المفارقة الأمنية لمصر في ليبيا.. كيف أسّست مصر لتدخُّلها العسكري في ليبيا؟

منذ ظهور حفتر في المشهد الليبي، حافظت مصر على دور مزدوج إن لم يكن متخبطا في ليبيا. على الصعيد الرسمي، كانت مصر تدعو إلى حل النزاع بالطرق السلميّة وجلب جميع الأطراف إلى طاولة التفاوض، لكنها على الصعيد غير الرسمي، كانت تساهم في تأجيج الصراع الأهلي باصطفافها مع الجنرال المتقاعد خليفة حفتر. هذه التناقضات في الموقف المصري أدّت إلى وضع سياسي معقّد يؤدي في النهاية إلى تدخُّل مصر العسكري في ليبيا. في التقرير التالي نرى تفاصيل هذه المفارقة الأمنية، أي كيف يؤدّي التناقض في المواقف الأمنية من خلال الرغبة بالاستقرار في ليبيا، بالترافق مع تأجيج الاستقطاب والنزاع المسلّح، إلى مشهد يؤدي في النهاية إلى توفير الذرائع المناسبة لتدخُّل مصر العسكري في ليبيا، في وقت تواجه فيه الحكومة المصرية أزمات داخلية أكثر إلحاحا، مثل جائحة "كوفيد-19" وأزمة سد النهضة، إلى جانب أزمة الدَّين المصري العام المتضخم.

 

بما أنّها دولة مجاورة، فقد بات غياب الأمن في ليبيا يُشكِّل تهديدا أمنيا مباشرا لمصر، ومن البديهي والحال هذه أن تستفيد مصر من ليبيا مستقرة تكون لها حكومة مركزية، لكن من ناحية أخرى، فإن القاهرة توفر الدعم لميليشيات وعناصر سياسية معينة، مثل الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، فيما يُشكِّل تصادما مع جهود الوحدة التي تدعمها الأمم المتحدة، ليمتدّ أمد الصراع الليبي. يسعى التقرير إذن إلى تقييم أسباب التدخل المصري بشكله الحالي في ليبيا، وآثار ذلك على النزاع الليبي على خلفية موقف الجهات المسلحة غير الحكومية في ليبيا.

 

يُركِّز التقرير على سياسة مصر تجاه ليبيا عبر السؤال الرئيسي: "كيف يمكن شرح سياسة مصر المتناقضة إزاء ليبيا؟ وما تأثيرها على الصراع الليبي؟"، تُقدِّم الورقة البحثية الوضع الحالي في ليبيا والجهات الفاعلة الرئيسية، ثم يتم تقييم مصالح مصر المتعددة في ليبيا واستخدامها لشرح سياسة مصر في ليبيا وتأثيرها على الصراع الليبي.

 

قلّما تكون الإجراءات الأمنية بوضوح الأبيض والأسود؛ ذلك أنها تنحدر من شبكة معقدة من المصالح المتعددة وعوامل متداخلة يتبادل تأثيرها. وهذا التعقيد من الممكن أن يؤدي إلى سيناريوهات تقوم فيها جهة أو دولة ما بتنفيذ تدابير أمنية تخدم بعض المصالح ولكنها تُلحق الضرر بمصالح أخرى. نسمي هذه الظاهرة ههنا بـ "المفارقة الأمنية"، ويُعبّر هذا المصطلح عن المواقف التي تتعارض فيها الإجراءات الحالية مع النتيجة المأمولة على المدى الطويل، ويُجبَر الفاعل على التصرف بطريقة معينة لضمان توفير الأمن والحماية من التهديدات الفورية لفترة وجيزة من الزمن، لكنها تؤدي إلى أوضاع سلبيّة تعوقه عن تحقيق أهدافه.

أما المعضلة الأمنية فهي مختلفة عن المُفارقة الأمنية، إذ إنّها تتشكّل من "فشل كلا الطرفين في إدراك المشكلة"، ودون "إدراك أن كل طرف منهما يولّد توجّسات لدى الطرف الآخر". وفي حين تُركِّز المعضلة الأمنية على الديناميات بين فاعلين اثنين أو أكثر، تحدث المفارقة الأمنية من وجهة نظر فاعل واحد، وبالتالي يمكن لفاعل أن يكون مدركا تماما للوضع وتتناقض تصرفاته، ومع ذلك، يفتقر إلى بديل أفضل ويشعر بأنه مضطر إلى التصرف على نحو معين، وبالتالي لا يمكن تصنيف الموقف في ليبيا من جهة مصر على أنه معضلة أمنية، بل مفارقة أمنية.

 

نجد أفضل مثال على المفارقة الأمنية في الأمن النووي، وعادة ما يُشار إليه باسم مفارقة الأمن وانعدامه، حيث تسعى الدول الصغيرة على وجه الخصوص للحصول على أسلحة نووية لزيادة أمنها عن طريق ردع الهجمات التقليدية. والحصول على الأسلحة النووية في العادة يزيد الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يزيد احتمالية استخدام الأسلحة النووية، مما يُقلِّل الاستقرار النووي. ومع ذلك، فالحرب النووية مع عواقبها المدمرة ليست الحل الأمثل للجميع. فيما يتعلق بالدول التي تمتلك موارد طاقة تقليدية، قد يعتبر الانتزاع الشامل للأسلحة النووية الحل النظري الأمثل على المدى الطويل. ومع ذلك، طالما أن هناك دولة واحدة فقط بحوزتها أسلحة نووية، فإن الدول مجبرة على الاحتفاظ بأسلحتها النووية لحماية نفسها وتأكيد قوتها التفاوضية وحفظ توازن القوى بشكل عام كنتيجة مباشرة، وهذا بدوره يجعل احتمال نزع السلاح النووي على المدى الطويل مستبعدا.

 

يمكن أن تحدث المفارقات الأمنية في سيناريوهات مختلفة. فيما يتعلق بالصراع الدائر في ليبيا، يمكن اعتبار أن الحكومة المصرية تواجه مفارقة أمنية في سياستها تجاه ليبيا. في حين أن أفضل حل على المدى الطويل لمصر سيكون دولة قومية مستقرة في ليبيا من أجل الحماية الحدودية الممكنة وزيادة حجم التبادل التجاري. لكن مصر تدعم أطرافا محددين في شرق ليبيا، مما يؤدي بالتبعية إلى وضع العراقيل أمام تشكُّل الدولة الليبية. في السطور التالية نُقيّم مفارقة مصر الأمنية بمزيد من التفصيل.

 

منذ عام 2011، اعتُبرت ليبيا دولة منهارة على نطاق واسع، وقد عزّز انهيار الحكومة المركزية ومؤسسات الدولة والقانون والنظام ظهور مختلف الأطراف المحلية. واليوم، تشهد ليبيا درجة قصوى من تقسيم السلطة اللا مركزي والأفقي بين مختلف القبائل والميليشيات والجماعات الإثنية والأحياء والمدن والقرى. فصدرت أوامر سياسية على الصعيد دون الوطني تستند إلى المصالح المحلية، حيث تقدم بيئات النزاع الشرقية والغربية والجنوبية مختلف الحوافز وتؤدي إلى انشطار الجماعات المسلحة مما يجعل ليبيا دولة خاضعة للنزاعات المحمومة، فبدلا من تعزيز السلطة المركزية الواحدة، تتنافس الجماعات المسلحة على فتات القيادة المحلية.

 

كما أن سهولة الوصول إلى الأسلحة وزيادة النشاط الإجرامي يؤثران سلبا على خيار التماسك الاجتماعي؛ فالأطماع السياسية للميليشيات والانتقال من السياسة الشاملة إلى القبول بسلطة البعض واستبعاد البعض الآخر يفاقم الانقسام الليبي، في حين أن تشرذم الجماعات المسلحة يُعزِّز تصاعد النزاع بالقدر الذي يحول فيه احتكار القوة والسلطة دون تحقيق المركزية الفعالة.

 

منذ عام 2016 والبلاد يقتسمها معسكران اثنان رئيسيان مبنيان على "حكومتين" رئيسيتين. من جهة، هناك حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس، وتحظى بدعم الميليشيات الثورية في المدن الغربية والميليشيات الإسلامية في أحياء طرابلس والقبائل الجنوبية والإخوان المسلمين، كما يدعمها المجتمع الدولي بصفتها الحكومة الرسمية. من جهة أخرى، يدّعي خليفة حفتر قائد -مايسمى بالجيش الوطني الليبي- أن إدارته العسكرية شرق ليبيا هي الحكومة الشرعية. ويحظى حفتر بدعم قطاعات واسعة من الجيش والقبائل الشرقية والجماعات المسلحة الفردية في الغرب والجنوب. وكذلك بإعلانه القتال ضد جماعة الإخوان المسلمين، اكتسب حفتر دعما خارجيا من مصر والإمارات. وفي اجتماع في باريس عام 2017، حظي حفتر بمزيد من الشرعية الدولية من الحكومة الفرنسية لمكافحته ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

فايز السراج وخليفة حفتر (الجزيرة)

من هذا المنظور، يمكن النظر للجماعات غير الحكومية باعتبار أنها تساعد الحكومة في الحفاظ على القانون والنظام. لكن من ناحية أخرى، يغلب على هذه الجماعات المسلحة قدر عالٍ من الاستقلالية وغياب المساءلة وانتهاك حقوق الإنسان، مما يعوق مسؤولية الدولة عن توفير الخدمات الاجتماعية وحماية مواطنيها. وهكذا، يضطر الليبيون لمخاطبة أطراف دون مستوى الدولة لتوفير الاحتياجات الأساسية، حيث إن هياكل الدولة الرسمية متآكلة وغير فعالة، وإن كانوا ينظرون إلى المؤسسات الرسمية باعتبارها الأكثر شرعية. وتعتبر الجماعات المسلحة على نطاق واسع عقبة رئيسية أمام قيام دولة موحدة وأكبر تهديد أمني في المحافظات.

 

بالنظر إلى حجم نفوذها، فلا بد من أن تُدمَج هذه الميليشيات في أي تسوية سياسية وجلبها إلى طاولة التفاوض. لكن مصالحها المحلية وتأثيرها في المنطقة ودعمها الخارجي لا يزيد من انقسام البلاد فحسب، بل يحول أيضا دون انضمامها إلى أي جهود للوحدة.

يهدد عدم الاستقرار في ليبيا بشكل مباشر الأمن القومي لمصر واستقرارها. وهناك تحدٍّ أمني كبير يتمثل في الحدود المصرية الليبية التي يبلغ طولها 1150 كيلومترا

التدخل الخارجي والمناورات الإقليمية يفرضان الفوضى الداخلية في ليبيا. وبما أنها دولة مجاورة لليبيا، فلا عجب أن تكون مصر أحد اللاعبين الرئيسيين في الصراع الدائر. وبالتالي فإن سياسة مصر تجاه ليبيا مدفوعة بمصالح متعددة تبدأ من الاهتمامات الأمنية الضرورية إلى الاعتبارات الاقتصادية إلى الأهداف الأيديولوجية ومكافحة الإسلام السياسي.

 

إن غياب الاستقرار في ليبيا يؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي المصري واستقراره. كما أن ثمة تحديا أمنيا هائلا يتمثّل في 1150 كيلومترا من الحدود المشتركة. منذ سقوط القذافي، تصاعد العنف على طول الحدود إلى حدٍّ كبير. ونظرا لغياب الاستقرار في الداخل الليبي وعلى الشريط الحدودي، فإن ضمان أمن الحدود الكامل يعتبر مهمة مستحيلة للجانب المصري. فبالرغم من وجود عشرات الآلاف من القوات المصرية في الصحراء الغربية، والألغام الأرضية على طول الحدود والمقاتلات العسكرية في السماء، تظل الحدود مركزا رئيسيا لتهريب الأسلحة والمخدرات والأفراد، ومنهم المتطرفون والمسلحون. كما أن تهريب الأسلحة ووصولها إلى المقاتلين الإسلاميين قد ازداد في منطقة سيناء، حيث تخوض مصر معركة ضد عناصر تابعة لتنظيم الدولة هناك. كما أن التخوفات المصرية من التبعات غير المباشرة للمليشيات الجهادية والمجرمين في أراضيها آخذة في التصاعد.

 

لكن بجانب المخاوف الأمنية، فإن المصالح الاقتصادية تلعب دورا رئيسيا في سياسة مصر تجاه ليبيا. فقبل عام 2011، كان نحو 1.5 مليون مصري يعيشون ويعملون في ليبيا، مما نجم عنه حوالات مالية تصل إلى 33 مليون دولار أميركي سنويا. لكن بحلول عام 2015، انخفض عدد العمال المهاجرين المصريين في ليبيا إلى النصف، مع انخفاض الحوالات المالية، الأمر الذي جاء بعواقب وخيمة على الاقتصاد المصري. كانت ليبيا أيضا شريكا تجاريا رئيسيا لمصر في الماضي، لكن الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا ألقت بظلالها على حجم التبادل التجاري بين البلدين، حيث انخفضت الصادرات المصرية إلى ليبيا بنسبة 75%. تدّعي وزارة الخارجية المصرية أن الحكومة الليبية ستُضاعف استثماراتها في السوق المصرية، وأنها سترفع حجم التعاون الاقتصادي وتُعيد حجم التبادل التجاري إلى ما كان عليه قبل الثورة بالإضافة إلى دعم الشركات المصرية في إعادة إعمار ليبيا بمجرد استقرار البلاد. ومما يرتبط ارتباطا وثيقا بالمصالح الاقتصادية لمصر، أمل القاهرة في تأمين مصالحها في مجال الطاقة في ليبيا، إذ إن مصر في الوقت الحالي تستورد طاقتها بشكل كامل، وتراكمت ديونها لأكثر من ثلاثة مليارات دولار مع شركات الطاقة الأجنبية؛ ما يعني أن وجود ليبيا مستقرة وغنية بالنفط والغاز يمكن أن يسمح لمصر باستيراد مصادر الطاقة الليبية بأسعار منخفضة.

إن ثالث اهتمام أساسي لمصر هو مشروعها الأيديولوجي للقضاء على الإسلام السياسي. فالهدف الرئيسي للقاهرة هو تحجيم جماعة الإخوان المسلمين في الداخل والخارج، وهو ما يشمل التصدي لتأثير جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا. والإجراءات المصرية المضادة تحمل أهمية خاصة بالنظر إلى دعم القوى الإقليمية الأخرى مثل تركيا أو قطر لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا. وفيما يتعلق بمصالح مصر الأكثر إلحاحا، فإن ليبيا المستقرة ذات حكومة مركزية قادرة على تأمين حدودها، والتعامل مع التهديدات الإسلامية والجهادية الداخلية، والانخراط في التجارة الثنائية مع مصر، تبدو أفضل السيناريوهات على المدى الطويل. وفي حين أن مصر تدعم رسميا جهود وحدة الأمم المتحدة، فإنها من ناحية أخرى تدعم القبائل والميليشيات الشرقية في ليبيا وحكومة حفتر التي تصد عملية التفاوض التي تدعمها الأمم المتحدة. لذا تساعد المصالح المتعددة والاعتبارات الأمنية لمصر في فهم سياستها المتناقضة في ليبيا.

إن المؤرق الرئيسي لمصر هو غياب الاستقرار الليبي، وهكذا تشارك القاهرة في مجهودات الدبلوماسية الدولية لإقامة تسوية سياسية. على الصعيد الرسمي، تعلن مصر أن الحوار الوطني البنّاء هو السبيل الوحيد للمصالحة السياسية. لذلك، كانت القاهرة تدعم الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة وتستضيف اجتماعات اللجنة الوطنية المصرية حول ليبيا لبناء توافق بين الأطراف الليبية وتشجيع توحيد المؤسسات العسكرية وغيرها من مؤسسات الدولة. لكن هذا يأتي بالتزامن مع إلقاء القاهرة اللوم على المجتمع الدولي في بطء الانتقال السياسي في ليبيا. وتستند اتهامات السيسي إلى الإطاحة الدولية بالقذافي وعدم "إنهاء المهمة". على الصعيد الرسمي إذن، تدعو مصر المجتمع الدولي رسميا إلى "إصلاح ما أفسده" بتعزيز بناء المؤسسات وإعادة الإعمار وحكومة مركزية مجمع عليها في ليبيا، وهذا يؤكد سعي مصر لتحقيق الاستقرار والوحدة في ليبيا.

 

بيد أن لمصر مصالح متعددة فيما يتعلق بجارتها، فإلى جانب الاستقرار على المدى الطويل، فإن الجانب الرئيسي لسياسة ليبيا الحالية في القاهرة هو نهجها المتمركز حول الأمن؛ حيث تجبر الحدود المضطربة والحاجة إلى التعامل مع الإسلاميين باعتبارهم أحد المخاطر الأمنية الرئيسية القاهرة على التعاون مع زعماء القبائل في المنطقة الحدودية الليبية المصرية. وجرى العُرف أن يجمع الزواج والنسب بين قبائل شرق ليبيا والصحراء الغربية المصرية، الأمر الذي يمكن أن يوفر تربة خصبة للاستخبارات والوساطة للمناوشات على الحدود. من هنا عقدت مصر اتفاقيات مع قبائل في المنطقة الحدودية مثل "قبيلة أولاد علي" ذات النفوذ والعديد من "قبائل مطروح" كحل قصير الأجل لمكافحة الاتّجار عبر الحدود وتهريب الأسلحة. ومع ذلك، فإن هذا التعاون الانتقائي للنخب القبلية يفشل في معالجة المظالم الأساسية في المنطقة ويفتقر إلى حلول طويلة الأجل لقضايا الحدود الحالية.

تُظهِر سياسة مصر المتضاربة في ليبيا مفارقة أمنية؛ حيث يمنع دعم حفتر حدوث فراغ في شرق ليبيا كأرض خصبة للجهاديين والإسلاميين، وبالتالي فهو بمنزلة إجراء أمني منطقي فوري

كما وجدت مصر في حفتر حليفا رئيسيا يرأس تحالفا من الميليشيات الفيدرالية والقبائل الشرقية والوحدات العسكرية في شرق ليبيا. وتدعم القاهرة حفتر والميليشيات المتحالفة من خلال تقديم المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي وتوريد الأسلحة، وبالتالي انتهاك حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة. بالنسبة لعبد الفتاح السيسي، فإن حفتر يجمع بين المصالح الأمنية المختلفة؛ فهو يؤكد، على سبيل المثال، من خلال دعم مصر لحفتر أهمية استقرار حدود مصر، كما أنه يشاركه القتال ضد الجهاديين والإسلاميين، وله موقف واضح ضد الإخوان المسلمين في ليبيا. وهناك تشابه مهم آخر بين الرئيس المصري السيسي وحفتر وهو الاعتقاد المشترك بضرورة وجود قاعدة عسكرية قوية لإرساء الاستقرار وتدعيم الهوية الوطنية. إن تأطير مصر لليبيا بإطار من مخاوفها الأمنية يسمح بإضفاء الشرعية على نهجها الأمني ​​تجاه ليبيا وتدخُّلها فيها. فمن خلال تصوير حفتر على أنه رجل قوي سيُساعد على استعادة الاستقرار ومحاربة السيطرة الإسلامية، تُظهِر الحكومة المصرية موقفا واضحا إزاء ليبيا.

 

إلا أن حفتر وجيشه الوطني الليبي يعارضان حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، كما أن الموقف الصارم المعادي للإسلاموية يستقطب البلاد. فالميليشيات الإسلامية مضطرة إلى الانضمام إلى تحالف واحد يقوض الفصائل الإسلامية الأكثر عملية، وهو ما يدفع الرعاة الخارجيين للإسلاميين مثل قطر إلى توسيع الدعم، في الوقت الذي يفتقر فيه حفتر إلى القدرات اللازمة لتوسيع قوته وإرسال قوات إلى طرابلس. لذلك، بدلا من تعزيز الوحدة والاستقرار، يزعم الخبراء أن دعم مصر من جانب واحد لحفتر يُحدِث مزيدا من الانقسام في ليبيا. وقد هدّدت الاصطدامات الجارية بين الجانبين المتنافسين والمجموعات المسلحة بالفعل الأمل في عقد انتخابات في نهاية عام 2018. كما أن الارتباط الوثيق بحفتر يعوق الجهود التي تبذلها مصر للعمل كوسيط محايد لتحقيق الوحدة.

 

تُظهِر سياسة مصر المتضاربة في ليبيا مفارقة أمنية؛ فمن وجهة نظر أمنية يمنع دعم حفتر حدوث فراغ في شرق ليبيا كأرض خصبة للجهاديين والإسلاميين، وبالتالي فهو بمنزلة إجراء أمني منطقي فوري. ومع ذلك تعمل سياسة مصر تجاه ليبيا على إطالة أمد الصراع وتعرقل فرص التسوية بين الأطراف الليبية المتحاربة. وبهذه الطريقة فإن الهدف طويل الأجل المتمثِّل في قيام ليبيا مستقرة من أجل تعاون أمني واقتصادي أفضل مع مصر يُعرقَل. وطالما أن ليبيا غير مستقرة وهناك قوى خارجية أخرى تدعم الميليشيات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، فإن مصر تدعم بعض الميليشيات وحفتر لتأمين مصالحها الخاصة في ليبيا وتجنب التداعيات العدائية، حتى لو كان ذلك يعني إطالة أمد الصراع.

تتمتع الميليشيات والجماعات المسلحة المحلية في ليبيا بنفوذ واسع النطاق مع الجانبين الحاكمين الرئيسيين اعتمادا على دعمهما وتوفيرهما الأمني، فحتى الأمم المتحدة اعتمدت على الميليشيات لتوفير الأمن للمؤسسات الرسمية ومنشآت الأمم المتحدة بدلا من إخراجها من الأدوار الحكومية، باتباع أجنداتها الخاصة، والتنافس فيما بينها بدلا من توحيد السلطة والطعن في شرعية الحكومة المركزية في ليبيا. ومع ذلك، فإن الجماعات المسلحة تُعَدُّ عاملا رئيسيا في إطالة وتعقيد عملية الانتقال السياسي. وبالتالي، فإن الدعم الخارجي أحادي الجانب للجماعات المسلحة المعنية يزيد من انقسام ليبيا، مما يعوق جهود الوحدة.

 

بالنظر إلى جهود مصر، تواجه الحكومة مفارقة أمنية. من ناحية، فإن مصر تحتاج بقوة إلى أن تكون ليبيا مستقرة، تقودها حكومة مركزية موحدة لتعزيز التجارة والأمن المتبادلين. ومن ناحية أخرى، تتنافس القاهرة مع القوى الإقليمية الأخرى حول النفوذ في ليبيا، مثل قطر وتركيا التي تدعم حكومة الوفاق وبعض الجماعات الإسلامية، بينما تولي مصر أهمية لاحتواء الإخوان المسلمين والإسلام السياسي. وبالنظر إلى المخاوف الأمنية العاجلة، مثل الحدود الليبية المصرية المضطربة وخطر الانقلابات الجهادية أو الإسلامية على مصر، فإنها تدفع القاهرة إلى دعم الميليشيات التابعة لها ومنح دعم من جانب واحد لحفتر في شرق ليبيا، على الرغم من أن هذا يتناقض مع جهود وحدة الأمم المتحدة.

——————————————————————-

هذا التقرير مأخوذ عن E-International Relations ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة