ماذا وراء صراع النفوذ بين فرنسا وروسيا في مالي؟

يخفت حضور عاصمة الأنوار بصورة غير مسبوقة في أفريقيا، بينما يُكثِّف الروس جهودهم لملء الفراغ.

تصميم ميدان

"التضحيات التي قدَّمها جنودنا شاهدة على كل ما قاموا به من أجل الحفاظ على وحدة مالي، والوقوف في وجه قيام خلافة إقليمية بمواجهة الجماعات الإرهابية التي استهدفت الشعوب المحلية وهدَّدت أوروبا".

(الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" في خطاب إعلان انسحاب قوات بلاده من مالي)

قبل تسع سنوات فقط، استقبل الماليون القوات الفرنسية استقبال الفاتحين، وظهر الحماس واضحا على مُحيَّا "فرانسوا هولاند"، الرئيس الفرنسي السابق، وهو يخطب وسط الحشود الهاتفة باسم فرنسا، مؤكِّدا أن بلاده لن تترك مالي وحدها. ولعل الفرنسيين أحسوا حينها بأن أفريقيا قد فتحت لهم أبوابها من جديد، ونسيت، أو لعلها تناست، صورة المحتل القديم صاحب السجل الدموي العريض، الذي لا تزال بصماته الإمبريالية حاضرة إلى اليوم.

لكن ذلك كله تغيَّر الآن بشكل لم يتوقعه هولاند أو خليفته ماكرون في أبشع كوابيسهما، فأعلام فرنسا التي رفرفت سابقا جنبا إلى جنب مع الأعلام المالية، في إحدى أجمل الذكريات السياسية الفرنسية -كما عبَّر عن ذلك "هولاند" بنفسه- لم تعد تحضر إلا برفقة السب والاحتجاج والاتهام باقتراف الجرائم في حق أفريقيا. لقد خسرت فرنسا الكثير، وخرجت مؤخرا من مالي مُجبَرة لا مختارة، تاركة فراغا إستراتيجيا ملأه عدو الغرب الأول حاليا: روسيا، البلد الذي يشارك فرنسا ألوان العلم نفسها، ولكن بترتيب مختلف اختلاف سياسة وتاريخ البلدين في القارة السمراء.

حرب "مقدسة" على "الإرهاب الأفريقي"

U.S. soldiers train Malians soldiers during a training with US troops in Gao, eastern Mali November 13, 2006. Mali is one of nine West and North African countries which have signed up to the U.S. military's Trans-Sahara Counter-Terrorism Partnership, part of a strategy to prevent al Qaeda from establishing bases in the region in the same way it operated in the 1990s from Sudan and Afghanistan. To match feature MALI USA REUTERS/Luc Gnago (MALI)

لكل قصة سياسية خيوط متشابكة ومتشعبة، وكذلك هو الحال في قصة مالي، أو "السودان الفرنسي" كما سُميت البلاد سابقا قبل استقلالها عن فرنسا سنة 1960. بدأت قصة "باماكو" المالية من "كابول" الأفغانية رغم البُعد الجغرافي والسياسي بين البلدين، فما انفك مصير الأولى مرتبطا بالثانية منذ بداية الألفية الجديدة، وظهر هذا واضحا للعديد من الخبراء الذين ربطوا بين الخروج الأميركي من أفغانستان بعد تسليم البلد لطالبان عقب اتفاق الدوحة الشهير وبين الانسحاب الفرنسي من مالي. وإن كان الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" قد بذل وسعه في أن يظهر هذا الانسحاب بأنه قرار فرنسي خالص، وليس فشلا لبلاده في تحقيق أهدافها غرب القارة الأفريقية.

على مدار سنوات، شكَّلت أفريقيا محورا أساسيا في إطار "الحرب على الإرهاب" التي أطلقها الرئيس الأميركي السابق "جورج بوش" عقب أحداث 11 سبتمبر، ويمكننا اعتبار سنة 2002 نقطة البداية الحقيقية لهذه الحرب في منطقة الساحل الأفريقي، حين أعلنت وزارة الدفاع الأميركية إطلاق مبادرة "دول الساحل لمكافحة الإرهاب" (Pan-Sahel Initiative)، وهي مبادرة هدفت إلى مراقبة تحركات الجماعات المسلحة في المنطقة، و"محاربة الإرهاب" في موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد. وانخرطت هذه الدول في الحرب في البداية أملا في حيازة تذكرة "الشريك الإستراتيجي لأميركا في محاربة الإرهاب"، ورغم أن العملية نفسها انطلقت قبل تسجيل أي حضور جهادي في المنطقة، فإن منطقة الساحل شكَّلت للإدارة الأميركية آنذاك رقعة جغرافية كبيرة يمكن أن تُسهِّل حضور الجهاديين في باقي أفريقيا وبوابة لتصديرهم إلى أوروبا.

على مدار السنوات التي تلت إطلاق العملية، بدأت منطقة الساحل الأفريقي تأخذ مكانا مميزا لها في خريطة "الحرب على الإرهاب"، وتصدَّرت مالي المشهد السياسي، على اعتبار أنها إحدى "أندر" الديمقراطيات في أفريقيا بحسب الرواية الغربية، إذ صارت البلاد مركزا إستراتيجيا للتحركات الأمنية الغربية. وبدأت باماكو، مستفيدة من هذا الوضع، في تلقي الدعم الغربي على هيئة مساعدات مالية ولوجستية وعسكرية لإعداد جنودها. ولكن مع مرور السنوات وظهور التحديات، بدا جليا أن الصورة التي حاول الغرب رسمها عن مالي لم تكن حقيقية. فوراء التزيين الديمقراطي غرقت البلاد في الرشوة والفساد والتزوير، علاوة على مشكلات ونزاعات داخلية مسلحة بسبب معارضة أقاليم معينة للحكومة المركزية في باماكو.

Malian soldiers receive instruction from a U.S. soldier in Gao, eastern Mali November 13, 2006. Mali is one of nine West and North African countries which have signed up to the U.S. military's Trans-Sahara Counter-Terrorism Partnership, part of a strategy to prevent al Qaeda from establishing bases in the region in the same way it operated in the 1990s from Sudan and Afghanistan. To match feature Mali Usa REUTERS/Luc Gnago (MALI)
جنود ماليون يتلقون تعليمات من جندي أمريكي في جاو بشرق مالي 2006 في شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء التابعة للجيش الأمريكي (رويترز)

لطالما تركَّز الاهتمام الداخلي والخارجي على العاصمة والتخوم المجاورة لها، ولكن في سنة 2003، خطفت منطقة الشمال المالي الأضواء لأول مرة، بعد اختطاف 32 سائحا غربيا جنوبي الجزائر. وقد تمكَّن الجيش الجزائري من تحرير 17 منهم، فيما فرَّ الخاطفون رفقة 15 رهينة، 10 منهم ألمان و4 سويسريون وهولندي واحد، وطالبوا بفدية 5 ملايين دولار من أجل تحريرهم. ولعبت باماكو حينئذ دور الوسيط بين الدول الغربية والخاطفين، ورغم انتهاء الأزمة بعودة المواطنين الأوروبيين إلى بلدانهم دون تسجيل ضحايا، فإنها كشفت عن إشكالية أمنية عميقة في الشمال المالي، الذي بات مرتعا للحركات الجهادية النشطة هناك، التي تعيش على عدة موارد من أبرزها اختطاف الرهائن الغربيين.

بالعودة إلى الوراء، لم تكن فرنسا بعيدة عما وقع في الجزائر أثناء العشرية السوداء التي واجه فيها الإسلاميون من تيارات مختلفة الجيش الجزائري في إحدى أبشع الحروب الأهلية التي عرفتها المنطقة العربية، حيث تابعوا من كثب كل حدث في كامل التراب الجزائري. ولذا، رغم استتباب الأمن في الشمال المالي بالصلح الذي حدث بين الأطراف المتصارعة، فإن ذلك لم يفلح في تخفيف قلق الفرنسيين حول ما يحدث جنوب الجزائر.

عرفت السنوات الأخيرة من العشرية السوداء تأسيس بعض الجهاديين الجزائريين وعلى رأسهم أبو حمزة حسن حطاب للجماعة السلفية للدعوة والقتال (GSPC) سنة 1998، وقد اتخذت هذه الجماعة من الجنوب الجزائري مضمارا لوجودها، فيما لم يطمئن الفرنسيون لهذه التحركات الجهادية، إذ سبق أن صرَّح آلان شويت، وهو ضابط في الاستخبارات الفرنسية، أنه يعتقد أن الحكومة الجزائرية عقدت شبه اتفاق مع الجهاديين الذين رفضوا ترك السلاح، إذ مُنِحوا بموجب هذا الاتفاق حرية النشاط في الجنوب الجزائري على أن يبتعدوا عن الشمال، "وإن لم يكن هنالك دليل مادي على هذا الاتفاق". المشكلة في هذا الاتفاق حسب الفرنسيين هو أنه منح الجهاديين أرضا واسعة وإمكانية الانتشار والتوسع في عدد من البلدان المجاورة غير المستقرة، وأبرزها مالي بالقطع.

الجماعة السلفية للدعوة والقتال (GSPC)
الجماعة السلفية للدعوة والقتال (GSPC) (مواقع التواصل)

بعد حادثة اختطاف الغربيين سنة 2003، استغرب "نيكولا نورمون"، سفير فرنسا في مالي حينها، الطريقة التي تعامل بها الرئيس السابق "أحمد توماني توري" مع قضية وجود الجهاديين في شمال مالي، بعد أن رفض الرئيس المالي الدخول في مواجهات مع الخاطفين وطردهم من المنطقة بحُجة أنهم لا يُهدِّدون باماكو، وهو ما اعتبرته فرنسا خطرا كبيرا ​​وخطوة غير محسوبة العواقب. ورغم سياسة "توماني توري" الغريبة بالنسبة لفرنسا، فإنه حافظ على دعم القوى الغربية، فلم تتأثر سمعته بالمشكلات الداخلية التي عاشتها البلاد، ومنها على سبيل المثال لا الحصر انضمام صحراء مالي إلى المناطق التي تستعملها مافيات تهريب المخدرات لتمرير الكوكايين القادم من أميركا الجنوبية، علاوة على حضور الحركات الجهادية التي باتت مصدر تهديد حقيقي لباماكو نفسها، بعد أن أعلنت الجماعة السلفية للدعوة والقتال سنة 2007 مبايعتها لتنظيم القاعدة، وتحوَّلت إلى فرع جديد باسم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".

بمرور السنوات، تغيَّرت تحركات الجهاديين في الشمال المالي من العشوائية في التخطيط والتحرك إلى تحديد أهداف إستراتيجية كبرى، كالعمل على تجنيد عدد من شباب المنطقة، واللعب على وتر معارضة مناطق واسعة للحكم المركزي في باماكو، وهو ما تم عام 2012 عندما عملت القاعدة يدا في يد مع الطوارق في ثورتهم التي انطلقت من منطقة "أزواد" ضد الحكومة المالية للمطالبة بالاستقلال عن باماكو.

في البداية، لم يجد الجهاديون بقيادة العديد من الجماعات -وعلى رأسها القاعدة في المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، وجماعة أنصار الدين- إشكالا في القتال جنبا إلى جنب مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد، إذ تمكَّن الحليفان من طرد السلطات التابعة للحكومة والسيطرة على جزء كبير من الشمال المالي. وبعد 3 أشهر من بداية الحراك، استغل عسكريون الوضع المرتبك للانقلاب على الرئيس المالي "توماني توري". ولم يتمكَّن الجيش رغم هذا من تغيير موازين القوى في الشمال، إذ أحكمت المعارضة قبضتها مطالبة باستقلال منطقة "أزواد" قبل أن يستفحل الأمر ويتمكَّن الجهاديون من إبعاد الحركة الوطنية لتحرير أزواد معلنين إنشاء "الجمهورية الإسلامية" في المنطقة.

حنين وتنوير.. ويورانيوم

Areva's Somair uranium mining facility is seen in Arlit, Niger, September 25, 2013. REUTERS/Joe Penney/File Photo
منشأة شركة "آرافا" الفرنسية لتعدين اليورانيوم في النيجر (رويترز)
منشأة شركة "آرافا" الفرنسية لتعدين اليورانيوم في النيجر (رويترز)

"أريد أن أقول ببساطة للشباب الأفريقي: اشرحوا لي المشكلة ولا تتركوا أنفسكم كي تنجرفوا تجاه أفكار مُعيَّنة، لأن مستقبلكم ليس في كل ما هو مضاد لفرنسا".

(الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" في تصريح بمناسبة زيارته الأخيرة للجزائر)

لم يكن هنالك سيناريو أنسب لفرنسا حتى تضع أقدامها العسكرية في مالي من وجود تهديد جهادي في البلاد، إذ تأخذ باريس على عاتقها محاربة أي وجود جهادي في إطار مشروعها الرامي إلى خنق جميع أنواع الإسلام الحركي، سواء تحرَّك هذا الإسلام بالسلاح أو بالسياسة. وقد أرسلت فرنسا في بداية الأمر 4000 جندي حطوا الرحال في مالي في مدة لم تتجاوز 48 ساعة في إطار عملية "الهرّ الوحشي" أو "سرفال" (Serval) بمهمة محددة وواضحة: طرد الجهاديين من الشمال المالي وإعادة سيطرة الحكومة المحلية. وكان نجاح هذه العملية السريعة محدودا للغاية، فقد تمكَّنت الجماعات التي طردتها القوى الفرنسية من إعادة ترتيب نفسها ووسَّعت من أنشطتها لتشمل دولا أخرى في المنطقة.

لملاحقة هذا التغيير، أعلنت باريس بقاءها في مالي حتى تعود الأمور الأمنية إلى مجاريها، وذلك عبر إطلاق عملية "الكثبان المتحركة" أو "برخان" (Berkhane)، وكان الهدف منها أشمل هذه المرة، وهو محاربة "الإرهاب" في منطقة الساحل كلها عبر توحيد العمليات المختلفة: "سرفال" في مالي، و"السيف" في بوركينافاسو، و"الباشق" في تشاد، مع رفع عدد الجنود إلى 5100 جندي. وقد زاد "التشويق العسكري" في المنطقة حين انضمت جماعة "بوكو حرام" النيجيرية إلى تنظيم الدولة الإسلامية وشكَّلت "تنظيم الدولة الإسلامية: ولاية غرب أفريقيا".

French soldiers from Operation Barkhane, set up a temporary advanced operating base as they leave Gossi, Mali, April 18, 2022. Picture taken April 18, 2022. REUTERS/Paul Lorgerie
جنود فرنسيون من عملية "الكثبان المتحركة" (Berkhane) (رويترز)

لم تتردد واشنطن، رغم تنافسها مع باريس على عدد من المناطق، في دعم التحرك العسكري لبلاد الرئيس الفرنسي "ماكرون"، فقد فعَّلت الفصيل العسكري "أفريكا كوم" الذي أُنشئ بين عامَيْ 2007-2008 من أجل مساعدة القوات الفرنسية في مواجهة التحديات الجهادية في منطقة الساحل، وذلك عبر الدعم الجوي، كما خرجت قيادات عسكرية أميركية تحثُّ فرنسا على مواصلة عمليتها العسكرية. ورغم أن أميركا وفرنسا تتواجهان اقتصاديا في أفريقيا للدفاع عن مصالحهما المتباينة، فإنهما حريصتان على إبقاء الوضع السياسي في القارة بما يخدم المصالح الغربية عموما، إذ يتخوَّف الغربيون من التغول الاقتصادي الصيني الذي انطلق منذ عام 2000 في منطقة الساحل، التي تضم ثروات بترولية مهمة ومعادن أخرى لا تقل أهمية مثل اليورانيوم والذهب والغاز والقطن والنحاس والليثيوم. ولذا تُعَدُّ مالي بوابة من أهم البوابات التي تُتيح التحكُّم في ثروات القارة الأفريقية.

يُعَدُّ اليورانيوم الموجود في النيجر مثلا من أهم الدوافع التي شجَّعت فرنسا على التحرك عسكريا في منطقة الساحل. وصحيح أن الرئيس الفرنسي السابق "فرانسوا هولاند" لم يذكر في خطابه الحماسي ولا في تصريحاته الصحافية هذا السبب، مقتصرا على الحديث عن أهمية توحيد مالي وحرب الإرهاب التي تتسبَّب في الهجرات والكوارث الإنسانية، لكن الحقيقة تقول إن الدولة الفرنسية تملك نسبة كبيرة في شركة "آرافا"، وهي إحدى أضخم شركات الطاقة المتخصصة في اليورانيوم، وتعليقا على ذلك يقول "فانسان ديبورت"، الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس، إن عدم تدخل فرنسا في سنة 2013 كان سيُشكِّل خطرا حقيقيا على إمكانية تزوُّد فرنسا باليورانيوم الموجود في النيجر، تماما كما دعا تقرير للبرلمان الفرنسي سنة 2013 حول الحضور الفرنسي في أفريقيا إلى ضرورة تأمين الوصول إلى الموارد الطاقية والمعدنية التي تحتاج إليها فرنسا في أفريقيا.

لا تقف الاستفادة الفرنسية الاقتصادية من المنطقة عند هذا الحد، إذ إن باريس حاضرة بمجموع 40 ألف شركة في أفريقيا، واستفادت هذه الشركات من إرسال عدد كبير من المسؤولين والخبراء إلى هذه البلدان تحت ذريعة "المساعدة التقنية"، كما حطَّت شركات مثل "أورانج" و"كارفور" و"توتال" و"فانسي" للاستفادة من تسارع وتيرة الاستثمار في هذه المنطقة. وفي يناير/كانون الثاني عام 2017، أوصى تقرير للمجلس الفرنسي للاستثمار في أفريقيا الشركات الفرنسية باستهداف عدد من المدن الأفريقية باعتبارها أقطابا جديدة "للحيوية الاقتصادية والابتكار"، وخصوصا في مجالات "الأمن والدفاع".

Logo of the G5 Sahel Defence Academy in Nouakchott, Mauritania, July 2, 2018. Ludovic Marin/Pool via Reuters
أسَّست فرنسا سنة 2014 مجموعة الخمسة الكبار لبلاد الساحل التي تضم بجانب مالي كلًّا من موريتانيا وبوركينافاسو والنيجر وتشاد. (رويترز)

بالإضافة إلى ما سبق، شكَّل التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، كما هو حال القوى العظمى في العديد من الدول التي تطحنها الأزمات، فرصة من ذهب لاستعراض وتسويق الأسلحة الفرنسية مثل صواريخ شركة "MBDA"، وطائرات شركة "داسو" (Dassault)، وبالأخص الطراز الأخير من طائرات "رافال" التي لم تكن فرنسا لتتمكَّن من تقديمها لزبائنها المحتملين دون تدخُّلها عسكريا في ليبيا ثم بعد ذلك في مالي. وقد مكَّنت عمليتا "سرفال" و"برخان" فرنسا أيضا من التدرُّب على العديد من التقنيات العسكرية والقتالية الجديدة. ورغم عدم تحقيق فرنسا لنجاحات عسكرية كبيرة أثناء العقد الذي أمضته في مالي، فإنها حققت نتائج تجارية مهمة، إذ كلَّفت عملية "برخان" فرنسا 600 مليون يورو حتى سنة 2015 حسب تقرير "العمليات الخارجية" الذي نُشر في أكتوبر/تشرين الأول 2016، لكنها تكلفة لا تُقارن بعقود التسليح السخية التي أبرمتها الشركات الفرنسية ووصلت إلى 20 مليار يورو في عام 2016، لتصبح فرنسا ثالث أكبر مُصدِّر عالمي للسلاح عام 2017.

أما على الجانب السياسي، فقد تمكَّنت فرنسا من تطوير طريقة أخرى "للحكم" في غرب أفريقيا عبر إستراتيجية "الحكم عن بُعد" عبر الوكلاء، فقد أسَّست سنة 2014 مجموعة الخمسة الكبار لبلاد الساحل التي تضم بجانب مالي كلًّا من موريتانيا وبوركينافاسو والنيجر وتشاد. الهدف من هذه الخطوة كما شرح ذلك جون إيف لودريان، الوزير الفرنسي السابق الذي حمل حقيبتَيْ الدفاع والخارجية، أمام البرلمان الفرنسي، هو أن تكون فرنسا أكثر حضورا مع التقليل من استعمال مواردها البشرية في الوقت نفسه. تُرجِمت هذه "الشراكة" على الأرض مثلا على المستوى العسكري بأن أضحت فرنسا هي القائد الحقيقي للعمليات العسكرية، إذ يسهر جيشها على توجيه الجيوش الأخرى التي تُشكِّل في الغالب الأعم الصفوف الأمامية لمواجهة الأعداء، فيما يعكُف الفرنسيون على قيادة هذه الجيوش وتزويدها بالدعم اللوجستي وبالمعلومات الاستخباراتية الضرورية.

بجانب الشق العسكري، تُجنِّد فرنسا هذه الدول لكي تكون خط الدفاع الأول في وجه الهجرة نحو أوروبا، ففي أغسطس/آب 2017 صرَّح "ماكرون" أنه يرغب في أن تُشكِّل دول تشاد والنيجر أول محطة يتم من خلالها التحقق من هوية المهاجرين. وهذا المشروع الذي لم يرَ النور حتى اليوم يؤكد على كل حال رغبة باريس في استعمال عدد من العواصم الأفريقية حاجزا يحميها من المهاجرين الذين يقضُّون مضجعها.

خروج المستعمر: كلاكيت ثاني مرة

جنود فرنسيون شاركوا في إحدى عمليات برخان بمدينة غاو المالية (رويترز)

في نهاية المطاف، حققت فرنسا بعض المكاسب وحصدت الكثير من الخسائر في مالي، وضمن هذه الخسائر السياسية موجة الكراهية التي تصاعدت في مالي ضد باريس مؤخرا، وهي مشاعر لم تتقد من فراغ، إذ إن البلد صاحب تاريخ مظلم في أفريقيا أثناء فترة الاستعمار، كما أن تجربته الأخيرة في مالي لم تمر دون سقوط ضحايا من المدنيين تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، علاوة على وقوف الجيش الفرنسي خلف الجيش المالي، الذي ارتكب العديد من الجرائم في حق المدنيين مثل التعذيب والقتل والاختفاء القسري، حسب ما أفاد تقرير للجمعية المالية لحقوق الإنسان.

لم تقف الأمور عند هذا الحد. في الثالث من يناير/كانون الثاني 2021، أعلن الجيش الفرنسي عن مقتل نحو 30 شخصا في هجوم على جهاديين كانوا موجودين بقرية تُدعى "بونتي" شمالي مالي دون إعطاء تفاصيل. وبعد بحث وتدقيق وحديث مع بعض الناجين، أفادت تقارير صحفية أن الرواية الفرنسية لم تكن دقيقة، ذلك لأن الهجوم استهدف حفل زفاف كان يحضره نحو 100 مدني. وأكَّد الأمر نفسه تقرير لبعثة الأمم المتحدة في مالي "مينوسما"، إذ أفاد أن غالبية الحضور كانوا من المدنيين المحميين من طرف القانون الدولي. ولم تسعد فرنسا بهذه الخلاصات، فمنذ دخولها إلى مالي رسميا سنة 2013، لم تعترف إلا بقتل 7 مدنيين من أصل 50 مدنيا يُشتبه أن تكون القوات الفرنسية وراء تصفيتهم حسب بعض التقارير. وقد أغضب هذا التنصل من مسؤولية قتل المدنيين السكان المحليين، وساهم حسب مسؤولين ماليين في رفع فرص تعاطف السكان مع الحركات الجهادية التي تنشط في مالي وتحارب الحكومة المالية والقوات الفرنسية.

لم تكن تلك السلوكات وحدها المسؤولة عن تداعي الوجود الفرنسي في مالي، فقد جاء انسحاب قوات باريس من باماكو بسبب تكاثف المشكلات السياسية العميقة التي أحاطت بحضورها. وبدأ العد التنازلي لحضور القوات الفرنسية بعد الانتخابات الرئاسية لمالي في أغسطس/آب 2018، إذ تسبَّبت نتائج هذه الانتخابات التي أتت بالرئيس "إبراهيم أبو بكر كيتا"، المدعوم من طرف فرنسا، في أزمة داخلية. ولم تكن قوى المعارضة راضية تماما عن الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مالي، ولا الأمني أيضا بسبب الهجمات الدامية التي عاشتها البلاد. ولذا انفجرت المظاهرات مُطالِبة بالتغيير، ودفعت ضغوطات الشارع الرئيس المالي إلى إقالة الوزير الأول في إبريل/نيسان 2019. وقد واصلت المعارضة التصعيد، وأعلنت في يونيو/حزيران 2020 تأسيس حركة "5 يونيو" التي تُعَدُّ تجمُّعا للقوى الوطنية، وأتت المطالب أوضح هذه المرة: أولا، إسقاط النظام الحاكم، وثانيا، طرد القوات الفرنسية من البلاد.

Supporters of the Imam Mahmoud Dicko and other opposition political parties attend a mass protest demanding the resignation of Mali's President Ibrahim Boubacar Keita in Bamako, Mali August 11, 2020. The blue sign reads:
مظاهرة حاشدة للمطالبة باستقالة رئيس مالي إبراهيم بوبكر كيتا في باماكو، مالي، 2020. اللافتة الزرقاء تقول: "روسيا هي أمل مالي، بوتين = الحل" (رويترز)

تصاعدت الأحداث، وواجهت قوى الأمن المتظاهرين الذين أعلنوا العصيان المدني واحتلوا مقر البرلمان والتلفزيون العمومي للضغط على الرئيس بهدف تقديم استقالته، وأدَّت المواجهات إلى وقوع قتلى وجرحى، وتأزَّم الوضع أكثر فأكثر، حتى انتهى بإعلان الجيش التمرد والانقلاب في 18 أغسطس/آب 2020، مع تفويض مجلس عسكري لتسيير شؤون البلاد. ولم تتحمس المعارضة لخارطة الطريق التي منحت السلطة الانتقالية 18 شهرا لتسليم مقاليد الحكم، بخلاف كونها ضمَّت بجانب المجلس العسكري شخصيات مدنية تنتمي إلى النظام المخلوع. وتواصلت الضغوط حتى جاء الانفجار الثاني في 24 مايو/أيار 2021 من طرف مجموعة عسكرية ثانية قادها العقيد "عاصمي كويتا"، الذي وضع يده في يد قيادات حركة "5 يونيو"، الأمر الذي اعترضت عليه فرنسا جملة وتفصيلا.

جاء الانقلاب الثاني ليؤكد ابتعاد النخبة التقليدية الموالية لفرنسا عن مقاليد الحكم، وهو أمر أغضب باريس. فداخل المجلس العسكري ظهر اسم "عاصمي كويتا" الذي لم يكن يحمل في قلبه حبا كبيرا للجيش الفرنسي، بعد أن منعه الأخير من الدخول إلى مدينة "كيدال" سنة 2013 إثر طرد الجماعات الإرهابية منها. كما أن العقيد المالي يعلم بحكم قُربه من دائرة صنع القرار منذ الدخول الفرنسي إلى البلاد أن الحضور العسكري لباريس لم يأتِ بطلب من باماكو، فبلاده لم تطلب قوات برية من "هولاند"، بل أرادت فقط دعما استخباراتيا وتغطية جوية لعملياتها الرامية إلى طرد الجماعات الجهادية من شمال البلاد.

لم يستسغ "كويتا" نسب فرنسا النصر إلى نفسها، إذ بذلت القوى المالية الكثير لتحقيق النصر الأوَّلي الذي احتكرته القوات الفرنسية لدواعٍ دعائية. ودفعت هذه النقطة، من بين نقاط كثيرة، المجلس العسكري الجديد للابتعاد عن فرنسا، وهو ما ظهر في تحركاتهم منذ السيطرة على البلاد. ولم تستسغ فرنسا التطورات السياسية، فأبلغت الحكومة الجديدة في 3 يونيو/حزيران 2021 بقرار سحب قواتها من البلاد، حيث تكلَّف الجنرال "لوران ميشون" بنقل الجنود البالغ عددهم 5 آلاف إلى دول الجوار مثل النيجر وبوركينافاسو. وأثارت هذه الخطوة غضب الحكومة الجديدة التي اعتبرت أن انسحاب فرنسا في هذا التوقيت بالذات تخلٍّ عن مشروع إعادة مالي إلى سابق عهدها. ومن ثمَّ تدهورت العلاقات حتى طُرِد السفير الفرنسي بمالي، وأنهت هذه الخطوة حضورا فرنسيا مهما، وفتحت الباب أمام خصوم الغرب الحاليين، لا سيما روسيا، لغرس وجودهم في غرب أفريقيا.

رحلة البحث عن أمجاد السوفييت

Russian Foreign Minister Sergei Lavrov attends a news conference with Mali's Minister of Foreign Affairs and International Cooperation Abdoulaye Diop, in Moscow, Russia May 20, 2022. Yuri Kadobnov/Pool via REUTERS

"التقيت بعض الروس من قوات فاغنر، انطباعي عنهم بعيد جدا عن الصورة التي يرسمها الإعلام، نحن أمام مرتزقة من الجنود من النوع السيئ، بتجهيزات سيئة، يبحثون عن الماء والأكل عند الساكنة المحلية، إنهم يعكسون صورة لأشخاص لا يمكن الوثوق بهم".

("كابيتان يان"، آخر جندي فرنسي خرج من مالي)

يزيد خروج الفرنسيين من مالي من مرارة باريس، إذ إنها تعلم ألَّا وجود للمناطق الفارغة في الصراعات الجيوسياسية، وأن خروج باريس يعني لجوء باماكو إلى موسكو، بل واحتمالية حضور بكين أيضا، وتوسُّعهم سياسيا وعسكريا واقتصاديا في مناطق كانت حتى الأمس القريب في ظلال الفرنكفونية حصرا. ولم تتأخر روسيا في إعلان حضورها عن طريق مقاتلي "فاغنر"، الجيش غير الرسمي الذي يخدم مصالح موسكو في الكثير من البلدان. وتتحدَّث الأرقام حاليا عن 1000 مقاتل تقريبا حطوا رحالهم في مالي، فيما تتوقع الولايات المتحدة أن يرتفع الرقم في الأشهر القادمة لتعويض غياب الجيش الفرنسي.

يعود الحضور الروسي بغرب أفريقيا إلى مرحلة ما بعد خروج الاستعمار الفرنسي في ستينيات القرن الماضي، حين تنافس المعسكران الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي والغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وبعد حصول مالي على الاستقلال اختارت أن تسير خلف دول عدم الانحياز، لكنها انفتحت أكثر على السوفييت بسبب الأيديولوجيا الاشتراكية التي عادت الكولونيالية (الاستعمار). وحصلت مالي في البداية على دعم كبير عقب استقلالها من طرف تشيكوسلوفاكيا التي أرسلت العديد من الخبراء في مجالات الصناعة والطيران، قبل أن تكمل موسكو عملية الدعم هذه ببناء المرافق الحيوية مقابل التنقيب عن الثروات المعدنية في المنطقة.

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي خفت الحضور الشرقي في مالي ومنطقة غرب أفريقيا، لكنه نشط في الشمال عبر عقد العديد من الاتفاقيات المهمة مع دول مثل الجزائر، التي وقَّعت مع روسيا شراكة إستراتيجية سنة 2001 إثر زيارة الرئيس الجزائري الراحل بوتفيلقة لموسكو، ثم بعد ذلك مع مصر سنة 2014 لإنشاء محطة نووية. واعتمدت روسيا على إستراتيجية المنفعة مقابل الديون لتوثيق علاقاتها مع عدد من الدول الأفريقية، فقد أعفت الجزائر من دَيْن بقيمة 4.7 مليارات دولار مقابل صفقات تسليح بلغت 7.5 مليارات دولار. والأمر نفسه قامت به مع ليبيا حينما تخلَّت عن حقها في قرض بقيمة 4 مليارات دولار مقابل تسهيل إنشاء مرافق حيوية خاصة بشركة "غازبروم"، عملاق الطاقة الروسي.

أصبحت موسكو بفضل صفقات السلاح التي عقدتها تاجر السلاح رقم 1 في أفريقيا، ففي الفترة ما بين عامَيْ 2014-2019، زوَّدت روسيا أفريقيا بما يقارب 49% من احتياجاتها في التسليح، متفوِّقة على الولايات المتحدة الأميركية (14%)، والصين (13%)، ثم فرنسا (6.1%)، لكن رغم ذلك لم تُبرم مالي عقد تسليح كبير مع موسكو، وهو أمر يتغيَّر تدريجيا الآن، حيث تبدو الحكومة الجديدة منفتحة أكثر على روسيا بعد أن ضاقت ذرعا بالسياسة الخارجية الفرنسية.

Malians holds a photograph with an image of coup leader Colonel Assimi Goita, who overthrew the president and prime minister this week, and Russia's flag during a pro-Malian Armed Forces (FAMA) demonstration in Bamako, Mali, May 28, 2021. REUTERS/ Amadou Keita
صورة لزعيم الانقلاب في مالي العقيد "أسيمي غويتا"، الذي أطاح بالرئيس ورئيس الوزراء، والعلم الروسي خلال مظاهرة للقوات المسلحة الموالية لمالي في باماكو، مالي، 28 مايو 2021. (رويترز)

تستعمل روسيا إستراتيجية مزدوجة في التقرب من الدول الأفريقية، فهي مبدئيا لا تحمل وزر استعمار سابق يجعلها متهمة بمحاولة إحيائه، بل تتعامل مع الدول مثل مالي بمبدأ تقديم ما عجزت عنه فرنسا، وهو تأمين البلاد ودعمها من أجل الاستقرار وتحقيق النهضة الاقتصادية التي يصبو إليها الشعب المالي. وهي تستعمل لتحقيق أهدافها عنصرين أساسيين: أولا، العنصر العسكري، فإلى جانب مقاتلي "فاغنر" كشفت مالي عن تسلُّمها 5 طائرات مقاتلة ومروحية عسكرية، فيما يُعَدُّ بداية تعاون عسكري سيضم باماكو إلى قائمة زبائن موسكو. وثانيا، القوة الناعمة، إذ تنشط روسيا كثيرا عبر إعلامها الذي تتصدَّره قناة "روسيا اليوم" من أجل التبشير بمشروعها في أفريقيا، إذ ظهر تأثُّر الإعلام المحلي المالي بما تنشره النسخ الفرنسية من القنوات الروسية.

بجانب روسيا التي تُركِّز على المجالين العسكري والأمني، من المنتظر أن تحضر الصين أكثر في مالي في مجالات البنية التحتية والزراعة، إذ تبحث بكين عن التوسُّع اقتصاديا في أفريقيا التي تحضر فيها منذ عقود، على حساب فرنسا التي بدأت بالانسحاب تدريجيا اقتصاديا أيضا. فحسب ما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، تزامن سحب القوات الفرنسية مع طي صفحة أخرى من صفحات فرنسا في أفريقيا، تتعلق بشركة "بولوريه أفريكا" المتخصصة في النقل واللوجستيات، حيث أعلن رئيسها "فانسون بولوري" أثناء احتفاله بعيد ميلاد المؤسسة الـ200 إنهاء نشاطها في القارة السمراء.

epa06688822 (FILE) - Chairman of the Supervisory Board Vincent Bollore delivers a speech during Vivendi's General Meeting at the Olympia in Paris, France, 17 April 2015 (reissued 24 April 2018). The Billionaire French tycoon was detained 24 April 2018 near Paris, according to media, on suspicion of corruption over his group’s acquisition of rights to operate ports in West Africa. Bollore stepped down as chairman of media giant Vivendi days ago. EPA-EFE/ETIENNE LAURENT
رئيس شركة "بولوري أفريكا" المتخصصة في النقل واللوجستيات"فانسون بولوري" (الأوروبية)

لعشرات السنين، عُدَّت الشركة الفرنسية إحدى أهم الركائز الاقتصادية المهمة لمشروع "فرانس أفريك" الذي حدَّد الوجود الفرنسي في القارة الأفريقية، فتحكَّمت في الموانئ والبنية التحتية الخاصة بالنقل في العديد من بلدان القارة، كما تمتعت العائلة بعلاقات قوية مع الرؤساء الفرنسيين والأفارقة على حدٍّ سواء، ما جعل من "بولوري" أحد أقوى رجال الاقتصاد في أفريقيا. بيد أن هذا الحضور القوي لشركة "بولوري" وصل إلى محطته الأخيرة، فمن المفترض أن تنتقل المؤسسة إلى مكان آخر وتبيع أنشطتها في أفريقيا لشركة "MSC"، وهي شركة إيطالية-سويسرية.

يخفت حضور عاصمة الأنوار إذن ربما بصورة غير مسبوقة في أفريقيا، غير أن هذا لا يعني أبدا خروجها من منطقة الغرب الأفريقي فضلا عن خروجها من القارة كلها. فمباشرة بعد طردها من مالي، بدأت في إعادة ترتيب حضورها في النيجر، كما يُستبعد أن تُعوِّض روسيا والصين الحضور الغربي تماما، إذ إن موسكو لا تملك دوافع باريس نفسها، ولذا من المنتظر أن يقتصر حضورها على مقاتلي "فاغنر" وعدد من الخبراء العسكريين الذين ينتشرون في المناطق التي تحوي مناجم ثرية. كما ينحصر الوجود الصيني العسكري في قاعدة عسكرية وحيدة بجيبوتي دُشِّنت عام 2017 وتضم 250 جنديا فقط، أما وجودها الاقتصادي المهم فسيكون أمام امتحان مستمر بسبب الارتباط العضوي لبعض اقتصادات القارة بالدول الغربية رغم الأهمية الإستراتيجية للتعامل الاقتصادي مع بكين.

على كل حال، حتى وإن تغيرت ألوان الأعلام التي تتنافس داخل أفريقيا وتفرَّقت سُبلها، فإنها تجتمع في الغاية نفسها، وهي الاستفادة من خيرات أفريقيا ودعم أنظمة سياسية تحفظ لها نصيبها من ثروات القارة، سواء وصلت هذه الأنظمة إلى السلطة وواصلت وجودها فيها بالصناديق الديمقراطية أو برصاص البندقية. تستوي في ذلك الأعلام القادمة من الشرق أو الغرب، وكأنه قدر محتوم للسمراء التي كُتب عليها أن تُنهب ثرواتها مرارا، بينما يعيش أهلها رهينة للفقر والاستبداد.

المصدر : الجزيرة