ترامب والإنترنت.. أربع سنوات غيّرت وجه العالم الافتراضي إلى غير رجعة

تكتب كاتلين تيفاني لمجلّة الأتلانتيك لتُناقش التغيرات التي طرأت على شبكة الإنترنت وشركات التقنية العملاقة مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، بسبب تحسينات رأى ترامب أنها ستُغيّر المجتمع الأميركي إلى الأفضل وتُفيد الجمهوريين بشكل أكبر. لكن الأمرَ جاء بنتائج عكسية، وتحوَّل الإنترنت بالنسبة إلى كثير من الأميركيين بل والمستخدمين حول العالم إلى فضاء أسوأ من ذي قبل.

 

لقد تَغيّر ترامب خلال وجوده على الإنترنت، فقد كان "مرشح الإنترنت" في عام 2016، كما أنه يظهر في تعريف القاموس الشوارعي لكلمة "Meme God" أو "إله الميمات"، واستفادت حملته من قوة "فيسبوك" الدعائية في هزيمة هيلاري كلينتون. منذ ذلك الحين، أصبح ترامب أكثر هوسا بالمظلوميات السطحية ونظريات المؤامرة التي تؤتي ثمارها على "تويتر"، وهي المنصة التي يستخدمها 22% فقط من سكان الولايات المتحدة، وقد وظَّف ترامب في مناسبات مختلفة منشورات من موقع "ريديت" لمساعدته في إثبات وجهة نظره أو لإطلاق التهديدات.

 

لقد غيَّر ترامب الإنترنت بطرق واضحة، وخلال فترته الرئاسية الأولى شهِدَ الأميركيون ولع إدارته بتحيُّن الفرصة لتدمير حيادية الإنترنت، وهو المبدأ الجوهري الذي يقوم عليه إنترنت حر مفتوح. وكان علينا أن نتساءل هل يجب على منصات التواصل الاجتماعي أن تعاقب الرئيس بسبب تهديداته وتمجيده للعنف، وهل يُقدِمُ الرئيس بالمقابل على حظر شركات الإنترنت التي لا تعجبه؟

 

كان أثر ترامب على الإنترنت أكبر من ميمات الإنترنت الغريبة والشجارات الطويلة على تويتر، فقد غيّرت رئاسته طريقة تواصل الأميركيين فيما بينهم على الشبكة، واحتدَّت نبرة الانقسام وانعدام الثقة، وتشكَّلت عادات وقواعد، وتولَّد الاحتمالُ بأن كل يوم على الإنترنت سيكون أكثر سريالية ممّا سبقه. لقد أصبح الإنترنت الأميركي مكانا مختلفا جوهريا عما كان عليه في 2016، ومع شيوع استخدامه فلا مفرّ من تأثير الرئيس، ومع انقضاء السنوات الأربع الأولى بدأ الأميركيون الآن فقط يفهمون كيف بدّل ترامب حياة الأميركيين اليومية.

 

خلال الانتخابات التمهيدية في 2016، قدّم فايس بيرغر، وهو فنانُ "الفاينز" أو الفيديوهات القصيرة جدا، مقاطع مدتها 6 ثوانٍ يظهر فيها المرشحون الجمهوريون بأسلوب هزليّ، وشاهد المقاطعَ ملايين ممّن علّقوا بدهشة وذهول، وقالت مجلة نيويوركر عن بيرغر إنه "هجَّاء سياسي للانتخابات على الإنترنت". لقد أفسد ترامب الفكاهة، ويقول بيرغر: "في فترة صعود ترامب، ازدادت ظُلمة الإنترنت، وأعتقد أنه لعب دورا كبيرا في ذلك".

 

لقد شجّع ترامب صراحة سلوكيّات من هذا القبيل، وشارَك بسعادة في أحيان أخرى في أسوأ ما يمكن أن تُقدِّمه وتجود به ثقافة "الميمات". كان فوزه في 2016 مدعوما بالـ "ميمات"، ويتوقع لبعض السياسيين أن يحذوا حذوه، فالميماتُ شكل آخر من أشكال الدعاية السياسية المتاحة للشراء. عندما دخل مايكل بلومبرج سباق العام الجاري لاختيار المرشح الديمقراطي، أنفقت حملته أموالا طائلة لنشر إعلانات على حسابات "ميمات" شهيرة، مُتذرّعين بالحاجة إلى  "الوصول إلى الناس حيثما كانوا، ومنافسة الحضور الافتراضي النافذ للرئيس ترامب". ومؤخرا، تلقّى بيرغر عرضا من حملة بايدن بعمل فيديوهات لصالحها لكنه رفض. وفي يوليو/تموز الماضي تناوش بيرغر مع "مشروع لينكولن"، وهي لجنة عمل سياسية أسّسها جمهوريون معارضين لترامب، التي يبدو أنها استمدت من الرئيس تفاخره بذكوريته وحسه الفكاهي المعدوم، وعُرِفَت بسرقة الفيديوهات والميمات والنِّكات بما فيها واحدة ألَّفها بيرغر.

 

رأى السياسيون من الحزبين الفائدة الكبيرة التي قدّمتها "الميمات" لترامب في 2016، ويحاولون الآن شراءها، وإما أن يستسلم صُنّاع أكثر نكات الإنترنت إثارة أو تُسرَق أعمالهم منهم.

 

اعتادت شركات التواصل الاجتماعي الكبرى مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب على عدم تحمُّل كامل المسؤولية عن الطريقة التي سهّلت من خلالها التطرف والمضايقة. وفي 2014 و2015 كانت مضايقات حملة "غيمرغيت" تجتاح تلك المنصات بدون رقابة تُذكر، لكن رئاسة ترامب أوجَبت تدقيقا حديثا على قواعد هذه المنصات، ولن يكون هذا التدقيق بالأخير، ذلك أنّ سلوكه الشخصي يُثير تساؤلات أوسع حول الكراهية على الإنترنت.

 

حدثت التغييرات الكبيرة في منصات التواصل الاجتماعي تِباعا، وحظرت منصة "فيسبوك" المليشيات اليمينية وأتباع منظمة "كيو أنون" من منظّري المؤامرة وحاولت اقتلاع القومية البيضاء، بينما وضعت "يوتيوب" حدودا لقدرة المتطرفين على جني المال من خلال الإعلانات، وقدّمت "تويتر" خصائص تصفية (فلترة) للحدّ من تأثير المضايقات، وفي الصيف المنصرم بدأت هذه المنصات تُشرف على ترامب نفسه.

 

بالنسبة لمواقع إلكترونية مثل "ريديت"، الذي قال مديره التنفيذي في 2018 إن الإهانات العنصرية ليست ضد قواعده، فقد أدّى الضغط الجماهيري واستياء المشرفين إلى إصلاحات في سياساته، وأخبرتني إحدى المشرفات في ريديت (31 عاما): "لقد غيّر ريديت الكثير، وفي الواقع الأمر غريب". ولا يخفى على أحد أن الموقع كان بالوعة، فعندما انضمت المشرفة إلى الموقع في عام 2012، كانت بعض المنتديات الفرعية داخل الموقع تحمل شتائم عنصرية في أسمائها ولا تزال كذلك، الكثير من هذه المنتديات مكرَّسة للرئيس ومعروفة بالمضايقات والفضائح والعنصرية وكل أشكال الخلل.

 

خلال العام الجاري، حدَّث ريديت سياسة المحتوى لديه، خاصة في وصف خطاب الكراهية وحظره للمرة الأولى، وللتعرُّف على السلوكيات التي تجعل الموقع أقل كفاءة للفئات المهمشة. عندما بدأ العمل بالسياسة الجديدة حُظِر حساب "آر ذا دونالد" على الفور، وهو حساب اعتاد مضايقة النساء وذوي الأصل الأفريقي. قالت لي كات لو الباحثة في جامعة كاليفورنيا أفرين التي تدرس "ريديت": "منذ عام 2016 أصبح ريديت أفضل في تحطيم زخم المتطرفين في منتديات ريديت الفرعية"، وأضافت: "كان لذلك الفضل في الحد من حُمّى الميمات، لقد فُرِّق شملُهم ولم يعد هناك التمركز العام الكبير الذي حظوا به قبل حظر منتدى ذا دونالد".

تعتقد مشرفة ريديت أن إعادة "ريديت" حساباته فيما يخص طريقة العمل كانت لتأخذ وقتا لولا انتخاب ترامب، وقالت لي: "إن ترامب سرّع قليلا من التقدم الذي كان يحرزه ريديت. إنه من سوء الحظ أن الأمر حدث على ذلك النحو". كما أورد متحدث باسم ريديت في بيان له: "حدثت في السنوات القليلة الماضية تغييرات في السياسة والحوار المدني، وقد أثّرت هذه التغيرات المجتمعية في استعجالنا عملية تطوير سياساتنا، لكنها لم تكن محرّكها الأساسي". تسبّب ترامب في الكثير من المشكلات على موقع ريديت، لكن الموقع في خضمّ تعامله معها تعامل أيضا مع مسائل سبقت وجود ترامب على المنصة.

 

قبل أربع سنوات، لم يكن الأميركيون قد سمعوا بعد بـ "الحقائق المُلفَّقة"، ولم ينتخبوا بعد رئيسا يتحدث باستمرار عن "الأخبار المزيفة و"الإعلام اللئيم" الذي ينشرها، ولم يكونوا مضطرين لمواجهة أحد نجوم منصات التواصل الاجتماعي وهو يقول متحدثا عن جائحة باعتبارها خدعة: "ابحث بنفسك"، وبالتأكيد لم يكونوا قد رأوا بعد رئيسا يرفض التنصل من مجتمع المؤامرات العنيف الذي يُصِرُّ على أن الحزب الديمقراطي ضالع في الاتّجار بالأطفال والطقوس الشيطانية.

 

قالت أستاذة الاتصال بجامعة جزيرة رود ريني هوب: "إنَّ ترامب هو المثال الحي للمعلومات الفاسدة، فهو لا يُقدِّر الخبراء ولا الأدلة، وإنما يتحرّك بحدسه ويُبدي افتتانه بذلك". ورغم أن عصر "كيو أنون" لن ينتهي قريبا، فإنه كانت هناك لحظات عفوية انخرط فيها الأميركيون مع مجتمعاتهم والشبكات المهنية لإيقاف انتشار "كيو أنون"، إذ وقّعت أكثر من 70 منظمة ممن تتعامل مع الاتّجار بالبشر على بيان مشترك في أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي موضحين كيف "تضرّرت بشدة" جراء نظريات "كيو أنون" المؤامراتية.

 

قال ترامب في ندوة لمؤتمر العمل السياسي المحافظ في فبراير/شباط الماضي: "بالنظر إلى قاعدتنا على مستوى البلاد، فالأمر يقع في المرتبة الثالثة من حيث اهتمامنا". كان يتحدث عن الاعتقاد بأن مواقع التواصل الاجتماعي متحيزة ضد المحافظين، وهو الرأي الذي يؤمن به 90% من الجمهوريين، لكن هناك أدلة أكثر على أن العكس هو الصحيح.

 

كان السيناتور الجمهوري من ميزوري جوش هاولي (38 عاما) جزءا من الندوة، وانخرط في الحديث بحماسة وقال: "بالنسبة لليسار، فالأمر كله يدور حول الشراكة بين هذه الحكومة الكبيرة وعمالقة التقنية وإدارتها من قِبَل ليبراليين". والحل التشريعي الذي تحدّث عنه هاولي لعلاج الانحياز ضد المحافظين ينطوي على عرقلة القانون المؤسس للإنترنت، وهو فقرة في قانون آداب الاتصالات الصادر في 1996 الذي يُطلق عليه المادة 230.

 

يقول القانون ببساطة إن المواقع لا تُعتَبر "ناطقة" بالمحتوى الذي يُنشر عليها؛ فإذا شهّرت أنا بك على تويتر، فيمكنك مقاضاتي، لكن لا يمكنك مقاضاة تويتر. واقترح هاولي ثلاثة مشاريع لتشريعات قد تحدّ من المادة 230 إلى حد إلغائها، بما فيها مادة تقترح تولي لجنة التجارة الفيدرالية تحديد كفاءة المنصة وما إذا كانت "محايدة" سياسيا حتى تتمتع بحماية المادة 230.

 

لقد اختار ترامب الطريقة التي يريد بها رقابة عمالقة التقنية مستندا إلى مصلحته الشخصية، ولا يبدو أنه يفهم أن الإلغاء الذي يُنادي به يمكنه في الحقيقة أن يحدّ من حرية التعبير بما فيها حريته هو شخصيا.

ذكر مارك زوكربيرغ  مرارا إن الفكرة القائلة بأن المعلومات المضللة على فيسبوك قد أثرت في الانتخابات هي فكرة "مجنونة"

يقول إيريك غولدمان، وهو أستاذ القانون بجامعة سانتا كلارا، الذي يكتب مرارا عن المادة 230: "إن فكرة الحيادية السياسية باعتبارها هدفا يمكن تحقيقه غير منطقية"، وأضاف: "مشروع القانون لم يطلب المساواة في التعامل مع محتوى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، الذي أيضا يُعَدُّ فكرة غبية. فمشروع القانون يطالب بمساواة كل الأحزاب السياسية عند التعامل معها. إذن فالحزبُ النازي الأميركي سيتساوى بالحزب الجمهوري".

 

كانت هناك طاقة محمومة على "ريديت" و"4 تشان" في أعقاب الانتخابات الماضية، إذ احتفل صناع "الميمات" بنجاحهم في إيصال "متصيّد" مثلهم إلى البيت الأبيض. وكانت منصة فيسبوك قد أعلنت أنها ستحظر أشكال الدعاية السياسية كافة لأجل غير مسمى، وأوضحت أنها ستلتفت إلى المعلومات المضللة خلال هذه الفترة. وفي 2016، ذكر مارك زوكربيرغ مرارا أن الفكرة القائلة إن المعلومات المضللة على فيسبوك قد أثّرت في الانتخابات هي فكرة "مجنونة".

 

بالنسبة إلى أي شخص يقضي وقتا كبيرا على الإنترنت، وقد أصبحوا كُثرا بعد أن ضربتنا الجائحة، فإن الفكرة الأساسية من الإنترنت هي أن يكون فضاء مفتوحا وحرا يتمتع بالمساواة، لكننا قضينا أربع سنوات نشاهد رجلا واحدا يفرض تأثيره على كل جزء من هذا الفضاء. وحتى مع انتهاء رئاسة ترامب قريبا فإن تأثيره في الطريقة التي نتعامل بها مع الإنترنت أبعد ما يكون عن النهاية.


هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة