الشعبوية ضد الدولة.. لماذا يرفض ترامب الاعتراف بالهزيمة؟

"إن ما يُمثِّل جوهر كل الشعبويين في نظري يمكن التعبير عنه كالآتي: "نحن، ونحن فقط، مَن يُمثِّل الشعب الحقيقي".

(يان فيرنر مولر)

بمجرد تخطّي المرشح جو بايدن حاجز المئتين وسبعين صوتا من أصوات المجمع الانتخابي الأميركي، وبينما بدأ العالم كله تقريبا في تهيئة نفسه لحقبة جديدة وواقع مختلف، خرج الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" في مؤتمر صحفي، مع أول بوادر لظهور تقدُّم بايدن، يُشكِّك في نزاهة الانتخابات، ويُعلِن عن قيام مؤسسات أو قوى بعينها بسرقة الانتخابات الأميركية والتعدّي على الشعب الأميركي.

 

عقب ذلك مباشرة اختفى ترامب عن أي مناسبات عامة، حتى اضطر مع ارتفاع انتشار فيروس كورونا للخروج للإعلام، والحديث عن آخر جهود إدارته في مواجهة الفيروس، وفور انتهائه من إلقاء تصريحه، عاجله الصحفيون الحاضرون بسؤال: "متى ستعترف بخسارتك الانتخابات، سيد ترامب؟"، لينسحب ترامب من المؤتمر بلا إجابة. في تلك الأثناء يتجمَّع مؤيدو ترامب من جميع أنحاء الولايات المتحدة في واشنطن العاصمة، فيما يشبه نفيرا عاما لإنقاذ أميركا من النُّخَب والمؤسسات التي تريد اختطاف أميركا وتدمير روح المجتمع الأميركي وحريته.

 

يحلو لخصوم ترامب الليبراليين والتقدُّميين أن يربطوا هذا الموقف بسِمَات شخصية ونفسية مشتركة عند ترامب ومؤيديه بوصفهم أشخاصا أغبياء ومتعصّبين وجهلة لا يحترمون القيم الحديثة، بعيدا عن سؤال كيف يمكن لشخص بهذه الصفات كما يدّعي خصومه أن يحوز أكثر من سبعين مليون صوت، أكبر من أي مرشح رئاسي في تاريخ الولايات المتحدة باستثناء بايدن فقط، هل الولايات المتحدة لديها هذا العدد المهول من المتعصبين والأغبياء، أم أن ترامب ومؤيديه الرافضين الاعتراف بالهزيمة ونتيجة الانتخابات هم قوى سياسية واجتماعية لديها مشروعها السياسي ورؤيتها للعالم وللمجتمع الأميركي والشرعية السياسية التي انتفضت لتدافع عنها الآن؟

 

إحدى المقاربات غير الليبرالية في تعريف السياسة هي فن التمييز بين العدو والصديق(1)، بحسب هذا التعريف تبدأ السياسة من اللحظة التي يظهر فيها عدو، حينها يمكن لجماعة من الناس كانت عشوائية وغير مترابطة أن تتحوَّل إلى جماعة سياسية تعي ذاتها ومصالحها وتتّحد أمام هذا العدو، بحسب كارل شميت صاحب هذا التعريف فإن تحديد العدو يستلزم السعي لإلغائه سياسيا، فعند شميت السياسة هي النطاق المركزي الذي تعتمد عليه كل نواحي الحياة الحديثة، فالانتصار في المعارك السياسية يحسم كل الصراعات في مساحات الصراع الأخرى في الثقافة والهوية والاقتصاد والقانون، وحتى الصراع من أجل أنماط الحياة نفسها المحافظ منها والمتحرر.

 

هذا التعريف غير الليبرالي، كما أسلفنا، هو الوقود الأساسي للشعبويات المعاصرة التي تَعمُّ الأرجاء اليوم، استهلَّ ترامب حملته الانتخابية أمام هيلاري كلينتون في 2016 باتهام كل النُّخَب السياسية في واشنطن(2) بالفساد والفشل، والقوى الليبرالية والنُّخَب الثقافية بأنهم لا يُمثِّلون الأمة الأميركية الحقيقية، والتيار اليساري بأنه ينشر ثقافة معادية لأميركا، وما لبث أن طالت اتهاماته حتى الشركات متعددة الجنسيات والنُّخَب المالية بأنها تُعادي مصالح الشعب الأميركي، واستولت على مدخرات الأميركيين من الطبقة الوسطى والطبقة العاملة إبان الأزمة المالية، ونقلت الصناعة إلى الصين، وتسبَّبت في حدوث الأزمة المالية عبر تلاعبها بأحلام ملايين الأميركيين.

في مقابل هذا التعريف الحاسم للعدو، قدَّم ترامب نفسه بأنه مرشح الأميركي العادي، الذي لا يسمع صوته أحد، الأميركي ابن الطبقة العاملة البيضاء الأميركية، وصاحب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، البروتستانت أصحاب البشرة البيضاء، أو ما يُسمّيهم ترامب "The True Americans"، في إشارة إلى الأميركيين المزيفين الذين استهدفهم خطابه طوال فترة حملته الأولى، وفي المقابل شعرت شرائح واسعة من الأميركيين بتقارب وتشابه بينهم وبين ترامب، فهو يتكلم ويفكر بطريقتهم نفسها، مثله مثل أي سائق شاحنة في الجنوب الأميركي لا يحترم قواعد اللياقة والصوابية السياسية، التي يراها الأميركيون من سكان الريف وولايات الوسط والجنوب نوعا من النفاق، والأهم أنه قادم من خارج تلك النُّخَب والمؤسسة الرسمية التي يتهمها بالفساد، وهو ما يعني أنه قادر بالفعل على تغيير الأمور(3).

 

وبحسب الأكاديمي والمحلل السياسي يان فيرنر مولر(4)، نجح ترامب نجاحا ملحوظا بوصفه نموذجا للسياسي الشعبوي، حيث "قدَّم تصوُّرا سياسيا محددا يرى أن شعبا خالصا ومنسجما يقف دائما ضد نُخَب غير أخلاقية، فاسدة وطفيلية، وأن هذه النُّخَب لا تنتمي البتة للشعب، ولا تهتم به"، بهذا الشكل كان دونالد ترامب سياسيا شعبويا حقيقيا بالمعنى الشميتي*، حيث استطاع تحديد العدو مُمثَّلا في النُّخَب والتيارات السياسية اليسارية والليبرالية ضد الشعب الحقيقي، الذي أتى إليه ترامب بوصفه قائدا ومُخلِّصا ومُمثِّلا لاستعادة بلاده التي اختطفها الأعداء.

 

في كتابه "في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟"، يتفق عزمي بشارة مع يان فيرنر مولر في أن أحد المعالم الرئيسية للشعبوية هي رفض المؤسسات الوسيطة التي تقع في المسافة بين الزعيم أو القائد على رأس السلطة السياسية والمجتمع، يتخيّل الزعيم الشعبوي دائما العلاقة بينه وبين الجماهير علاقة مباشرة، دون أي وساطات من مؤسسات أو مجتمع مدني، لذلك تحتقر النظرةُ الشعبوية للسياسة الأحزابَ ومؤسسات المجتمع المدني وحتى الإعلام والصحافة المستقلة عن سلطة الدولة، حيث تنتشر فعاليات المؤتمرات الجماهيرية الحاشدة والاستفتاءات الشعبية المباشرة، ويلتحم الزعيم بالشعب بديلا عن الممارسة السياسية الحزبية والبرلمانية.

ويُضيف بشارة أن الشعبوية حين تنتقل من المعارضة فإنها "تستهدف مباشرة الأجسام الوسيطة مثل الأحزاب والمؤسسات الإعلامية ومؤسسات مراقبة السلطة وضبطها، وهدفها الوصول إلى ديمقراطية شعبوية"، حيث كل المؤسسات الوسيطة حتى القضائية والرقابية مُعيَّنة من قِبَل الرئيس المُنتخَب، أو مُنتخَبة بشكل مباشر من الشعب الملتف بدوره حول الرئيس، هذا النمط من ديمقراطية الجمهور والتمثيل الأخلاقي الهوياتي الرمزي هو مصدر الشرعية الأساسي عند مَن يتظاهرون في شوارع واشنطن ومَن يُحاصِرون مقرات فرز التصويت من المتحمسين لدونالد ترامب، لأن تلك الأجسام التي تراقب عملية الانتخابات وفرز الأصوات كلها من معسكر الأعداء الذي حدَّده ترامب بدقة عند صعوده إلى السلطة قبل أربع سنوات.

 

نستطيع أن نفهم أكثر موقف ترامب ومؤيديه اليوم إذا فهمنا الأيديولوجيا المضادة التي تتبنّاها النُّخَب والقطاعات التي تناهض ترامب، التي ظهر ترامب أساسا لمواجهتها، بشكل عام، تلك الأجسام الوسيطة التي يحتقرها ترامب التي تُشرِف على العملية الانتخابية هي أساس الليبرالية الأميركية العريقة، بداية من المحكمة الفيدرالية ومحاكم الولايات، مع منظمات المجتمع المدني وشبكات الإعلام والصحافة والحزبين الجمهوري والديمقراطي، ترى تلك المؤسسات نفسها روح النظام الأميركي وأساس استقراره الممتد منذ نهاية الحرب الأهلية الأميركية في منتصف القرن التاسع عشر، على الناحية الأخرى يرى ترامب ومؤيدوه أن كل هؤلاء في خانة الأعداء، وأنهم هم الشعب الأميركي الحقيقي(5).

 

الأمر الأكثر خطورة هو هذا الإحساس بالاغتراب وعدم التمثيل الذي جمع قطاعات واسعة من الأميركيين مع ترامب في تلك اللحظة الشعبوية الأميركية، ويقابله خطاب استعلائي من كل المنظومة المعادية لترامب، التي قدَّمت ترامب بوصفه الشيطان السياسي، وجمعت فيه عناصر من كل ما يكرهه خصومه على اختلافهم، ومن خلال سيطرتهم على أكبر الشبكات الإعلامية ومئات المنظمات غير الحكومية النشطة اعتمدت السخرية منه ومن مؤيديه بوصفها علامة اجتماعية للانتماء للفئات التقدمية والمثقفة في المجتمع، حيث تخصَّصت قنوات كاملة، وممثلون ومشاهير وبرامج "توك شو"، وقطاعات ضخمة من الناشطين في المجال المدني والثقافي، طوال أربع سنوات من حكم ترامب في السخرية من مؤيدي ترامب والتقليل منهم ومن مستواهم التعليمي والثقافي، وسلبهم الأهلية الأخلاقية والهوياتية كونهم مواطنين أميركيين(5).

لا يريد ترامب ولا أنصاره التسليم بالهزيمة، في سابقة تحدث لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، لأن تلك الانتخابات مختلفة عن كل الانتخابات الرئاسية السابقة، فليس الخلاف بين ترامب والسبعين مليونا الذي صوّتوا له وبين جو بايدن والحزب الديمقراطي حول أسئلة التأمين الصحي وحجم الرعاية الصحية والنظام الضريبي فقط، بل أصبح الخلاف يشمل سؤالا أكثر جذرية يشهده المجال العام الأميركي ربما للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة؛ مَن يُمثِّل أميركا؟

______________________________________________________________________________

هامش

 *: نسبة إلى كارل شميت.

المصادر

  1. مفهوم السياسي، كارل شميت، ترجمة سمور محمود، مركز مدارات للأبحاث والنشر
  2. Trump roasts Clinton at Al Smith charity dinner
  3. Trump Won’t Be the Last American Populist، foreign affairs
  4. ما الشعبوية؟ ، يان فيرنر مولر ، ترجمة رشيد بوطيب، منتدى العلاقات الدولية
  5. سقوط ترامب أو عندما تخسر الثقافة السائدة شيطانها، محمد سامي الكيال، القدس العربي

حول هذه القصة

من الصعب أن تكون استطلاعات الرأي الأخيرة أكثر طمأنة مما هي عليه لمَن يرغبون بالانتهاء من دونالد ترامب، فقد عنونت السي إن إن: “بايدن يُحرِز أكبر تقدُّم هذه السنة”.. التفاصيل بهذا التقرير.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة