عزل ترامب.. لماذا لا يمكن أن يتم بهذه السهولة؟

تقديم
عكس ما وصف بـ "سذاجة" بعض الديمقراطيين؛ كانت "نانسي بيلوسي" رئيسة مجلس النواب وثالث أهم سياسيي الولايات المتحدة حاليًا، حاضرة كعادتها، ببصمتها الخاصة، على مشهد تصويت عزل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك عندما بدأ بعض الديمقراطيين في التصفيق مع إعلان "بيلوسي" للنتيجة التي أقر بها مجلس النواب ذي الأغلبية الديمقراطية، وإعلان موافقته على عزل الرئيس، حيث لم تمنح "بيلوسي" المصفقين أي فرصة، مشيرة لهم بصرامة وبمطرقتها، لتسكتهم تمامًا، واصفة ما يحدث رغم انتصار الديمقراطيين الجزئي على الأقل بأنه "يوم أمريكي حزين".

 

بجانب امتلاكها للكياسة السياسية الكافية، والذكاء لعدم تصدير الديمقراطيين بمشهد "قبيح" ربما يدفعون ثمنه من أصوات الناخبين في انتخابات 2020 الرئاسية المصيرية؛ فإن "بيلوسي" بخبرتها السياسية الضخمة تدرك على الأرجح أن ما حدث يمثل نهاية مشوار إجراءات العزل التي سار فيها الديمقراطيين لأكثر من عام وسارعوا بها بعد تسريبات محاولة "ترامب" لاستغلال نفوذه كرئيس مع نظيره الأوكراني مقابل إضعاف منافسه الأقوى حتى الآن "جو بايدن" عن طريق استهداف ابنه، تدرك بيلوسي ذلك وكذا أغلب المهتمين بالسياسة الأميركية كون مجلس الشيوخ، الذي يمتلك السلطة الحقيقية لعزل ترامب من منصبه مباشرة، يقع تحت سيطرة الجمهوريين بالكامل، وهو ما يعني أن تهديد العزل في طريقه للاندثار.

 

لكن الديمقراطيين يعولون كثيرًا على كون الإجراءات ربما ستخصم من شعبية ترامب، أو على الأقل تضعفه قبيل انتخابات نهاية العام القادم، وهو ما تثبت أغلب استطلاعات الرأي في الفترة الماضية خطأه. وبينما لم يُبدِ الكثير من الأميركيين -خاصة الطبقات الوسطى والعمال- اهتماما يُذكر بالعزل وجلساته في الفترة الطويلة الماضية، تلقى العزل ضربة أخرى عندما كشف استطلاع حديث، صدر بالأمس لمعهد جالوب الشهير أن تأييد ترامب قد ازداد بمقدار ست نقاط منذ بداية الإجراءات، بينما تراجع تأييد الأميركيين للعزل بشكل طفيف ليصل الآن ل 46%، ليشكل تراجع التأييد الشعبي الأميركي الكلي منذ أن أعلنت نانسي بيلوسي عن الإجراءات 6 نقاط كاملة "من 52%"، ما يعني أن ثالث رئيس أميركي يقر مجلس النواب بعزله، سينجو على الأرجح هذه المرة بلا خسائر كبيرة.

  

  

تتناول المادة التالية قصة عزل ترامب مع وضعها في مقاربة تاريخية مع التجربة الأكثر شبهًا بها، وهي تجربة "أندرو جونسون"، الرئيس الأمريكي ذي النرجسية الشديدة والأفكار العنصرية، وتشرح في خضم ذلك تقنيات العزل لأي رئيس أمريكي، وتحاول في نهايتها الإجابة عن سؤال: لم يصعب عزل ترامب رغم كل الجهود التي يبذلها الديمقراطيين.

  

نص المادة

لا يمكن مقاومة إغراء المقارنة بين ريتشارد نيكسون ودونالد ترامب بحال، فمع تكثف غبار المضاربات حول إمكانية عزل ترامب، يحب الأمريكيون استدعاء ذكر ووتر جيت، الفضيحة السياسية التي أدت لواقعة الاستقالة الوحيدة لرئيس أمريكي في التاريخ، والحقيقة أن هذا الإغراء يبدو متفهمًا – وربما مبررًا- بشدة مع التشابه الأيقوني بين الحالتين: رئيس جمهوري غير شعبي متورط في فضيحة على وشك أن تعصف بحياته السياسية يمارس عمله متخبطًا في محيط من الخصوم المتربصين، ويبقى العنصر الأكثر إغراءً للمقارنة هو أن الاختراق المزعوم لخوادم اللجنة الوطنية الديمقراطية عام 2016 يمكن اعتباره بسهولة النسخة الأكثر حداثة من أجهزة نيكسون المموهة التي تم زرعها للتنصت على الديمقراطيين في مبنى ووتر جيت قبل أكثر من أربعة عقود.

 

غير أن واقعة أخرى في التاريخ الأميركي أقرب شبهًا إلى أزمة ترامب لم تحظ بذات القدر من الصيت، ربما لافتقارها لفانتازيا الأجهزة المموهة والأشرطة اللاصقة والتسجيلات المحذوفة، ودراما الاستقالة العاطفية على الهواء في نهاية المطاف، وربما لأن الإيغال في القدم بشدة ليس مغريًا بطبعه في عالم الحداثة، المولع بصبغ الأحداث بأكبر قدر ممكن من الجنون والملحمية.

 

فقبل 150 عامًا، كان الرئيس الأمريكي الجمهوري ذائع الصيت أبراهام لينكولن قد فاز للتو بفترة رئاسية ثانية مختارًا وضع أندرو جونسون، الديمقراطي المنتمي إلى الجنوب في مقعد نائب الرئيس بغية التخفيف من حدة التوتر بين الشماليين والجنوبيين في أعقاب الحرب الأهلية، ولكن لينكولن تم اغتياله خلال الأسابيع الأولى لولايته الثانية وسرعان ما أظهر جونسون وجهه القبيح وأفكاره العنصرية  المعادية للسود وطباعه المتوترة ونرجسيته الشديدة التي جعلته ضيفًا دائمًا على قوائم (1) أسوأ الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة، وقبل ذلك كانت كافية لوضع الرئيس الجديد في مواجهة حامية مع الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون.

 

كان الهدوء قد بدأ يتسلل بحذر إلى واشنطن آنذاك بعد حرب أهلية طاحنة، وكان آخر شيء تحتاج إليه أمريكا هو رئيس ينكأ بقوة جراحها حديثة العهد في الوقت الذي لا تزال تتلمس فيها أجوبة حول العديد من الأسئلة الحرجة التي خلفتها الحرب مثل واجب الدولة تجاه الملايين من العبيد المحررين ومصير القادة الكونفدراليين في المقاطعات الانفصالية وسبل مواجهة فظائع العنف العنصري التي تشهدها الولايات الجنوبية، وقبل ذلك مستقبل الديمقراطية الأمريكية في ظل تلك الاضطرابات العصيبة.

       

     

مثّل جونسون ربما أسوأ خيار ممكن لقيادة البلاد في مثل هذه اللحظة المتوترة، ولكنه -كما المتوقع- كان لا يزال يحظى بتأييد الملايين من الديمقراطيين البيض الجنوبيين الذين شعروا بالارتباك والقلق حول مصيرهم في ظل الأفكار الثورية التي طرحها الجمهوريون الراديكاليون حول العدالة الاجتماعية ومساواة العبيد وإعادة تعريف العلاقات بين الأعراق، لذا فقد شن هؤلاء الديمقراطيون أحد أكثر الحملات العنصرية في التاريخ الأميركي، وحشدوا خلف أندرو جونسون كرمز لنضالهم ضد التغيير.

  

تسببت (2) هذه الأحداث في دخول رئاسة جونسون في مسار تصادمي مبكر مع الكونغرس الذي لم يكن أقل عزمًا على خوض الصراع، وتكثفت الدراما السياسية حين تجاوز مجلس الشيوخ مرارًا وتكرارًا الفيتو الرئاسي لجونسون على العديد من القوانين وأهمها فرض حكم عسكري فيدرالي على ولايات الجنوب المضطربة ومنح الأفارقة الأمريكيين في هذه الولايات الحق في التصويت، قبل أن يتصاعد الصراع مع إقرار الكونغرس لقانون مدة الخدمة الذي حظر على الرئيس تعيين وإقالة بعض المسؤولين دون أخذ موافقة الكونغرس.

  

لكن جونسون تمسك بعناده ونرجسيته كما هو متوقع وقرر تحدي (3) النواب بإقالة وزير الحرب إدوين ستانتون الذي عينه لينكولن، دافعًا البرلمان لبدء أول عملية جدية لسحب الثقة من الرئيس في التاريخ الأمريكي في مارس/ أذار 1868، حيث صاغ مجلس النواب 11 مادة تستوجب اتهام الرئيس وتم التصويت على الاتهام بأغلبية ساحقة لـ126 صوتًا للموافقة مقابل 47 صوتًا للرفض ليؤول مصير جونسون إلى مجلس الشيوخ.

  

وعلى مدار عدة أسابيع، بدأ مجلس الشيوخ في إجراءات مساءلة الرئيس، وفق المادة الثانية من الدستور الأمريكي التي تمنح الكونغرس صلاحية اتخاذ إجراءات العزل، وبينما كان الجميع تقريبًا يتطلعون لسماع أنباء عزل جونسون، فاجأ تصويت مجلس الشيوخ الجميع حين فشل في تأمين أغلبية الثلثين اللازمة لإدانة الرئيس بفارق صوت واحد (35 صوتًا للموافقة مقابل 19 صوتًا للرفض)، وكان ذلك يعني بقاء الرئيس المثير للجدل في منصبه، على عكس ما كان يتوقعه معظم الناس آنذاك.

     

  

أثار تراجع الكونغرس عن إدانة جونسون جدلًا كبيرًا ليس خلال الأشهر التالية لحكمه فحسب، ولكن على مدار عقود تالية من التاريخ السياسي الأمريكي، وفي النهاية كان الجميع مضطرين إلى الاستسلام للتفسير الأكثر قربًا لسر التراجع، فمن ناحية ، لم يكن يتبقى لجونسون في ولايته سوى بضعة أشهر قبيل الانتخابات الرئاسية التي كانت مضمونة للجمهوريين بشكل كبير، ومن ناحية أخرى فإن مجلس الشيوخ بدا مترددًا في تقييم أثر الإطاحة بالرئيس على إمكانية تجدد الحرب الأهلية في مجتمع منقسم يعيش أزمة هوية حقيقية، وكذا تأثير سابقة الإطاحة بالرئيس على المستقبل البعيد للديمقراطية الأمريكية المضطربة.

 

واليوم، هناك كثير من التشابهات بين أمريكا جونسون وأمريكا ترامب أكثر ربما مما يظن الجميع: فكلاهما رئيس غاضب مستاء من المؤسسة السياسية تدعمه أقلية سياسية كبرى مخلصة وتختلط دوافع اتهامه بين القانوني والسياسي ويحظى بالقدر الأكبر من سخط النخبة السياسية المهيمنة في البلاد، وللمفارقة فإن كلاهما حكم مجتمعًا يعيش لحظة من التجلي التاريخي للاستقطاب والانقسام والعصبية الحزبية والعنصرية، ورغم أن أمريكا ترامب اليوم ليست على وشك السقوط في حرب أهلية صريحة كما كان في عهد جونسون، فإن مما لا يكاد يختلف عليه أحد أن حكم ترامب جاء في أحد اللحظات التي يتزايد فيها التشكيك حول شكل ومستقبل الديمقراطية كما عرفتها واشنطن عبر تاريخها، وأن هذه الشكوك تتزايد (4) مع كل موجة جديدة من الجدل الذي لا يتوقف حكم رجل الأعمال العجوز عن إثارته يومًا بعد يوم.

     

التحدي المستحيل

بالنسبة للآباء المؤسسين للدستور الأمريكي، كان تقنين العزل أداة أخيرة للسيطرة على المسؤولين التنفيذيين حال خروجهم عن السيطرة، وكان السبب الرئيس لإدراج فكرة عزل الرؤساء من الأساس هو المخاوف من زحف الملكية الذي كان أحد الأسباب الرئيسية لقيام الثورة الأمريكية، لذا فقد استعار الأمريكيون أداة دستورية بريطانية استخدمت لمقاضاة كبار اللوردات والمسؤولين الذين كانوا خارج سلطة المحاكم القانونية وقاموا بتطويعها في السياق الأمريكي إلى طريقة لعزل الرئيس المنتخب حال نشوء إجماع حقيقي حول خطورة حكمه من قبل الكونغرس.

  

ولكن الآباء الأمريكيين كانوا حريصين (5) في الوقت نفسه على تمهيد الطريق لوجود سلطة تنفيذية قوية لا تجعل الرئيس وحكومته رهينة لأهواء الكونغرس أو عرضة للتصويت المباشر بسحب الثقة كما في الأنظمة البرلمانية، لذا فإنهم وضعوا قيودًا مشددة على سلطة العزل التي صارت خاضعة لقاعدة واضحة وهي أن الرئيس لا يمكن عزله إلا إذا ارتكب عن عمد مخالفة تضر بالمصالح الحيوية للبلاد أو بدأ بالتصرف كما الملوك بما يقوض نظامها الديمقراطي، لكن (6) حمق الرئيس أو اضطرابه النفسي أو تهوره أو سياساته الخاطئة أو الانخفاض الدرامي في شعبيته أو حتى ارتكاب جرائم شخصية تجعله عرضة لمواجهة الرأي العام أو العدالة الطبيعية فإنها كلها أمور لا تكفي لإبعاده عن منصبه.

         

     

ووفقًا للدستور الأمريكي فإن عزل الرئيس يتم عبر عدة مراحل، ففي البداية يجب أن يقدم أحد النواب في الكونغرس عريضة لاتهام الرئيس وسحب الثقة منه، ويتطلب تفعيل الإجراءات تمرير العريضة إلى اللجنة القضائية في مجلس النواب التي يمكن أن تختار التحقيق في الأمر بنفسها أو الاعتماد على نتائج التحقيقات القائمة لصياغة مواد الاتهام وتمريريها إلى المجلس مع توصية باتهام الرئيس وسحب الثقة من عدمه، وفي كلتا الحالتين فإن تلك التوصية ليست ملزمة للمجلس الذي يمتلك سلطة الموافقة أو رفض كل بند من بنود عريضة الاتهام بالأغلبية البسيطة (50%+1)، وفي حال وافق مجلس النواب على أحد البنود أو بعضها يتم الانتقال إلى المرحلة التالية من الإجراءات.

  

تدور المرحلة التالية من الإجراءات في مجلس الشيوخ، وغالبًا ما تكون أِشبه بمحاكمة حقيقية ولكنها ذات طابع سياسي. في هذه المحاكمة، يلعب مجلس النواب دور المدعي العام، حيث يُعين بعض نوابه كمدعين للدفاع عن سحب الثقة أمام مجلس الشيوخ في حين يتولى محامو الرئيس مهمة الدفاع عنه في جلسة يترأسها ويديرها رئيس المحكمة العليا ويتحول أعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم إلى هيئة محلفين مخولة باتخاذ قرار التبرئة أو الإدانة، ومن أجل إضفاء المزيد من الحسم، يتطلب الأمر تصويت ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ لتوجيه الاتهام إلى الرئيس بشكل فعلي، وفي هذه الحالة يعتبر الرئيس مقالًا من منصبه على أن يتولى نائبه المسؤولية حتى إجراء الانتخابات التالية.

  

ومن أجل تعقيد الأمر أكثر وأكثر لحماية المنصب من أهواء وهجمات السياسيين غير البريئة فإن الدستور الأمريكي حدد نوعين فقط من الجرائم المعروفة بوضوح التي تستدعي عزل الرئيس وهما الخيانة والرشوة، ولكنه أضاف فئة ثالثة تحت اسم "الجرائم والجنح ذات الأثر البالغ"، وهذه الفئة الأخيرة كانت موضوعًا لنقاش كبير عبر تاريخ الولايات المتحدة وفتحت الباب لتسييس دعوات إقالة الرؤساء في خضم المنافسات الحزبية المحتدمة على مدار التاريخ الأمريكي.

  

كان ذلك واضحًا (7) خلال المحاولتين الجديتين الوحيدتين لسحب الثقة من الرئيس خلال القرن الأخير، وقعت المحاولة الأولى في السبعينيات في عهد نيكسون على خلفية قضية التجسس على مكالمات الحزب الديمقراطي في مبنى وترجيت، وفي هذه المرة قامت اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب بمتابعة التحقيقات بنفسها حيث عقدت جلسات استماع واستمعت إلى شهادات الشهود ووافقت في نهاية المطاف على ثلاث مواد لسحب الثقة تم إرسالها إلى مجلس النواب، ولكن نيكسون سارع لتقديم استقالته قبل التصويت مستبقًا عملية اتهامه ومستفيدًا من فائدة الشك، ليتولى الرئاسة نائبه جيرالد فورد الذي سارع لتقديم عفو عام عن نيكسون قائلًا إنه عاني بما فيه الكفاية.

           

رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابع والثلاثون، ريتشارد نيكسون (مواقع التواصل)

      

أما في حالة كلينتون، فقد قررت اللجنة القضائية عدم إجراء تحقيق خاص بها بانيةً إجراءاتها على  الادعاءات المستقاة من تقرير (8) لجنة المستشار المستقل كينيث ستار، وكانت مهمة "ستار" الأصلية هي التحقيق في الصفقات العقارية التي أجراها كلينتون في أركنساس في السبعينيات فيما عرف بفضيحة وايت ووتر، لكن مع مرور الوقت ، توسعت تحقيقاته لتشمل مجموعة من الفضائح الأخرى التي مست إدارة كلينتون، بما في ذلك علاقاته النسائية وأبرزها علاقته من متدربة البيت الأبيض "مونيكا لوينسكي".

    

أثارت علاقة كلينتون مع لوينسكي أزمة سياسية هزت الولايات المتحدة عام 1998، رغم أن كلينتون أنكر وجود تلك العلاقة في بداية المطاف، إنكار دفع الرئيس ثمنه لاحقًا حين وجهت إليه اللجنة القضائية أربع تهم صوت مجلس النواب بالموافقة على اثنتين منها هما الحنث باليمين وعرقلة سير العدالة ليؤول الأمر إلى مجلس الشيوخ، غير أنه، ومن الوهلة الأولى، كان من الواضح أن محاكمة كلينتون أمام مجلس الشيوخ لم تكن أكثر من مزحة كبيرة، حيث لم يستمع المجلس إلى أي شهود عيان، وكانت المحاكمة تتألف بالكامل تقريبًا من خطابات لأعضاء النواب الذين عملوا كمدعين ودفاع من محامي كلينتون على الطرف الآخر، في موجة من الإجراءات الكئيبة التي استمرت لخمسة أسابيع ولم تكن نتائجها موضع شك حيث تمت تبرئة كلينتون في كلتا التهمتين (بواقع 55- 45 صوتًا للتهمة الأولى و50-50 للتهمة الثانية) ولم يقترب خصوم كلينتون بحال من نسبة الثلثين (67 صوتًا) اللازمة لعزل الرئيس.

  

تسلط الفوارق بين تجربتي نيكسون وكلينتون الضوء على الديناميات السياسية التي تهيمن على عملية اتهام وعزل الرئيس في واشنطن، فرغم أن توجيه الاتهام الأولي قد يأتي ابتداءً من خصوم الرئيس وحدهم، فإن المضي قدمًا في الإجراءات يحتاج إلى حالة من التوافق العابر للحزبية على كون الرئيس يستحق للعزل، ففي حالة نيكسون كان من الواضح أن حجم الفضيحة كان كافيًا ليسقط الجمهوريون دعمهم لرئيسهم حيث ضغطوا عليه للاستقالة وحفظ ماء وجهه وإنقاذ ما تبقى من سمعة الحزب، أما في حالة كلينتون كان واضحًا من البداية أن النكاية الحزبية لعبت دورًا في تحريك الاتهام ضد واحد من أكثر الرؤساء شعبية في التاريخ الأمريكي، وكان من البديهي أيضًا أن الديمقراطيين لم يكونوا قريبين حتى من إسقاط دعمهم لكلينتون حيث لم يصوت نائب ديمقراطي واحد لصالح إدانة الرئيس في مجلس الشيوخ.

     

سياسات الحزبية

لم تكن محورية الدعم الحزبي للرئيس وتأثيرها على سياسات الاتهام والعزل هي الدرس الوحيد الذي كشفته تجربتا كلينتون ونيكسون، وكانت المشكلة الحقيقية التي كشفت (8) عنها إجراءات مساءلة كلينتون على وجه التحديد هي حجم تلك الفجوة الكبيرة المتوسعة باضطراد بين الشعب والنخب في واشنطن، ففي نهاية المطاف ورغم فضيحة كلينتون المزعومة نجح الديمقراطيون في الحصول على خمسة مقاعد إضافية في انتخابات التجديد النصفي التي وقعت في خضم الأزمة عام 1998 وهي المرة الأولى التي يحصل فيها حزب الرئيس على مقاعد إضافية خلال الانتخابات النصفية منذ عام 1934.

  

لم تكن النتائج التي حققها الديمقراطيون في مجلس الشيوخ أقل ملحمية حيث نجحوا في انتزاع مقعدين حيويين من نائبين جمهوريين حاليين، وكانت تلك النتائج مفاجئة بالنظر إلى أن حزب الرئيس اعتاد (9) على خسارة ما معدله 32 مقعدًا في مجلس النواب واثنين في مجلس الشيوخ في كل انتخابات لمنتصف المدة جرت منذ نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، لكن المفاجآت لم تقتصر على نتائج الديمقراطيين في الانتخابات ولكنها كانت أكثر وضوحًا مع كلينتون نفسه الذي حافظ على مستويات عالية من الدعم في خضم الأزمة، حيث وجدت استطلاعات الرأي التي أجريت بعد توجيه الاتهام له عام 1998 أن أقل من ثلث الأمريكيين وافقوا على هذه الخطوة، وعلاوةً على ذلك فإن استطلاعًا لصحيفة التايمز بعد يوم واحد من تحول كلينتون إلى الرئيس الثاني في تاريخ البلاد الذي تتم مقاضاته في مجلس الشيوخ، كشف أن 72% من المشاركين كانوا راضين تمامًا عن الطريقة التي يتعامل بها الرئيس مع وظيفته.

          

    

توفر تجربتا كلينتون ونيكسون والفوارق الكامنة بينهما الكثير من الإشارات حول مصير رئاسة ترامب، أولها أنه من البديهي أن نتوقع أن تذهب جميع دعوات اتهام الرئيس، والتي بدأت (10) منذ مايو 2017 مع إقدامه على إقالة رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي بعد رفضه طلب ترامب إيقاف التحقيقات في التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، مرورًا بوصول تحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر إلى إدانة محامي ترامب مايكل كوهين ورئيس حملته السابق بوب مانافورت وإقرار الأول أنه قام بدفع أموال بطلب من الرئيس لممثلة أفلام إباحية تدعي أنها كانت على علاقة بترامب بهدف التأثير في نتائج الانتخابات، وانتهاءً بتسريبات أوكرانيا ثم إقرار مجلس النواب للعزل بالأمس؛ من البديهي أن نتوقع ذهاب كل ذلك هباءً، بل والحقيقة أن أيًا من تلك الدعوات قبل بدأ بيلوسي للعزل لم ترق إلى درجة الجدية، حين لم يبدُ أن الجمهوريين في الكونغرس كانوا على وشك إسقاط دعمهم للرئيس في أي وقت من الأوقات.

  

في واقع الأمر كان لدى (11) الجمهوريين الكثير لقوله العام الماضي حول تطورات اتهامات كوهين ومانافورت، حيث حرصوا على التأكيد أنهم غير معنيين بأي تطور لا يتعلق بالكشف عن تواطؤ صريح لترامب مع روسيا، وقد هاجم سيناتور جنوب كارولينا المرموق "ليندسي غراهام" بشدة تحول الاتهامات للتركيز على انتهاك تمويل الحملات الانتخابات الانتخابية، في حين كان سوط الأغلبية في مجلس الشيوخ جون كورنين واضحًا وقتها في قوله أنه "إذا لم يكن الأمر حول روسيا فلا شيء يهم حقًا".

  

هناك الكثير من الأسباب التي لا تجعل تخلي الجمهوريين عن ترامب مرشحًا للحدوث في أي وقت قريب خاصة مع اقتراب انتخابات 2020، وحدوث تطورات ملحوظة في الاقتصاد الأمريكي من وجهة نظر بعض الاقتصاديين مازالت مستمرة للآن بما يشمل انخفاض البطالة وزيادة صافي الأجور والسيطرة على معدلات الهجرة، وقبل ذلك الارتفاع الكبير جدًا في أرباح سوق الأسهم الأمريكية.

  

وكما اختارت شبكة vox القول نهاية العام الماضي فإن هناك 30 تريليون سبب لتمسك الجمهوريين بترامب بما يعادل الحجم الكلي لسوق الأسهم الذي يضم نخبة المانحين والمتبرعين للأحزاب والسياسيين وخاصة الحزب الجمهوري، حيث كانت سياسات ترامب وتخفيضاته الضريبية نعمة (12) لا تقدر بثمن بالنسبة لمستثمري الأسهم، مع إسهام سياساته في دفع السوق إلى أكبر موجة صعود منذ الأزمة المالية العالمية، وقد سارع هؤلاء المانحون إلى مكافأة سخاء الجمهوريين ورئيسهم بسخاء مماثل، وكمثال على ذلك، قام (13) قطب الطاقة الملياردير تشارلز كوخ بمنح 500 ألف دولار لحملة رئيس مجلس النواب بول ريان قبيل انتخابات التجديد النصفي نهاية العام الماضي أيضًا بعد أيام من إقرار قانون التخفيضات الضريبية، بينما قام هو وزوجته بالتبرع بنصف المبلغ تقريبًا كمنحة إضافية للجنة الوطنية للحزب الجمهوري

     

       

  

في تلك الانتخابات، لم تكن المشكلة في مجلس النواب الذي رشحت أغلب استطلاعات الرأي الديمقراطيين لانتزاع أغلبيته مرة أخرى وهو ما حدث بالفعل، وإنما كانت المعضلة الحقيقية (14) في مجلس الشيوخ الذي شغل فيه الديمقراطيون وقتها 47 مقعدًا مقابل 50 مقعدًا للحزب الجمهوري، وكانت المشكلة حينها هي أن الانتخابات ستُجرى على 35 مقعدًا يشغل الديموقراطيون منها بالفعل 26 مقعدًا خلال الدورة الحالية مقابل 9 مقاعد فقط يشغلها الجمهوريون، بما عنى أن الديمقراطيين كان عليهم الحفاظ على حصة المقاعد الضخمة التي يدافعون عنها وانتزاع مقعدين إضافيين من الجمهوريين لحوز الأغلبية البسيطة (50% +1) ، أي أن عليهم أن يفوزوا بـ28 مقعدًا من إجمالي 35 مقعدًا تُجرى عليها الانتخابات،  وهو ما لم يحدث بطبيعة الحال وإنما نجح الجمهوريون في زيادة حصتهم ل 53 مقعدًا مقابل 45 للديمقراطيين مع مقعدين مستقلين متحالفين معهم، ودافع الجمهوريون عن أغلبيتهم في الشيوخ بنجاح.

     

ترمب المتفرد

في الحقيقة، كان لدى النخب السياسية الأمريكية شكوكًا كبيرة حول رغبة الديمقراطيين في المضي قدمًا، بشكل مؤسسي، نحو إجراءات عزل ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي نهاية 2018، فمن ناحية ورغم أن العديد من الديمقراطيين تطلعوا بالفعل لحوز السيطرة البرلمانية على النواب لتوجيه الاتهامات لترامب؛ فقد كان لدى الحزب مخاوف حقيقية حينها من أن تتحول الانتخابات النصفية إلى استفتاء على بقاء ترامب أو رحيله وهو ما يمكن أن يؤثر بالسلب (15) على حصص الحزب الانتخابية، وبالفعل وحتى بعد انتزاعهم لأغلبية مجلس النواب فقد انتظر الديمقراطيون تحولًا دراميًا حتى يقدموا على خطوة العزل وهو ما حدث في تسريبات أوكرانيا.

       

 

     

ويبدو أن آخر ما يحتاجه الحزب الديمقراطي الذي يعاني فراغًا غير مسبوق في الرموز الشعبية وخلافات داخلية كبيرة بين تياراته ظهرت بوضوح خلال انتخابات عام 2016، آخر ما يحتاجه هو استنفاذ جهده و أدواته في معركة سياسية خاسرة، ومن الحكمة أن يبقى الحزب متيقظًا حول السقوط من جديد في الفخ الذي سقط فيه الجمهوريون حين قاموا بتوجيه الاتهام إلى كلينتون في التسعينيات، وهو الفخ الذي سقط فيه الديمقراطيون أنفسهم حين ظنوا لوهلة أن فوز هيلاري كلينتون على ترامب عام 2016 كان أمرًا محسومًا، وهو الفجوة السابق الإشارة إليها بين آراء النخب وسلوك قطاع كبير من الجماهير في المجتمع الأمريكي.

  

على مستوى استطلاعات الرأي، لا يعني عدم الرضا الشعبي عن أداء رئيس ما أن الأمريكيين سيكونون راضيين عن عزل رئيس منتخب دون قرينة واضحة، فضلًا عن الخصوصية الشديدة لترامب وسلوك قاعدته الانتخابية شبه الثابتة مقارنة بأي رئيس أمريكي آخر خلال القرن الأخير.

  

لا يعبر الرأي الشائع في منتخب النخب الأمريكي أو حتى وسائل الإعلام السائدة بأي حال عن طريقة تفكير الأقلية الكبرى التي تمثل الرافعة الشعبية لترامب وحكم الجمهوريين في الوقت الراهن، وهذه الأقلية الكبرى (16) التي تبلغ نسبتها 45% من الناخبين الأمريكيين تعمل كقاعدة دعم لترامب على أساس شديد الشبه بالدعم القبلي، فإذا كان ترامب لا يثق في وسائل الإعلام ولا يتوقف عن مهاجمتها فإن هذا النمط ينسحب على مؤيديه أيضًا، وقد أظهر (17) استطلاع للرأي تم إجراؤه في جامعة كوينيبياك أنه في حين أن 86% من الناخبين الديمقراطيين يثقون في وسائل الإعلام ويظنون أنها تقول الحقيقة فإن ثلاثة أرباع الناخبين الجمهوريين يثقون في ترامب بشكل أكبر كما أن 9 من بين كل 10 من هؤلاء لا يرون أن وسائل الإعلام تقوم بتغطية ترامب بشكل حيادي.

  

يحب ترامب وصف التحقيقات التي تدور حوله بعملية "مطاردة الساحرات" وهو وصف يحبه أنصاره أيضًا، حيث يعتقد المحافظون في قلب أمريكا اليوم أنهم لا يحظون بأًصوات عادلة في الصحافة الأمريكية التي يرونها (18) أكثر ليبرالية وساحلية، وأن صوتها أشبه بضجيج في الخلفية لا يعبر بحيادية عن الناس، وربما يكون هذا الحماس المشترك بين ترامب وناخبيه ضد النخب ووسائل الإعلام هو سبب وقوف مؤيدي ترامب بحماس معه مقارنة بقواعد الديمقراطيين، أي أن ما يجعل ترامب يتحدى المعايير الطبيعية للنجاح هو الاتفاق النسبي حول تلك الأشياء والممارسات التي يعارضها وليست القيم التي يتبناها.

        

         

النيتروجلسرين السياسي

يحب المؤرخون ذكر حادثة طريفة بعينها وقعت أثناء مراسم عزل جونسون، ففي أحد الأيام، وبينما كان النواب يستعدون لعقد أحد الجلسات الاستثنائية لمناقشة إجراءات سحب الثقة، اكتشف شخص ما قارورتين مجهولتين في أحد ممرات البرلمان الأمريكي، ولسبب غير معلوم أشيع في ذلك اليوم أن القارورتين كانتا ممتلئتين بمادة النيتروجلسرين المتفجرة، ليندفع النواب الهلعون بسرعة خارج المبنى التاريخي، قبل أن يقوم أحد الصحفيين باختبار محتوى القارورتين ليكتشف أنهما مملوءتان بويسكي البوربون الأمريكي الشهير، ويتحول الحادث الطريف إلى استعارة قوية في السياسة الأمريكية حول الطريقة التي يمكن أن يحول بها السياسيون الحزبيون أمرًا بسيطًا إلى قضية ملتهبة وملحمية.

  

على مدار العقود التالية لواقعة جونسون، أصبحت قضية عزل الرئيس على وجه الخصوص هي زجاجة النيتروجلسرين السياسي للولايات المتحدة، حيث طور القادة السياسيون بالتجربة اتفاقًا ضمنيًا حول خطورة الإفراط في استخدام "العزل" كأداة لإدارة السياسة، فمن ضمن 15 رئيسًا يصنفهم الأمريكيون على أنهم الأسوأ في التاريخ لم يتعرض 12 منهم إلى أي محاولات مبدئية للعزل، ونتيجة لذلك، كانت الحقيقة أن الكونغرس الأمريكي فشل في عزل أي رئيس في أي وقت من الأوقات.

     

   

ورغم أن رئاسة ترامب تعرضت للعزل أخيرًا مع كون رجل الأعمال "المتعجرف" هو الرئيس الأقل قبولًا بين مجتمعات النخب السياسية والصحافة في القرن الحديث، إلا أن رئاسته تجري في مناخ شديد الاستقطاب، وهو ما يعني أنه إذا سلمنا بحقيقة أن ترامب ليس محل اتفاق وأنه لن يكون كذلك؛ فإن خصومه عبر الطيف السياسي لن يكونوا كذلك قادرين في أي وقت قريب على بناء الدعم الواسع المطلوب لنزع غطاء زجاجة النيتروجلسرين السياسي في واشنطن، خاصة ونحن لا يفصلنا إلا أقل من عام على الانتخابات الرئاسية الملحمية.

  

وبالطبع فإن بناء مثل هذا الدعم سيكون أكثر صعوبة في ظل سيطرة الجمهوريين على الشيوخ، حيث لا يزال الرئيس يتمتع بشعبية كبيرة بين ناخبي الحزب الجمهوري ومموليه السياسيين، فضلًا عن حاجة الحزب لترامب لتعيين المزيد من البيروقراطيين وتمرير المزيد من القوانين على أجندة الحزب، وهو ما يعني أن سفينة الرئيس العجوز ستستمر في الإبحار بنجاح وسط الأمواج المتلاطمة إلى حين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة