"سباق الدبابير".. كيف ستسيطر "الدرونز" على سباق التسلح العالمي؟

 

تتناول المقالة التالية من "فورين أفّيرز" الأميركية التقدُّم الصيني في مجال الطائرات المسيّرة المسلّحة، واخترنا الإشارة إليها "بالمسيّرات" بديلا عن "الدرونز". في وقت كانت الصين تعمل بشكل متزايد لتوسعة شبكة زبائنها في هذا السوق كانت الولايات المتحدة متأخرة في السباق بسبب لوائح وتنظيمات تُعرِقل بيع هذا السلاح الفتّاك للدول الديمقراطية وغير الديمقراطية على حدٍّ سواء. ظل الأمر كذلك حتى جاء ترامب وأعاد تفسير القانون بما يرفع القيود عن المُصنّع الأميركي ويمنحه حرية أكبر في البيع. هذا التسابق المتسارع على الزبائن يُنذِر بشكل جديد من الحرب يقول المؤلفون إنّه سيُخفِّف من وقع الخسائر في الحروب والصراعات. لكن هل الأمر ممكن حقا؟

 

حرب الطائرات المسيّرة هي أحد أبرز تطورات الأمن الدولي للقرن الحادي والعشرين، وقد شنّت الولايات المتحدة آلافا من ضربات هذه الطائرات، تتراوح من الهجوم ضدّ أطراف غير دولتيّة مثل القاعدة إلى العمليّة التي أُجريت في يناير/كانون الثاني المنصرم بمقتل القائد العام للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني. تركيا هي الأخرى نشرت مسيّراتها المسلحة داخليا ضد حزب العمال الكردستاني، ونيجيريا ضدّ بوكو حرام، والعراق ضد تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، ونفّذت السعودية والإمارات هجمات وحشية في ليبيا واليمن باستخدام المسيّرات، وخلال الأسابيع الماضية فحسب، استخدمت أذربيجان المسيّرات المسلحة بتأثير فعال إلى حدٍّ ما في الحرب ضد أرمينيا لا سيما ضد المدرّعات والمدفعيّة.

 

المسيّرات المسلّحة متزايدة الانتشار، وبالتبعية فمن المُرجَّح لمعارك هذه الطائرات أن تصبح أكثر شيوعا في السنوات القادمة. يُظهِر بحثنا أن 18 بلدا قد حصل على المسيّرات المسلحة بين عامي 2011-2019. وعلى النقيض من ذلك، فقبل عام 2011 كانت هناك 3 بلدان فقط لديها مسيّرات مسلحة، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل.

epa07169913 A 1:16 scale model of the MQ-9 Reaper Variant drone is seen during an announcement at the Edinburgh Air Force Base in Adelaide, South Australia, Australia, 16 November 2018. Australian Minister for Defence Christopher Pyne has announced the selection of General Atomics to supply the MQ-9 Reaper Variant drone to the Australian Defence Force (ADF) to support the capability requirements of the Royal Australian Air Force (RAAF). EPA-EFE/KELLY BARNES AUSTRALIA AND NEW ZEALAND OUTنموذج مصغر للطائرة بدون طيار MQ-9 Reaper Variant

وتصادف الصعود المتسارع في نشر المسيّرات مع صعود الصين بوصفها مُزوِّدا رئيسيا. من عام 2011 إلى عام 2019، تزوّد 11 بلدا من بين البلدان الـ 18 التي تتبّعناها بالمسيّرات المقاتلة من الصين. وبالعكس خلال الفترة نفسها، صدّرت الولايات المتحدة مسيّراتها المقاتلة إلى بلد واحد فقط هو فرنسا. مع انتشار المسيّرات المسلحة ومجيء إدارة جديدة في واشنطن، سيكون على الولايات المتحدة أن تُجيب عن أسئلة صعبة تتعلّق بما إذا كانت مستعدة لبيع تكنولوجيا مسيّراتها المتطورة، ولأي طرف.

 

تمتلك الولايات المتحدة الأميركية أكثر المسيّرات تقدُّما في العالم والعديد من المشترين المهتمّين بها، لكنّ نظاما لمراقبة الصادرات أُسِّس في عام 1987 يحدّ بشدة من قدرتها على بيع مسيّراتها المسلحة. أُسِّس نظام ضبط تكنولوجيا الصواريخ خلال الحرب الباردة بهدف الحدّ من انتشار الصواريخ التي يُمكن أن تحمل أسلحة دمار شامل. وتحت هذا النظام، فإن الولايات المتحدة مُلزَمة في معظم الحالات بأن تتجنَّب بيع أنظمة الفئة الأولى، وهي الصواريخ التي تقطع مسافة تزيدُ على 300 كيلومتر وتكون مُحمَّلة بأكثر من 500 كيلوغرام من الذخيرة.

 

كان يُفترض بالنظام أن يُنظِّم عمل الصواريخ ذات الاتّجاه الواحد لا الطائرات، لكن في عام 1987 عُدَّت المسيرات قريبة من الصواريخ لأنّها صُمِّمت لمهام الاتجاه الواحد إما بهدف اختبار دقة الصواريخ أو مهامّ المراقبة عن كثب. لكن المسيرات الحديثة أقرب للطائرات بما أنّها تُحلِّق في الهواء لساعات أو أيام في كل مرة ومن ثم تعود إلى القاعدة، لكنها تظل رغم ذلك مقيدة بنظام عام 1987. وبالتبعية، وطيلة فترة طويلة من العقد الأخير، كانت الولايات المتحدة أبطأ في دخول السوق، في وقت بدأ فيه الصين وآخرون تصدير مسيّراتهم المقاتلة.

A military vehicle carrying an unmanned aerial vehicle (UAV) travels past Tiananmen Square during the military parade marking the 70th founding anniversary of People's Republic of China, on its National Day in Beijing, China October 1, 2019. REUTERS/Thomas Peterعربة عسكرية تحمل مركبة جوية بدون طيار

عنوان ميدان

القيود الأميركيّة أثَّرت بقوّة ودون قصد في أي البلدان تستطيع التزوُّد بالمسيرات المسلّحة. وتزعم الصين أن أنظمتها القابلة للتصدير إنما تقع دون معيار الفئة الأولى لنظام 1987. إضافة إلى ذلك، فمع أن الصين تقول إنّها تتبع تلك المعايير، فإنّها ليست عضوا رسميا في النظام، وهي بالتبعية أكثر حريّة في اختيار الأسواق التي تُصدِّر إليها مسيّراتها. وقليل من هذه البلدان ديمقراطيّ، فمن بين 11 بلدا تزوّدت بالمسيّرات المسلّحة من الصين مثل مصر وأوزبكستان فإن تسعة بلدان كانت غير ديمقراطيّة خلال العام الأول من عمليات الشراء. وبشكل أوسع، فقد تزوّدت البلدان غير الديمقراطية بالمسيّرات المسلحة بوتيرة أكبر بثماني مرات من البلدان غير الديمقراطية بين عامي 2011-2019، بحسب البحث الذي أجريناه.

 

أحد الأسباب التي رفعت احتمال تزوُّد الدول غير الديمقراطية بالمسيّرات المسلّحة خلال هذه الفترة مقارنة بالولايات المتحدة هو أن الصين تفرض قيودا أقلّ نسبيا على كيفية استخدام المتزوّدين بالأسلحة التي يستوردونها، وبالتالي يمتلك المتزودون بها حرية استخدام الأسلحة وفق ما يناسبهم، حتى وإن كان القيام بالأمر ينتهك القانون الدولي وحقوق الإنسان. وكما قال جو غوانجو، وهو قائد عام متقاعد في جيش التحرير الشعبي الصيني، فإنّ إحدى الأفضليات الكبرى التي تستخدمها الصين في بيع الأسلحة هي أنها "لا تفرض مطالب تمس أوضاع الحكومات الأخرى أو سياساتها الداخلية"، بالمقارنة تقول سياسة الولايات المتحدة لتصدير المسيرات عام 2015 إنها تشترط على المتزوّدين "استخدام هذه الأنظمة بما يتسق مع القانون الدولي بما فيه القانون الإنساني العالمي وقانون حقوق الإنسان العالمي"، وألّا "تستخدم المقاتلات الجوية غير المأهولة في تنفيذ أعمال مراقبة خارجة عن القانون أو كقوّةٍ غير قانونيّة ضد سكّانها المحليين"، وحتّى حليف أميركي وثيق مثل فرنسا كان بحاجة إلى إذن الولايات المتحدة لتشغيل مسيّرات "MQ-9" عند مرحلة من المراحل. وتحتفظ الولايات المتحدة بأفضليّة وقف التزويد بالقطع البديلة والذخيرة في حال فشل تلك البلدان بالامتثال لهذه القواعد.

An MQ-9 Reaper remotely piloted drone aircraft performs aerial maneuvers over Creech Air Force Base, Nevada, U.S., June 25, 2015. Picture taken June 25, 2015. U.S. Air Force/Senior Airman Cory D. Payne/Handout via REUTERS ATENTION EDITORS - THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. FOR EDITORIAL USE ONLY. NOT FOR SALE FOR MARKETING OR ADVERTISING CAMPAIGNSطائرة بدون طيار من طراز MQ-9 Reaper

لهذه الأسباب، انتشرت المُسيّرات بأعداد أكبر بكثير من الصين مقارنة بالولايات المتحدة، وحمل التفاوتُ في هذا النمط عواقب وخيمة، فالقيود الأميركيّة على صادرات المُسيَّرات لم تمنع انتشار الأسلحة. وبدلا من ذلك، فإنها وضعت تحالف الدول الديمقراطيّة مع الولايات المتحدة في موقف لا تُحسَد عليه مقارنة بالأنظمة غير الديمقراطية فيما يخص التزوُّد بالمسيّرات المسلحة. في غضون ذلك، استخدمت الصين صادرات المسيّرات لبناء علاقات دفاعية مع الدول في جميع أنحاء العالم بما في ذلك مع شركاء الولايات المتحدة. على سبيل المثال، رفضت الولايات المتحدة طلبات الحصول على المسيّرات من الأردن والعراق والإمارات والسعودية، وتزوّدت هذه الدول بالمسيّرات المسلحة الصينية بدلا من ذلك.

 

عنوان ميدان

استجابة لهذه الديناميكيات غير المواتية، قرّرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوليو/تمّوز عام 2020 "إعادة تفسير" نظام عام 1987. وسوف تُصنَّفُ المُسيَّرات التي تسير بسرعة أقل من 800 كم/س مثل طائرتَيْ "Predator " و"Reaper" التابعتيْن لشركة "General Atomics" ضمن أنظمة الفئة الثانية، مما يسهل تصديرها. منذ تغيير السياسة، أخطرت إدارة ترامب الكونغرس بأنها وافقت على بيع طائرات بدون طيار مسلحة إلى تايوان والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب ضغوط وزير الخارجية مايك بومبيو ثم وزير الدفاع مارك إسبر على الهند لشراء مسيّرات مسلحة من الولايات المتحدة.

epa04625812 (FILE) An undated handout picture by the US Air Force shows a MQ-1 Predator unmanned aircraft in flight at an undiclosed location. According to a statement released by the US State Department on 17 February 2015, the US will begin selling armed drones to certain allies and friendly nations. The policy change follows recent Chinese exports of drones to at least 9 countries, according to reports. EPA/LT. COL. LESLIE PRATT / HANDOUT HANDOUT EDITORIAL USE ONLYطائرة بدون طيار من طراز MQ-1 Predator

من المُرجَّح أن يؤدي الاستعداد الأميركي لتصدير المسيّرات المسلحة إلى انكماش الميزة التي تتمتع بها الأنظمة غير الديمقراطية على الديمقراطيات في سوق المسيّرات. ومن المُرجَّح أن تتزايد وتيرة انتشارها الإجمالية. كما زاد الموردون المحتملون الآخرون مثل تركيا من مبيعاتهم في السنوات الأخيرة، وسيُساهمون في انتشار المسيّرات على نطاق أوسع. على سبيل المثال، استخدمت أذربيجان مسيّرات تركية الصنع لشن غارات جوية في حربها مع أرمينيا.

 

عنوان ميدان

مع أن وتيرة الهجمات التي تشنّها المسيرات قد تزداد في المستقبل القريب مع حصول المزيد من البلدان والجهات الفاعلة غير الحكومية على مسيّرات مسلحة، فإن الخطورة الإجمالية للتهديد الذي تُشكِّله لا تزال منخفضة نسبيا، على الأقل في الوقت الحالي.

 

إنْ رُصِدت، فمن السهل نسبيا إسقاط المسيّرات من الجيل الحالي مقارنة بالطائرات المأهولة، لأنها أبطأ وأقل قدرة على المناورة وغير قادرة عادة على الدفاع عن نفسها. إيران وسوريا والحوثيون أسقطوا مسيّرات أميركية، ولذا تمتلك مسيّرات الجيل الحالي فائدة محدودة في المجال الجوي المُتنازَع عليه، وقد لا تكون ذات قيمة في صراع بين القوى العسكرية المتطورة. ومع ذلك، فإن العديد من الجيوش عُرضة لضربات هذه الطائرات كما علمت أرمينيا من الهجمات الأذربيجانية على أنظمة الدفاع الجوي التي تعود إلى الحقبة السوفيتية. إن التكنولوجيا التي تُمكِّن المسيّرات من الدفاع عن نفسها أو أن تطغى على دفاعات العدو وإلحاق الهزيمة بها يمكن أن تجعل هذه الأسلحة أكثر فعالية في المستقبل.

تُشير بعض الأبحاث إلى أن استخدام المسيّرات يمكن أن يؤدي إلى الاستقرار في بعض الحالات، وأظهرت المناورات الحربية التجريبية أن صُنّاع القرار العسكري يُفضِّلون على الأرجح ردودا عسكرية عدوانية على إسقاط طائرة مأهولة أكثر مما هو الأمر في حالة طائرة مسيّرة. من أجل مثال ملموس، ضع في اعتبارك قرار الرئيس ترامب في 19 يونيو/حزيران بالتراجع عن شن غارات جوية ضد إيران بعد أن أسقطت طائرة الاستطلاع المسيّرة "RQ-4 Global Hawk" بقيمة 130 مليون دولار. لتبرير قراره، غرّد ترامب على تويتر أن الرد بضربات جوية "لا يتناسب مع إسقاط طائرة مسيّرة".

 

مع أن التأثير طويل المدى لهذه التكنولوجيا العسكرية غير معروف بعد، فمن الواضح أن الجني قد خرج من القمقم، وأن المسيّرات المسلحة تنتشر بسرعة، وبالتالي تلوح في الأفق أسئلة كبيرة حول انتشار المسيّرات بالنسبة لإدارة بايدن القادمة. يمكن للرئيس جو بايدن إعادة القيود التي كانت مفروضة في عهد أوباما على صادرات المسيّرات الأميركية والتنازل مرة أخرى عن السوق للصين. ومن جهة أخرى، فقد تُقرِّر إدارة بايدن ألّا عودة للوراء، حيث أصبحت المسيّرات سمة أكثر انتظاما في الحرب. وبإمكان الإدارة الجديدة أيضا أن تأتي بحلّ وسط، واستعادة مستوى أعلى إلى حدٍّ ما من التدقيق في صادرات المسيّرات، مع جعلها في متناول الحلفاء المقربين وخاصة الدول الديمقراطيّة.

——————————————————————————————–

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

مناورات عسكرية مشتركة، وشبكة إنترنت قومي بدعم صينيّ للحدّ من إمكانيات القلاقل المستقبليّة، ودعم روسي عسكري بعد أن رُفِع حظر بيع الأسلحة عن إيران.. فهل نشهد نشوء قُطب عالميّ جديد يكيل العداء لأميركا؟

Published On 8/12/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة