من صوتوا ضد هيلاري يصوتون اليوم لبايدن.. كيف نفهم استطلاعات الرأي في الانتخابات الأميركية؟

من الصعب أن تكون استطلاعات الرأي الأخيرة أكثر طمأنة مما هي عليه لمَن يرغبون بالانتهاء من دونالد ترامب، فقد عنونت السي إن إن: "بايدن يُحرِز أكبر تقدُّم هذه السنة"، وعنونت الدايلي بيست: "بايدن يحصد 55% مقابل 41% لترامب فيما يعد أكبر تقدُّم في استطلاع رأي على مستوى البلاد"، وأخذ يؤكّد عنوان في أحد مقالات الرأي على الواشنطن بوست: "الجمهوريون عليهم الخوف من استطلاعات الرأي". لكن استطلاعات الرأي أيضا تُثير مخاوف الديمقراطيين الذين رفعوا آمالهم عاليا قبلَ أربع سنوات في خضمّ سيل من الأرقام التي رجّحت كفّة هيلاري كلينتون.

 

في معرض حديثها حول تقارير تفيد بأنَّ جو بايدن يتقدّم بأريحيّة في ولاية ميتشيغن، قالت النائبة ديبي دينجل للمشاركين في إحدى الحملات الديمقراطية التي أُقيمت افتراضيا مؤخرا: "لا أُصدِّق هذه الأرقام"، غير أنّ هذه اللحظة مختلفة جدا عن سابقتها.

 

بداية، خلال صيف وخريف عام 2016، لم يكُن لدى كلينتون التقدُّم ذاته الذي يحرزه بايدن في استطلاعات الرأي القومية حاليا، واقتصر تقدُّمها على معدّل أربع نقاط قبل شهور من الانتخابات، وهي النقاط الأربعة ذاتها التي تقدَّمت بها قبل يوم على الانتخابات. هذه السنة، بعد أن أفلح بايدن في اقتناص ترشيح الحزب الديمقراطي، تقدَّم بستّ نقاط على ترامب، وأخذ الفارق يتسع حتى بلغ عشر نقاط تقريبا بعد وفاة جورج فلويد وأسابيع الاحتجاج التي عمّت البلاد بعد الحادثة. يغفل التخوّف المتأصّل لدى الديمقراطيين عن تمييز المقدار الذي تغير فيه المشهد السياسي منذ عام 2016، فنحن بصدد استطلاعات رأي مختلفة، وأميركا مختلفة، وحملات انتخابية مختلفة باختلاف قادتها.

جو بايدن

إنني مُستطلع آراء يعمل من أجل انتخاب الديمقراطيين. قبل أربع سنوات، كنت أعتقد أيضا، بالنظر إلى استطلاعات الرأي والمعلومات الصادرة عن حملة هيلاري كلينتون، أنَّ مرشحنا سيفوز، لكنني لم أعتبر هذا الانتصار مُسلَّمة من المسلّمات. واليوم، تُشير الأرقام إلى أنّ المُرشَّح جاهز للإطاحة بترامب وأجندته، لكن بدلا من العيش في رعب أن يكرر عام 2016 نفسه، ينبغي للديمقراطيين الإنصات إلى ما يقوله المُصوِّتون واقتناص الفرصة للدفع باتجاه أكبر تغيير متاح.

 

وقع أسوأ خطأ ارتكبته حملة هيلاري في سبتمبر/أيلول 2016، حينما وصفت المرشّحة "نصف أنصار ترامب" بأنهم "بؤساء" وغضَّت أبصارها عن ثورة الطبقة العاملة البيضاء ضد النخب. كما أن حملتها ضد بيرني ساندرز فضحت ضعف الحماسة لها في أوساط الطبقة العاملة البيضاء في الضّواحي التي كسبها باراك أوباما سابقا. وأخذت حملتها تُمنّي النفس بتعويض الأصوات المفقودة بانتصارات ساحقة في أوساط النساء، وذوي البشرة الملوّنة، والمُصوِّتين في المدن الكبرى. لاحظت الطبقة العاملة البيضاء قلة الاحترام هذه، وتمكَّن ترامب من الظفر بهوامش واسعة معهم، فأحرز في أوساط هذه الطبقة 48 نقطة لدى الرجال و27 نقطة لدى نسائها، وفقا لاستطلاعات "الخروج من الاقتراع". وكان انتقال أصوات الطبقة العاملة البيضاء إلى جعبة ترامب هو السبب الأكبر وراء التقدير الخاطئ في هامش النقطتين الذي مُنح  لهيلاري في استطلاع الرأي القومي والهامش الأكبر من النقاط التي قُدِّرت لها في استطلاعات الولايات الأميركية.

 

بالاعتماد في الأغلب على استطلاعات "الخروج من الاقتراع" عن انتخابات سابقة، بالغ مستطلعو الرأي في تقدير أعداد الناخبين من حملة شهادة البكالوريوس في الدوائر الانتخابية، وكان التقاط الرقم على نحو خاطئ عاملا مهمّا جدا في انتخابات ثارت فيها ثائرة الطبقة العاملة البيضاء، وهو ما اقتضى وبشكل حاسم قيام العديد من مستطلعي الرأي بتعديل افتراضاتهم حول تركيبة الدوائر الانتخابية في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2020.

 

إذن، فإن أحد الأسباب التي تدعو للثقة باستطلاعات الرأي التي أجريتها على نحو يفوق استطلاع عام 2016 هو هذا التغيير. قبل أربع سنوات، كان أولئك الذين لا يحملون درجة البكالوريوس يُشكِّلون 48% من نسبة المستجيبين في المسح الذي أجريته، أمّا اليوم فإنهم يُشكِّلون 60%، وكان البِيضُ ممّن لا يحملون درجة البكالوريوس يُشكِّلون 33% من المسوحات التي أجريتها، لكن نسبتهم اليوم بلغت 43%، وهذا تغيير هائل. إنَّ الألم الذي تجرّعناه جرّاء انتصار ترامب ورئاسته الكارثية قد ركّز أذهان الموظفين في الحملة والعاملين في مجال الاستطلاع على أساليب تمنحني الثقة بأن تقدُّم بايدن هو تقدُّم حقيقي، ولا شك أنّ اشمئزاز الناخبين العميق من الترامبيّة يُفسِّر أيضا التقدُّم الذي يحظى به بايدن في الاستطلاعات.

 

لقد أشعلت مسيرة النساء التي قامت بعد يوم واحد فقط من تنصيب ترامب ثورة ضدّه ولم تهدأ. في سباق الكونغرس عام 2018، ظفر الديمقراطيّون من النساء البيضاوات بعشرين نقطة، وفي الولايات المتأرجحة، يتقدَّم بايدن بتسع وثلاثين نقطة وفقا لاستطلاع رأي أجرته نيويورك تايمز في يونيو/حزيران. ومع أن النساء من خريجي الجامعات يُشكِّلن جزءا كبيرا من ثورة الضّواحي ضد ترامب، فإن التحوُّل في أواسط البيضاوات غير المتزوجات، اللائي يُشكِّلن خُمس الناخبين، قد يُبرهِن على أهمية أكبر. في انتخابات عامَيْ 2012 و2016، خسر الديمقراطيّون هذه الفئة بفارق نقطتين أمام المرشح المنافس. ووفقا لاستطلاع رأي يونيو/حزيران الذي أجريته لصالح "حراس الديمقراطية" و"مركز معلومات المُصوِّتين" في الولايات المتأرجحة، فإنّ بايدن يتقدَّم فيها بنسبة 57% مقابل 43% لترامب. أمّا الضربة القاضية لآمال ترامب فتتمثَّل في الدعم الواهن من قِبَل نساء يُشكِّلن أغلبية في الطبقة العاملة البيضاء. دون دعم مُعتَبر من هؤلاء المُصوِّتين، لا يمكن لترامب الفوز. حاليا، بايدن متأخر بهامش سبع نقاط فقط في أوساط هذه الفئة بحسب استطلاع الولايات المتأرجحة الذي أجريته.

 

يتمثَّل هدف ترامب كونه مرشّحا ورسالته كونه رئيسا في إيقاف الهجرة، فقد قطع وعدا ببناء جدار ضد المكسيكيين، وفرض حظرا على المسلمين، وعرقَل الدخول القانوني وغير القانوني إلى البلاد. لكن خلال ولاية ترامب، بات الشعب أكثر تضامنا مع الهجرة. حينما تولّى ترامب منصبه، كان نحو نصف الأميركيين ينظرون بعين الارتياح "للمهاجرين إلى الولايات المتحدة"، أمّا الآن فنحو 62% من الأميركيين يعتقدون أن المهاجرين يؤدّون فائدة للبلاد. ومع أنَّ ترامب يُشدِّد على أهميّة الجدار الممتد حتّى 200 ميل فما يزيد مع المكسيك، أظهرت الاستطلاعات أن الأميركيين يعارضونه بهامش واسع.

تظاهرة أميركية احتجاجًا على بناء جدار مقترح على طول الحدود مع المكسيك في إل باسو، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية

أخيرا، رفض معظم الأميركيين استقطابية ترامب، وتعصُّبه وعنصريّته في أعقاب مقتل جورج فلويد. في وقت زعم فيه ترامب أنه رئيس القانون والنظام، كان ثُلثَا البلاد يدعمون حركة "حياة السود مهمة"، وفقا لاستطلاع يونيو/حزيران من مركز "بيو". إنَّ أغلبية البِيض من الأميركيين تعتقد أن مقتل جورج فلويد إنما كان جزءا من "نمط أوسع من عنف الشرطة المُوجَّه ضد الأميركيين من أصل أفريقي".

 

كما أن ترامب قد خلّف وراءه حزبا جمهوريا ضامرا، ومثلما جادلت في مارس/آذار، فإنّ هذا الأمر يتسبَّب بنزيف أصوات للحزب. إن كنت تريد معرفة الحد الذي بلغه ضعف ترامب، فانظر إلى عدد الأميركيين الذين يقولون إنهم جمهوريّون في ظل ولايته، إذ انخفضت نسبة مَن يقولون إنّهم جمهوريّون من 39% حينما تولّى ترامب الرئاسة إلى 36% قبل مقتل جورج فلويد في مينيابوليس، وقد هوى هذا الرقم إلى 33% حاليا، وفقا لاستطلاع رأي حديث أجرته وول ستريت جورنال وإن بي سي نيوز.

 

وقد وَلَّدَ ذلك رياحا عكسية لرئيس يُحوِّل كلّ يوم إلى استفتاء جديد على شخصِه. على مدار فترة رئاسته، يتفق نحو 42% من الأميركيين فقط مع الطريقة التي أدّى فيها وظيفته، في حين يعترض 52% عليها. ومؤخرا، انحدرت تقييمات قبول ترامب شيئا قليلا إلى نحو 41%، بينما قفزت تقييمات رفضه إلى نحو 56%، وتبدو هذه الأرقام شديدة الشبه بفارق النقاط الأربعة عشر لبايدن على ترامب في أحدث استطلاع أجرته نيويورك تايمز.

مؤخرا، بات ترامب يبدو كمَن يُمسك بمسدّس بلاستيكي عند استنهاض قاعدته الجماهيرية وبثّ الحمّى الجماهيرية ذاتها التي غيّرت انتخابات 2016 عند الأميال الأخيرة. لقد أقام ترامب أمسيات دعم انتخابي العام الماضي بغرض دعم المرشحين الجمهوريين لمناصب حكّام الولايات في كلٍّ من كنتاكي ولويزيانا وخسروا، ثمَّ نادى أتباعه في حزب الشاي لكي "يُحرِّروا" ولايات مينيسوتا وميتشغن وفيرجينيا، وكانت الحشود الصغيرة المسلحة التي ظهرت في عواصم الولايات مروّعة، لكن حكّامها وقفوا لها بالمرصاد، وكان ترامب يتباهى بمليون مناصر يرغبون بحضور حشده الانتخابي في ولاية تولسا، لكنّ مجمل الحضور بلغ 6200 شخص، وفقا لمفوّض الدفاع المدني.

 

حاليا، فإن 67% من الجمهوريين يوافقون على ترَامب بشدّة حسب أحدث استطلاع، لكنَّ الرقم هزيل أمام نسبة 91% من الديمقراطيين الذين يعترضون عليه بشدة. ما لم يطرأ أمر جذري، فإنَّ المُصوِّتين المناهضين لترامب سيكتبون التاريخ. لكن في الأشهر القادمة، يُمكن للعديد من الأشياء أن تُعرِّض تقدُّم بايدن للخطر. وإن كان ثمة عوامل تمنح الديمقراطيين سببا للتفاؤل، فمن المُرجَّح بأن حملة بايدن ستتفادى الأخطاء التي ارتكبتها حملة كلينتون، التي استهانت بمدى ضعف الديمقراطيين في الولايات التي يفترض أنها "الجدار الأزرق" في كلٍّ من ويسكونسن وميشيغان وبنسلفانيا. ومع أنّ الأحداث ستفرض تحديات جديدة على بايدن، فإن الأمر ذاته يسري على ترامب.

 

حتى في فترة ما قبل الجائحة، كان المشهد السياسي الأميركي آخذا في التغيُّر منذ لحظة انتخاب ترامب، وليس بالطرق التي كان يُحبِّذها الرئيس. لكنّ أرقام الاستطلاع الحالية ينبغي أن تحث الديمقراطيين على العمل من أجل تحقيق أكبر رفض ممكن لرئيس أميركي وحزب سياسيّ يُثبِّت أركان عرشه يفتقد كلاهما إلى الشيء الكثير من ثقة الناس.

———————————————————————————————————————-

هذا التقرير مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة