هل تراجع السيسي؟.. أسباب غضب الهامش المصري في مظاهرات سبتمبر

بنهاية شهر أغسطس/آب من العام الجاري، صدرت دراسة عن مركز مبادرة الإصلاح العربي، ومقرّه باريس، تحت عنوان "مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول"، تتنبأ فيها بكل وضوح بنشوب احتجاجات سياسية ذات أبعاد اقتصادية وطبقية ضد سياسات عبد الفتاح السيسي في الوقت القريب ولمدة طويلة نسبيا، بحسب الباحثين إسحاق ديوان، ونديم حوري، ويزيد صايغ، فقد بدؤوا العمل على إنجاز هذه الدراسة بعد انفجار أزمة كورونا قبل شهور، وكانت المفارقة أن فور الانتهاء من الدراسة ونشرها اندلعت الاحتجاجات بالفعل في العديد من القرى والأحياء الفقيرة المُهمَّشة لتصدق توقعات الباحثين بمجرد صدور دراستهم للنقاش العام.

 

فمنذ شهر أغسطس/آب بدأت مصر، قبل دعوات التظاهر السنوية في سبتمبر/أيلول، تشهد حراكا غاضبا متنوعا جغرافيا، مُعبِّرا ليس عن رفض "قانون التصالح" بشأن عقارات وُصِفت بالمخالفة وحسب، وإنما أيضا مُحمَّل بتململ من أعباء اقتصادية واجتماعية، زادها هذا القانون وما يتبعه من جمع غرامات مالية، مرتفعة في بعض المناطق، وإزالة عقارات مُصنَّفة مخالفة، عدا عن عوامل أخرى دافعة للغضب، وتجعل المواطنين عاجزين عن تيسير سُبُل الحياة الضرورية، كارتفاع متواتر لأسعار الخدمات، خصوصا الطاقة (الكهرباء والغاز وغيرهما)، وارتفاع أسعار خدمات النقل والمواصلات خصوصا (القطارات ومترو الأنفاق)، وذلك كله يجعل نمط الحياة بائسا لدى قطاعات واسعة، إذا أخذت في الاعتبار نِسَب الفقر المرتفعة والبطالة وارتفاع معدلات الإعالة، فضلا عن فرض عدد من رسوم الخدمات ليس آخرها، فيما يبدو، زيادة الرسوم التعليمية الحكومية، غير مصروفات المدارس الخاصة التي تزيد سنويا(1) .

 

خرجت التظاهرات في مناطق مختلفة ومتفرقة في أطراف القاهرة وريف الجيزة ومُدن دمياط والقليوبية والمنيا وعدد من قرى وسط الدلتا وشمال الوادي، في غياب واضح للقاهرة والإسكندرية والمُدن الكبرى المصرية، بل وغياب حتى للطبقة الوسطى المصرية العريضة التي حرَّكت الحياة السياسية في عامَيْ ٢٠١١ و٢٠١٣ على اختلاف المواقع الأيديولوجية داخلها، رغم التذمر الواسع الذي يتزايد داخل الطبقة الوسطى الغائبة عن الحراك هذا العام، وهنا تؤكد دراسة مركز مبادرة الإصلاح العربي أن هذا الحراك هو فاتحة لحراك اجتماعي مستمر في الأعوام القليلة القادمة.

 

 

بحسب الدراسة(2) فإن أزمة كورونا كشفت هشاشة أسس النظام الاقتصادي لحُكم السيسي، والقائم بشكل رئيس على الاعتماد على رأس المال الأجنبي في تنشيط الاقتصاد المصري وتحقيق النمو الاقتصادي، وعلى الجيش المصري في الحياة الاقتصادية بوصفه ذراعا اقتصاديا للرئيس والنخبة السياسية الجديدة التي يحاول بناءها، هنا أتت الأزمة الاقتصادية الدولية الناجمة عن فيروس كورونا فعرّته وكشفت حدوده، هذه الأزمة في مصر من المُتوقَّع أن تستمر أعواما، فاتحة الباب أمام انفجار الفئات الواسعة التي سحقتها إصلاحات النظام الاقتصادية غير الكفء في جوهرها، والعاجزة عن تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية.

 

وبحسب الباحث علاء بيومي فقد "اعتمد السيسي بالأساس على مصادر تمويل غير إنتاجية، وفي مقدمتها القروض الداخلية والخارجية (أكثر من 120 مليار دولار دين خارجي) التي تضاعفت في عهده، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، وعائدات السياحة وقناة السويس، وكلها مصادر مُعرَّضة للاهتزاز والتراجع بشدة، خلال العامين المقبلين على أقل تقدير، بسبب أزمة كورونا، التي من شأنها أن تُقوِّض السياحة، وتُفقِد نسبة لا يستهان بها من العاملين المصريين في الخليج وظائفهم، وتُضعِف حركة الصادرات في قناة السويس، وتُضعِف قدرة دول الخليج على إقراض مصر والاستثمار السياسي فيها"(3).

 

مضيفا أن قروض صندوق النقد الدولي تدخل الموازنة المصرية بشروط مُكلِّفة وتقشُّفية باهظة الثمن على المواطن، وعلى رأسها تعويم سعر العملة المصرية وتقليص الإنفاق العام والحكومي، ما يؤدّي إلى إضعاف قدرة المصريين الشرائية، وتقليص الدعم الحكومي الآخذ في التراجع. هذا مع العلم أن احتياج النظام الدائم إلى الاقتراض يُحتم عليه رفع سعر الفائدة لجذب القروض الداخلية والخارجية، وبالتالي العمل على سحب السيولة من الأسواق بدلا من التوسع في الإقراض والاستثمار في المشاريع المتوسطة والصغيرة(4).

ما يعني أن السيسي تبنّى نموذجا اقتصاديا يقوم على جذب رؤوس الأموال الخارجية والمشاريع الكبرى غير الإنتاجية، وتجاهل تحسين ظروف معيشة المصريين وتشجيع الإنتاجية، وأدّت إصلاحات السيسي الاقتصادية إلى تراجع مخيف في الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والمرتبات الحكومية، فوفقا للدراسة "تراجع الدعم المقدم لمحدودي الدخل من 4.1% من الناتج القومي إلى 1.2%، وتراجع الإنفاق على الصحة والتعليم إلى 4.5% من الناتج القومي فقط، وتراجعت المرافق إلى مستويات تتشابه مع الأوضاع في بلاد أفريقيا جنوب الصحراء، كما ذكرت الدراسة. كما تراجع الإنفاق على الرواتب الحكومية من 8% من الناتج القومي إلى 5%. في المقابل، زاد الإنفاق الحكومي على خدمة الدَّيْن العام إلى 10% من الناتج القومي. وبهذا تكون السياسات الحكومية قد أدّت عمليا إلى استقطاع الإنفاق على الصحة والتعليم والدعم وزيادة الإنفاق على خدمة الديون في المقابل"(5).

 

هنا أتت أزمة كورونا فقلَّصت تماما القروض الخارجية وعائدات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، مما كشف النظام اقتصاديا تماما، فكان اللجوء إلى ما عُرِف بقانون التصالح الذي شعر المصريون به كونه شكلا من أشكال الجباية المُقنَّنة لتعويض نقص السيولة والموارد عند النظام، فبحسب الصحفي عصام شعبان(6) "هناك ملايين متضرّرون من القانون، يعيش أغلبهم في مناطق الريف وأطراف المدن والمحافظات. وحسب تقديرات حكومية، هناك 2.8 مليون عقار مخالف، يضم نحو 20 وحدة سكنية، وهذا يعني أن نسبة كبيرة من سكان الريف متضرّرون من القانون. وحتى 7 أغسطس/آب كانت حصيلة سداد مبلغ جدّية التصالح 1.5 مليار جنيه (25% من قيمة الغرامة الكلية)، بينما تجاوزت 8.6 مليارات يوم 22 سبتمبر/آب الحالي، بينما وصلت طلبات التصالح إلى 1.3 مليون طلب، بين مقدميها من لم يتمكّن من سداد الدفعة الأولى من الغرامة حتى بعد أوكازيون حسم الجباية (رسوم التصالح)، بعد احتجاجات شهدها شهرا أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول ضد القانون".

أجبرت الاحتجاجات المستمرة لشهرين إلى الآن السيسي على التراجع في عدة قرارات، بعد أن رضخ لعدم هدم المنازل المأهولة بالسكان ومدَّد فترة التصالح وخفَّض سعر المتر في القرى، بعد شهر فقط من إعلانه أنه قد يأمر الجيش لينزل إلى القرى والمدن ضد المخالفين، في هذه المفارقة بين خطاب القوة والتهديد وبين الهشاشة والتراجع السريع أمام حراك معدود العدد داخل القرى والنجوع وأطراف المُدن، تكمن إحدى الأزمات الرئيسية لحكم السيسي في مصر.

 

بحسب عدد من التحليلات(7) يُعَدُّ السيسي أقوى رئيس حكم مصر طوال تاريخ دولة يوليو العسكرية التي تأسست عام 1954، فمن داخل مجال العلاقات المدنية العسكرية لا يوجد أمام السيسي قائد للجيش مثل عبد الحكيم عامر أو المشير أبو غزالة أو مجلس عسكري شبه مستقل كمجلس المشير طنطاوي والفريق سامي عنان خلال الفترة الأخيرة لحكم مبارك، ولا رئيس مخابرات كصلاح نصر، فللمرة الأولى تقريبا تلتف الأجهزة السيادية من جيش وأجهزة أمنية واستخباراتية وقضائية بالكامل حول شخص الرئيس مُمثَّلا في عبد الفتاح السيسي، وعلى سبيل التحالفات الدولية والإقليمية يتمتع نظام سيسي بتحالفات قوية راسخة، فهو الديكتاتور المُفضَّل لكلٍّ من ترامب وبوتين، وحليف قوي ومهم لكلٍّ من إسرائيل والإمارات والسعودية.

 

من هذه الخلفية أتى خطاب القوة والتهديد للسيسي وهو يتوعّد بإنزال الجيش للقرى في سابقة تاريخية ربما تكون الأولى من نوعها، إلا أن السيسي الذي ربما أسكرته مكتسبات السيطرة الكبيرة على الجيش والأمن والمخابرات والقضاء بشكل لم يسبقه فيه أي رئيس مصري يفتقد لشيء مهم وجوهري في أي سُلطة سياسية سواء كانت ديمقراطية أو سلطوية، وهي ما يُعرَف في العلوم في السياسية بالوساطة السياسية؛ فمنذ وصول السيسي إلى الحكم وبعد الانقلاب العسكري في 2013 عمل السيسي وحكمه العسكري المباشر إلى القضاء على أشكال المجتمع المدني كافة من أحزاب ونقابات وجمعيات وصحافة حرة ونخب مستقلة وحركات طُلابية ونخب ثقافية وفنية مستقلة وحتى النشاط الأهلي البسيط ذي هامش الفعالية المحدود، في غمرة هجومه واستباحته لكل أشكال الاجتماع المدني في مصر ظن السيسي أنه بهذا يُحقِّق انتصارات حاسمة على خصومه، لكنه كان بالدرجة نفسها يعزل نفسه أكثر فأكثر عن المُجتمع ويحرم نفسه من أي قنوات اتصال حيّة فعالة مع القوى الاجتماعية المختلفة.

كل الأنظمة السابقة على نظام السيسي وثورة يناير كانت سُلطوية وغير ديمقراطية، لكنها كلها احتوت على وسيط سياسي مدني من داخل المجتمع، ليكون قناة الاتصال والتعبئة والتعبير المؤسسي عن شبكة التحالفات والمصالح التي يُمثِّلها ويرعاها النظام، كان ذلك في الاتحاد الاشتراكي إبان حقبة عبد الناصر، والحزب الوطني إبان حقبتَيْ السادات ومبارك، مَثَّلت تلك المنظمات والهيئات المدنية الوسيط السياسي بين المجتمع وقواه المختلفة وبين الدولة، لتُشارك تلك الهيئات التي احتوت على شرائح اجتماعية من مواقع اجتماعية مختلفة من رجال أعمال وعُمال وفلاحين وطلبة وموظفين وأساتذة جامعات ومثقفين صولا إلى الفنانين ولاعبي الكرة في رسم خريطة شبكة المصالح المختلفة والتفاوض مع السُّلطة ومع قوى المجتمع، للنقاش حول السياسات العامة، خاصة المتعلقة بالاقتصاد.

 

هنا تحديدا تظهر أسباب التراجع السريع للسيسي أمام ضغط تلك الاحتجاجات المحدودة نسبيا، فالقرارت السياسية خاصة المتعلقة بالاقتصاد في ظل ظرف اقتصادي ضاغط، تُتخذ بالنظر إلى خريطة شبكة المصالح المتنوعة داخل المجتمع، ولا يمكن لأجهزة الدولة الأمنية والعسكرية أن تتخذ تلك القرارت بلا تنظيم سياسي ووسيط مدني مُتماسك يستطيع جمع مصالح الناس ورفعها إلى صانع القرار، وفي أعتى الديكتاتوريات التاريخية، الستالينية والنازية والفاشية، كان الحُكم يتم بواسطة الحزب النازي أو الفاشي كما في ألمانيا وإيطاليا أو الحزب الشيوعي في روسيا الستالينية، لإدارة شبكات المصالح والتحالفات السياسية داخل المجتمع، أما السيسي لا يحكم إلا بواسطة أجهزة المخابرات العامة والحربية وقيادة الجيش، وهو وضع مُحيّر وخطير، يترك البلاد من دون أي تنظيم سياسي يلعب دور الوساطة بين دولة السيسي والجماهير التي تعاني ضغوطا اقتصادية شديدة، تبدو مستمرّة متصاعدة -بحسب دراسة مبادرة الإصلاح العربي- خلال العامين المقبلين على الأقل.

 

ربما كان السيسي على علم بأن قرارته الأخيرة سوف تُثير استياء الطبقات الدنيا والفقيرة، لكنه لم يتخيَّل هذا الزخم المُمتد للحراك لأكثر من شهرين حتى الآن، فتراجع عنها، تماما مثل العام الماضي حين بدأ في إجراءات رفع الدعم عن السلع الأساسية، ثم ما لبث أن تراجع أيضا بعد خروج الناس إلى الشوارع. دائما ما يرسم السيسي في الوعي الجمعي بوصفه الحاكم القوي الذي يحكم بالحديد والنار وينكل بخصومه ومعارضيه، إلا أن تلك الصورة تهتز مع أي خروج أو هبّة عفوية حتى إن كانت محدودة جزئيا سواء كانت في المدن أو حتى على الأطراف والقرى والنجوع، ليُفاجأ بأنه يحكم عبر سُلطة مُعلَّقة في الهواء بلا أي قاعدة اجتماعية للارتكاز عليها، وأن بناء الشرعية السياسية يحتاج بالتعريف إلى السياسة، أي القدرة على إدارة وتمثيل المصالح والرغبات والتحالفات داخل المجتمع، وفي ظل هذا الوضع الاقتصادي الضاغط الذي يعاني منه شريحة واسعة من المصريين، وطريقة الحكم الاستعمارية للسيسي، تبدو الأمور في مصر مُرشَّحة للانفجار والتصاعد، وأبعد ما تكون عن الاستقرار.

________________________________________________________________________

المصادر

  1. عن حراك الأطراف والريف المصري، عصام شعبان، العربي الجديد.
  2. مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول، يزيد صايغ وآخرون، مركز مبادرة الإصلاح العربي.
  3. أزمة مثلت السُلطة في مصر، علاء بيومي، العربي الجديد.
  4. مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول، يزيد صايغ وآخرون، مركز مبادرة الإصلاح العربي.
  5. المصدر السابق.
  6. عن حراك الأطراف والريف المصري، عصام شعبان، العربي الجديد.
  7. أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري، يزيد صايغ ، مركز كارنيجي للشرق الأوسط.

حول هذه القصة

يُدرك المتابع لأزمة سد النهضة بين كلٍّ من السودان ومصر وإثيوبيا أنها ليست وليدة السنوات القليلة الماضية. فهل يكون سد النهضة مشروع "عاطفي" و"سياسي" أكثر منه تنموي يهدف للنهوض باحتياجات الإثيوبيين؟

إذا كنت تتساءل عن ما يحدث في شرق البحر المتوسط.. فنقدم لك هذا التقرير الذي يقدم صورة بانورامية عن الوضع القائم، ويوضح أبعاد التنافسات الجارية، ومصالح القوى الكبرى واحتمالات تطور التوتر إلى صدام.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة