أفريل هينز.. القصة المثيرة للسيدة المتناقضة صاحبة أرفع منصب أمني في العالم

من مدينة شيكاغو في أقصى شمال الولايات المتحدة إلى ولاية فلوريدا في أقصى جنوبها؛ بدأت رحلة "أڤريل هينز" مع زوجها ومُدرِّبها على الطيران ديڤيد داڤيغي للبحث عن طائرة صغيرة يقودانها عبر المحيط الأطلسي. لم يكن حلم الطيران الذي راود أڤريل لسنوات بعيدا تماما عن الفيزياء التي درستها في جامعة شيكاغو آنذاك، لكنه احتاج منها إلى الابتعاد قليلا عن الجوانب النظرية التي تخصَّصت فيها، والاتجاه إلى جوانب عملية وتطبيقية، لا سيما حين عثر الزوجان على طائرة من طراز "سِسنا 310" يقارب عمرها الثلاثين عاما، ولا يُمكن الإقلاع بها دون إصلاح نظامها الإلكتروني، وهو ما عكفت عليه أڤريل حتى تسنَّى للزوجين أن يبدآ رحلتهما الأولى نحو إنجلترا.

 

بيد أن رحلتيهما كادت تؤول إلى كارثة حين تعطَّل أحد مُحرِّكَيْ الطائرة بعدما فارقت لتوِّها الأراضي الأميركية، ليبدأ الزوجان بهبوط اضطراري دون أن يعرفا أين سيودي بهما في محيط شاسع. بدت وكأنها نهاية قاسية ومبكِّرة لرحلتيهما، لكن ساحل كندا الغربي الذي ظهر فجأة حال دون وقوع المأساة، وأتاح لهما هبوطا اضطراريا سريعا في بلدة نائية بولاية "نيو فاوندلاند" الكندية المُطلِّة على المحيط.[1]

 

بعد هذه الحادثة، لم تُوقِف هينز مغامراتها، لكنها باتت تبحث عنها على سطح الأرض فحسب، فانتقلت إلى مدينة "بالتيمور" لنيل درجة الدكتوراه في الفيزياء. ومجددا، ستعكف هينز على بث الحياة في شيء قديم، ولكن أكثر إثارة من طائرتها القديمة "سِسنا"، على الأقل في نظر سُكَّان بالتيمور: حانة قديمة اشترتها مع زوجها في مزاد بحيّ "فِلز پوينت" الشهير والمتاخم لميناء بالتيمور التاريخي. وخلال أسابيع تحوَّلت الحانة إلى "مقهى كُتُب أدريان"، وذاع صيته كونه واحدا من أبرز مقاهي المدينة، بل وصار سببا كافيا لتترك هينز الفيزياء نهائيا وتتفرَّغ لشغفها الجديد. وسرعان ما اشتبكت هينز مع مجتمع بالتيمور الواسع لتصبح رئيسة مجتمع أصحاب الأعمال في فِلز پوينت عام 1998،[2] كما انجذبت رويدا أيضا إلى مدار العمل الاجتماعي والقانوني في محيطها، حتى وجَّهت أنظارها نحو واشنطن العاصمة الملاصقة لبالتيمور، فأغلقت المقهى في العام نفسه لتلتحق بكلية القانون في جامعة "جورج تاون".[3]

"أڤريل هينز"

لم تكن حادثة الهبوط الاضطراري في "نيو فاوندلاند" المرة الأولى التي اقتربت فيها هينز من الموت بصورة كارثية، فقد كاد حادث اصطدام سيارة بها أثناء ركوبها دراجتها أن يودي بحياتها أثناء دراستها في شيكاغو، ولعل تلك الحوادث قد منحتها حساسية تجاه الموت، والقتل أيضا، حساسية لازمتها حتى عادت الطائرات تلاحقها في عملها من جديد بعد سنوات، انتقلت فيها من المقهى الضيق والمُفعَم بالحيوية في بالتيمور إلى أروقة البيت الأبيض الشاسعة والرتيبة في واشنطن.

 

كانت الطائرات التي لاحقتها هذه المرة طائرات مُسيَّرة (بدون طيار)، ولم تكن مهمَّة هينز حينها توجيه أيٍّ منها عن بُعد أو صيانتها، بل الأسوأ من ذلك؛ كانت مهمتها التي سهرت عليها لأسابيع هي كبح برنامج الطائرات المُسيَّرة الأميركي، الذي لم يعرف قيودا تُذكَر حتى عام 2013. إذن، حين بدأت هينز دراسة القانون لم تشغلها سوى بالتيمور، ولعل أقصى ما توقعه المحيطون بها أن تصبح عضوا في الكونغرس عن مدينتها، لكن ما إن التحقت بمحاضرات القانون الدولي وحقوق الإنسان حتى وجدت ضالّتها في نهاية المطاف بمجال لا تنتهي مغامراته وتعقيداته في آنٍ واحد، مجال يبدأ بكواليس السياسة وينتهي بعوالم الظلال والجاسوسية.

 

لطالما واجهت هينز صعوبة في دخول ساحات هيمن عليها الرجال بطبيعة الحال، ففي أول أيامها بجامعة شيكاغو لاقت سخرية معتادة من أحد زملائها لكونها الفتاة الوحيدة في قسم الفيزياء المتقدِّمة، إذ سألها ساخرا: "ما الذي تفعلينه هُنا؟"[4]، وحين عيَّنها الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2013 نائبة لمدير الاستخبارات المركزية (السي آي إيه)؛ وجدت هينز نفسها في معقل المؤسسة الأمنية الكبرى التي صنعت أشخاصا أشدَّ شعورا بالاستحقاق لما يملكونه من قوة وسلطة لا تمنحهم تفوُّقا على النساء فقط، بل وعلى العالم كلِّه. وقد اعتادت تجاهل ذلك أثناء مشوارها القصير والدؤوب، من جورج تاون إلى البيت الأبيض، إذ عملت هينز بعد تخرُّجها مسؤولا قانونيا في إحدى مؤسسات القانون الدولي بمدينة "لاهاي" الهولندية، ثم في النيابة العامة الأميركية تحت إشراف أحد القضاة، حتى دخلت مؤسسات الدولة التنفيذية من بوابة وزارة الخارجية عام 2003 كونها محامية في مكتب المستشار القانوني للوزارة، لتتولَّى مهمة شؤون المعاهدات الدولية ثم الشؤون العسكرية السياسية.[5]

في عام 2007 التقت هينز بـ "جو بايدن"، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس وقتها، وانضمت إليها بوصفها نائبة لكبير مستشاري اللجنة عن الحزب الديمقراطي، وما إن أصبح بايدن نائبا لأوباما مطلع عام 2009 حتى بات الطريق مفتوحا أمام سطوع نجم هينز في البيت الأبيض. وبعد عام واحد من بدء رئاسة أوباما، عُيِّنت هينز مساعدا لمستشار شؤون المعاهدات في وزارة الخارجية، ثم اختارها الرئيس نائبا مساعدا له، ونائبا مستشارا لشؤون الأمن القومي في البيت الأبيض. وفي أغسطس/آب 2013 اختيرت هينز نائبة لمدير الاستخبارات المركزية، ثم نائبة لمستشار الأمن القومي في 2015، لتكون أول امرأة تتولّى أيًّا من المنصبين. حينها، سارعت الصُّحف إلى تسليط الضوء على طريقها المُتعرِّجة من الفيزياء إلى الاستخبارات، لا سيما محطة "مقهى أدريان" التي لاقت نقدا وسخرية مُبطَّنة من بعض الصحف، لا لشيء سوى ما عُرِف عن المقهى حينئذ من استضافة صاحبته تجمُّعات قراءة جماعية لروايات مثيرة جنسيا، كما جاء في صحيفة الواشنطن بوست.[6]

 

بيد أن الروايات المُثيرة لم تُعرِقل مسيرة هينز، مَن أعلنها "بايدن" قبل أسبوعين باعتبارها المُرشَّحة لمنصب مدير الاستخبارات الوطنية في إدارته المُقبلة؛ الشخص المسؤول عن الإشراف على مجتمع الاستخبارات والأمن الأميركي كاملا "17 مؤسسة أمنية"، منصب يُتعارف عليه بأنه أرفع منصب أمني عالمي ولم تسبقها إليه امرأة سوى "جينا هاسپِل" نفسها قبل عامين حين عيَّنها الرئيس المنتهية ولايته قريبا دونالد ترامب.

 

كانت لحظة تعيين هاسپِل نُقطة مثيرة للجدل بين هينز وأنصارها من ليبراليي الحزب الديمقراطي من جهة، ويساريّي الحزب الذين لا يُكنِّون لهينز الكثير من التقدير من جهة أخرى. وقد وقعت آخر الحوادث المثيرة للجدل قبل عامين تحديدا، حين خرجت هينز مُشيدة بقرار ترامب بتعيين هاسپِل مديرة للاستخبارات، رُغم دور الأخيرة في تدمير تسجيلات فيديو تُظهِر تعذيب معتقلين منتمين لتنظيم القاعدة على يد جنود أميركيين، بل واحتمالية ضلوعها أو علمها المباشر بها، إذ أشرفت هاسپِل بنفسها على مركز اعتقال موجود في تايلاند حين تعرَّض أحد مسجونيه بالفعل للتعذيب.[7] ولم يكن دعم هينز لترشيح ترامب وحده السبب في توتُّر علاقاتها بيسار الحزب الديمقراطي، بل تُضاف إليه واقعة أخرى جرت قبل ستة أعوام، ويُعتقَد أنها تدل مجددا على اتجاه هينز المحافظ مؤسسيا، وأن حساسيتها تجاه القتل لا تنضوي بالضرورة على حساسية مماثلة تجاه التعذيب.

في عام 2014 اتُّهم عشرة من موظفي الاستخبارات المركزية باختراق أجهزة الحاسوب الخاصة بأعضاء لجنة الاستخبارات التشريعية التابعة للكونغرس، حواسيب تحتوي على وثائق وملفات مُتعلِّقة بضلوع موظفين استخباراتيين في احتجاز معتقلين وتعذيبهم، وقد فتح المفتش العام على أجهزة الاستخبارات بنفسه التحقيقات في الواقعة، وشكَّل هيئة محاسبة ليلقى المتهمون جزاءهم، وعُيِّنت هينز مُشرفة عليها. وللمفاجأة، برَّأت الهيئة أي موظف بالاستخبارات من الضلوع في أي فعل مخالف للقانون، لتقوم على الناحية الأخرى عاصفة تشريعية من الديمقراطيين للتعبير عن الاستياء من قرارات الهيئة، أبرزها بالطبع لعضوة الكونغرس "ديان فينشتين" رئيسة لجنة الاستخبارات المُختَرَقة آنذاك، إذ قالت إن التقرير النهائي حوى أخطاء وأخفى معلومات في مواضع عدة، وأنها تواصلت مع رئيس الهيئة لتصحيحها، الذي وعدها بدوره بتصحيح الأخطاء ثم أخلف وعده فيما بعد.[8] وقد خرجت هينز آنذاك مُعلِنة رفضها المبدئي للتعذيب، لكنها دعمت في الوقت نفسه موظفين رأت هي، بالاتفاق مع الهيئة، أنهم لم يرتبكوا مخالفة للقانون الأميركي، واتفقت هينز مع ما جاء في تقريرها النهائي.

 

ورغم كل ذلك، لا يقف ليبراليّو الحزب الديمقراطي كثيرا عند مواقف هينز المؤيدة للمؤسسة الأمنية والاستخباراتية، ودعمها لموظفي الاستخبارات ولجينا هاسپِل، بل يرتكز دعمهم لها بالأساس على جهودها في كبح برنامج الطائرات المُسيَّرة بعد توليها منصب نائب مدير الاستخبارات، فقد عُرِفَت هينز خلال فترة أوباما الثانية بمعارضتها للنطاق الواسع لبرنامج الطائرات المُسيَّرة، وأنها شكَّلت "صوتا لكبح كل ما يتعلَّق بمواجهة الإرهاب" كما يقول عنها مستشار قانوني سابق بوزارة الخارجية، إذ يُشير إلى ضغطها لكيلا تُشَنّ هجمات بالطائرات المُسيرة إلا بعد استيفاء شروط محددة: "لقد كانت تقول بشجاعة ’لا لن نفعل هذا، إنه أمر غير قانوني‘" حد تعبيره.[9]

 

نجمت عن تلك الجهود قيود قانونية على غارات تلك الطائرات بعد عام 2013 نصَّت بوضوح على ضرورة التيقُّن من هوية الأشخاص المستهدفين بغارة محددة، وألّا تكون هنالك خسائر بين المدنيين. لم تنجح تلك القيود القانونية تماما بطبيعة الحال كما تشي أرقام الضحايا المستمرة حتى اليوم، لكن الإحصاءات تُظهِر انخفاضا في الاعتماد على الطائرات المسيرة عموما بسبب القيود القانونية الجديدة. فعلى سبيل المثال بلغت تلك الغارات على باكستان 122 غارة في عام 2010 بمفرده، في حين وقفت عند 61 غارة فقط خلال فترة أوباما الثانية كلها (2012-2016). [10]

لدى هينز أيضا مواقف ليبرالية فيما يتعلَّق باللاجئين السوريين والسماح بدخولهم إلى الولايات المتحدة، وكذلك بخصوص مُعتقَل غوانتانامو الذي مارَست ضغوطا للإفراج عن معتقلين فيه. تختلط إذن كما تبيّن معنا خيوط عدة بين مبادئها الليبرالية المُنصبَّة على كبح آثار المنظومة الأمنية الأميركية في جوانبها المظلمة، والواقعة على عاتق أبرياء معتقلين أو آخرين مُعرَّضين للقتل بالطائرات المُسيَّرة في أي مكان بالعالم، وبين مواقفها البراغماتية المحافظة المرتكزة على حماية المؤسسات من داخلها، وحماية رجالها من الهجمات المتكررة القانونية، حتى ولو كانت هجمات مشروعة تخُصُّ تجاوزهم لصلاحياتهم، واختراقهم لعمل السلطة التشريعية. يمكن القول هنا إن المبادئ الليبرالية مُستقاة من القانون الدولي وحقوق الإنسان اللذين درستهما في جورج تاون، ويُعضِّدها كونها امرأة من خلفية غير محافظة على الإطلاق، فهي بنت مدن الشمال والشرق الكبرى نيويورك وشيكاغو وبالتيمور في نهاية المطاف، أما مواقفها المحافظة فتحوي انتماء قويا ومنضبطا للمؤسسة الأميركية، انتماء لا يعبأ كثيرا بالاختلافات الحزبية والأيديولوجيا التي ينبغي للحزب الديمقراطي تمثيلها؛ وهو اتجاه يختلف عمَّا يطمح له يساريّو الحزب الديمقراطي من مواجهة مؤسسية مفتوحة مع النظام الأمني القائم منذ عقود.

 

هي "ليبرالية براغماتية" إذن كما وصفتها مجلة "نيوزويك"، وخارجة عن المألوف بالنسبة لرجال المؤسسة الأمنية بما يكفي لتُشكِّل تحديا لهم، لكنها بعيدة عن أن تكون تحديا للخطوط العريضة التي أُرسيت بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ولا يُدلِّل على ذلك أكثر من نشاطها بعد خروجها من البيت الأبيض عام 2017، نشاط أثار حفيظة يسار الحزب الديمقراطي وتململا خفيا بين أنصارها من الليبراليين، ودفعها لأن تُخفي بنفسها جزءا من سيرتها الذاتية بعد انضمامها لفريق جو بايدن الانتخابي الصيف الماضي. لقد سلكت هينز في السنوات القليلة الماضية مسارا جديدا، لم يعد مُتعرِّجا كما كان في شبابها قبل الوصول إلى واشنطن، بل بات أشبه بالدوران في دائرة كاملة مغلقة.

 

لم يمضِ وقت طويل على اندلاع غزو أفغانستان والعراق حتى قرّر بيتر ثيل، رجل الأعمال والشريك المؤسس لموقع "پاي پال" الشهير، أن يؤسس شركة جديدة لخوض مجال تحليل البيانات الضخمة (Big Data Analytics)، واختار بيتر اسم "پالانتير" لشركته، وهو اسم مستوحى من رواية "ملك الخواتم" (Lord Of The Rings)، إذ كانت پالانتير كرة كريستالية تُستخدم للتواصل والنظر عبر الماضي والمستقبل معا. وقد اجتذبت الشركة سريعا نُخبة من المهندسين والمبرمجين في وادي السيليكون، وصارت واحدة من المتعاقدين باستمرار مع وزارة الدفاع والمؤسسات الأمنية في واشنطن، ولقيت رسومات (جرافيكس) الشركة البسيطة رواجا بين مسؤولي الاستخبارات والقوات الخاصة الذين "وقَعوا في غرامها" كما يُشير موقع "بلومبرغ".

رجل الأعمال " بيتر ثيل" و الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"

بخيوط رفيعة تُخفي برمجيات معقَّدة، تكشف رسومات الشركة عن كل ما يتعلَّق بأي شخص تملك بياناته، ويشمل ذلك سجلات هاتفه ومنشوراته على فيسبوك وملفاته المالية وغيرها. أثبتت "پالانتير" كفاءة لمستخدميها من العسكريين الأميركيين في أثناء ذروة المعارك في العراق وأفغانستان، إذ ساعدتهم على تعقُّب خصومهم وتجنُّب السيارات المفخَّخة، كما تستخدمها وزارة الأمن الداخلي لإبقاء المهاجرين تحت النظر.[11]

 

تجذب "پالانتير" الأنظار باستمرار بسبب صعودها السريع في عالم التعاقدات الكبرى مع المؤسسات الفيدرالية، ونظرا لآراء صاحبها المثيرة للجدل أيضا، فعلى عكس معظم أقرانه في عالم وادي سيليكون المنحاز للحزب الديمقراطي، لا ينفك ثيل يُعبِّر عن مواقفه السياسية اليمينية ويُنفِق على دعايات الحزب الجمهوري، وشمل ذلك دعما مفتوحا لدونالد ترامب خلال حملته الانتخابية، ليصير الداعم الأهم لترامب في وادي السيليكون كما يصفه موقع "كوارتز".[12] ومستمسكا بالحُجَج نفسها التي شكَّلت منابر داعمي ترامب في سنواته الأربع، إذ يرى ثيل أعداءه مُتمثِّلين في الصين الصاعدة اقتصاديا، ومفهوم "التجارة الحرة" الذي سمح لبكين بالتمدُّد، وفي منظومة الجامعات الأميركية التي ترعى الصوابية السياسية والليبرالية، وفي عمالقة وادي السيليكون وأبرزهم شركة "غوغل"، التي يَعُدُّ نفسه مناوئا لها رُغم عضويته الفعلية في عالمها. وحين شرع ترامب في سياساته المضادة للمهاجرين، منحه ثيل دعمه المفتوح، وساعد عبر شركته في تطبيق برنامج احتجاز المهاجرين غير الشرعيين الذي لقي معارضة شديدة من الديمقراطيين بيسارييهم وليبرالييهم على السواء.[13]

 

بيد أن أڤريل هينز، الديمقراطية كما يُفترَض، عملت مستشارة لشركة "پالانتير" حتى وقت قريب، أو على الأقل حتى قرَّر موقع مركز "بروكينغز" للدراسات أن يمحو جزءا من سيرتها الذاتية الموجودة عليه بعد أيام قليلة من إعلان انضمامها لفريق جو بايدن، كما يُشير موقع "ذا إنترسبت" الشهير، إذ أُشير إليها على صفحة الموقع الخاصة بها بأنها تعمل لصالح "پالانتير" حتى العشرين من يونيو/حزيران، وهو ما تبعه إزالة تلك الجملة بعد خمسة أيام فقط.[14] ولا نعرف على وجه الدقة طبيعة العمل الذي قدّمته هينز للشركة، لكنّ مصدرا على علم بطبيعة عملها يقول إنها قدّمت استشارات بخصوص التنوُّع ودور المرأة في قطاع التكنولوجيا وفق ما جاء على موقع "إن بي سي"، لكن في ضوء تاريخها من العمل مع المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وخبرتها القانونية الدقيقة، وثقل مناصبها السابقة، يصعُب تصوُّر اقتصار دورها على تلك الاستشارات فحسب.[15]

تملك هينز وجوها وقدرات عديدة إذن، فهي قادرة على الإقلاع بطائرة، وتأسيس مقهى ناجح، واختراق أشد عوالم الرجال صلابة، والدفاع عن اللاجئين في إدارة رئيس ديمقراطي، والتعاون مع شركة عملت على احتجازهم مع إدارة رئيس جمهوري، وكبح برنامج الطائرات المُسيَّرة لحماية المدنيين، ثم منح الحماية -غير المُستحقة- لموظفي الاستخبارات الأميركية ليباشروا عملهم المفضَّل. سجل معقَّد ومليء بالتناقضات، تماما مثل مسار صاحبته البراغماتي الذي قادها في الأخير إلى أن تكون مُرشَّحة للجلوس على عرش مجتمع الاستخبارات الأميركية.

 

وفي طَوْر برنامج بايدن لكَنس آثار رئاسة ترامب، ستكون الولايات المتحدة على موعد مع عودة المياه إلى مجاريها بين وادي السيليكون وواشنطن العاصمة، بما يكفُل تعزيز التعاون المستمر بينهما في مجال البيانات الضخمة وتطبيقاتها الأمنية دون مواربة، وستكون هينز في القلب من تلك الملفات كافة.

 

ستعكف هينز -كما اعتادت دوما- على ضمان الانضباط القانوني لتلك الممارسات، وصياغة شروط واضحة لها بدلا من ممارستها دون قيود، وحماية مَن يمارس سلطاته دون قوانين دقيقة حاكمة حتى تُصاغ حزمة تشريعات مخصصة له، كبعض فِرَق الاستخبارات الخاصة، وقد تبدو تلك وصفة كافية لرسم ملامح مؤسسة ديمقراطية كلاسيكية خالية من السطوات الشخصية والعشوائية التي جسَّدها ترامب، لكنها لن ترقى أبدا لتكون ما يريده يسار الحزب الديمقراطي من خلق مؤسسة بمفاهيم جديدة قانونية عن الأمن والاستخبارات بعيدا عن عالم سبتمبر/أيلول 2001 شديد الشراسة المستمر للآن. وعلى رأس مؤسسة الاستخبارات، ستُمارس هينز عملها المُفضَّل؛ إصلاح الأعطاب بكفاءة شديدة لتعود الحياة إلى نظام قديم، كما فعلت مع طائرة "سِسنا"، وصُنع حلة جديدة لكل ما يقع تحت يديها، كما فعلت مع مقهي "أدريان". أما محاولة هدم القديم بدلا من تأييد أساساته، مهما تراكمت آفاته، فهي سمة لم تعرفها هينز، ويبدو أنها لن تعرفها أبدا.

————————————————————————————

المصادر

  1. The Winding Journey Of Avril Haines, Biden’s Pick To Lead U.S. Intelligence
  2. Fells Point debates tax to add desired services Benefits: Homeowners and merchants want a safer, cleaner neighborhood. But some residents don’t think they can afford a community district levy
  3. Avril Haines, The Least Likely Spy
  4. Avril Haines, The Least Likely Spy
  5. International Law: A Man’s World?
  6. avril haines new cia 2 ran indie bookstore remembered for 90s erotica nights
  7. cia director nominee haspel and destruction of interrogation tapes contradictions and questions
  8. The Google Search That Made the CIA Spy on the US Senate
  9. The Proxy War Over a Top Biden Adviser
  10. The Proxy War Over a Top Biden Adviser
  11. Palantir Knows Everything About You
  12. Peter Thiel is no longer affiliated with star accelerator Y Combinator
  13. Peter Thiel Explains the New ‘National Conservatism’
  14. CONTROVERSIAL DATA-MINING FIRM PALANTIR VANISHES FROM BIDEN ADVISER’S BIOGRAPHY AFTER SHE JOINS CAMPAIGN
  15. Biden picks Avril Haines as director of national intelligence
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة