احتجاجات سبتمبر.. هل هي مؤشر لانتفاضة الفقراء القادمة في مصر؟

لم تكن حرارة الشمس وحدها هي سبب سخونة أشهر الصيف في مصر، فبالإضافة إلى بداية تطبيق ما يُعرف بـ "قانون التصالح" على مخالفات البناء، وهو القانون الذي حدّد غرامات التصالح لتتراوح بين 50 إلى 2000 جنيه للمتر، أو هدم تلك المنازل في حال عدم دفع أصحابها لهذه المخالفات. وبالفعل، بدأت الحكومة في تنفيذ قانون التعدي على الأراضي الزراعية بعدما هدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنشر الجيش في القرى كافة لإزالة الأبنية المخالفة حتى لو وصل الأمر إلى "إبادة القرى بأكملها". (1)

 

وفق هذه المعادلة الجديدة، زادت الاحتكاكات بين قوى الأمن والأهالي، خاصة في محافظات الوجه القبلي بصعيد مصر، وتصادفت تلك الاحتكاكات مع دعوات التظاهر لإسقاط عبد الفتاح السيسي يوم 20 سبتمبر/أيلول الماضي، فخرجت المظاهرات في قرى مصر ومحافظاتها خاصة في الجيزة والفيوم والمنيا وقنا وسوهاج وأسيوط والأقصر وأسوان، حتى تطور الأمر لاشتباكات عنيفة بين الأهالي وقوات الأمن، تبعتها حملات أمنية تشبه تلك الحملات التي شنتها قوات الأمن في سبتمبر/أيلول 2019 وقبضت على 4 آلاف مواطن حينها.

 

لكن المختلف هذه المرة أن الاشتباكات والحملات الأمنية كانت بالأساس خارج المدن، وتحديدا في القرى والنجوع والمحافظات البعيدة عن العاصمة، ففي قرية العوامية بالأقصر، توجَّه المتظاهرون يوم 20 سبتمبر/أيلول الماضي إلى ميدان الصنايع على طريق "الجولي فيل" القريب من قسم شرطة ومديرية أمن الأقصر، وقطعوا الطريق بإشعال النيران في بعض إطارات السيارات، فيما ردّت قوات الأمن بقنابل الغاز. (2)

انفوجراف

إلا أن المظاهرات استمرت في قرية العوامية والقرى المجاورة وفي قرى محافظة الجيزة وقنا حتى يوم 25 سبتمبر/أيلول، ورغم كونها متظاهرات قصيرة جدا، يجتمع فيها بعض الشباب ويهتفون ويُشعلون إطارات السيارات، ثم يتفرّقون على الفور، فإن الأمن بدأ في شنّ حملات أمنية شرسة منذ ليلة 27 سبتمبر/أيلول بشكل يومي. (2)

 

وحسب رواية "مدى مصر"، في إحدى حملات القبض، توجّهت قوة أمنية لمنزل عائلة الراوي بقرية العوامية بالأقصر فجر الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول بحثا عن ابن عمه، ضياء الراوي، وحين لم تجده القوات، قرّرت القبض على شقيق عويس الصغير واسمه الراوي الراوي. حاولت الأسرة إثناء القوة عن القبض على الشاب الصغير، لكنهم رفضوا واصطحبوه إلى الخارج، وبحسب رواية اثنين من الجيران، أحدهما كان موجودا أمام المنزل فور سماع الرصاص، خرج عويس خلفهم، وبعد مشادة كلامية بينه وبين أحد ضباط الأمن الوطني، أخرج الضابط سلاحه، وأطلق أربع رصاصات، منهم رصاصة أصابت عويس في رأسه. (2)

 

مات عويس الراوي 38 سنة، موظف في المستشفى الدولي، وأب لطفلين وثالث منتظر ولادته، أثناء نقله إلى المستشفى، واشتعلت القرية غضبا واحتجاجا بعدها، حتى فرضت قوات الأمن الحصار على القرية بأكملها، وسط وجود أمني كثيف، لتُلخِّص قصة قتل عويس الراوي مدى الظلم والقهر الذي يعيش فيه الشعب المصري. لكن لقصة اشتعال الاحتجاجات الأخيرة في مصر وجه خفي، يحكي فصلا أكثر ظلما وقهرا من حياة الشعب المصري، هي قصة انعدام العدالة الاجتماعية والمساواة في مصر، القوة الدافعة الأساسية للاحتجاجات الدائمة في مصر.

 

لم تكن دعوات المقاول والفنان "محمد علي" للتظاهر لإسقاط عبد الفتاح السيسي في 20 سبتمبر/أيلول 2020 دعوات جديدة على الشارع المصري، وحتى رغم المعلومات الحساسة التي أذاعها "محمد علي" في 2019 عن القصور الرئاسية والفساد في الهيئة الهندسية التي تتولّى إدارة المشروعات الإنشائية في مصر، فإن دعوات "محمد علي" وحديثه الدائم على منصة التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لم تكن إلا مجرد حجر في نهر يوشك على الفيضان رغم كثرة السدود وجدران الخوف والقبضة الأمنية غير المسبوقة التي يفرضها نظام السيسي.

 

فمنذ نهاية عام 2018 وعلى مدار عام 2019 بدأ الغضب والاحتقان يزيد في الشارع المصري، خاصة بعد حملات الإزالة التي نفّذها النظام بدءا من جزيرة الوراق التي اختارت أن تتصدى لقرارات الحكومة والحملات الأمنية، ورفض أهلها الخضوع وترك بيوتهم، ثم حملة الإزالة التي استهدفت منطقة نزلة السمان بالجيزة، وحملات الإزالة التي توجّهت لقرى الصعيد وواجهها أهالي القرى بالتصدي والاشتباك. (3)

 

وفي بداية عام 2019، وقبل ظهور "محمد علي"، خرج المواطنون دون أي ترتيب سابق تعبيرا عن حالة الحزن والقهر التي أصابتهم بعد حادثة قطار رمسيس التي راح ضحيتها 21 مواطنا، بعد أن شاهد المصريون النيران تشتعل في أجساد الناس حولهم، ثم تكرّر خروجهم في سبتمبر/أيلول 2019 في احتجاجات واسعة شملت القاهرة والإسكندرية والسويس وغيرها من محافظات مصر، بينما شهد النصف الأول من عام 2019 نحو 95 احتجاجا. (4)

فيما شهد النصف الأول من عام 2020 نحو 85 احتجاجا تنوّعت بين احتجاجات تخص "كوفيد -19" وأخرى اعتراضا على قرارات الفصل وسياسات الحكومة، فتجاوزت الاحتجاجات الناتجة عن انتشار "كوفيد-19″، المتخوفة من انتشار فيروس كورونا، والمطالبة بإيقاف العمل، بالإضافة إلى توفير سُبُل الأمان للأطباء، وتوفير المستلزمات الطبية سواء كان للفرق الطبية أو للمواطنين، ومطالب أخرى بالإفراج عن المعتقلين، نحو 30 احتجاجا، تنوّعت بين وقفات احتجاجية، واعتصامات، وإضرابات عن العمل والطعام، واستقالات، واشتباك مع قوات الداخلية. (4)

 

أما الاحتجاجات الشعبية، فقد بلغت نحو 40 احتجاجا، تنوّعت بين مُطالبات بخدمات، واعتراضات على قرارات إدارية، وأخرى محدودة رافضة للتهجير القسري، علاوة على مطالبة عائلة علاء عبد الفتاح بإخلاء سبيله، ومطالبتهم بالإفراج عن المعتقلين تخوُّفا من تفشي فيروس كورونا. كما خرج بعض الأهالي رافضين لحظر التجوال، وخرج آخرون رافضين لدفن موتى المصابين لـ "كوفيد-19″، واحتجاجات العائدين من الخارج رافضين دخول الحجر الصحي، واحتجاجات آخرين على سوء الخدمة داخل مكان الحجر الصحي، واحتجاجات لنقص المستلزمات الصحية والخدمات الطبية. (4)

 

كما بلغت الاحتجاجات العمالية نحو 28 احتجاجا، طالب العمال فيها بالرواتب المتأخرة والعلاوات المستحقة، أو المطالبة بإيقاف العمل خوفا من تفشي الوباء. أما بالنسبة للنقابات فقد ظهر نحو 15 احتجاجا، كان أغلبها يخص أزمة الأطباء مع وزيرة الصحة، ومطالبتهم بإقالتها، كما احتجَّت الطواقم الطبية من أطباء وممرضين بسبب خوفهم من الإصابة بالوباء. (4)

 

إلا أن المصريين لم يكادوا يُفيقون من أزمة تفشي وباء "كوفيد-19" حتى عادت حملات الإزالة، وطالب رئيس الوزراء المصريين بدفع مخالفات التصالح، فاشتعلت الاحتكاكات والاشتباكات مرة أخرى مع قوات الداخلية "حين تصدّى المواطنون لحملات إزالة منازلهم في قرية باسوس بالقليوبية، ورشقوها بالحجارة، وقطع أهالي الدويقة طريق الأوتوستراد للمطالبة بمنازل بديلة عن منازلهم المقرر هدمها، فيما صدم سائق حافلة عند نزلة قليوب الدائري ضابط مرور برتبة نقيب حاول توقيف السائق الذي لم يكن يحمل رخصة قيادة مما أدى إلى مقتل الضابط. ورشق باعة جائلون في سوق بالعاشر من رمضان قوة شرطة بزجاجات مولوتوف خلال سعيها لإزالة المخالفات بالسوق، وازدادت مقاطع الفيديو المصورة التي يُعلن فيها مواطنون رفضهم لقانون التصالح وصولا إلى إعلان أحدهم نيته تفجير أنابيب بوتجاز في حملات الإزالة حال اقترابها من منزله" (5)، حتى اندلعت احتجاجات 20 سبتمبر/أيلول 2020 التي تصادفت مع دعوات محمد علي وليست تلبية لها.

وهذا ما أكّده أهالي قرية "العوامية" الذين قال أحدهم: "الناس في القرية مش مسيسة، ما نزلتش عشان محمد علي ولا غيره"، فيما قال آخر إن عشرات الشباب خرجوا للتظاهر في القرية اعتراضا على الأوضاع الاقتصادية السيئة، يقول أحدهم: "أغلبية الشباب [من القرية] بيشتغلوا في السياحة، قاعدين من غير شغل، غير فواتير الكهربا عالية. أنا قاعد من غير شغل من شهور، وجاتلي فاتورة كهربا 2200 جنيه لشهر واحد، أجيب منين؟ لو قطاع السياحة كان شغال مكانتش الناس دي طلعت". (6)

وهذا أيضا ما تُوضِّحه خريطة الاحتجاجات الأخيرة في مصر، التي خرج أغلبها في المناطق الفقيرة خاصة في خط الصعيد الممتد من الجيزة شمالا وحتى أسوان جنوبا، وبعض المناطق الفقيرة في الدلتا والإسكندرية. هذه المناطق ارتفعت بها نسبة الفقر بشكل كبير في السنوات الأخيرة ثم جاءت إجراءات الحجر الصحي الخاص بـ "كوفيد-19" ليزداد الأمر سوءا ويُثقل كاهل هؤلاء الفقراء بشكل غير مسبوق، فحسب آخر إحصاء اضطرت نحو نصف الأُسر المصرية للاستدانة وطلب المعونات لسد حاجاتها الأساسية في النصف الأول من 2020. (7)

ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2019 ارتفعت نسبة الفقر في مصر لتصل إلى 32.5%، أي إن ثلث المصريين لا يستطيعون توفير احتياجاتهم الأساسية كالطعام والشراب والأدوية، كما بيّنت الإحصاءات أن فقراء مصر يتركّزون في محافظات صعيد مصر بمعدل فقر يصل إلى 52% بريف الصعيد ويُشكِّلون نحو 40% من إجمالي الفقراء، تحتل محافظة أسيوط المرتبة الأولى بنسبة فقراء تصل إلى 66% من سكانها، في حين صُنِّفت 236 قرية من محافظة سوهاج أي 87% من قرى المحافظة من ضمن أفقر 1000 قرية في مصر.

 

لكن هل تكفي هذه البيانات لفهم الواقع الحقيقي للفقر وانعدام العدالة الاجتماعية في مصر؟ وكيف تُرسِّخ سياسات النظام المصري انعدام العدالة والمساواة؟ وما مؤشرات تلك السياسات ورد فعل المواطنين عليها من تزايد الاحتجاجات الاجتماعية والشعبية؟

 

لا أحد يُنصت لفقير في مصر، لكن الجميع يراه، والفقراء بدورهم يرون ويشعرون بمدى الفارق المادي والاقتصادي، خاصة في المحافظات التي تجمع بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء مثل القاهرة والجيزة، وهذا العامل النفسي شديد الأهمية في تفسير اشتعال الاحتجاجات في المدن التي تشهد أعلى نسب تفاوت في الدخل والثروة، كما تُفسِّر اشتعال الاحتجاجات في أغلب مناطق الجيزة وأحيائها، المحافظة التي تشهد أعلى معدلات التفاوت الطبقي في مصر التي تتركز الثروات والدخول الأعلى بها بين عدد ضئيل من المواطنين. على سبيل المثال ترصد دراسة حديثة صادرة من البنك الدولي أن القاهرة وحدها تضم 170 أسرة يفوق دخلها مليون دولار في السنة، ويعتقد الباحثون، فان ديرفيده، ولاكنر، وإيانكوفيتشيا، أن هذه التقديرات أقل من الواقع! (8)

 

رغم ذلك، لا تُظهِر أي بيانات صادرة عن الحكومة المصرية أو أي هيئة أخرى حكومية أو غير حكومية الواقع الحقيقي للا مساواة والتفاوت الطبقي في مصر، فنحن نعرف أين يقبع أفقر فقراء مصر، في ريف محافظات الصعيد، ونعرف نسبتهم من إجمالي السكان، ونعرف مستوى دخلهم وإنفاقهم السنوي، من البحوث الخاصة بالدخل والإنفاق للقطاع العائلي ومسوح خريطة الفقر وتقارير التنمية البشرية. لكن ماذا نعرف عن أغنياء مصر؟ ما نسبتهم من إجمالي السكان؟ ما مستوى دخلهم وما نسبته من إجمالي الدخل القومي؟ ما حصتهم من إجمالي الثروة؟ قد نعرف بالملاحظة أنهم يسكنون المدن الجديدة والمنتجعات المُغلقة المحيطة بالقاهرة والإسكندرية وبعض المدن الساحلية. لكن لا يوجد أي أثر لذكر هؤلاء الأعلى في سُلَّم توزيع الدخل في الإحصاءات الرسمية كأنهم جزء خفي وغير مرئي من المجتمع المصري. (8)

ولفهم الواقع الحقيقي للتفاوت الطبقي وللا مساوة في مصر علينا قراءة بيانات بحث الدخل والإنفاق 2017-2018 الذي يُقسِّم المجتمع إلى عشر شرائح تتدرَّج في مستويات إنفاقها، فتضم كلٌّ منها 10% من السكان، مُقسَّمين حسب قيمة الاستهلاك السنوي للفرد داخل الأسرة، فيبلغ متوسط إنفاق الفرد في الشريحة الدنيا لهذا التقسيم العشري (أقل 10% إنفاقا) نحو 4755.9 جنيها سنويا (396.3 جنيها شهريا)، وبالتالي يقع المنتمون إليها تحت خط الفقر المدقع. ويختلف وضع مَن يعيشون في الريف بمتوسط إنفاق 4514.5 جنيها سنويا (376.2 جنيها شهريا) عن سكان الحضر من هذه الشريحة الذين يرتفع إنفاقهم إلى 5080.3 جنيها سنويا (423.3 جنيها شهريا). (9)

 

أما الشريحة قبل العليا على هرم الإنفاق (العشير التاسع) فينخفض متوسط إنفاق الفرد فيها إلى ما يقرب من نصف الشريحة الأعلى، ويصل إلى 17.5 ألف جنيه سنويا (1458 جنيها شهريا)، وهي الفئة التي تضم نحو 90% من المصريين حسب الدراسة، أما الفئة العليا والتي يبلغ عددها نحو 10 ملايين شخص فينفق الفرد فيها 2669 جنيها بحسب البحث، لكن هذا المتوسط لا يُظهِر إطلاقا وجود فئات تنتمي بالضرورة إلى شريحة الدخل العليا أيضا تبدأ أجورها الشهرية من 13 ألف جنيه وتصل إلى 90 ألف جنيه (وهذا ليس حدها الأقصى) لدى العاملين في عدد من المجالات ذات الدخول المرتفعة بحسب تصنيف موقع دولي متخصص في التوظيف (9)، كما تصل أجور فئة المديرين في مؤسسات مثل البنوك إلى نحو 160 ألف جنيه شهريا. (9)

 

كما يُظهِر قياس الثروة الذي يقوم به سنويا بنك "كريدي سويس" على مختلف دول العالم أن هناك نحو 13.664 فردا بالغا في مصر تتراوح ثرواتهم بين 16.5 مليون جنيه وتصل إلى ما فوق المليار دولار (نحو 16.5 مليار جنيه)، بحسب تقرير عام 2017. (9)

 

فبحث حجم الإنفاق الأسري في مصر لا يُوضِّح هذا التفاوت الشديد، ببساطة لأنه يُوضِّح حجم الإنفاق والاستهلاك وليس الدخل، بالتالي هناك دائما حدٌّ أقصى للإنفاق مهما بلغت درجة ثراء الشخص، فقد يشتري طعاما بعشرة أضعاف الفقير أو عشرين ضعفا، في حين أن دخله يساوي أكثر من ألف ضعف.

كما أن الأغنياء عادة ما يُوجِّهون الجزء الأكبر من دخلهم إما للادّخار وإما للاستثمار، وليس للإنفاق الاستهلاكي الذي يرصده مسح الإنفاق العائلي. بالإضافة إلى عادة الأغنياء في تقليل تقديراتهم لدخلهم عند سؤالهم في مثل تلك البحوث، بجانب صعوبة الوصول إلى هؤلاء الأغنياء الذين يسكنون في أماكن بعيدة ومُغلقة ومُسوَّرة مما يُقلِّل من العينة المبحوثة ويُنتج تقديرات غير دقيقة.

 

ورغم ذلك، خلص توماس بيكيتي وآلفاريدو في ورقة بحثية ركّزت على وضع اللا مساواة والتفاوت الطبقي في مصر وما حولها من دول إلى أن منطقة الشرق الأوسط هي من أعلى المناطق تفاوتا في الدخل في العالم، وأن نصيب الشريحة العشرية الأعلى دخلا في المنطقة كلها تبلغ 61% من إجمالي الدخل القومي، وتحصل شريحة الـ 1% الأعلى دخلا وحدها على 25% من إجمالي الدخل القومي للمنطقة.

 

أما في مصر فاللا مساواة في الثروة زادت سوءا في السنوات العشر الأخيرة، وحسب تقديرات بنك "كريدي سويس" لقياس الثروة، تُعتبر مصر ثامن أسوأ دولة في العالم من حيث توزيع الثروة، وقد ارتفع نصيب الـ 10% الأغنى من الثروة إلى 73.3% في عام 2014 مقابل 61% من الثروة في عام 2000، كما يمتلك أغنى 1% من السكان نحو نصف الثروة في مصر 48.5% في حين لم تكن تلك الشريحة تملك سوى ثلث الثروة 32.3% في مطلع القرن. وبشكل عام، وحسب تقدير بنك "كريدي سويس" بلغت قيمة الثروة في مصر 379 مليار دولار في منتصف عام 2015. (10)

 

من جهة أخرى، لا يمكن فصل زيادة ثروات الأغنياء عن تدهور الحالة الاقتصادية لباقي الشعب وانحسار ثروات الطبقة الوسطى في مصر، فقد ترافق تركُّز الثروات بين فئة محدودة من الأغنياء مع نزول نحو 4.7 مليون مواطن تحت خط الفقر في الفترة ما بين 2015-2018، ثم وصول نسبة الفقر إلى 32.5% أي ما يقرب من 40 مليون مصري تحت خط الفقر، وتُوضِّح المقارنة بين تقريرَيْ "كريدي سويس" حول الثروة في العالم لعامَيْ 2016 و2017 أن عدد المصريين الذين تتراوح ثراوتهم بين مليون و5 ملايين دولار قد تراجع من 17.3 ألف شخص إلى 10.7 آلاف شخص، بينما زاد عدد من تتراوح ثرواتهم بين 100 مليون و500 مليون دولار من 83 إلى 135 شخصا، أما من تزيد ثروتهم على المليار دولار فقد زاد عددهم من 7 إلى 19 فردا في مصر. الأمر الذي يطرح سؤالا مُلِحًّا؛ كيف يزداد الأثرياء في مصر بينما يزداد الفقر ونِسَب الفقراء وتقبع الدولة المصرية تحت ويلات الديون الخارجية؟

 

رغم وجود عدد كبير من الأثرياء في مصر، وامتلاكهم لثروات ضخمة تصل إلى 379 مليار دولار حسب تقدير دراسة بنك "كريدي سويس"، فإن سياسة الحكومة المصرية تتلخَّص في جملة "خذ من الفقير وأعطِ الغني". ففي الوقت الذي أقرَّت الحكومة عدة ضرائب تجمع بها الأموال من جيوب المواطنين، مثل قانون "المساهمة التكافلية" الذي يشمل خصم 1% من مرتبات الموظفين، و0.5% من أصحاب المعاشات بداية من شهر يوليو/تموز 2020، بجانب زيادة رسوم استخراج المحررات الرسمية من مصلحة الشهر العقاري من جنيه واحد إلى 5 جنيهات، وفرض رسوم على تراخيص الشركات، ورسوم على أجهزة المحمول والإكسسوارات بواقع 2.5% من قيمة الفاتورة، وزيادة "ضريبة الإذاعة" من 140 قرشا إلى 100 جنيه عن السنة الواحدة لأي سيارة مُجهَّزة لاستخدام راديو حتى لو لم يكن يعمل بداخلها أو كان غير موجود من الأساس، وهو قرار من المتوقَّع أن يجلب دخلا يتراوح بين 700 مليون جنيه إلى مليار جنيه سنويا. (11)

قرار بخصم 5% من مرتبات مُحصِّلي الكهرباء عن كل 1% عجز

بجانب صدور قرار مُتعلِّق بفرض غرامات على البناء بأثر رجعي يُدعى "رسم جدية التصالح" يُوجِب على مخالفي تراخيص البناء دفع رسوم بشكل مؤقت لحين تحديد قيمة الغرامة المستحقة على كل مخالف، على أن يُخصَم الرسم من القيمة النهائية المحددة، أو يُرَد في حال رفض طلب التصالح. وفي 7 أغسطس/آب أصدر مجلس الوزراء بيانا أعلن خلاله تقديم المواطنين لعدد 600 ألف طلب للتصالح، ووصول إجمالي المتحصلات الخاصة برسم جدية التصالح إلى نحو 1.1 مليار جنيه.

 

في ذلك الوقت، قام النظام المصري بإلغاء الضرائب على الأرباح وعلى الثروات والتركات والمعاملات الرأسمالية مثل تداول الأسهم في أسواق المال خلال السنوات الماضية، وبحسب توماس بيكيتي في كتابه عن رأس المال، "فإن مثل تلك الإعفاءات الضريبية من شأنها أن تجعل معدل نمو الدخل والثروة أعلى من معدل النمو الاقتصادي مما يؤدي إلى تسارع الفجوات بين الدخول". (12)

 

ولأن مراجعة السجلات الضريبية أمر سري وغير مسموح به في مصر، يظل تراكم تلك الثروات في الظل بعيدا عن العيون، فيما يغيب في مصر فرض ضريبة تصاعدية على الدخول المرتفعة، ويتمتع أصحاب الدخول العليا بمعاملة ضريبية "مشبوهة"، فعلى سبيل المثال، مجموعة "القلعة القابضة"، وهي شركة مصرية مقرها القاهرة وتعمل في الاستثمارات الصناعية والبنية الأساسية بمصر وأفريقيا، دفعت خلال عشر سنوات من عمرها ضرائب على الدخول والأرباح بلغت 2.2 مليون جنيه، أي ما يُعادل 0.2% فقط من إجمالي أرباحها كضرائب، في حين يبلغ معدل الضريبة الرسمي 20% على الدخول والأرباح التي قاربت مليارا ونصف المليار جنيه، وجدير بالذكر أن المجموعة حتى عام 2015 كانت تملك 39 شركة مؤسسة في ملاذات ضريبية. (12)

 

ولا تُعَدُّ "القلعة" استثناء، حيث تُقدِّر شبكة العدالة الضريبية أن خسائر مصر الناتجة عن التدفقات المالية غير المشروعة والتهرب الضريبي تبلغ نحو 68 مليار جنيه كل عام. وحسب وزارة الاستثمار، فإن الاستثمارات في مصر من الملاذات الضريبية حتى شهر إبريل/نيسان من عام 2014 بلغت ما مجموعه 38 مليار جنيه (12)، بينما تسطو الحكومة المصرية على أموال المواطنين عبر الرسوم والضرائب والجبايات التي تجمعها من الكادحين!

 

لا تتوقف سياسات الدولة المصرية لتجذير عدم المساواة والتفاوت الطبقي على السطو على جيوب الفقراء وإعفاء الأغنياء من الضرائب، بل تستخدم الحكومة عدة سياسات أخرى منها سياسة الدَّيْن العام، خاصة الديون الداخلية، ويشرح توماس بيكيتي وظيفة "الدَّيْن العام" في خلق مزيد من التفاوتات في الدخول، وتركيز الثروات في يد الشرائح الأغنى، بتوضيح أن هؤلاء الأغنياء الذين يملكون القدرة على إقراض الدولة هم أنفسهم الذين يجب فرض الضرائب عليهم. لكن بدلا من فرض الضرائب على الأغنياء، تقوم الدولة بالاقتراض منهم، لتُنفق على مشروعاتها، ثم تُعيد لهم الديون مصحوبة بأرباح مضمونة من جيوب دافعي الضرائب. (12)

 

في مصر، تجاوز الدَّيْن العام المحلي 90% من الناتج المحلي الإجمالي، "وتستدين الحكومة بالأساس من البنوك الحكومية، إضافة إلى بعض بنوك الاستثمار المحلية وعدد قليل من المؤسسات المالية الأجنبية. ويزيد سعر الفائدة على الدَّيْن الحكومي كثيرا على الأسعار التأشيرية لسعر الإقراض لدى البنك المركزي، وعن الفائدة على الودائع في البنوك، مما يكفل هامش أرباح كبيرا للبنوك". (12)

 

ويبلغ حجم التمويل السنوي المُخصَّص لسداد الفوائد على الدَّيْن العام المحلي ربع الإنفاق العام حسب وزارة المالية في 2016، حيث تتجاوز الثروة الخاصة 10 أضعاف فوائد الدَّيْن العام، حسب تقرير الثروة العالمي، أي إن إعادة جدولة تلك الديون المحلية سيحلّ جزءا كبيرا من المشكلة، لكن الحكومة بدلا من ذلك تُساهم في تراكم ثروات الأغنياء وجمع الجبايات من الفقراء.

 

ورغم ذلك، تتقاعس الحكومة المصرية عن تقديم أقل الخدمات الأساسية المطلوبة في التعليم والرعاية الصحية وتوفير الخدمات والمرافق والوظائف، بل تُفسِح الطريق للمستثمرين لشراء وخصخصة النظام التعليمي والصحي في مصر، فيما يقوم الجيش بالتدخُّل في أغلب القطاعات الاقتصادية ومنافسة التجار والفلاحين والشركات الصغيرة والمتوسطة، وفرض الإتاوات على السلع المستوردة والمُصدَّرة، والسيطرة على المشروعات التجارية الصغيرة أو غلقها، مثل غلق مصانع الطوب في الجيزة، والسيطرة على الصناعات الداخلة في الإنشاءات، بالإضافة إلى وقف حركة الإنشاء والبناء وإفساح الطريق فقط لمشروعات الهيئة الهندسية التابعة للجيش المصري. (12)

 

وكل ذلك لم يؤدِّ فقط إلى انعدام المساواة في الدخل والثروة، بل انعدام للمساواة كذلك في الفرصة، فتلك السياسات التي تنتهجها الحكومة المصرية تُضيِّق الخناق على المواطن المصري وتُلقي به في سياق اجتماعي من انعدام الفرص في التعليم والصحة والعمل والترقي الاجتماعي، وتدفعه دفعا إلى قاع المجتمع الذي احتشد بالفعل بملايين الفقراء والمقهورين، وأدّى إلى زيادة العنف وثقافة القوة في المجتمع، حتى بات الجميع يوقن أن هذا الظلم وانعدام العدالة لا يمكن أن يُرفَع إلا بالقوة والعنف الذي يُطيح بدولة ظالمة مُتجبِّرة.

__________________________________________________________________

المصادر

  1. مصر.. السيسي يُهدِّد بنشر الجيش و"إبادة" قرى لإزالة مخالفات البناء
  2. أهالي «العوامية» المحاصرون يروون وقائع ما جرى في مقتل عويس الراوي
  3. احتجاجات 20 سبتمبر تُشكِّل كرة الثلج
  4. تقرير الحالة المجتمعية (نصف سنوي 2020)
  5.  احتجاجات 20 سبتمبر تُشكِّل كرة الثلج
  6. أهالي «العوامية» المحاصرون يروون وقائع ما جرى في مقتل عويس الراوي
  7. كيف أثَّر فيروس كورونا على الشعب المصري؟
  8. ورقة البقاء للأغنى: القوى الدافعة للا مساواة في مصر، ضمن كتاب الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين، ص 184
  9. قراءة في بيانات بحث الدخل والإنفاق 2017/2018
  10. ورقة البقاء للأغنى: القوى الدافعة للا مساواة في مصر، ضمن كتاب الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين، ص 188
  11. السطو على جيوب المواطنين
  12. ورقة البقاء للأغنى: القوى الدافعة للا مساواة في مصر، ضمن كتاب الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين، ص 194

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة