بعدما رفع الحظر.. من أين ستستورد طهران سلاحها القادم؟

منذ أقل من شهر، وتحديدا في 18 من (أكتوبر/تشرين الأول) المنصرم، رفعت الأمم المتحدة حظر شراء الأسلحة وبيعها وتصديرها عن "جمهورية إيران الإسلامية"، وهو حظر كَبَّلَ الصناعات الدفاعية الإيرانية والجيش الإيراني لثلاثة عشر عاما، منذ فُرِض عام 2007، وتم التوافق على رفعه بعد مرور خمس سنوات على الاتفاق النووي الدولي المُبرَم عام 2015 بين طهران وواشنطن في عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما والأوروبيين، إذ يمكن الآن للإيرانيين الشراء والبيع من وإلى مَن يختارونه من الدول.

 

ورغم أن إيران دولة لديها اكتفاء ذاتي نسبي من ناحية إنتاجها العسكري، وتُعاني الآن اقتصاديا بسبب العقوبات الأميركية وأزمة فيروس "كوفيد-19″، فإن سنوات الحظر ومن قبلها الحالة الفنية للأسلحة الدفاعية الرئيسة كونها أسلحة قديمة أو محدودة الكمية عوامل ستدفع طهران بشكل شبه حتمي لتخصيص جزء كبير من أموالها للإنفاق العسكري لترميم ترسانتها العسكرية، وفي هذا الصدد تُعَدُّ روسيا قِبلة بالغة الأهمية والتطوُّر للإيرانيين وجيشهم المُتعطِّش للتحديث التقني العسكري حتى من قبل رفع الحظر، وبالفعل تُسرِّع طهران من عملية إعداد قائمة كاملة من مشتريات الأسلحة الروسية، وتُخطِّط لشراء الطائرات المقاتلة المتطورة والمركبات المدرعة وأنظمة الدفاع الجوي من موسكو، فضلا عن التعاون المشترك في تطوير التكنولوجيا والتقنيات العسكرية الحديثة.

 

ستُركِّز طهران في البداية على الأرجح على شراء أعداد محدودة من أنظمة الأسلحة المتقدمة، وستحاول نقل تكنولوجيتها محليا بسبب الأزمة المالية الطويلة التي تتعرّض لها منذ سنوات عديدة، ورغم ذلك فإن شراءها لأنظمة متقدمة روسية أو صينية أو غيرها لا يقبع على رأس قائمة مخاوف واشنطن أو إسرائيل، وإنما يؤمن الأميركيون أن اتجاه الإيرانيين الأفضل بعد رفع الحظر هو قيامهم بتحقيق أرباح عن طريق بيع الأسلحة لوكلاء ودول عدة أخرى، فتُعَدُّ إيران ذات إنتاج عسكري محلي كثيف من الأسلحة التقليدية التي تُهِمُّ عملاءها المحتملين في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وخاصة دول الأخيرة المهتمة بشراء طائرات بدون طيار وأنظمة صواريخ رخيصة نسبيا. وتتطلَّع إيران لتوسيع قدراتها العسكرية المحلية، لا سيما طائراتها بدون طيار وأسلحة الحرب الإلكترونية وأنظمة الصواريخ، ففي اليمن ورغم أن الحظر لم يمنع طهران من إرسال الصواريخ البالستية والبنادق الهجومية للحوثيين، فإن الإيرانيين سيحرصون على الأرجح على تزويد الجماعة بأسلحة أخرى أكثر تنوُّعا بعد رفع الحظر، وكذلك لا يغيب حزب الله اللبناني عن مساحة المبيعات الإيرانية كونه زبونا ووكيلا تقليديا للجمهورية، وصولا إلى أحدث المناطق التي تُعَدُّ سوقا مهمة الآن ومستقبلا للأسلحة الإيرانية وهي أرمينيا، مَن تتطلَّع لرفع كفاءة جيشها خاصة بعد خروجها من الحرب الأخيرة ضد جارتها الأذربيجانية بهزيمة شبه تامة لتفوُّق أذربيجان العسكري.

 

ورغم أن طهران تزعم أنها تُنتج 90% من العتاد العسكري الذي تحتاج إليه، وتسعى جاهدة لتقليص الاعتماد على مشتريات السلاح الأجنبي وصولا لقطع الغيار، فإنها تبقى بحاجة ماسة إلى تطوير أسلحة جيشها الرئيسة. فعلى سبيل المثال، يبرز تحديث سلاح الجو الإيراني بوصفه أولويةً لا غنى عنها، وهو سلاح تجاوز عمر جزء كبير من تجهيزاته "طائرات ومعدات" 40 عاما، حيث اشتُريت بعض طائراته في عهد الشاه وأثناء الحرب الإيرانية العراقية وبعدها، حتى إن طائرات مثل "كوثر" و"صاعقة" و"قاهر 313″ التي تتقدَّم صفوف الاستعراضات العسكرية الإيرانية غير قادرة على المناورة أمام الطائرات الحربية الحديثة فائقة السرعة من الجيل الرابع والخامس. وتحتاج إيران إلى أنظمة دفاع جوي محسّنة للدفاع عن مواقعها الإستراتيجية، كالمواقع النووية ومناطقها المهمة داخل البلاد وفي سوريا والعراق.

 

تضع طهران بعض الدول على رأس قائمة التعاقد لشراء الأسلحة المطلوبة، وأهمها الصين وروسيا اللتان دعمتا البلاد سياسيا وتحديتا العقوبات الأميركية-الدولية عن طريق إبرام عدد من المشاريع مع الإيرانيين، وهي صفقات لن تكون جديدة على موسكو التي تتفاوض مع طهران منذ 2016 على صفقة أسلحة للإيرانيين بـ 10 مليارات دولار، وقد زوَّدت روسيا طهران بالفعل وقتها بعدد غير مؤكد من بطاريات صواريخ أرض-جو طويلة المدى (SAM) من طراز "S-300PMU-2″، وهو نظام أسلحة دفاعي مستثنى من قرار حظر بيع الأسلحة الأُممي.

بالنسبة للصين فقد كانت موردَ أسلحةٍ مهما لإيران -رفقة كوريا الشمالية- خلال الحرب الإيرانية العراقية، قبل أن يتراجع التعاون الإيراني معهما لصالح روسيا وبسبب تطور الصناعات العسكرية الإيرانية أيضا. ورغم وجود بند للتطوير المشترك للأسلحة في إطار اتفاقية التعاون الإستراتيجي بين بكين وطهران، فإننا لا نُرجِّح بيع الصين لأسلحتها لإيران في الوقت الراهن حتى مع التقدُّم الكبير الذي حقّقته الصناعات العسكرية الصينية في السنوات الماضية، لأن الذاكرة الإيرانية ما زالت على ما يبدو محتفظة بحقيقة أن أنظمة الدفاع الجوي الصينية "HQ-2J" ومقاتلات "F-7M" التي ابتاعتها طهران في الماضي كانت عبارة عن نسخ صينية مُحدَّثة من أنظمة الدفاع الجوي السوفيتية القديمة "S-75" وطائرات "MiG-21" المقاتلة.

 

في 23 أغسطس/آب للعام الحالي 2020، سافر وزير الدفاع الإيراني "أمير حاتمي" إلى موسكو لرؤية الأسلحة المُستعرَضة في المنتدى العسكري التقني الدولي "الجيش-2020" لعدة أيام، حيث أصبحت الحاجة الإيرانية مُلِحَّة للمُضي نحو خطوات عملية تُعالج ما تركه قرار حظر الشراء والبيع الأُممي من آثار سلبية على ترسانة البلاد.

 

تعود بداية التعاون الإيراني الروسي العسكري إلى زمان الثورة الإيرانية عام 1979، حين واجه الإيرانيون صعوبات جمّة في جلب الأسلحة، وأُغلِقت أمامهم السوق الأميركية التي كانت مصدرا رئيسا للأسلحة في عهد الشاه، وكذلك السوق الأوروبية بالتبعية، وقد حدثت الطفرة في العلاقات العسكرية مع موسكو بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، حيث حال تزويد موسكو للعراق بالأسلحة دون ثقة الإيرانيين الكاملة بها قبل ذلك الزمن، لتتغير الأمور فيما بعد وتتوسّع طهران في شراء الأسلحة الروسية لتعويض ما فقدت في حربها الطويلة مع نظام صدام حسين.

وقد شكَّلت التسعينيات مرحلة صعود التعاون العسكري بين طهران وموسكو، فزوّدت الأخيرة البلاد بالطائرات والغواصات، وعلى مدى السنوات الماضية فضَّلَ الإيرانيون الأسلحة الروسية من الطائرات المقاتلة والغواصات وأنظمة الدفاع الجوي والدبابات، ومع انتهاء الحظر يُتوقَّع أن تشمل عمليات الشراء الإيرانية المحتملة مقاتلات روسية من طراز "Su-30" وطائرات "Yak-130" ودبابات "T-90" من الجيل الثالث، كما تُبدي طهران اهتماما بشراء نظام الدفاع الجوي "إس-400" ونظام الدفاع الساحلي باستيون، ويقابل ذلك الاهتمام الإيراني ترحيب روسي لاقتحام آخر أسواق الأسلحة الكبيرة غير المُستغلَّة.

 

وبناء على ما سبق، يُتوقَّع أن تؤتي المناقشات الثنائية التي سبقت انتهاء الحظر بين الإيرانيين والروس بثمارها في الأسابيع المقبلة، لكننا نُرجِّح أيضا ألّا تتحمس موسكو في البداية تجاه صفقة كبيرة تضم مثلا نظام "إس-400″، وإنما نتوقَّع أن تبدأ مبيعاتها بأسلحة وصفقات أكثر رمزية وأقل تطوُّرا، وكما كتبت الخبيرة في الشؤون الإيرانية "إيلي جيرانمايه" في مقالها في موقع "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، فإن إدارة ترامب "أتخمت خصوم إيران الإقليميين بمبيعات أسلحة لم تفعل شيئا يُذكر لتخفيف التوترات في الشرق الأوسط"، وأن هؤلاء المنافسين "استبقوا بالفعل عمليات الشراء العسكرية الإيرانية المُحتمَلة من خلال تعزيز صفقاتهم هم أنفسهم"، فقد طلبت الإمارات مؤخرا شراء طائرات مقاتلة من طراز "F-35" من الولايات المتحدة، وتسعى إسرائيل نحو إتمام صفقة أسلحة بقيمة 8 مليارات دولار مع واشنطن أيضا"، ومن ثم أوضحت إيلي أن التكنولوجيا العسكرية الغربية التي تمتلكها دول مثل إسرائيل والإمارات والمملكة العربية السعودية "تمنحها ميزة نوعية كبيرة على إيران، لذا فإن واقع الشراء السنوي للأسلحة من قِبَل هذه الدول يُقزِّم الميزانية العسكرية الإيرانية بالكامل".

 

في أغسطس/آب من عام 2017، طلبت إيران من روسيا تزويدها بـ 24 مقاتلة من نوع "Su-35″، و18 من نوع "Su-30SM"، وبعض الأسلحة المتطورة الأخرى، لكن موسكو رفضت هذا الطلب وعرضت بدلا منه مقاتلات "Su-27SM3" الأقل تطوُّرا، وهو ما لم يُرضِ إيران فلم تُوافق على العرض.

مقاتلات (Su-27SM3 )

لذا وحتى مع احتمال توسُّع إيران في طلباتها من مشتريات الأسلحة الروسية فإن موسكو قد تعود لعادتها في عرض أسلحة أقل تطوُّرا مما يطلبه الإيرانيون، كون أن الكرملين لا يزال يأخذ في الحسبان مواقف زبائن وشركاء سياسيين مهمين آخرين يتخوّفون على الأرجح من تزويد إيران بأنواع متطورة من الأسلحة الروسية، كإسرائيل والسعودية والإمارات كما أسلفنا، ويسهل على تلك الدول استخدام علاقاتها الاقتصادية المتنامية مع موسكو لوقف بيع الأسلحة لطهران، وقد تُقدِّم خيارات أكثر إغراء للكرملين كأن تعرض على الروس صفقات اقتصادية بوصفها تعويضات غير مباشرة عن الخسائر إن قبلت موسكو بعدم بيع بعض الأسلحة المتطورة لإيران، وربما تُوقِّع تلك الدول بعض العقود البديلة لشراء الأنظمة نفسها، وإن كان ذلك احتمالا غير مُرجَّح كون أن تلك الأنظمة ترتبط بصورة وثيقة للغاية بالصناعات العسكرية الأميركية، وقد يدفع الثنائي الخليجي ثمن شحنات جديدة من الأسلحة الروسية تُباع لحلفائهما الأقل ثراء كمصر والأردن والبحرين، لكن الروس لن يتخلّوا عن الإيرانيين بشكل كامل حتى مع وجود إغراءات خليجية مضادة، فيُتوقَّع أن يعرضوا على أصدقائهم في طهران "أنظمة دفاع جوي من نوع "Buk" في نسخه الأحدث، وربما أنظمة الدفاع الجوي "Tor-M1″ و"Pantsir" أيضا، ومقاتلات من نوع "MiG-29SM" و"MiG-35″، لكن هناك مؤشرات على أن إيران نفسها قد ترفض مثل هذه الاقتراحات" كما ذكر تقرير لمنصة "المونيتور".

 

كما أن استمرار العقوبات الأميركية الكبيرة على دولة الملالي ستمنع على الأرجح حدوث عمليات شراء إيرانية واسعة لأسلحة أجنبية، فلا يزال الضغط الأميركي قائما لإخراج طهران من النظام المالي الدولي، ولذا أدرجت المزيد من المصارف الإيرانية على القائمة السوداء مما يساهم باستمرار في خنق الاقتصاد الإيراني، وعلى مدى العقدين الماضيين أجبرت الأزمة المالية إيران على التخلّي عن العديد من خططها العسكرية الشرائية لعجزها عن الدفع، حتى إنها أبرمت عددا قليلا جدا من صفقات الأسلحة مع روسيا قبل فرض حظر الأسلحة، وفيما يردع الوضع السابق البلدان المصدرة عن المخاطرة بصفقات أسلحة كبرى معها، تُدرِك إيران أيضا أن واشنطن ستُمارس ضغوطا كبيرة لمنع إمدادها بالأسلحة الإستراتيجية، بما في ذلك التهديدات بفرض عقوبات على الدول والشركات التي قد تفعل ذلك، حيث لا تزال الإدارة الأميركية لترامب تعمل على منع وصول الأسلحة لأيدي جماعات تستهدف مصالح بلادها وحلفائها في المنطقة، وهي سياسة بالتأكيد لها أثرها على تحرُّك روسيا أو الصين في عمليات إمداد إيران بأي أسلحة، ويُشبه ذلك ما حدث مع الدول الأوروبية التي اتّبعت منذ الثورة الإسلامية خُطى واشنطن وتجنّبت إمداد طهران بكميات كبيرة من الأسلحة المتطورة كما أسلفنا.

 

إذن من غير المُرجَّح أن يُحقِّق رفع حظر الأسلحة عن إيران فورة شراء للأسباب السابقة، لكنّ حرص طهران على إثبات إفلاتها من قبضة هذا القرار ولو بشكل رمزي، بالإضافة إلى سعيها لتطوير قدراتها العسكرية والحصول على ما تستطيع أن تناله من التكنولوجيا العسكرية الحديثة، سببان يجعلان من روسيا الشريك المحتمل الوحيد القادر على تزويدها بأي أسلحة حديثة على الإطلاق، آنيا وفي المستقبل المنظور.


حول هذه القصة

ما إن تنتهي الأزمة الطارئة لكورونا، يتعيّن على إيران مواجهة سؤال أرّقها لسنوات: هل سيكون من حق المهنيين الصحيّين، الذين شنّوا هذه المعركة وانتصروا، المشاركة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة