ترمب مرشحا لنوبل.. هل فسدت معايير اختيار الجائزة لهذا الحد؟

تتناول المقالة التالية من الأتلانتك التناقضات العديدة التي تقوم عليها جائزة نوبل للسلام، إذ كان ترمب من بين أبرز مرشّحيها مؤخرا، على خلفيَّة "اتّفاق السلام" بين الإمارات والبحرين وإسرائيل. المقابلَة تتفحَّص معايير اختيار الفائزين مع أحد أنصار ترمب والمخوَّلين بتقديم الترشيحات، وهو البرلماني الشعبوي النرويجي كريستيان تايبرينج جيدي، كاشفة في النهاية عن هُلاميَّة المعايير، وغياب خطّ ناظم لها.

 

كائنات الترول الأسطوريَّة هي اختراع اسكندنافي آتٍ من الملاحم الجليدية للأساطيرِ النورديّة رأسا، لكنَّ كريستيان تايبرينج جيدي، البرلمانيّ النرويجي، يُقسِم أنّه ليس واحدًا منها. على أنَّ بإمكاننا أن نغفر لمن تتَّبعوا طرائفه هذا الأسبوع إن هُم اعتقدوا عكس ذلك. ففي الأربعاء الفائت، أعلن ترشيحه دونالد ترمب لجائزة نوبل للسَّلام.

 

سألني تايبرينغ جيدي، مُصِرًّا على جدّيَّة السؤال: "هل يُمكنك أن تسمّي شخصا فعل للسلام أكثر مما فعَلَ الرئيس ترمب؟"، وقد وافقتهُ كايلي مكيناني، السِّكرتير الصحفي للبيت الأبيَض، إذ قالت: "إنَّ هذا شرف قد ناله الرئيس بكدٍّ ويستحقُّه".

لقد دافع تايبرينغ جيدي عن ترشيحه عبر قناة "فوكس نيوز" عن بُعد، ثمَّ أمامي شخصيّا في مقهى بأوسلو، وسألني: "هل نُعطي الجائزة لغريتا ثانبيرغ لصياحها من أجل البيئة؟ إنَّ الاتفاق الذي عُقِد بين إسرائيل والإمارات قد يعني سلاما بين إسرائيل والعالم العربي. هذا أشبه بسقوط جدار [برلين]". يُقال إن البيت الأبيض سوف يعلن اليوم (وقت كتابة المقال) أن البحرين، ملكيّة خليجية أخرى، ستعترف بإسرائيل.

 

إن فاز ترمب بالجائزة فإنها ستكون رابع جائزة نوبل تُمنح لسلامٍ بين إسرائيل وجيرانها. (الإعلان سيكون في 9 أكتوبر/تشرين الأوّل). هذا سيجعل من السّاعين في السلام بين العرب وإسرائيل أكثر نجاحا في إغواء لجنة نوبل من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي فازت بهذه الجائزة ثلاث مرّات خلال 120 عاما من تاريخ الجائزة، لكنّهم سيظلُّون أقل نجاحا ممّن أرشّحهم أنا، ألا وهُم لا أحد على الإطلاق. لقد ألغت اللجنة تسليم جائزة السلام في 19 مناسبة، أحدثها في عام 1972. (في العام الذي تلاه، وفي قرار أكثر مدعاة للسخرية لدرجة أنّه كان ليخرُجَ من الأسطورة النورديَّة "بروز إدّا"، مُنحت الجائزة لهنري كيسنجر).

 

إعطاء الجائزة للا أحد على الإطلاق هوَ تقليد ينبغي للجنة الجائزة إعادة إحيائه، وربَّما للأبد. سجل إنجازات الحائزين على جائزة السلام متفاوت جدا، والذرائع التي تُساق للجائزة انتقائية جدا، بحيث يتعيّن على اللجنة أن تأخذ كثيرا من الوقت المستقطع لكي تُحدِّد ما إذا كان السلام تصنيفا متماسكا بما يكفي بحيث يستحق الاعتراف. لقد حظي السلام بفرصته، وأفسدها، وترشيح ترمب -أحد مئات التَّرشيحات الأُخرى، بما فيها هذا التَّرشيح الثاني من شخصية سويديّة- يساعدُ في الكشف عن السبب.

ميدالية جائزة نوبل للسلام

ينتمي تايبرينج جيدي إلى حزب التقدم النرويجي، وهو إجابة الجناح اليميني الشعبوي على أحزاب المؤسسة يمينا ويسارا. (البرلمانيّون الوطنيّون مخوّلون بتقديم مرشّحين للجائزة، كما هو حال الأساتذة الجامعيين، والحائزين السابقين على الجائزة، ومختلف الشخصيات البارزة في المنظّمات العالمية). وترشيحُه ترمب يصعقُني بوصفه ترشيحا مستحيلا. يقول تايبرينج جيدي: "السياسيون الآخرون لا يلتقطون الهاتف ويتحدثون، إن لديه القدرة على النزول إلى الأرض والكلام مع الناس على كل المستويات".

 

يلاحظ تايبرينج جيدي أن ألفريد نوبل أدرج التشجيع على "مؤتمرات السلام" كونه أحد المعايير للفائزين، وما مؤتمر السلام إن لم يكن محادثة بين شخصين لا سلام بينهما؟

 

لكنَّ اتفاقية بين إسرائيل وأمراءَ استبداديين في دولة خليجية صغيرة ليست صفقة بين إسرائيل والشعب الإماراتي، دع عنك أن تكون بين إسرائيل والشعب الفلسطيني. المناورة الدبلوماسية الرئيسية لترمب هي تبنّيه موقفا متزلفا من الاستبداديين، واعدا إياهم بعقود من الزمان في سُدّة الحكم مقابل ابتسامة وتنمية مشتركة. لكنّ السلام لا يعني شبكة من الاتفاقيات الشخصية بين اثنين من السيكوباتيّين الأثرياء.

إنّما إن كان استهلال حوار، مهما بدا مُذلا أو غير ذي جدوى، وتوقيع الاتفاقيات، مهما كانت غير ديمقراطية، هي شروط الجائزة، فإن حِجَاج تايبرينغ جيدي عندئذ له مبرراته. فكلُّ ما تحتاج لجنة نوبل إلى معرفته كان يُمكن أن تتعلَّمه في الحضانة. ويسألني جيدي: "أليس غريبا أنك في المدرسة تتعلّم أن الحديث مع الآخرين هو أفضل شيء؟ والآن يُقال لنا إن الحديث مع الأشخاص الخطأ هو أمر سيئ. لربما [إن تحدثت] لاحظتَ أن [الشخص الآخر] ليس سيئا بقدر ما تظنّ".

 

ثم قال إنَّ الجوائز السابقة تعترف بذلك؛ لقد فاز كم دا جنغ بالجائزة عام 2000، لأنه حاول وأخفق في إقامة السلام مع كوريا الشمالية. قال تايبرينغ جيدي: "انظر إلى اتفاقيات أوسلو"، لقد فاز ياسر عرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين بالجائزة معا عام 1994 بفضل عملية سلام بدأت بلقاءات عُقِدت على بُعد خطوات من حيث نتحدث الآن، ثم انهارت كليا بعدها بعدّة سنوات. "كم شهرا من الأخذ والرد السري كان هناك، ثم انتهت دون سلام. لكنّهم فازوا بالجائزة!".

 

وأشار إلى أنَّ أحد المعايير الأخرى للجائزة هي "إزالة أو خفض أعداد الجيوش على الأرض". يقول لنا تايبرينغ جيدي، إن ترمب بفضل حكمته سحب ترمب جنوده من العراق وأفغانستان. أشرت إلى أن ترمب يتباهى أيضا بأنه يعبد بناء قوات الجيش الأميركي. لكن الخفض لا يعني بالضرورة أعداد المشاة، كما يقول "إن لم تستخدم جنودك فإن أفضلهم سوف يستقيل. إن كنت طبيبا ولا يحق لك أن تستخدم مهاراتك سوى على دمية، فإنك بالتأكيد ستتوقّف. وهذا ما سوف يحدث مع ترمب". لقد وافق على تعليقاتِ ترمب الاثنين الماضي، حيث اتَّهم فيها كبار مستشاريه العسكريين بالتصرّف كمصَّاصي دماء للشركات، "إنَّهم [يريدونَ] عدم القيام بشيء سوى شنِّ الحروب بحيث تظلُّ تلك الشركات الرائعة التي تصنِّع القنابل راضية".

"إذن فترمب يعزز السلام عبر إضعاف جيش الولايات المتحدة"؟
"حسنا، إنه لا يفكر بالأمر بهذه الطريقة".
"هل نعطي أحدهم جائزة نوبل للسلام بسبب تأثيرات تصرّفه، لكن ليس من أجل نيّاته؟"، عند هذه النقطة تردد قليلا ثم قال إن تأثيرات الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي ونيّاته كانت متناغمة، وأن هذا ما يجب أن يهمّ.

 

لقد اعترف أن ترمب لن يفوز بالجائزة لولا سوقية الرجل وسلوكه الوقح، واستطرد قائلا: "إنني أعرف اثنين [من أعضاء اللجنة الخمس]، وهم يبحثون عن أشخاص يكون عليهم التصرف بطريقة معينة". لكن ليس الأمر كالكيمياء، إن وجدوا أن لديك أربع حالات طلاق وشخصية سيئة فإنّهم لن يمنحوك جائزة الكيمياء بسبب ذلك.

 

بحلول الآن ينبغي لتناقضات جائزة السلام أن تكون واضحة. هل تُعطى من أجل السلام، أم من أجل الشائعات حول السلام؟ هل تستحق الجائزة لأنّك تُمكِّن الطغاة، طالما أن الطغاة جزء من شبكة مستقرة؟ هل تمنح الجائزة لإضعاف جيش قويّ دون قصد، أم فقط في حال كان التدمير متعمدا؟ ماذا إن قُمت بكل الأشياء الصائبة، بيد أنَّك وقح، يشتبه بكونه مغتصب نساء؟ إلى هذه الأسئلة بإمكان المرء أن يُضيف نصيحة بالتواضع: إن منحت الجائزة لمن يُمكِّنون الإبادة، والفساد، والتزييف المستمر، ونظريات المؤامرة حول الإيدز، لربّما سيكون عليكُم إيقافها بضع جولات.

لطالما خضعت جائزة السلام لتقييمات ذاتية أكثر من جوائز العلوم، وسوف أجادل بأنها أكثر ذاتية من جوائز الأدب، ومن المفيد للجائزة أن تتطوّر، إذ بتنا نتوصّل اليوم، لفهم أفضل لكيفية تحقيق سلام مستدام. لكن ثقوب الجائزة اتسعت على الراقع. الشَّرف لا يحفّز السلام، إن توَّجت به في أحد الأعوام كيسنجر (مشعل العديد من الصراعات، وواضع حدٍّ لواحدها فقط)، وتوَّجت به في عام آخر الأمّ تيريزا (التي لم تبدأ حربا أبدا، لكنّها، كما راق لكريستوفر هتشن أن يشير، استخدمت خطابها يوم تكريم الجائزة لتوعية العالم بأنّ "أعظم مدمّر للسلام العالميّ" هو الإجهاض). يشير تايبرينج جيدي إلى أن الحوارات القليلة مع المُفسِدين هي سبب للفوز بالجائزة، وتاريخها يؤكد ذلك. إذن، ومن جديد، فقد فاز باراك أوباما عام 2009 بالجائزة، رغم رفضه اللقاء مع كيم جونغ إيل، وبالمناسبة، رغمَ توسعتِه برنامج الولايات المتحدة للطَّائراتِ المُسيَّرة (لقد فاز لأنه عزز، دون أن ينجح في تحقيق، "التعاون بين الشعوب").

 

كل ذلك يشير إلى واحِد من اثنين من الاستخلاصات: بإمكان لجنة نوبل أن تمنح الجائزة لمنظمات الإحسان مثل الصليب الأحمر وأطباء بلا حدود (وتتوخى الحذر المفرط)، أو بإمكانها إبقاء الجائزة منسيّة لبعض الوقت، وإعادة تقييم استنتاجاتها بحيث تتسق مع العصر الحديث. وأشكّ أن إعادة التقييم هذه سوف تنتهي، هذا إن كانت اللجنة صادقة، إلى الاعتراف بأنّ السلام إنمَّا يكون سلاما بما يتمخض عنه. لكن الاستمرار بمنح الجوائز للبدايات مثير للإحراج، ويجعلك رهينة لترشيحات غريبة تستجدي الاهتمام مثل ترشيح ترمب. من الأفضل إنهاء الجائزة، قبل أن تتكفَّل الترولَّات بذلك.

———————————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة