتوا يطالبون مواطنيهم بتضحيات اقتصادية في الوقت الذي ينخرطون فيه في خطط إنفاق باهظة التكلفة وغير خاضعة للرقابة سواء على المغامرات العسكرية الخارجية ودعم وتوظيف الوكلاء، أو حتى على رفاهيتهم الشخصية.

Abu Dhabi's Crown Prince Sheikh Mohammed bin Zayed al-Nahyan meets with Saudi Crown Prince Mohammed bin Salman during the Saudi-UAE Summit in Jeddah, Saudi Arabia, June 6, 2018. Picture taken June 6, 2018. Bandar Algaloud/Courtesy of Saudi Royal Court/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTYولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان

في الوقت نفسه لم تكن الإيرادات القادمة من عمليات الاستثمار والخصخصة كافية لتعويض الخسائر أو زرع الثقة في المواطنين في وجود إدارة اقتصادية سليمة. وعلى عكس ما خططت له الدول المحاصرة، لم تردع الأزمة الخليجية الشركات والمستثمرين عن وضع أموالهم في الأسواق القطرية فحسب، لكنها تسبّبت في إحجامهم عن الاستثمار في المنطقة بأسرها بعدما باتت مُلبّدة بالغيوم السياسية، وكان الدليل الأبرز على ذلك هو الطرح العام الأوّلي الهزيل لشركة أرامكو السعودية الذي قُلِّصَ حجمه بشكل ملحوظ وقُصِرَ اضطرارا على المستثمرين المحليين في منطقة الخليج.

 

سلّط اكتتاب أرامكو تحديدا الضوء على التكلفة الاقتصادية للأزمة الخليجية التي لم تقتصر على قطر وحدها كما كان يأمل محور المقاطعة، بعدما ثبت بالتجربة أن الكثير من دول الحصار تعتمد على رأس المال الأجنبي لتغذية خطط النمو الاقتصادي والتنويع أكثر بكثير من قطر نفسها، بما في ذلك إمارة دبي المرموقة اقتصاديا في دولة الإمارات، التي أدخلها إحجام المستثمرين في دوامة أسوأ تباطؤ اقتصادي منذ الأزمة المالية العالمية عام 2009، تباطؤ أدى إلى توترات واضحة بين النخبة الحاكمة الإماراتية، إلى درجة دفعت حاكم دبي لتوجيه نقد مُبطَّن لسياسة بلاده الخارجية في أغسطس/آب 2019، مُعرِّضا بالتدخلات الخارجية، والسياسات المستنفدة للموارد التي تقودها أبو ظبي.

 

توفر هذه العوامل الجيوسياسية والاقتصادية معا الوقود اللازم لدفع محاولات حل الأزمة الخليجية للأمام، لكن المشكلة أن هذه العوامل لا تؤثر بشكل متساوٍ على جميع الدول المشتبكة في الصراع، ولذا فإنها تخلق مستويات متفاوتة من الإلحاح لمعالجة القضية. وفي الوقت نفسه فإن هناك عوامل أخرى تؤثر على دول بعينها دون البعض الآخر، بشكل يجعلها أكثر حرصا على إتمام المصالحة بشروط أكثر تساهلا، بالمقارنة مع الدول التي تشعر بإلحاح أقل يدفعها للتمسك بشروطها والدفع من أجل الحصول على تنازلات أعمق على طاولة المفاوضات.

epa06068150 Saudi Foreign Minister Adel al-Jubeir (L), UAE Foreign Minister Abdullah bin Zayed al-Nahyan (2L), Egyptian Foreign Minister Sameh Shoukry (C), and Bahraini Foreign Minister Khalid bin Ahmed al-Khalifa (R) attend a press conference after their meeting that discussed the diplomatic situation with Qatar, in Cairo, Egypt, 05 July 2017. The Foreign Ministers meetingis held after Qatar sent a formal letter of response to the 13-points list of demands to the emir of Kuwait, the main mediator in the Gulf crisis, in response to diplomatic and economic sanctions from Saudi Arabia and its allies, Egypt, the United Arab Emirates (UAE) and Bahrain on allegations that Qatar is funding extremism. EPA/KHALED ELFIQI / POOLدول الحصار

عنوان ميدان

من بين دول الحصار الأربعة، تبدو السعودية هي الأكثر حماسا لإعادة العلاقات مع قطر خدمة لمصالحها، مصالح يرتبط معظمها بهوية الرئيس القادم للبيت الأبيض. فمن المُتوقَّع ألا تُنهي إدارة جو بايدن شهر العسل الطويل الذي عاشته الرياض في عهد ترامب فحسب، ولكنها تنوي أيضا سلوك نهج جديد في علاقتها مع إيران، خصم المملكة اللدود. وفي الوقت الذي تمتلك فيه طهران فرصة حقيقية للخروج مجددا من عُزلتها السياسية والاقتصادية والاندماج مع العالم؛ تجد الرياض نفسها مضطرة لإعادة تقييم سياستها الخارجية، ولا يقتصر هذا التقييم على علاقتها مع قطر، ولكنه يشمل تركيا أيضا، حيث تُشير العديد من الإيماءات إلى رغبة الرياض وأنقرة في إعادة العلاقات بينهما إلى مسارها الصحيح.

 

ومما يُسهِّل مهمة المملكة في هذا الصدد أنها، على عكس الإمارات، لا تعتبر قطر منافسا مباشرا لها على الزعامة في العالمين العربي والإسلامي. وعلاوة على ذلك فإن المصالحة مع الدوحة (وتركيا نتيجة لذلك) تبدو مطلبا مُلِحًّا في حال رغبة المملكة بالمُضي قُدما في خطط تطبيع العلاقات مع إسرائيل بأقل قدر ممكن من الضجيج الإعلامي من الدوحة، أو الصخب السياسي المضاد من قِبَل المسؤولين في أنقرة.

 

على النقيض من الموقف السعودي، تُعَدُّ الإمارات هي الطرف الأكثر تعنُّتا ومقاومة لجهود إنهاء الحصار. فرغم كل شيء لا تُعاني أبو ظبي من تداعيات السمعة السيئة التي تطارد الرياض في واشنطن، ومن غير المُرجَّح أن تتعرّض لضغوط كبيرة من الإدارة الديمقراطية حول سجلها الحقوقي، بخلاف نجاحها في ترسيخ حضورها في السياسة الأميركية بعد أن قادت ركب التطبيع العربي مع إسرائيل، وهي قضية تحظى بتأييد واسع في صفوف الحزبين، فضلا عن استفادتها بالتبعية من خدمات اللوبي اليهودي القوي والمؤثر في مسار السياسات في واشنطن، وهي مزايا لا يبدو أن السعودية قادرة على تحصيلها في الوقت الراهن.

epa08671276 (L-R) Bahrain Foreign Affairs Minister Sheikh Khalid Bin Ahmed Al-Khalifa, Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu, US President Donald J. Trump and UAE Foreign Affairs Minister Sheikh Abdullah bin Zayed bin Sultan Al Nahyan during the Abraham Accords signing ceremony, which normalizes relations between the United Arab Emirates and Bahrain with Israel, on the South Lawn of the White House in Washington, DC, USA, 15 September 2020. EPA-EFE/JIM LO SCALZO

بعبارة أخرى، لا تشعر الإمارات أن هناك ضغوطا مُلِحَّة تدفعها لتقديم تنازلات في ملف المصالحة في الوقت الراهن. وكما أشارت دورية إنتلجنس أونلاين الفرنسية فإن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان سافر إلى الرياض في 7 ديسمبر/كانون الأول الحالي لإبلاغ محمد بن سلمان بمعارضته الشديدة لاستئناف الحوار مع قطر، وأن هذا هو موقف القاهرة أيضا، غير أن المصادر أفادت أن كلا الطرفين شرع في تخفيف موقفه خلال الأيام اللاحقة بعد ضغوط أمريكية، حيث أفاد موقع "تاكتيكال ريبورت" أن ولي عهد أبو ظبي أبلغ نظيره السعودي لاحقا أنه سحب تحفظاته على جهود المصالحة، وأن الإمارات لن تسعى إلى عرقلة مسيرة المفاوضات ما دام العاهل السعودي، الملك سلمان، يرغب في حل الأزمة، وبالتوازي مع ذلك بدأت مصر أيضا في تغيير نبرة خطابها بعد اتصال أجراه ترامب مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في العاشر من ديسمبر/كانون الأول الحالي.

 

لكن مباركة الإمارات المتأخرة نسبيا لجهود التفاوض، التي انعكست سريعا على نبرة خطابها الرسمي والإعلامي الذي بدأ يتبنى نبرة تصالحية نسبيا مع الدوحة، لا تعني أن أبو ظبي لديها نية لطيّ صفحة الخلاف الخليجي بشكل كلي، فلا تزال الإمارات تعتبر قطر منافسها الرئيس في المنطقة، وقد كان الهدف الرئيس للحصار من وجهة نظر الإمارات هو إبعاد الدوحة عن التنافس معها في مختلف المجالات بما يشمل الطاقة والنفوذ الإقليمي والنقل والموانئ وخطوط الطيران والتمويل والأعمال والاستثمار، لكن الإمارات في الوقت نفسه حريصة ألا تظهر بمظهر المُفسِد لجهود المصالحة، خاصة أن الملف بات يحتل مرتبة متقدمة في أولويات الإدارتين الأميركيتين الحالية والقادمة.

 

على الجانب القطري، تبدو الأمور مختلفة بعض الشيء، ومن المؤكد أن الدوحة ستكون سعيدة برفع قيود الحصار، حتى ولو لم تعد العلاقات لطبيعتها بشكل كامل، لكن السؤال الجوهري بالنسبة للدوحة يتعلّق بالثمن الذي ستدفعه في المقابل. وكما أشارت الدوحة مرارا فإنها لن تقبل بتقديم أي تنازلات تتعلّق بسيادتها، بما يعني أن مطالبات مثل إغلاق القاعدة العسكرية التركية وقناة الجزيرة أو إحداث تغييرات جوهرية في سياسة البلاد ستبقى بعيدة المنال، خاصة في ظل حالة انعدام الثقة وغياب أي ضمانات حقيقية حول عدم تكرار الأزمة في المستقبل، فضلا عن عدم رغبة الدوحة في التراجع عن المكتسبات التي حقّقتها فيما يتعلّق باستقلال قرارها منذ بداية الأزمة. وعليه، فمن المُرجَّح أن قطر لن تُقدِّم إلا ما ستتعهّد الدول المحاصرة نفسها بتقديمه من وقف للهجوم والتراشق الإعلامي وربما تخفيف علاقاتها مع إيران بالقدر الذي لا يضر مصالحها، مع الانخراط بشكل فاعل في منظومة التدابير الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي.

 

عنوان ميدان

بالنظر إلى ذلك المزيج من الدوافع الباعثة نحو المصالحة، والشكوك المتبادلة التي لن يكون من السهل تجاوزها، والخلافات الجوهرية داخل معسكر الحصار نفسه، يمكننا أن نتوقع ثلاثة مسارات محتملة للمصالحة المنتظرة: الأول هو تكرار السيناريو ذاته الذي وقع العام الماضي، أي تغلب الخلافات وأسباب الشقاق على بواعث التوافق بما يعني عودة الأزمة إلى نقطة البداية مجددا، وهو أمر لا يمكن استبعاده بكل حال، رغم أنه ليس مرجحا بالنظر إلى الضغوط المتزايدة التي تتعرّض لها جميع الأطراف لإنجاز اختراق حقيقي. أما السيناريو الثاني فهو توسع الخلافات داخل تكتل الدول المحاصرة بما يمنعها من الاتفاق على موقف موحد، وفي هذه الحالة فإن السعودية سيتعيّن عليها أن تدخل في مفاوضات منفردة مع قطر متجاهلة اعتراضات شركائها السابقين، ويُعَدُّ هذه السيناريو هو الأكثر بُعدا بالنظر إلى المصالح الوثيقة التي تربط بين الرياض وأبو ظبي، والعلاقات الشخصية التي تربط بين قائدَيْ البلدين، وعدم رغبة السعودية في تقويض ثقة حلفائها، فضلا عن الحاجة السياسية إلى تكتل الحصار للحفاظ على شكل من أشكال الوحدة في المواقف، ولو بشكل ظاهري.

 

في ضوء ذلك، يبقى السيناريو الثالث الذي نُرجِّحه وهو أن القمة الخليجية المقبلة ستشهد على الأغلب إعلانا عن مصالحة محدودة تتجنّب حسم القضايا الشائكة، مع تدشين مفاوضات ماراثونية طويلة لحل الخلاف. ورغم أن هذا الحل لن يوفر لأي طرف المكاسب المأمولة التي يمكن أن تجلبها المصالحة الحقيقية، فإنه سيُخفِّف قدرا لا بأس به من القيود المفروضة على قطر، وسيسمح في الوقت نفسه لدول الحصار بمتابعة وتيرة علاقاتها الخاصة مع الدوحة بالشكل الذي يناسبها دون إراقة ماء وجهها، ودون الحاجة إلى التقيُّد بسياسات باقي الدول داخل التكتل الرباعي.

 

من جانبها، ستكون السعودية قادرة على تقديم بادرة حُسن نية مبكرة إلى الإدارة الديمقراطية الجديدة في البيت الأبيض، أملا في تخفيف الضغوط المتوقعة على المملكة وتحديدا على ابن سلمان في واشنطن، جنبا إلى جنب مع تخفيف حِدَّة التوترات في المنطقة بما يسمح بإعادة الثقة إلى المستثمرين الذين تحتاج الرياض بشدة إلى جذبهم، والأهم من ذلك هو أن المملكة ستكون قادرة على إعادة ضبط علاقاتها مع قطر، والأهم مع تركيا، بالشكل الذي يخدم مصالحها المتغيرة ودون التقيُّد بالسقف السياسي المُتشدِّد الذي فرضته أبو ظبي خلال الأعوام الفائتة.

Saudi King Salman bin Abdulaziz (C) walks with the Emir of Qatar Tamim bin Hamad al-Thani during a welcoming ceremony upon Hamad al-Thani's arrival to attend the Summit of South American-Arab Countries, in Riyadh November 10, 2015. REUTERS/Faisal Al Nasser

على الجانب الإماراتي، ورغم أن أبو ظبي هي صاحبة الدوافع الأقل لحل الأزمة، فإن قبولها لاتفاق شكلي سيُجنِّبها الظهور بمظهر المُفسِد للمصالحة في عيون الإدارة الأميركية الجديدة، وفي الوقت نفسه فإنها ستظل قادرة على تنفيذ أجندتها السياسية الخاصة دون تقديم تنازلات سياسية جوهرية باستثناء فتح المجال الجوي وضمان حرية التنقل، وتخفيف الهجوم الإعلامي على الدوحة، وفي المقابل فإنها ستستفيد بشكل متبادل من التهدئة التي سُتفرَض على الإعلام القطري بموجب الشروط المنتظرة للمصالحة.

 

فيما يتعلّق بمصر والبحرين، فمن الواضح أن الرفض المبدئي للمصالحة من قِبَل البلدين، ومساعي المنامة على التحديد لتعكير الأجواء من خلال تصعيد الهجوم ضد قطر على خلفية النزاع البحري حول الصيد، ينبع بالأساس من النفوذ الذي تمارسه أبو ظبي على سياسات كلا البلدين. فمن جانبه يلمس السيسي بوضوح تضاؤل تأثير الإعلام القطري على المشهد المصري مقارنة بالسنوات الأولى لانقلابه العسكري، خاصة في ظل الحصار الصارم وسياسات الحجب والإغلاق الموسعة التي قلّصت من تأثير الإعلام التقليدي على الساحة المصرية، وأيضا فإن لدى النظام المصري مصلحة في ضمان استقرار أوضاع أكثر من 300 ألف مصري يعملون في الدوحة، أما البحرين، ورغم هشاشتها الواضحة تجاه أي تغطيات إعلامية سلبية بسبب تركيبتها الطائفية الفريدة (نظام سياسي سني يحكم بلدا ذا أغلبية شيعية)، فإن المنامة لم تكن يوما صاحبة موقف مستقل في السياسة الخليجية، وهي تعتمد على السير في ركاب جيرانها الأقوياء في الرياض وأبو ظبي من أجل تأمين مصالحها.

 

تُقدِّم هذه الديناميات المركبة فرصة حقيقية للوصول إلى توافق بين أطراف الأزمة حول شكل من أشكال السلام البارد والمؤقت، لكن هذا الاتفاق المبدئي المُنتظَر سيكون مجرد خطوة على طريق طويل وشائك ومُفخَّخ بألغام المصالح المتضاربة. والأهم أن ذلك التوافق الهش من غير المُرجَّح أن يصبح خطوة على طريق عودة مجلس التعاون الخليجي إلى فاعليته التقليدية. فرغم حاجة الدول الأعضاء في المجلس إلى استعادة مظهر الوحدة، فإن هذه الوحدة الظاهرية لن تفلح طويلا في إخفاء مصالحهم المتباينة، ولن يستغرق الأمر أكثر من بعض الوقت -طال أو قصر- قبل أن يدب الخلاف في أوصال المنظمة التي تتنازع قيادتها اليوم ثلاثة مراكز قوى متباينة في الرياض وأبو ظبي والدوحة، بعد أن كانت تُقاد خلال معظم العقود الأربعة الماضية -بشكل منفرد- بواسطة القابع على عرش الحرمين في السعودية، بلا منازع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عقد موقع “ميدان” مقابلة مطوّلة مع الدكتور أسامة أبو ارشيد حول تزايد الاستقطاب الداخلي بالولايات المتحدة وتأثيره على العرب والمسلمين ومدى التغيّر المرتقب لحضور الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن للحكم.

10/12/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة