كيف نقرأ إساءة ماكرون للإسلام؟

 

حذّر الرئيس الفرنسي في تصريح له(1)، يوم الجمعة 2 (أكتوبر/تشرين الأول) 2020، من مسلمي فرنسا، الذين يُقدَّر عددهم بنحو ستة ملايين، قائلا إنهم أقلية قد تُشكِّل "مجتمعا موازيا" داخل فرنسا، كما وصف الإسلام [نفسه] بأنه يُواجه "أزمة" في جميع أنحاء العالم. وقد جاء هذا التصريح قبيل كشف ماكرون النقاب عن خطته التي يسعى من خلالها للتصدي لما سمّاه ظاهرة "المجتمع الموازي" في فرنسا.

 

لا تُعتَبر مثل هذه الاتهامات أمرا جديدا في فرنسا، التي تحتضن أكبر عدد من المسلمين في أوروبا الغربية، إلا أن لماكرون -هذه المرة- هدفا آخر فريدا يسعى لتحقيقه من وراء هذه الاتهامات، وهو التلويح باستخدام خطاب مُتشدِّد تجاه الإسلام، يُضحِّي بالأقلية الفرنسية المسلمة والمحاصرة أصلا مقابل اعتماد أوراقه داخل المشهد السياسي الشعبوي في فرنسا. وجه المفارقة هنا هو أن ماكرون أخفق في إدراك المبدأ الأساسي الذي يقوم على الفصل بين الكنيسة والدولة في فرنسا، بل إن حياد الدولة تجاه الأديان يمنعه من التدخُّل فيما يُعتبر بالأساس شأنا دينيا خاصا بالمجتمع، لكن حقيقة الوضع أخطر من ذلك بكثير [كما سيتضح في السطور التالية].

 

 ففي العام الماضي، نشرت صحيفة الغارديان(2) مقالا حمل عنوان "أسطورة تعريب أوروبا: كيف أصبحت نظرية المؤامرة نظرية شائعة التداول"، حيث ظلّت أطروحة أسطورة تعريب أوروبا متداولة منذ أن بشَّرت بها جزيل ليتمان (المعروفة أيضا باسم بات يور) قبل عقدين من الزمان، وقد جلبت عليها هذه الأطروحة انتقادات أكاديمية(3) كثيرة كاشفة زيفها بعد أن حظيت أفكارها بمعجبين وسط التيار اليميني المتطرف، بمَن فيهم السفاح النرويجي أندرس بيرينغ بريفيك(4).

السفاح النرويجي أندرس بيرينغ بريفيك

تعتمد أطروحة "أسطورة تعريب أوروبا" على تغذية ادعاء كاذب وبسيط للغاية مفاده أن مسلمي أوروبا يشاركون في حرب ثقافية تستهدف قلب منظومة القيم الأوروبية، وبالتالي يجب على المسيحيين البيض القتال لإنقاذ حضارتهم. وهذه وإن كانت نظرية متهورة، فإن الجانب الرصين فيها يدور غالبيته حول ما بات يُعرف بـ "الانفصالية الإسلامية"، وهذه الأخيرة نفسها كانت من الأفكار التي تُتَدَاول في الهامش لكنها انتقلت من هناك وأصبحت مؤخرا ضمن الأفكار المتداولة في التيار السائد، فصارت تؤثر في سياسات اليسار واليمين في فرنسا وخارجها.

 

وبالطبع قد يختلف المرء حول الجهة المسؤولة عن بدء مثل هذا الخطاب في فرنسا، لكن المؤكد هو أن أي قائمة حول ذلك يجب أن تتضمّن شخصيات من أمثال المعلّق إيريك زيمور، والكاتب رينو كامو(5)، الذي ابتكر نظرية "الاستبدال العظيم"، التي ذاعت في الآفاق وأصبحت مصدر إلهام للكثيرين في أقصى اليمين في جميع أنحاء العالم.

 

هناك -بالطبع- الكثير من الأزمات التي تُواجه المسلمين حول العالم، سواء باعتبارهم مواطنين في دولهم أو اتباع طائفة دينية. على سبيل المثال، تعيش شريحة كبيرة من المسلمين في ظل أنظمة استبدادية وأوتوقراطية، وهو أمر يُعتبر بحد ذاته أزمة، غير أنه ليس شيئا محتوما لا فكاك منه(6). (لكن ما هو غير واضح هو ما إذا كانت السياسة الخارجية للرئيس ماكرون ترى مسألة وجود مثل هذه الأنظمة الاستبدادية مسألة إشكالية، بل من المُرجَّح أنه يعتقد على عكس ذلك، أي لا يعتبرها مشكلة). والحالة هذه، فلو أن ماكرون تعامل بجدية مع قضية الحكم الرشيد للمسلمين في جميع أنحاء العالم لكان لذلك انعكاسات كبيرة على السياسة الخارجية الفرنسية. وعليه، فإن فشل ماكرون في إعطاء الأولوية لقضايا الحكم الرشيد يجعل حديثه عن وجود أزمة داخل الإسلام أقلّ إقناعا.

يتحدث علماء المسلمين باستمرار عن "أزمة المرجعية" داخل نُظُم التعليم الديني، كما يشكون من قلة الاستثمار في إحياء مؤسسات التعليم المختلفة التي من شأنها مساعدتهم في التعافي من إرث الحكم الاستعماري. وبمناسبة الحديث عن الاستعمار، لم يُثر ماكرون -على حد علمي- تاريخ الاستعمار الفرنسي، وهي بالتأكيد قضية وثيقة الصلة بهذا النقاش، نظرا لما كان للحكم الفرنسي من أثر سلبي بائن على مختلف المؤسسات الإسلامية في شمال أفريقيا، ومن غير معالجة هذه المسألة لن يكون بمقدور تلك المؤسسات التعامل مع تحديات العالم الحديث.

 

زبدة الموضوع هنا أن هذا الإرث الاستعماري يلعب دورا في تأجيج أيديولوجيا المتطرفين، تماما كما تفعل سياسات الاستبداد في المنطقة(7)، لكن هذه ليست من نوع الأزمات التي يشكو منها ماكرون أو غيره من السياسيين الأوروبيين. والحق، فإن تصريحات ماكرون ما هي إلا مجرد محاولة لجذب الناخبين اليمينيين قبل حلول الانتخابات الرئاسية في 2022، وهي انتخابات بات الآن يخوض في سبيلها تنافسا شديدا مع مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني، وهذه الأخيرة لا تخشى بالطبع من مسألة إلقاء اللوم عن كل مشكلات فرنسا على المسلمين.

 

ربما يؤمن ماكرون حقا بروايته عن وجود أزمة داخل الإسلام. أيًّا كان ذلك، فما يهم حقا هو أن عديد السياسيين البارزين في الاتحاد الأوروبي، بمَن فيهم الملتزمون منهم بالقيم الديمقراطية الليبرالية، باتوا لا يتورّعون عن إلقاء اللوم على الأقليّات المسلمة ويُحمِّلونهم مسؤولية المشكلات الاجتماعية. من المُرجَّح أن يساهم هذا التوجُّه في حصول السياسيين على أصوات كثيرة في الانتخابات، لكن القيادة الحقيقية تستلزم من المرء أن يناهض هذه الموجة، لا أن يعمل على ركوبها (واستغلالها).

وفي هذا السياق، تقول ريم –سارة علوان، الباحثة القانونية في جامعة تولوز 1 (كابيتال): "إن التعصُّب تجاه المسلمين أصبح علامة تجارية ناجحة في فرنسا، لأنه يساهم في تعزيز نسبة المشاهدة على شبكات الأخبار التي تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ويُتيح فرصة تسليط مزيد من الأضواء على السياسيين. وحتى إن لم يكن اليمين المتطرف على هرم السلطة الآن في فرنسا، فإن أفكاره بالتأكيد تسري في أروقتها". وتُضيف الباحثة أنه حينما يأتي أوان الاختيار بين ماكرون واليمين "فسيُطلب من الناخب التصويت من أجل إنقاذ الجمهورية، لا سيما حينما تصل لوبان إلى الجولة الثانية من الانتخابات".

 

إضافة إلى ما سبق، يتبوأ حزب ماكرون الموسوم بـ "الجمهورية إلى الأمام" مركز الصدارة على مسرح السياسة الفرنسية، وهذه المكانة تحديدا تجعل من تصريحات ماكرون وتصريحات عدد من المشرعين في حزبه أمرا مقلقا. فلو أن سياسيا صرّح قبل عقدين أن "الإسلام ديانة تعيش أزمة في جميع أنحاء العالم"، لقلنا بالتأكيد إنه تصريح من حزب يميني متطرف، ولقلنا الأمر نفسه على مَن يُعلن أن الحجاب "لا يتوافق مع حضارة بلدنا"، بيد أن ماكرون نفسه صرّح بهذا الحديث قبل عامين(8).

 

إلى وقت غير بعيد، كان سيكون مثيرا للدهشة لأي شخص من غير مؤيدي اليمين المتطرف أن يقول: "لا يمكنني قبول مجيء أي شخص للمشاركة في عملنا في الجمعية الوطنية (البرلمان) مرتديا الحجاب"، لكن هذا حصل بالفعل، وهذه الكلمات تعود لـ "آن كريستين لانغ"، عضوة البرلمان الفرنسي المعروفة، المنتمية إلى حزب ماكرون السياسي المحسوب على تيار الوسط. والأدهى من ذلك أن هجوم لانغ كان بحق زعيمة طلابية مُنتخَبة، كانت تزور برلمان بلادها وتشارك بكامل حقوقها كونها مواطنة. والحال هذه، فبالنسبة للمدافعين المفترضين عن قيم الجمهورية العلمانية، فإن نقد الحجاب أصبح أكثر أهمية من الدفاع عن القيم المدنية والحريات الفردية.

ليس ذلك فحسب، فرغم كل الحديث الذي يدور حول الانفصالية (الإسلامية) في فرنسا، فإن الاهتمام الأكبر في هذه الأحاديث صار يستهدف المسلمات المحجبات اللواتي يؤدين واجباتهن المدنية، أكثر من الاهتمام بأنصار اليمين الشعبوي المتطرف الذين يرتكبون الجرائم أو ينتهكون القانون؛ مثل العضو السابق في حزب لوبان، الذي حاول إضرام النار في مسجد، ثم أطلق النار على شخصين حاولا إيقافه. وفي هذا الاتجاه تُشير الباحثة علوان إلى أنه "رغم أن النظرية العنصرية المعروفة بـ "البديل العظيم" قد طُوِّرت في فرنسا، واستُخدِمت من قِبَل الإرهابي الذي ارتكب مذبحة مروعة في "كنيسة كرايست تشيرتش"، بنيوزيلندا، فإن ماكرون لم يذكر ولو لمرة واحدة خطر الأفكار المتصلة بتفوُّق العِرق الأبيض أو أفكار اليمين المتطرف".

______________________________________________________________________________

الهوامش:

المصادر:

  1. لمزيد من التفاصيل يراجع الرابط التالي: هنا.
  2. رابط مقال صحيفة الغارديان الموسوم بـ " أسطورة تعريب أوروبا: كيف أصبحت نظرية المؤامرة نظرية شائعة التداول"
  3. الإشارة هنا لكتاب صادر في عام 2003، تحت عنوان: الحروب الصليبية الجديدة: صناعة صورة المسلم العدو.
  4. لمزيد من التفاصيل يراجع الرابط التالي: هنا.
  5. الإشارة هنا إلى الجريمة التي أرتكبها الإرهابي الأسترالي في كنيسة "كرايست تشيرتش" بنيوزيلندا في مارس/آذار 2019 حيث ردد قبيل ارتكاب جريمته البشعة عبارة "الاستبدال العظيم" التي صاغها الكاتب والناشط السياسي الفرنسي رينو كامو قبل بضع سنوات، وتتلخص في أن الدول الأوروبية وثقافتها المسيحية البيضاء تتعرض لاستبدال السكان البيض الأصليين بوافدين جدد من الأفارقة والمسلمين. للمزيد يراجع الرابط التالي: هنا.
  6. إحالة إلى مقال سابق لكاتب المقال نشر في صحيفة "نيوزويك" في العام 2019، بعنوان: وجود الاستبداد في الدول المسلمة ليس شيئا محتوما لا فكاك منه. للاطلاع على المقال، يراجع الرابط التالي: هنا.
  7. إحالة لمقال سابق للكاتب: هنا.
  8. للمزيد حول ذلك يراجع الرابط التالي: هنا.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة