شبح بن علي.. ما الذي يخفيه قانون حماية قوات الأمن في تونس؟

عمّ الهدوء مدينة "عين زغوان" الشاطئية الواقعة في الضاحية الشمالية بالعاصمة التونسية، مدينة تونس، مساء الرابع من سبتمبر/أيلول عام 2012، لكنّ ضجيجا ما على بُعد عشرة كيلومترات من وسط المدينة قطع جلسة مسائية لفتاة تُدعى "مريم بنت محمد" (اسم مستعار) رفقة خطيبها، حين باغتهما ثلاثة رجال من الشرطة التونسية مارّين بسيارة مدنية بالقرب منهما، ثم قام اثنان منهم بخطف مريم وحملها لسيارتهم وتداولا على اغتصابها، فيما تكفَّل الثالث بإبعاد خطيبها عنها وابتزازه ماليا، وقد أصبحت الحادثة وقتها قضية رأي عام شهيرة، تابعتها صحف ومواقع عديدة؛ بعدما أثبتت الفتاة طبيا أنها تعرَّضت للاغتصاب وقدَّمت شكوى تحوَّلت إلى قضية رغم ضغوطات كبيرة وصلت في مرحلة ما لاتهامها بإغواء رجال الشرطة و"المجاهرة بما ينافي الأخلاق الحميدة"، فيما لم يتوانَ التونسيون الذي وصفوا وزارة الداخلية تهكما بـ "وزارة الاغتصاب الشرعي" عن دعم مريم بالتوازي مع دعم منظمات المجتمع المدني، حيث تطوَّع 20 محاميا للدفاع عنها، وبرغم ذلك حصل المتهمون على حكم مُخفَّف يقضي بسجنهم سبع سنوات رغم أن القانون التونسي ينص على عقوبة سجن لتهمة الاغتصاب بين 10 و15 عاما في المتوسط، وبحد أقصى مدى الحياة.

 

لكن "مريم" واصلت معركتها القضائية حتى حصلت بعد ثلاث سنوات، في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014، على حكم استئناف يقضي بعقوبة أشد بحق الشرطيين المتهمين مُدِّدت لـ 15 عاما، وبإصرارها حصل التونسيون في واحدة من المرات النادرة على تطبيق فعلي لنص قانوني يقضي بعقوبة كبيرة نسبيا على رجال الأمن المتورطين في قضايا جنائية خلاف ما كان يحدث من طمس للقضايا المشابهة خلال حكم نظام ما قبل الثورة وعلى رأسه "زين العابدين بن علي".

 

تُوجِّهنا تلك القصة لما يحدث الآن، فبعد مُضي نحو عشر سنوات على ثورة الربيع العربي الأولى يجد التونسي الذي لم يُشفَ بعد من جراح ما قبل الثورة، خاصة تلك المُتعلِّقة بتعامل المؤسسة الأمنية مع الشعب كونها "ذراعا قمعيا"، يجد نفسه في مواجهة نقابات شرطية ما زالت تُستخدم أداةً لحماية مصالح المنظومة الأمنية المتجسِّدة في وزارة الداخلية، وتقويض سيادة القانون، وقد تَمثَّل ذلك في وقفة احتجاجية في الأول من الشهر الحالي لعشرات من أعضاء منظمات المجتمع المدني التونسية أمام البرلمان اعتراضا على عودة مشروع قانون حماية قوات الأمن للنقاش بين أعضائه، وهو مشروع قانون عُرِف في السنوات الماضية باسم "زجر الاعتداء على القوات المسلحة"، وقيل إن الغرض منه هو حماية رجال الأمن الداخليين من المسلحين والاستهداف أثناء أداء العمل، لكنّ المحتجين والبيانات المُندِّدة قالت إنه يهدف إلى تمكين النظام القديم من العودة تحت ذريعة توسيع الحماية القانونية لقوات الأمن، وإعطائهم قدرة واسعة على ممارسة انتهاكات مستقبلية بلا عقاب.

 

قبل نحو عام من "ثورة الياسمين"، كتب السفير الأميركي في تونس "روبرت ف. غوديك" في برقية نُشرت لاحقا على موقع ويكيليكس أن تونس "دولة بوليسية"، وحاول غوديك أن يُعبِّر في برقيته السرية عن حقيقة أن نظاما كنظام الرئيس التونسي الأسبق "بن علي" يحكم البلاد بقبضة شديدة، وأن هدف أجهزته الأمنية في المقام الأول هو حماية رجال الأمن وليس حماية مواطني البلاد، فقد أدّى رجال الشرطة التونسية آنذاك دورا كبيرا في فرض السيطرة عبر استخدام العنف والقمع ضد المواطنين، بدءا من المراقبة والاعتقال مرورا بالتعذيب ووصولا إلى القتل، مع ضمانة شبه ثابتة بالإفلات من العقاب القانوني.

 

لاحقا، قامت الثورة التونسية في 14 يناير/كانون الثاني عام 2011 عقب إحراق الشاب محمد البوعزيزي نفسه احتجاجا على استهداف مصدر رزقه من قِبَل عناصر شرطة في ولاية سيدي بوزيد، وحملت بارقة أمل كبيرة للتونسيين بإنهاء حكم بن علي ثم فتح الباب على مصراعيه لعقاب رجال الأمن الذين مارسوا عنفا كبيرا حتى آخر يوم قبل سقوط النظام، ووقتها اختفت الشرطة من الشوارع تاركة الساحة للجيش الذي خرج من ثكناته العسكرية للإشراف على حفظ الأمن الداخلي لعدة أشهر، فيما كان مشهد الأسلاك الشائكة الدائرية المحيطة بمبنى وزارة الداخلية (تضم الوزارة الشرطة والحرس الوطني وقوات الحرس الرئاسي والشرطة القضائية) يثير سخرية التونسيين الذين رأوا فيه حماية لعناصر الأمن من ملاحقتهم وليس تحصينا للوزارة. وفي العام الأول للثورة ظهرت علامات على أن الزخم الثوري أحدث إصلاحات سريعة في العمل الشرطي ولو التمس في ذلك بداية طريقا عشوائيا، ففي هذا العام حُلَّ ما يسمى بـ "الشرطة السياسية" (مديرية أمن الدولة)، وعُزِل نحو 11 مدير أمن، كما وُضِع دليل حقوق إنسان بين وزارة الداخلية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

 

لكن سرعان ما أفاق التونسيون سريعا ليجدوا من حولهم رجال الأمن المتورطين في العنف وقد خُفِّفت أحكامهم مُتجوِّلين بحُرية في ربوع البلاد، ووصلت الأمور إلى التخطيط لإنشاء قوة أمنية خاصة لشبكة السكك الحديدية التونسية، وهو ما جعل التونسيين مُجبرين على الاحتفاظ بمشاعر عدم الأمن مع الشرطة. وكما قالت رئيسة المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب راضية نصراوي في حوار سابق لها فإن التعذيب استمر بعد الثورة "واتخذ شكلا مروعا، بطرق وأساليب مختلفة، بين الضرب والكهرباء، الصدمة والتعليق من اليدين والقدمين والحبس الانفرادي والعنف اللفظي والإذلال" حد تعبيرها.

epa02532157 (FILE) A photograph dated 14 January 2011 and taken by epa photographer Lucas Dolega shows a demonstrator being beaten by police during a protest against Tunisian President Zine El Abidine Ben Ali, in Tunis, Tunisia. The image was transmitted by a colleague the following day 15 January after Dolega in the course of the protests was hit by a teargas grenade and rushed to a hospital in Tunis with severe head injuries. Lucas Mebrouk Dolega, who has been working for the european pressphoto agency epa's office in Paris, France, since April 2006, died of his injuries on 17 January 2011 at the age of 32. EPA/LUCAS DOLEGA

وقد سجَّلت منظمة العفو الدولية في تقرير لها بعد عام من قضية مقتل "عمر العبيدي" الكثير من انتهاكات الأجهزة الأمنية التونسية أيضا، قائلة إنه كان هناك استخدام مفرط للقوة من قِبَل قوات الأمن، بما في ذلك حالة إطلاق الرصاص الحي على الحشود على ما يبدو دون سابق إنذار، واعتداءات مستهدفة من قِبَل الشرطة على الشباب خاصة في الأحداث الرياضية، مما أدّى إلى إصابات خطيرة، وأضاف تقرير المنظمة الدولية أن هناك مخالفات مُتعلِّقة بالتحقيقات في انتهاكات الشرطة، بما في ذلك التقارير الطبية المفقودة، وإنكار قوات الأمن المتعمد، أو التأخير في تقديم الرعاية الطبية لضحايا الاستخدام المفرط للقوة أو التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، مع فشل واضح في معالجة عدم امتثال ضباط الأمن للمثول أمام القضاة.

 

علاوة على ما سبق، وبعد عشر سنوات من عمر الثورة التونسية، بقيت حواجز التغيير داخل أروقة الشرطة قائمة بحكم بقاء مجموعتين من النصوص القانونية عزّزتا وظيفة النمط الاستبدادي لقوات الأمن، وهما قانون الإرهاب وقانون العقوبات، ففيما ساهم قانون العقوبات في تمكين السلوك القمعي للأجهزة الأمنية، عبر حظره "إهانة" الموظفين العموميين مثلا، وهو لفظ مطاط يمكن إدراج تعاملات كثيرة أسفله، بجانب ذلك فإن قانون الإرهاب الذي صدر عام 2003 ورغم تنقيحه لا يزال يُساء استخدامه على نطاق واسع بسبب التعريفات الفضفاضة للغاية للإرهاب أيضا، حتى إن مواصلة تمديد حالة الطوارئ المتعلق بمكافحة الإرهاب بالبلاد، وآخرها كان تمديدا لستة أشهر منذ مايو/أيار الماضي، أبقت على مخاوف المجتمع المدني والحقوقي التونسي من أن يغطي ذلك على مطالبات إصلاح الشرطة المستمرة، إذ إن حالة الطوارئ وفَّرت غطاء قانونيا لانتهاكات الشرطة، بما في ذلك استمرار حظر الإضرابات والاجتماعات، ووضع المشتبه بهم رهن الإقامة الجبرية دون أمر من المحكمة، وتفتيش الممتلكات دون إذن، والسيطرة على الصحافة والإعلام في البلاد، كما حدث في قضية مغني الراب علاء اليعقوبي الملقب بـ "ولد الكانز" الذي حُكِم عليه بعامين سجن بسبب أغنية راب وصف فيها أجهزة الامن بـ "الكلاب البوليسية"، قبل أن يُخفَّف الحكم لستة أشهر في الاستئناف.

 

سابقا، أي في زمن بن علي، حال القانون التونسي دون السماح للشرطة وأجهزة الأمن الداخلي كافة المنضوية تحت وزارة الداخلية من تشكيل نقابات مهنية خاصة بهم، وهو وقت لم تكن فيه تونس كما أصبحت بعد الثورة تشهدُ انفتاحها الحديث نحو إنشاء نقابات متنوعة، لكن جهاز الأمن التونسي كان أول الجهات التي انكبَّت نحو إنشاء النقابات التمثيلية تقريبا بعد الإطاحة ببن علي بأيام قليلة، وقد تمكَّن بالفعل بين عامَيْ 2011-2012 من إنشاء أكثر من 100 نقابة في القطاع الأمني تحت دعاوى المطالبة بتحسين الأجور وتغيير شروط الترقية والتوظيف، وسمح المرسوم (42) المؤرخ في 25 مايو/أيار لعام 2011، والصادر إبان حكومة الراحل الباجي قايد السبسي، بإنشاء نقابات أمنية، ونص فيه الفصل 11 على "حق قوات الأمن الداخلي في ممارسة العمل النقابي، ويمكن لهم تكوين نقابات مهنية مستقلة عن سائر النقابات المهنية واتحاداتها".

epa05125253 Tunisian police officers wave a huge national flag and shout slogans during a demonstration outside Tunis' Carthage Palace, Tunisia, 25 January 2016. Hundreds of Tunisian police officers marched in protest outside the presidential palace to demand a pay rise. EPA/STRمظاهرة للمئات من ضباط الشرطة التونسية خارج القصر الرئاسي للمطالبة بزيادة الرواتب 2016

على عكس ما يراه أبناء الأجهزة الأمنية من ضرورة إنشاء تلك النقابات، فإن المجتمع المدني والحقوقي يعتبر هذه النقابات الأمنية ترسيخا للسلطة الاستبدادية وغطاء للإفلات من العقاب القانوني، وطريقا مُمهدا لعدم محاسبة الأمنيين المتورطين في أي انتهاكات، فسرعان ما حادت هذه النقابات عن أهدافها في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لأعضائها لتصبح جزءا من التجاذبات السياسية في البلاد، كما تُخبرنا بذلك الحقوقية التونسية أسما بن حسن، مضيفة في تعليقها لـ "ميدان" أن تلك النقابات "وصل بها الأمر أحيانا إلى تحدي مؤسسات البلاد الرسمية وغير الرسمية، وآخرها اقتحام عدد كبير من عناصر الأمن المسلحين مقر المحكمة الابتدائية في بن عروس عام 2018 في محاولة للضغط على قاضي التحقيق، ودفعه للإفراج عن زميلهم الموقوف على خلفية شكوى تقدّمت بها محامية بعد احتجازها وتعنيفها وانتزاع بطاقتها المهنية، كما سعت لتهديد وحدة المؤسسة الأمنية والانحياز لطرف سياسي على حساب آخر".

 

وكمثال ساطع يُعَدُّ "الاتحاد الوطني لنقابات قوات الداخلية"، إحدى أهم المؤسسات التي شكّلتها النقابات الشرطية، في طليعة الكيانات التي تحدّت المفهوم الديمقراطي الجديد في تونس، حيث أخذ قادته بالظهور في وسائل الإعلام بشكل روتيني مطالبين بعدم خضوع ضباط الشرطة لسيادة القانون، وقد حدث ذلك في قضية مقتل الفتاة أحلام الدلهومي البالغة من العمر 21 عاما وابن عمها في أغسطس/آب عام 2014، فحين أصدرت المحكمة في محافظة القصرين الجنوبية حكما بسجن ضابط شرطة بتهمة "القتل الخطأ"، دفعت النقابات نحو التظاهر أمام البرلمان رافعين شعارات "ضابط أمن في السجن = دعم الإرهاب".

 

وقد كان أخطر تدخل للنقابات هو دفاعها عن مشروع قانون "مقاضاة الانتهاكات ضد القوات المسلحة" رقم 25/2015، إذ ضغطت النقابات في العام المذكور لتمرير القانون الذي صاغته وزارة الداخلية بغموض يُهدِّد بإحياء جوانب الدولة البوليسية حد قول منتقديه، وكما جاء في تقرير لمنظمة العفو الدولية وقتها فإن القانون يعني السماح لقوات الأمن باستخدام القوة المُميتة لحماية الممتلكات حتى عندما لا يكون ذلك ضروريا للغاية لحماية الأرواح، كما أن من شأنه حظر تشويه سمعة قوات الأمن وتجريم النشر غير المُرخَّص لمعلومات الأمن القومي، وهو في ذلك قانون غامض يُشكِّل تهديدا واضحا للصحفيين، وكما قالت آمنة القلالي الباحثة في "هيومن رايتس ووتش" في تونس فإن "الهدف من القانون هو حماية الأجهزة الأمنية، لكن هدفه الأكثر سرية هو تضييق مساحة الحرية في البلاد".

في أواخر عام 2017، عندما أعادت النقابات الشرطية تقديم المشروع من جديد بعد إجراء تعديلات عليه، وصل الأمر حد تهديد أكبر ثلاث نقابات شرطة (الحزب الوطني السوري للأمن الوطني في بلدي، ونقابة مسؤولي المديرية العامة لوحدات التدخل، والاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسية) بأنها ستتوقف عن حماية أعضاء البرلمان إذا لم يُعرض مشروع القانون على جلسة عامة في غضون 15 يوما، وهدَّدت بعض النقابات علنا بعدم تأمين قاعات الجلسات، ودعت أعضاءها من المتهمين في انتهاكات لعدم الامتثال أمام الدوائر القضائية المختصة في قضايا العدالة الانتقالية، وقد رفض بالفعل بعضهم تنفيذ القرارات الصادرة عن رؤساء الدوائر المختصة بالمحاكم الابتدائية المتعلقة بالإجراءات التحفظية كالاستدعاءات وبطاقات الجلب وقرارات منع السفر.

 

يُخبرنا المحامي والباحث التونسي "كريم المرزوقي" في حديثه لـ "ميدان" أنه رغم كون مشروع القانون في نسخته الأخيرة للعام الحالي 2020 أفضل من المشروع الحكومي المُقدَّم عام 2015 الذي كان مشروع استعادة الدولة البوليسية بامتياز، وجاء في سياق تصاعد العمليات العنيفة في البلاد، فإن الأمر يبقى كأنه "محاولة خفية للمقايضة بين حماية المواطن من جهة وانتهاك حقوقه ومس حرياته من جهة أخرى". وبالنسبة للمرزوقي فإن تلك النسخة تبقى مرفوضة لعدة اعتبارات كما أخبرنا في تعليقه، أولها عدم الحاجة إلى قانون خاص لحماية الأمنيين باعتبار القوانين الحالية خاصة الواردة في المجلة الجزائية تضمن ذلك، وثانيها أن تخصيص الأمنيين بقانون خاص يناقض مبدأ المساواة وهو مبدأ دستوري، وثالثها لأن نص المشروع ما زال يتضمّن فصولا مشوبة بعدم الدستورية وتفتح الباب للإفلات من العقاب، وتحديدا الفصل العاشر المُتعلِّق بـ "عدم المؤاخذة الجزائية الأمنية". وأضاف المرزوقي أن الأولوية اليوم هي إصلاح المنظومة الأمنية لضمان إرساء أمن جمهوري يحترم الحقوق والحريات ويتجاوز عقيدة الدولة البوليسية التي جثمت على صدور التونسيين لعقود، خاصة أن الأمني اليوم، والحديث ما زال لكريم، بحاجة إلى تعزيز حقوقه المهنية والاجتماعية وليس بحاجة إلى قانون يحميه من المواطن.

 

من جانبها، تتفق الحقوقية أسما بن حسن مع المرزوقي أنه رغم التعديلات التي طالت مشروع القانون فإنه لا يزال يُشكِّل تهديدا وخطوة للوراء، كما يتعارض مع القيم التي قامت عليها الثورة، وتُوضِّح بن حسن لـ "ميدان" أن النقابات الأمنية تبني زعمها على وجود فراغ تشريعي فيما يخص حماية الأمنيين، ولكن هذا غير صحيح كما تقول بن حسن، حيث يضمن قانون الإرهاب الحماية الضرورية للأمني حال طالته الاعتداءات، وبالتالي لا حاجة إلى تشريع جزئي يخرق مبدأ المساواة بين المواطنين، وكذلك يُؤسِّس القانون لثقافة الإفلات من العقاب على غرار الفصل السابع الذي يُسقِط المسؤولية الجزائية عن الأمني إذا نتج عن استخدامه للقوة أضرار، ويُعطي صلاحيات أوسع للأمنيين لاستعمال القوة في ظل وجود نصوص فضفاضة.

 

epa02532158 (FILE) A photograph dated 14 January 2011 and taken by epa photographer Lucas Dolega shows police officers clashing with demonstrators during a protest against Tunisian President Zine El Abidine Ben Ali, in Tunis, Tunisia. The image was transmitted by a colleague the following day 15 January after Dolega in the course of the protests was hit by a teargas grenade and rushed to a hospital in Tunis with severe head injuries. Lucas Mebrouk Dolega, who has been working for the european pressphoto agency epa's office in Paris, France, since April 2006, died of his injuries on 17 January 2011 at the age of 32. EPA/LUCAS DOLEGA

في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي استضافت الإذاعة المحلية التونسية "موزاييك" الناشطة الحقوقية "بشرى بالحاج حميدة"، وفي تلك الحلقة الإذاعية الخاصة ببرنامج "ميدي شو" تحدَّثت حميدة عن تعرُّضها لحملة استهداف من قِبَل رجل أمن قام بفبركة تدوينات "خطيرة" باسمها ثم نشرها في صفحات الحزب الدستوري الحر، وتحدَّثت حميدة عن أن رحلة بحثها عن الجهة التي تقف وراء ذلك أكَّدت لها أن مَن وراء تلك الحملة هو زوج رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، ويُدعى "بكار بن علي".

 

بالنسبة للتونسيين، لا يُشكِّل ورود اسم "بكار" في قضية ملاحقة شخصية حقوقية كـ "حميدة" مفاجأة، فالرجل، وهو رئيس إحدى نقابات الشرطة المسؤولة عن تقويض العدالة الانتقالية في تونس، من رجال عناصر النظام السابق لـ "بن علي"، حيث تريد القوى القديمة للنظام العودة من خلال استخدام نقابات الشرطة في تحقيق أهدافها، ورغم ذلك فإن فصول مشروع قانون حماية أعضاء تلك النقابات والعاملين بالأجهزة الأمنية عموما ذهبت بالصحافي التونسي عبد السلام المرخي للقول إن نظام بن علي نفسه "لم يكن ليجرؤ على طرحه"، وخص بالذكر أثناء حديثه لـ "ميدان" الفصل الذي لم يُعدَّل في نسخة 2020 الذي يُجرِّم "المس بسمعة الأمن قصد تحطيم معنوياته والاعتداء على أسرار الأمن الوطني".

 

ويُعقِّب المرخي بأنه يُحاكَم بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات مَن يمس معنويات الأمن، فكيف لنا أن نُحدِّد ما يمس معنويات الأمن؟ ويرى أن كل ذلك "تبرير لمنظومة بوليسية يُعاد تشكيلها بالمنطق القديم، خاصة أن مَن يطرح مشروع القانون الآن هو الحزب الدستوري الحر الذي ترأسه عبير موسي، ورغم سحب القانون من قِبَل الحكومة فإن إعادة طرحه كل فترة يؤكد لنا أن المنظومة البوليسية لن تنصهر داخل المؤسسات الديمقراطية في تونس"، ويعتقد المرخي أنه رغم عدم إمكانية العودة للوراء في تونس سياسيا فإنه يمكن خلق ديكتاتورية بشكل جديد حتى ولو لم تكن ديكتاتورية كاملة، ويمكن صناعة تجمعات فساد بطريقة أو بأخرى في دولة هشة نظامها السياسي مبتور حتى الآن مثل تونس.

epa08475507 Tunisian leader of the Free Destourian Party (PDL) Abir Moussi, attends a plenary session to discuss a motion submitted by Seifeddine Makhlouf through the Al Karama Coalition , of a draft regulation relating to the request to the French State to apologize to the Tunisian people for their crimes during the colonial era, at the Assembly of People's Representatives (ARP) in Tunis, Tunisia, 09 June 2020 EPA-EFE/MOHAMED MESSARAرئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي

مجملا، لا تزال قوات الأمن في تونس تتعامل كما كانت في ظل هيكل الدولة البوليسية بعهد بن علي، ويرى منتقدوها أن وظيفتها داخل الدولة تتعلق في المقام الأول بحماية رجالها على حساب حماية المواطنين وعن طريق قمعهم، وفي ظل الوضع السياسي والاقتصادي المتأزم الذي لا يزال يُمثِّل أولوية كبرى للتونسيين على حساب إصلاح الجهاز الأمني؛ فمن المُرجَّح ألا يتوقف الأمر عند استمرار خلق حواجز تحول دون الإصلاحات في جهاز الشرطة التونسية، بل يتوقع أن تتجاوز فصول الصراع السياسي قبّة البرلمان وحدود أسوار مجلس نواب الشعب لتُهدِّد مكتسبات "ثورة الياسمين"، حيث يعكس الإصرار على تشريع تلك النوعية من القوانين منذ أعوام ليست بالقليلة رغبة عارمة مبطنة لبعض القوى السياسية الكبرى في تونس بتعزيز السطوة الأمنية في مواجهة انفجار شعبي مستقبلي، والأهم لإعادة بعض مكتسبات نظام قديم وفَّر لهم قدرة أكبر على نشر الخوف والقمع بما لا يُقاس، وبلا رادع.


حول هذه القصة

مع أنها برعت في تحسين تكنولوجيات ابتُكرت في بقاع أخرى، وقد يطيب للكثيرين التفكير في الصين على أنّها “سعودية البيانات”. لكن إن كانت البيانات هي النفط الجديد، فإنّها قد تكون موردا طبيعيا ملعونا عليها!

Published On 21/10/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة