سماوات مستباحة.. كيف أصبحت أجواء ليبيا الأكثر ازدحاما بالدرونز في العالم؟

ميدان – سماوات مُستباحة.. كيف أصبحت أجواء ليبيا الأكثر ازدحاما بالدرونز في العالم؟
اضغط للاستماع

   

في الرابع من أغسطس/آب الماضي، شهدت السماوات الليبية حدثا غير عادي، حين دُمِّرت طائرة بدون طيار صينية الصنع بواسطة القوات التابعة لحكومة الوفاق المُعترَف بها دوليا أثناء قيامها بمهمة استطلاع قتالية، وكانت الطائرة من طراز "وينغ لونغ 2" تُديرها دولة الإمارات العربية المتحدة لصالح ميليشيات اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" المعروفة باسم "الجيش الوطني الليبي". لم يكن الحادث الفارق بالطبع هو سقوط الطائرة، فقد بات هذا المشهد معتادا في ليبيا خلال الفترة الأخيرة، ولكنه تَمثَّل في الطريقة التي سقطت بها الطائرة، حيث رجَّح خبراء(1) أن الطائرة أُسقِطت بواسطة سلاح ليزر تركي الصنع محمول على سيارة مُدرَّعة.

   

لم يكن ذلك حدثا عاديا بحال، فقد كانت تلك هي المرة الأولى في تاريخ الحروب التي تُدمَّر فيها مركبة قتالية مسلحة بواسطة أشعة ليزر صادرة عن مركبة أخرى في ساحة قتال حقيقية، والغريب أن ذلك حدث في ليبيا على يد قوات شبه نظامية وليس جيشا مدربا تقليديا، وبواسطة سلاح تركي وليس أميركي أو روسي أو حتى صيني، ما سلَّط الضوء على تحوُّل(2) الصراع الليبي إلى ساحة إدخال التقنيات القتالية الجديدة، التقليدية منها والهجينة، بداية من الهجمات الإلكترونية وصولا إلى الأسلحة الليزرية والطائرات بدون طيار المقاتلة (الدرونز).

  

لفترة طويلة، كان تصنيع وتشغيل الطائرات بدون طيار على وجه الخصوص حكرا على الجيوش الأكثر كفاءة تقنية في العالم، وتحديدا الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل بفارق ملحوظ، وعلى مدار قرابة عقدين من الزمان، أي منذ وقوع أول هجوم مُسجَّل بالدرونز المسلحة في أفغانستان عام 2001، حرصت الولايات المتحدة على فرض قيود على انتشار هذه التقنية، فقامت بتشديد مُتطلّبات تصدير هذه الطائرات من أجل تفادي وقوعها في أيدي خصومها في نهاية المطاف، لدرجة أنها امتنعت عن تصدير الدرونز المسلحة حتى لحلفائها المقربين باستثناء إيطاليا وبريطانيا.

   

الدرونز الأميركية في أفغانستان (رويترز)

    

لكن ذلك كله تغيَّر خلال الأعوام الخمسة الأخيرة مع دخول الصين بقوة نادي الدول المُصنِّعة للطائرات بدون طيار المقاتلة، وعلى عكس واشنطن، كانت بكين أكثر ترحيبا بتمرير تكنولوجيا الدرونز الرخيصة -التي صُنِعَت بالأساس عبر محاكاة الدرونز الأميركية- للعديد من القوى الطامحة لامتلاك هذه التقنية الحصرية، بما في ذلك بعض القوى الشرق أوسطية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر والعراق، وتزامنا مع ذلك كانت العديد من القوى الأخرى تُحقِّق اختراقا في مجال تصنيع الدرونز وفي مقدمتها تركيا، التي تُعَدُّ اليوم القوة الرابعة عالميا في هذا المجال، وإيران.

   

مع انتشار تكنولوجيا الطائرات بدون طيار وتزايد كفاءتها، تسابقت الجهات الحكومية وغير الحكومية للحصول على هذه الطائرات وتشغيلها، فمن ناحية(3) يُعَدُّ إنتاج وصيانة الدرونز أرخص بكثير من تكلفة الطائرات النفاثة العادية وطيّاريها، فضلا عن كونها تأتي مع العديد من المزايا التشغيلية والتكتيكية التي تفوق مزايا الطائرات المقاتلة، حيث يمكن للطائرات بدون طيار كشف الأهداف المتحركة، والتحليق فوقها لفترة طويلة وتتبُّعها بدون أن تُكتشف قبل ضرب تلك الأهداف في نهاية المطاف، في الوقت الذي تقوم فيه أيضا بجمع المعلومات القيّمة أثناء قيامها بهذه العمليات.

 

وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، بدأت الطائرات بدون طيار في غزو واحتلال السماوات المُلتهِبة منذ عام 2015 أثناء العمليات ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، ولاحقا استُخدِمت بواسطة التحالف السعودي الإماراتي في حرب اليمن، قبل أن تبدأ ملكية الدرونز في التسرب من أيدي الدول إلى أيدي وكلائها من الميليشيات، بداية من حزب الله اللبناني الذي يُدير أكبر ترسانة درونز تملكها ميليشيا غير نظامية في العالم، مرورا بالحوثيين في اليمن، وليس انتهاء بحفتر وميليشياته الذين بدؤوا في استخدام الطائرات بدون طيار لشنِّ حملات جوية مُكثَّفة بهدف السيطرة على كامل الأراضي الليبية.

   

   

ورغم ذلك، لم يكن حفتر وحلفاؤه الإقليميون هم أول من أدخل الدرونز إلى السماوات الليبية، فقد كانت الدرونز الأميركية سبّاقة في احتلال السماوات الليبية بالفعل منذ عام 2011 خلال الحملة الجوية التي شنَّها حلف الناتو ضد نظام القذافي، ولاحقا خلال الحملة الأميركية ضد "تنظيم الدولة" في ليبيا عام 2016، قبل أن يبدأ الفرقاء الليبيون في استخدام الطائرات بدون طيار في مساعيهم لفرض السيطرة على البلاد وحسم الحرب الأهلية بالقوة المُميتة في السماء، وهو نهج تعزَّز بشكل ملحوظ خلال معارك الأشهر الأخيرة مع تدفُّق الطائرات بدون طيار من الرعاة الإقليميين إلى طرفَيْ النزاع، وهو ما جعل ليبيا تستحق عن جدارة وصف "السماء الأكثر ازدحاما بالدرونز في العالم".

 

أجواء طرابلس المُستباحة

على مدار تاريخها كانت ليبيا مسرحا للتدخُّلات العسكرية الأميركية خصوصا من الجو، حيث يعود التدخُّل الأميركي الأول في ليبيا إلى أكثر من قرنين من الزمان، وتحديدا لعام 1804 حين قرَّرت واشنطن شنَّ غزو بحري ضد درنة بهدف تغيير حاكم البلاد يوسف باشا القره مانلي خلال الحرب المعروفة باسم "حرب الساحل البربري الأولى"، فيما وقع التدخُّل الثاني خلال الحرب العالمية الثانية حين اضطرت القوات الأميركية للتدخُّل لاستعادة شرق ليبيا من أيدي القوات الألمانية، ليفرض الجيش الأميركي سيطرته آنذاك على قاعدة ويلس الجوية بالقرب من طرابلس، قبل أن يُطرَد الأميركيون من ليبيا عام 1970 بعد فترة وجيزة من سيطرة معمر القذافي على السلطة.

 

غير أن أول مواجهة جوية تخوضها القوات الأميركية في ليبيا كان عليها أن تنتظر حتى أغسطس/آب عام 1981، حين قامت(4) الطائرات الأميركية بإسقاط طائرتين ليبيتين من طراز سوخوي "سو – 22" قرابة السواحل الليبية ردا على قيام نظام القذافي بتحدي واشنطن وتمديد مياهه الإقليمية لمسافة 12 ميلا داخل خليج سرت، ولاحقا في أبريل/نيسان 1986 تعرَّضت مدينتَيْ طرابلس وبنغازي لقصف أميركي مُكثَّف قُتلت خلاله ابنة القذافي الرضيعة وأُصيب اثنان من أبنائه في ضربة انتقامية جاءت ردا على عدد من العمليات المسلحة التي رعاها نظام القذافي ضد المصالح الأميركية حول العالم.

    

درونز من طراز "MQ-1" المعروفة باسم "المفترسة" (رويترز)

    

وبحلول عام 2011 وجدت القوات الأميركية الجوية طريقها لليبيا مجددا، وأتت الطريقة هذه المرة ضمن إطار العملية "فجر أوديسا" التي دشّنتها واشنطن وحلف الناتو بهدف فرض منطقة حظر طيران فوق الأراضي الليبية تزامنا مع تظاهرات الربيع العربي التي قمعها القذافي بلا هوادة، وفي ذلك التوقيت شهدت الأجواء الليبية تحليقا للدرونز للمرة الأولى في أجواء البلاد بعد أن دخل سرب الاستطلاع السريع رقم 324 التابع للقوات الجوية الأميركية إلى المعركة، في 25 مارس/آذار من ذلك العام، مُسلَّحا بأسطوله من الدرونز من طراز "MQ-1" المعروفة باسم "المفترسة"، وأُطلِقت من المحطة البحرية الجوية في سيغونيلا جنوب إيطاليا لتشنَّ غاراتها الأولى على أهداف عسكرية تابعة لنظام القذافي في مدينة مصراتة.

  

على مدار الأشهر الستة التالية واصلت أسراب الطائرات بدون طيار التحليق من القاعدة الجوية الإيطالية لسماء الدولة شمال الأفريقية في حملة واسعة النطاق وغير مسبوقة شهدت(5) إطلاق 234 صاروخا من طراز "هيلفاير" من الطائرات "المفترسة"، بما يُعادل أكثر من 20% من إجمالي عدد الصواريخ التي أطلقتها الولايات المتحدة منذ قامت بنشر النظام لأول مرة عام 1997، وبما يشمل الصواريخ التي أُطلِقت في ساحات الصراع الساخنة في العراق وأفغانستان أوائل الألفية الحالية.

  

هدأت الحملة الجوية الأميركية نسبيا في أعقاب الإطاحة بالقذافي، لكنها تسارعت مجددا(6) عام 2016 مع تدشين البنتاغون لعملية "برق الأوديسا"، بعدما طلبت حكومة الوفاق الوطني الليبية الشرعية والمدعومة من الأمم المتحدة مساعدة واشنطن لطرد مقاتلي "تنظيم الدولة" في مدينة سرت، وهو ما دفع إدارة أوباما لتصميم حملة جوية جديدة باستخدام الدرونز في شمال ليبيا أتت مصحوبة بتخفيف للمبادئ التوجيهية الأميركية المصممة لحماية المدنيين من أجل إعطاء البنتاغون حرية أكبر لتنفيذ الضربات الجوية. ونتيجة لذلك، وبين شهرَيْ أغسطس/آب وديسمبر/كانون الأول من تلك العملية، نفَّذت الولايات المتحدة أكثر من 500 غارة جوية تم إجراء 60% منها على الأقل باستخدام أسراب الدرونز الأكثر تطوُّرا من طراز "MQ-9" المعروفة باسم "الحصّادة"، مصحوبة بمساعدة من طائرات حربية نفاثة، ويعني هذا الرقم ببساطة أن واشنطن استخدمت قصف الطائرات بدون طيار في "سرت" بوتيرة أعلى بكثير مما فعلته في كامل العراق وسوريا خلال المدة الزمنية نفسها.

   

درونز من طراز "MQ-9" المعروفة باسم "الحصّادة" (رويترز)

   

بخلاف ذلك، تحوَّلت الحملة الجوية في سرت إلى حقل تجارب لاختبار المفاهيم والإستراتيجيات الجديدة لاستخدام الطائرات بدون طيار لأغراض القتال في المناطق الحضرية، حيث استُخدِمت تكتيكات هجومية جديدة واختُبِرت كفاءة مهام الدعم للمقاتلين الذين يخوضون قتال الشوارع، فضلا عن اختبار عمل الدرونز بالتناغم مع الطائرات المروحية القتالية وطائرات مشاة البحرية "المارينز"، حيث استُخدِمت الدرونز لتوجيه تلك الطائرات التقليدية في سابقة قلّما حدثت قبلا بهذا النطاق المُتسع.

   

بالتزامن مع ذلك، تسبَّبت قدرة الطائرات "الحصادة" على الطيران لساعات طويلة في تحسين كفاءة ودقة وأزمنة مهام التتبُّع والمراقبة والاستهداف، ونتيجة لذلك قدَّرت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) أن ما بين 800 إلى 900 من مقاتلي "تنظيم الدولة" في ليبيا قُتلوا خلال فترة العملية (أقل من سبعة أشهر فقط)، ليبدأ عدد الغارات الجوية الأميركية في الانخفاض مجددا مع اقتراب موعد رحيل أوباما عن البيت الأبيض نهاية عام 2016.

   

ومع قدوم الرئيس الجديد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض شهدت وتيرة الضربات الأميركية في ليبيا انخفاضا ملحوظا، حيث شنَّ الأميركيون 27 غارة جوية فقط خلال عام 2017، لكن هذا الانخفاض في الأرقام لا يعكس فقط انخفاض النشاط الجوي الأميركي في عهد ترامب الذي أعلن منذ اللحظة الأولى أن بلاده لا ينبغي أن يكون لها دور في ليبيا، ولكنه يعكس أيضا حجم التعتيم الكبير الذي تفرضه إدارة ترامب على ضرباتها الجوية والطريقة المختلفة لاحتساب عدد الضربات، حيث صارت تُحتَسب الضربات المتزامنة كضربة واحدة، فمثلا من الممكن أن تحتوي الضربة الواحدة على أكثر من خمس ضربات متزامنة منفصلة، وبخلاف ذلك، ووفق ما رصدته مؤسسة نيو أميركا، فإن الكثير من المعلومات الجوهرية حول الضربات مثل أماكن انطلاق الضربات وعدد الطائرات المشاركة أصبحت تخضع لتعتيم كبير.

   

غير أن هذا النشاط الأميركي الخافت كان على موعد مع صحوة ملحوظة(7) في الخريف الماضي، وخلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر سبتمبر/أيلول المنصرم، قتلت الغارات الجوية الأميركية 43 مقاتلا من المنتسبين لـ "تنظيم الدولة" في ليبيا عبر هجمات للدرونز أُطلِقت من القواعد الجوية الأميركية في نيامي بالنيجر، بما يعادل ثلث عدد مقاتلي التنظيم هناك والمُقدَّر عددهم بـ 150 مقاتلا في الوقت الراهن، ورغم أن هذه الهجمات هي الأولى لأميركا خلال العام الماضي 2019، فإن هذا النشاط الخافت لم يكن كافيا لحمايتها من آثار الصراع المحتدم على النفوذ بين طرفَيْ الحرب الأهلية الليبية، ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي فقد البنتاعون طائرة بدون طيار غير مسلحة كانت تُحلِّق في الأجواء الليبية، ويعتقد المسؤولون الأميركيون أنها أُسقِطت بواسطة الدفاعات الجوية الروسية التي تُشَغَّل من قِبل ميليشيات "حفتر"، أو المرتزقة العسكريين الروس الذين يقاتلون في صفوفه.

   

طائرات حفتر الإماراتية

  

حتى أواخر عام 2015 تقريبا، ظلَّ استخدام الطائرات بدون طيار في ليبيا حكرا على الولايات المتحدة كما فصَّلنا، ولكن الأمور تغيَّرت بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب الأهلية الليبية الثانية بين حكومة الوفاق الوطني المُعترَف بها دوليا بقيادة فايز السراج والفصائل الموالية لها في الغرب وبين ميليشيات حفتر المدعوم من البرلمان المنحل في مدينة طبرق الشرقية، حيث بدأ الطرفان المتحاربان في البحث عن قوة جوية كفء لدعم نشاط الميليشيات البرية، وقد اعتمد الطرفان(8) في البداية على بقايا الأسطول الجوي التقليدي المُتهالِك لنظام القذافي، حيث امتلك كلٌّ منهما ما يعادل 15 طائرة مقاتلة إضافة إلى عدد من طائرات النقل، ولكن سرعان ما اتضح أن معظم هذه الطائرات فقدت صلاحياتها بعد أن خسرت ميليشيات حفتر طائرة "ميج – 21" روسية الصنع وخسرت حكومة الوفاق طائرتين فرنسيتَيْ الصنع من طراز "ميراج" خلال الأشهر الأولى للحرب.

 

ومع عدم إمكانية الحصول على طائرات جديدة لتجديد أساطيلهما الجوية، استنفد الجانبان جهدا كبيرا في صيانة الأساطيل الجوية المصابة بالشيخوخة، لكن هذا الوضع تغيَّر مع نهاية عام 2016 حين قرَّرت الإمارات الإلقاء بثقلها العسكري في الحرب دعما لحفتر، فقامت(9) أبوظبي بإعادة بناء قاعدة الخادم الجوية في محافظة المرج شرق ليبيا، مع نشر طائرات هجومية من طراز إير تراكتور، إضافة إلى طائرات بدون طيار صينية الصنع من طراز وينغ لونغ المسلحة بصواريخ بلو أرو (LJ-7) المضادة للدبابات بهدف توفير الغطاء الجوي لقوات حفتر، وفي الوقت نفسه قامت بمنح بعض الدرونز المسلحة لميليشيات الجنرال الليبي التي أصبحت أحد أول(10) الفاعلين من غير الدول الذين يتحكمون بطائرات بدون طيار خاصة بهم.

  

  

شارك هذا الأسطول الإماراتي الصغير من الطائرات بدون طيار في مهام جوية واستطلاعية لدعم ميليشيات حفتر أثناء قتاله ضد "المسلحين الإسلاميين" في بنغازي عام 2016 وفي درنة عام 2018، ولكن طرابلس ظلَّت بعيدة نسبيا عن القاعدة الجوية التي أنشأتها الإمارات شرق ليبيا، في حين أن مدى الدرونز الصينية لم يسمح لها بالتحليق لهذه المسافة الطويلة، ما جعل تأثير الطائرات بدون طيار محدودا نسبيا في المعارك التي خاضها حفتر ضد حكومة الوفاق.

   

 

      

ولكن ذلك تغيَّر العام الماضي 2019، وتحديدا في شهر أبريل/نيسان، بعد أن قرّر حفتر وداعموه في أبوظبي والقاهرة وباريس شنَّ حملة عسكرية للاستيلاء بالقوة على العاصمة طرابلس والأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية في ليبيا، حيث استُخدِمت الدرونز في شنِّ الغارات الجوية في مناطق وادي ربيع والحيرة والعزيزية وعين زارة، لكن النقطة الفاصلة في مسيرة استخدام الطائرات بدون طيار في الحرب الليبية حدثت في نهاية يونيو/حزيران المنصرم، وتحديدا مع استيلاء القوات الموالية لحكومة الوفاق على مدينة غريان الإستراتيجية على بُعد 75 كم جنوب العاصمة طرابلس.

 

كان فقدان غريان بمنزلة ضربة رمزية وخسارة إستراتيجية لحفتر وقواته، ومَثَّلَ انتكاسة خطيرة لمحاولته السيطرة على طرابلس بالقوة، حيث كانت غريان النقطة الأكثر ديناميكية في شبكة حفتر اللوجستية مع كونها تُمثِّل أحد خطَيْ الإمداد الرئيسين لميليشياته في هجومه على طرابلس. لذا بعد خسارته المدينة أصبحت قواته البرية تعتمد حصرا على سلسلة الإمداد الضعيفة المتبقية من ترهونة، وبخلاف ذلك كانت غريان موطنا لمطار صغير لعب دورا حاسما في نقل الأسلحة والمعدات التي لا يمكن نقلها برا عبر الجو، لذا لم يكن من المفاجئ أن تكتشف القوات الموالية لحكومة الوفاق في غريان مخابئ ضخمة ضمَّت صواريخ مضادة للدبابات أميركية الصنع حصل عليها حفتر من فرنسا، بخلاف أسلحة أخرى حازها الجنرال الليبي من حلفائه في أبوظبي.

    

إذن، استخدم حفتر غريان ومطارها لتوفير خطوط إمداد سريعة لقواته بطريقة لم يكن من الممكن ضمانها عبر خط ترهونة البري البطيء، لذا فإن خسارة المدينة كان بداية النهاية لحملة حفتر البرية، ومع اتجاه حكومة الوفاق لفرض الحصار على ترهونة، لم يكن الأمر سوى مسألة وقت حتى تفشل حملة طرابلس رسميا مع إهانة مخزية لحفتر، ونتيجة لذلك كان على الجنرال الليبي أن يبحث عن طريقة أخرى لفرض سطوته العسكرية، مُحوِّلا إستراتيجيته من الحرب البرية إلى حملة جوية شرسة مدعومة من الخارج هدفت لفرض أكبر قدر ممكن من التكاليف البشرية والعسكرية على حكومة الوفاق الوطني.

  

   

دُشِّنت الحملة الجديدة مطلع يوليو/تموز المنصرم باسم "عاقبة الغدر"، تزامنا مع تقارير غير مؤكدة حول حصول حفتر على بعض وحدات من طائرة "إف – 16" الأميركية، لكن المؤكد هو أن أبوظبي قدمت(11) لـ "الجيش الوطني الليبي" ما لا يقل عن 8 طائرات بدون طيار صينية الصنع من طراز "وينغ لونغ 1″، إضافة إلى عدد آخر من طائرات "وينغ لونغ 2″، وجميعها من فئة الدرونز متوسطة الارتفاع عالية التحمُّل (medium – altitude long – endurance)، بخلاف بعض وحدات الطائرة بدون طيار النمساوية "سكيبل كامكوبتر إس – 100" وعدد غير معروف من طائرات "مهاجر – 2" الإيرانية، فضلا عن الطائرات بدون طيار التي أدارتها وحدات سلاح الجو المرتزقة التابعة لإريك برنس، والعاملة في ليبيا بتمويل إماراتي، وقد شُغِّلت معظم هذه الطائرات من قاعدة الخادم الجوية ومن أماكن أخرى أقرب إلى طرابلس، فيما تُشير دلائل إلى استخدام تقنيات الأقمار الصناعية للسماح بإعادة توجيه الطائرات عن بُعد.

  

وفَّر هذا الدعم الإماراتي لحفتر تفوُّقا جويا ملحوظا خلال الأسابيع الأولى لحملته العسكرية الجديدة، في حين اتضح التأثير المُدمِّر لهذه الحرب الجديدة منذ ساعاتها الأولى، ففي 2 يوليو/تموز شنَّت الطائرات بدون طيار الإماراتية غارة جوية على جماعة مسلحة تابعة لحكومة الوفاق الوطني، ولكن الضربة أخطأت هدفها وأصابت مرفقا لاحتجاز المهاجرين في ضواحي طرابلس مما أسفر عن مقتل 44 شخصا على الأقل وإصابة 130 آخرين.

 

فخر الصناعة التركية

تسبَّبت القدرات الجوية المتطورة التي حصل عليها حفتر من حلفائه، وعلى رأسهم الإمارات، في مخالفة واضحة للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى ليبيا، تسبَّبت في اختلال موازين القوى في الصراع الليبي لصالح حفتر وميليشياته على حساب حكومة الوفاق المُعترَف بها دوليا والتي أصبحت منعزلة جغرافيًّا بصحبة الغالبية العظمى من سكان ليبيا على مساحة محدودة من الأرض، ليتعرَّضوا جميعا لقصف جوي مستمر وعنيف مدعوم من قوى إقليمية ودولية.

   

  

كان إدراك هذا الموقف المتدهور لحكومة الوفاق هو ما دفع تركيا في النهاية لتجاوز سياستها المُتحفِّظة تجاه ليبيا وتوجيه الدعم العسكري للوفاق، وهو دعم شمل قيام أنقرة بتوريد الشاحنات المدرعة من طراز "بي إم كيربي" وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة، والأهم الطائرات بدون طيار من طراز "بيرقدار تي بي 2" التي رُصِدت مشاركتها في الصراع لأول مرة في غارة جوية في مصراتة في 16 مايو/أيار الماضي قبل استخدامها بشكل أوضح بعد حملة حفتر، ويُعتَقد أنها لعبت دورا مهما في حسم الأمور لصالح حكومة الوفاق في معارك غريان الحاسمة.

     

  

     

تُعَدُّ بيرقدار أحد طرازين من الدرونز التركية التي تُصَنَّع محليا، جنبا إلى جنب مع الطائرة بدون طيار المسماة "أنكا"، وقد خاضت(12) الطائرة بيرقدار رحلتها الأولى من مطار سينوب على البحر الأسود قبل أكثر من عقد من الزمان في عام 2007، ومنذ ذلك الحين تحوَّلت الطائرة متوسطة الحجم ذات الأذرع المزدوجة لتصبح العمود الفقري لسلاح الدرونز التركي الناشئ مع قدرتها على التحليق على ارتفاع يتجاوز 27 ألف قدم لمسافة تبلغ 150 كم ومع حمولة تزن 55 كيلوغراما، وبحلول نهاية عام 2017 كان المخزون التركي من طائرات بيرقدار قد بلغ 94 طائرة -نصفها على الأقل طائرات مسلحة- تُشغَّل بواسطة ست وحدات عسكرية وأمنية في البلاد، وهي الجيش والقوات الجوية والقوات البحرية والدرك والمخابرات الوطنية والمديرية العامة للأمن (الشرطة المدنية).

  

وفي وقت مبكر من عام 2016 بدأت تركيا للمرة الأولى في استخدام أسطولها من الدرونز في العمليات العسكرية خارج حدودها، خاصة في سوريا والعراق، قبل أن تُقرِّر أنقرة مؤخرا توسيع نطاق تشغيل طائراتها بدون طيار إلى الأجواء الليبية، ووفقا لموقع ميدل إيست آي البريطاني فإن الدفعة الأولى من الدرونز التركية التي سُلِّمت في شهر مايو/أيار (قبل معارك غريان) شملت 4 وحدات من طائرة بيرقدار وُزِّعَت بين القواعد الجوية في مصراتة وميتيجا، لكن القوات الموالية لحكومة الوفاق لم تكن تمتلك الخبرة الفنية لتشغيلها، لذلك فإن أنقرة اضطرت لإرسال مُشغِّلين محليين لإدارة عمليات الطائرات بدون طيار هناك.

    

الدرونز التركية "بيرقدار تي بي 2" (وكالة الأناضول)

     

تسبَّبت هذه الخطوة في تعريض تركيا بشكل مباشر للآثار الجانبية للحرب الليبية، وفي 6 يونيو/حزيران الماضي تعرَّض اثنان من المُشغِّلين الأتراك للإصابة ودُمِّرت طائرتان من طراز بيرقدار خلال غارة جوية مساندة لحفتر على قاعدة ميتيجا الجوية يُرجَّح أن الإمارات هي مَن نفَّذتها. ودفعت الغارة الجوية الإماراتية تركيا لزيادة استثماراتها العسكرية في ليبيا بما في ذلك الطائرات بدون طيار، لتنجح الدرونز التركية في الإعلان عن حضورها في الصراع مجددا عبر غارة جوية ناجحة في يوليو/تموز استهدفت قاعدة الجفرة الجوية التابعة لميليشيات حفتر وتسبَّبت في تدمير طائرتَيْ نقل ثقيل أوكرانيتين، وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني الماضي كانت أنقرة قد زوَّدت حكومة الوفاق بـ 12 طائرة بدون طيار من طراز بيرقدار على الأقل، ساهمت كلها في جلب التوازن للصراع وساعدت في سد فجوة القوة الجوية بين حكومة الوفاق وبين القوات الموالية لحفتر المدعومة إقليميا من البداية.

  

ونتيجة لهذا الحشد المتبادل للدرونز على جانبَيْ الصراع، أصبحت الطائرات بدون طيار الدعامة الرئيسة للصراع في ليبيا خلال النصف الثاني من العام الماضي، وبحسب تقرير الأمم المتحدة حول الصراع فقد شهدت الأجزاء الليبية منذ انطلاق معارك طرابلس نحو 1100 غارة جوية استُخدِمت خلالها الطائرات بدون طيار (850 منها كانت من نصيب حفتر وقواته)، غارات تنوَّعت مهامها بين المراقبة والتتبُّع والضربات الإستراتيجية للمطارات ومستودعات الأسلحة والدعم الجوي المباشر للوحدات المشاركة في القتال الحضري، وتسبَّبت هذه الهجمات ومعظمها لحفتر في مقتل أكثر من 280 مدنيا ونزوح أكثر من 140 ألف شخص، وفق تقديرات المنظمة الأممية.

  

وفَّرت الدرونز إذن لطرفَيْ الصراع الليبي، ورعاتهم الإقليميين، باختلاف نسب التشغيل الفارقة، طريقة فعَّالة ورخيصة نسبيا لاستئناف الحرب وتوجيه ضربات مؤثرة لبعضهم بعضا، مُستغلِّين السهولة النسبية في الحصول عليها حاليا، ووجود العديد من القوى العالمية -وعلى رأسها الصين- التي أبدت اهتماما بكسر احتكار الأميركيين لهذا النوع من الأسلحة عبر بيع الدرونز الرخيصة إلى الدول الراغبة، حيث تُكلِّف الطائرة بدون طيار الصينية مثلا قرابة مليون دولار فقط مقارنة بـ 15 مليون دولار لنظيرتها الأميركية، وتقوم الدول المشترية بدورها بتمرير مخزوناتها من الطائرات لوكلائها من الفاعلين من غير الدول، كاسرة بذلك احتكار الفاعلين الدوليين للبُعد الجوي للحرب. ورغم ذلك، فإن الاعتماد على الطائرات بدون طيار وحدها أثبت فشله في تحقيق أي نتائج إستراتيجية بخلاف تغذية النزاع وزيادة أعداد القتلى بين المدنيين.

    

  

ففي حين أن الدرونز تُثبت كفاءة تتزايد يوما بعد يوم في عملية جمع المعلومات والاستهداف والقصف الجوي، فإنها تُظهِر كفاءة أقل في حسم الصراعات العسكرية المباشرة بسبب القيود المفروضة على تشغيلها خاصة في المهام بعيدة المدى. فعلى سبيل المثال، يُعتَقد أن جميع الطائرات بدون طيار المستخدمة في الصراع الليبي تمتلك نطاقا يصل إلى 150 كيلومترا فقط، وهو ما يتطلَّب من مختلف الفاعلين إنشاء محطات أرضية قريبة من مناطق القصف المستهدفة لتمديد نصف قُطر التشغيل الخاص بالطائرات، ويعني ذلك الحاجة أحيانا إلى إنشاء محطات للطائرات في قلب المناطق التي يسيطر عليها الخصوم، وهو أمر يبدو مُتعذِّرا وبالغ الصعوبة بداهة.

   

بخلاف ذلك، لا يأتي تشغيل الطائرات بدون طيار دون عواقب غالبا، فعلى سبيل المثال، وخلال الأسابيع الأولى للصراع الليبي، فَقَدَ طرفا النزاع قرابة 6 طائرات بيرقدار وعددا من طائرات وينغ لونغ إما بسبب أخطاء التشغيل وإما بسبب استهدافها من قِبل مضادات الطائرات، ومع قلة عدد الدرونز المتاحة تحت تصرُّف الفصائل الليبية وصعوبة استبدالها، فإن ذلك يفرض قيودا على عدد الطلعات الجوية وديمومتها، وغالبا ما تُدرك القوات المستهدفة مع الوقت عدد الذخائر التي تحملها الطائرة وغالبا ما تعمد لإخفاء نفسها لحين التأكد من أن القنابل المحمولة قد استُنزِفت.

   

ويسعى أطراف الصراع الليبي للحصول على الأنظمة المضادة للدرونز مثل الصواريخ "أرض – جو" التي يُوفِّرها المرتزقة الروس لحفتر، وأنظمة التشويش والأسلحة الليزرية المتطورة (تُوفِّرها تركيا لحكومة الوفاق على ما يبدو)، من أجل تحييد تأثير الطائرات بدون طيار في الصراعات، وفي ضوء ذلك، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن أيًّا من الفريقين لن يكون بمقدوره تحقيق نصر عسكري كامل على الأرض بالاعتماد على الدرونز المسلحة وحدها، وأن جُلَّ ما يفعله التدفُّق المستمر لهذه الطائرات هو جلب نوع من توازن الردع الجوي المحدود للحرب القائمة منذ أكثر من 4 أعوام، ما يعني فعليا إطالة أمد تلك الحرب إلى حدٍّ لا يمكن التنبؤ به، مع ما يحمله ذلك من عواقب وخيمة على المدنيين الذين يفقدون حيواتهم ومنازلهم كآثار جانبية للموت المتساقط من السماء، في غياب أي حل سياسي يلوح في الأفق، حتى الآن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة