لماذا تخاف فرنسا من الربِّ إلى هذا الحدِّ؟

ثمة حرب تخوضها باريس اليوم ضد كل مظاهر التدين الإسلامي، لكن أزمة فرنسا مع الدين ليست وليدة اليوم، بل هي متجذرة بعمق في تاريخها.

المسلمون-في-فرنسا

ما القوى التي تُحكِم وثاق الديمقراطية الليبرالية؟ وما القوى التي تنقُض عُراها؟ كانت تلك بعض الأسئلة التي خطرت ببالي وأنا أستمع في وقت سابق من العام الماضي (2021) إلى وزير التعليم الفرنسي "جيان-ميشِل بلانكيه" وهو يدافع عن مقترح لقانون عُرِض على الشعب الفرنسي.

كان المكان مهيبا، إنه مجلس الشيوخ الفرنسي الذي يُضاهي دار الأوبرا في رونقه. ولم يكُن مقترح القانون قيد النقاش أقل مهابة، أو على الأقل عنوانه، وهو "مبادئ الجمهورية ومكافحة الانفصالية". تحدَّث "بلانكيه" تحت ناظرَيْ "جيان-بابتيست كولبير"، مهندس فرنسا الحديثة في طورها الأول الذي وقف تمثاله المصنوع من الرخام أسفل القُبة من خلف "بلانكيه"، حيث بدت بوضوح صلعة "بلانكيه" على خلفية شعر "كولبير" الطويل والمجعَّد. الآن، وبعد اعتمادها قانونا، أصبحت مكافحة الانفصالية أحدث فصول الحرب الطويلة بين الدولة الفرنسية والدين المنظَّم. وقد صُمِّمَ القانون بدفعة من إدارة الرئيس "إيمانويل ماكرون" لكي تحوز فكرة "اللائكية" ثقلا رسميا أكبر، وهو مصطلح يُترجم إلى العلمانية بمعناها الواسع، لكنه مُعقَّد ومشحون سياسيا أكثر بكثير.

French French Education, Youth and Sports Minister Jean-Michel Blanquer speaks as members of the French government and members of parliament listen to during the questions to the government session before a final vote on controversial climate change bill at the National Assembly in Paris, France, May 4, 2021. REUTERS/Sarah Meyssonnier
وزير التعليم والشباب والرياضة الفرنسي جان ميشيل بلانكير يتحدث بينما يستمع أعضاء الحكومة الفرنسية وأعضاء البرلمان

يعرف الجميع ثلاثية "الحرية والمساواة والإخاء"، (الشعار الشهير للثورة الفرنسية)*، بيد أن "اللائكية" هي التي ترسم خطوط المعركة الضروس الأشد في فرنسا المُعاصرة، إذ بات المصطلح تعبيرا عن إصرار فرنسي فريد من نوعه على أن الدين يجب أن يختفي من المجال العام، وبالمثل الرموز والملابس الدينية. لم يقتفِ أيُّ بلد أوروبي آخر ذلك المسار، أما الكلمة نفسها فتعود إلى الكلمة اليونانية التي تعني "الشعب" (Laity) بوصفِه ضدا لنخبة الكهنة. وليست اللائكية نظيرا لحرية الدين (التي يكفلها الدستور الفرنسي بالفعل)، بل إن ما تعنيه هو التحرُّر من الدين. وفي وقت تُواصِل فيه الهجمات الإرهابية ذات الوازع الديني ترهيب فرنسا، فإن اللائكية قد تعقَّدت خيوطها مع أسئلة الهوية الوطنية والأمن القومي.

مَثَّل القانون الذي ناقشه "بلانكيه" في مجلس الشيوخ الفرنسي حينئذ مناورة سياسية متعدِّدة الجبهات، ومثالا كلاسيكيا على إقحام الأطراف الثالثة في المعارك السياسية من جانب "ماكرون"، سياسي "الوسط" الذي أسَّس حزبا سياسيا جديدا وما انفك يسعى نحو جذب أصوات الناخبين من يمين الطيف السياسي لصالحه. أولا، أتى القانون جزءا من جهود فرنسا لمكافحة الأصولية الإسلامية بعد سنوات من العُنف، وثانيا، شَكَّل ضمنيا دفعة ضد تركيا، أبرز داعمي الإخوان المسلمين في مصر، وهي الجماعة صاحبة النفوذ في بعض المساجد الفرنسية. وأخيرا، بسبب استناد القانون إلى الفكر الشامخ لـ"مبادئ الجمهورية"، فإنه يُعَدُّ وسيلة لقطع أنفاس اليمين واليمين المتطرِّف قبيل الانتخابات الوطنية المنتظرة الربيعَ القادم، حيث يُرجَّح أن يواجه "ماكرون" مجددا "مارين لو بِن" وحزبها "المسيرة الوطنية"، الذي يقتات على الخوف من المهاجرين والإسلام في بلد تبلغ نسبة مسلميه 8% من التعداد السكاني.

في سبتمبر/أيلول الماضي، مثلت شبكة من الجهاديين أمام المحكمة بتُهمة الضلوع في هجمات باريس عام 2015، التي خلَّفت 130 قتيلا منهم 90 لقوا حتفهم داخل قاعة حفلات "بَتَكْلان"، وقد وقعت الهجمات بعد أشهر معدودة من قيام "إرهابيين إسلاميين" بذبح عاملين بمجلة "شارلي إبدو" الساخرة. بالنسبة إلى أولئك الذين عاشوا تلك الأوقات المروِّعة في العاصمة مثلي، فقد أعادت المحاكمة إلى الأذهان ذكريات كئيبة، وهي أكبر محاكمة في تاريخ فرنسا، إذ تقدَّم فيها أكثر من ألف مُدعٍ عام، ومن المتوقَّع أن تستمر تسعة أشهر.

French court artist Elisabeth de Pourquery works on her artist's sketch showing Salah Abdeslam, one of the accused, who is widely-believed to be the only surviving member of the group suspected of carrying out the Paris' November 2015 attacks, during an interview with Reuters at her home near Paris, France, September 27, 2021. Picture taken September 27, 2021. REUTERS/Gonzalo Fuentes
تعمل فنانة المحكمة الفرنسية إليزابيث دي بوركويري على رسم تخطيطي يظهر صلاح عبد السلام، أحد المتهمين الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه العضو الوحيد الباقي على قيد الحياة من المجموعة المشتبه في تنفيذها هجمات باريس في نوفمبر 2015
A Republican Guard holds a portrait of Samuel Paty in the courtyard of the Sorbonne university during a national memorial event, in Paris, France October 21, 2020. Francois Mori/Pool via REUTERS
جندي من الحرس الجمهوري الفرنسي يحمل صورة صمويل باتي في ساحة جامعة السوربون

مما زاد الأجواء قتامة مأساة وقعت مؤخرا وهي قطع رأس "صامويل باتي"، مدرِّس بمدرسة ثانوية، على تخوم باريس، حيث عرض "باتي" أمام الطلاب الرسوم المسيئة للرسول محمد ليشرح لهم مفهوم حرية التعبير، وذلك بعد أن حثَّ أولئك الذين سيسوؤهم المنظر على أن يتركوا الفصل. ومن ثمَّ دفع "باتي" حياته ثمنا لذلك على يد "إرهابي" يبلغ من العمر 18 عاما ومهاجر من الشيشان، الذي سرعان ما طوَّقته الشرطة وأردته قتيلا. لم يكُن مقتل "باتي" هو الدافع لبلورة مُقترح قانون مكافحة الانفصالية، بيد أن الجريمة ألقت بظلالها على البلاد وأثَّرت على الحكومة، حيث قال "ماكرون" حينئذ عن القاتل: "لقد أراد أن يضرب الجمهورية وقيمها.. إنها معركتنا، وهي معركة وجودية".

تم تمرير قانون مكافحة الانفصالية في يوليو/تموز الماضي باسم قانون "تأكيد احترام مبادئ الجمهورية"، وقد وضع قيودا أشد على التنظيم الديني (والكثير من المساجد في فرنسا مُموَّلة من الخارج)، ومنَح الدولة سلطة واسعة لإغلاق أي دار عبادة مؤقتا إذا ما حامت شكوك أنها تُحرِّض على الكراهية أو العنف، كما سنَّ قيودا على طالبي اللجوء؛ حيث حظر منح الإقامات إلى الرجال الذين لهم أكثر من زوجة، وكذلك خوَّل للمسؤولين الحكوميين صلاحية إيقاف الزيجات إذا ما اعتقدوا أن العروس مُجبرة على الزواج، وأخيرا، حظر القانون على الأطباء منح النساء "شهادات عُذرية"، وهي عادة مرتبطة ببعض الزيجات الدينية. وقد اقترح مجلس الشيوخ ذو الأغلبية اليمينية تعديلات إضافية، أُلغيت فيما بعد، أمكن لها أن تمنع النساء من ارتداء "البوركيني" في المدارس الحكومية ومن ارتداء الحجاب عند مرافقة الطلبة في الرحلات المدرسية. هذا ويحظر القانون الفرنسي بالفعل الرموز الدينية الصريحة في المدارس الحكومية الابتدائية والثانوية، ويشمل ذلك الحجاب والقبَّعات اليهودية والصُّلبان.

أدان رجال الدين المسلمون والمسيحيون الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس القانون الجديد، قائلين إنه يُقيِّد حرية التنظيم. أما المجتمع اليهودي الفرنسي، الذي صدمته جرائم الكراهية ومعاداة السامية، فأحنى رأسه لتلك العاصفة، وإن كانت بعض قياداته المنظَّمة قد دعمت القانون. وأدان الأساتذة والمؤرِّخون عموما تلك الإجراءات بوصفها استدراكا غير ضروري على القوانين القائمة، وانتهاكا سافرا من سلطة الدولة للشؤون الدينية.

في ليلة تمرير القانون بمجلس الشيوخ، أطلق "بلانكيه" العنان لاحتجاجاته على التعليم المنزلي، الذي تتبنَّاه بعض الأقليات الدينية، وإن جرت العادة أن تلجأ إليه العائلات التي يعاني أطفالها من مشكلات صحية أو احتياجات خاصة. فقد قال "بلانكيه" أمام المشرِّعين إن تبلوُر تلك "المساحات الموازية" يُمثِّل "نفيا للمساحة المشتركة". ويتطلَّب القانون الجديد تصريحا خاصا من الحكومة من أجل التعليم المنزلي، ولم يُدرَج الدين في الحالات التي يُسمح بموجبها هذا النوع من التعليم.

ها هي فرنسا ماثلة أمامنا بمكنونها الفلسفي. ففي الولايات المتحدة يُعَدُّ مبدأ "أيه بلوريبُس يونوم" (E pluribus unum)، أي "من ثنايا العديد يبرز الواحد"، مبدأ تأسيسيا، فالوحدة بوسعها استيعاب الاختلافات ولو نظريا، أما في فرنسا، فالاختلاف بمنزلة صَدْع.

لا يُمكِن أن يكون التناقض بين فرنسا وأميركا أوضح من ذلك، بيد أنه ينطوي على تحدٍّ مشترك. فبغض النظر عمَّا إن كانت القضية هي الدين أم العِرق أم الإقليم، فإن الأُمَّتين الأميركية والفرنسية تسعيان لسنِّ قواعد تعيش بموجبها جماعات متنوِّعة وتُسيِّر شؤونها بوصفها جزءا من كيان مُتَّحِد. وليست تلك بأُحجية أكاديمية، إذ إن الديمقراطيات الليبرالية لن يسعها البقاء إذا لم تخلق توازنا يُمكِّنها من تحقيق ذلك، أما البدائل التي تنتظرها (حال فشلت في مهمَّتها) فهي التشرذم الفوضوي من جهة، أو قومية "الدم والأرض" من جهة أخرى.

PARIS, FRANCE - NOVEMBER 21: A protestor holds a placard that reads 'France Islamophobe' during a demonstration against the French government's global security bill and restrictions that target Muslim communities. France's 3.7 million Muslim population accounts for the largest Muslim community in Western Europe. A series of terrorist attacks in recent years has prompted the French government to introduce new laws that charter France's republican values, as part of a broad clampdown on radical Islam, creating tension in the communities. (Photo by Abdulmonam Eassa/Getty Images)
متظاهر يحمل لافتة كتب عليها "رهاب الإسلام في فرنسا" خلال مظاهرة ضد مشروع قانون الأمن العالمي للحكومة الفرنسية والقيود التي تستهدف المجتمعات المسلمة

شبح العبودية وشبح الكنيسة

PARIS, FRANCE - OCTOBER 09: Inside Sacré Cœur Basilica in Paris on October 09, 2021 in Paris, France. A new report from France's Independent Commission on Sexual Abuse in the Church (CIASE) estimates that 216,000 children were victims of sexual violence between 1950 and 2020 by French Catholic Priests, deacons and other clergy. Based on census, examination of archives (Church, justice, judicial police and press) and on the testimonies received by the body. (Photo by Kiran Ridley/Getty Images)

قليلة هي الدول التي يتشابك تاريخها تشابكا عميقا مثلما يتشابك تاريخا فرنسا والولايات المتحدة. فقد وُلِد البلدان من رحِم التنوير، ويرى كُلٌّ منهما نفسه منارة بين الأمم، ويُجسِّد كُلٌّ منهما الفصل الواضح بين الدين والدولة على طريقته الخاصة.

يُعرَّف الفصل بين الدين والدولة في الولايات المتحدة بواسطة بند التأسيس في التعديل الأول للدستور الأميركي، الذي يحظر على الحكومة سنَّ أي قانون "يُنظِّم تأسيس الأديان" أو يُعرقل ممارستها بحُرية. وقد استُلهِم التعديل الأول من "ميثاق فرجينيا للحرية الدينية" الذي خطَّه "توماس جِفرسون" واعتُمِد عام 1786. وكان "جِفرسون" سفير بلاده في فرنسا إبَّان اندلاع الثورة الفرنسية، واستشاره "الماركيز دو لافاييت" أثناء كتابة مسودة "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" المُعتمد عام 1789 في البلاد. وقد نصَّت المادة العاشرة من الوثيقة على "ألا يُضار أحد بسبب آرائه، بما في ذلك معتقداته الدينية، ما دام إظهار هذه الآراء والمعتقدات لا يخل بالنظام العام كما يحدده القانون".

في فرنسا اليوم، يُعرَّف الفصل بين الدين والدولة بالأساس بواسطة قانون يعود لعام 1905 نتج عن معركة ضروس لإنهاء السلطات الوضعية (الدنيوية) الباقية للكنيسة الكاثوليكية. وينصُّ القانون على أن "الجمهورية تكفل حرية الاعتقاد" وكذلك الحرية الدينية، وعلى أن الدولة لن تُميِّز بين الأديان. وقد رسم قانون 1905 السمات الأولى للائكية، وهو مصطلح ظهر لأول مرة في دستور عام 1958.

تبدو النيَّات المُحرِّكة لفرنسا والولايات المتحدة متشابهة، لكنها ليست النيَّات نفسها، إذ إن الولايات المتحدة هدفت من وراء ضمان حرية الدين أن تحميه من تدخُّل الدولة، في حين أن فرنسا هدفت من وراء ضمان حرية الدين أن تحمي الدولة من تدخُّل الدين، وثمَّة مآلات لهذه التفرقة.

بوصفي أميركية تعيش وتعمل في باريس، فقد صرت امرأة محلية ودخيلة في آن بكلا البلدين. وفي كل مرة أعود فيها إلى الولايات المتحدة قادمة من فرنسا، يُذهلني أن أسمع مذيعي التلفاز وهُم يُنهون برامجهم بمباركات الربِّ، وأن أستمع إلى الرؤساء الأميركيين وهُم يستشهدون بالإنجيل أو يدعون الله كي يحمي الولايات المتحدة وقوَّاتها. يبدو غير عادي في الولايات المتحدة -وربما مستحيلا- أن يترشَّح أحدهم من أجل الرئاسة دون إشارة إلى الله، أما في فرنسا، فإن استحضار الإيمان الشخصي في المجال العام يُعَدُّ خرقا للائكية وأمرا شاذا للغاية.

في الولايات المتحدة، تستطيع النائبة "إلهان عُمر" أن ترتدي حجابها بفخر في قاعات الكونغرس، أما في فرنسا، فيُحظَر على أعضاء مجلس النوَّاب أو الشيوخ ارتداء اللباس الديني داخل مؤسسات الدولة، وإن كان يُسمح لهم بارتدائه في الأماكن العامة. وقد وبَّخ حزب "ماكرون" نفسه منذ فترة امرأة مسلمة ترشَّحت عنه بسبب ارتدائها الحجاب في مُلصقات الدعاية الانتخابية -مُقِرًّا في الوقت نفسه بأنها لم تخالف القانون- ثمَّ سحب دعمه لترشيحها في أحد الانتخابات المحلية.

حروب فرنسا الأهلية كانت بسبب الدين
حروب فرنسا الأهلية كانت بسبب الدين

يحمل كُل بلد ندوب ماضيه الخاص. فقد حاربت أميركا حربا أهلية بسبب العبودية، أما حروب فرنسا الأهلية فكانت بسبب الدين. يُرسَّخ مبدأ اللائكية مُبكِّرا إذن، ففي كل مدرسة حكومية يتعلَّم الطلاب المنهج نفسه من الصف الأول وحتى المدرسة الثانوية، ويُنظَر للمدارس على أنها بوتقة يُصقَل فيها الفرنسيون بوصفهم مواطنين، وتتجذَّر فيها قيم اللائكية وحرية التعبير والمساواة بين الرجال والنساء، جنبا إلى جنب مع القراءة والكتابة والرياضيات.

الكلمة المفتاحية هُنا هي "الكونية/العالمية"، التي تُشير إلى مفهوم مُجرَّد عن المواطنة على الجميع الانصياع له. ففي مقابلة أجرتها مؤخرا الصحيفة الفرنسية "لو باريزيان"، سُئلَت الفيلسوفة النسوية الفرنسية "إليزابِث بادينتِر"، التي تؤيِّد تطبيق اللائكية بالقوة، "ما الذي يُمكِن أن يُحكِم وثاق الأمة اليوم؟"، فأجابت: "المدارس!"، ثمَّ أردفت قائلة إن اللائكية والجمهورية هُما قلب الأمة الفرنسية. لم يكُن مفاجئا إذن أن تُدرِج حكومة "ماكرون" إجراءات متعلِّقة بالمدارس في قانون مكافحة الانفصالية.

في المقابل، يُعرِّف الأميركيون أنفسهم وفق هويات دينية وعِرقية وإثنية عدة، ويسري الافتراض أنه بوسعنا احتواء تلك الهويات المتداخلة دون المساس بولائنا لمشروع قومي جامع. من جهتها، تُطالبك فرنسا بما هو أكثر من ذلك في سبيل الانسجام العام، إذ تُعَدُّ الجماعوية، أو تعريف المرء لنفسه جزءا من جماعة هوياتية محدَّدة دينية أو إثنية، أمرا يؤدي إلى تآكُل الجماعة الوطنية (في نظر فرنسا). وبينما يشيع في الولايات المتحدة أن يُسأل المرء عن جماعته العِرقية في الاستمارات والمسوحات، فإن فرنسا تنظر إلى مواطنيها بوصفهم أفرادا فحسب، وليس بوصفهم جزءا من جماعات مختلفة، كما أنها لا تُجري مسوحات رسمية لتحصيل البيانات حول الانتماءات العِرقية أو الإثنية، إذ يُعتقد بأن أمرا كهذا خيانة للكونية وخرقا للخصوصية.

هذا وتُلقي أحداث الحرب العالمية الثانية بظلالها على هذه القضية، إذ تقصَّى نظام "فيشي" الموالي لألمانيا النازية هويات اليهود الفرنسيين واعتقلهم وأرسلهم إلى معسكرات الإبادة النازية. وبوجه من الوجوه، يُعَدُّ ذلك تقديرا لحق الناس في أن يُتركوا وشأنهم مع معتقداتهم وحياتهم الشخصية، ففرنسا ليست أمة يفصح أفرادها عن تفاصيل حياتهم أكثر من اللازم، وثمَّة "فروادور" (Froideur)، أي برود، في بعض التفاعلات، لكن تلك المسافة تصبح -بشكل ما- نوعا من الاحترام.

إن اللائكية التي تحتل العناوين الرئيسية عالميا مع كُل جدل جديد محتدم حيال ارتداء النساء المسلمات للحجاب، تستوجب النظر إليها في سياق رُكن آخر من أركان الحياة العامة الفرنسية وهو الاندماج. لقد حدَّثني الكاتب الفرنسي "مارك وايتزمان" مؤخرا قائلا إن "الأمر في الحقيقة لا يتعلَّق بالدين، بل يضرب بجذوره أعمق من ذلك. يُعلِن الأميركي باستمرار عمَّن يكون بكُل الطرق الممكنة، لكن الطريق الفرنسي هو أن تُظهِر ما تكون وليس مَن تكون، وذلك بواسطة الآداب العامة، فجلُّ ما في الأمر هو الانسجام مع بيئة معيَّنة". وقد استدعى "وايتزمان" في حديثه شخصيات من روايات "أونوريه دو بَلزاك" من القرن التاسع عشر، يأتون إلى باريس من المحافظات، وسرعان ما يُعيدون بناء أنفسهم ويُحقِّقون النجاح الأدبي والسياسي والاجتماعي.

نظام "فيشي" الموالي لألمانيا النازية
نظام "فيشي" الموالي لألمانيا النازية

هنا يبرز "حكيم القروي"، وهو كاتب فرنسي-تونسي ومستشار قدَّم المشورة بشكل غير رسمي للرئيس "ماكرون"، وقد دافع عن إعداد أئمة مُدرَّبين وفق القيم الفرنسية لتنشئة إسلام متوافق والقيم الجمهورية الفرنسية كما يراها، وحين تحدَّثت معه مؤخرا ابتسم قائلا إن العهد الذي تطرحه فرنسا هو "أنها مفتوحة للجميع، ولكن عبر مسار واحد فحسب هو الكونية. وأن تلك مُعضلة فرنسية، فهي منفتحة جدا ومنغلقة جدا في آنٍ واحد"، ففي حياتك الخاصة بوسعك رعاية ثقافتك ولغتك وعقيدتك، أما في المجال العام فعليك الاندماج.

يمتلك السياسيون الأميركيون معدة فولاذية سريعا حالما ينغمسون في الاحتفاء بأطعمة الثقافات المتنوِّعة في بلادهم، التي تشمل التامال (أكلة لاتينية)* والبيروغة (فطائر من شرق أوروبا تُشبه السمبوسك أو القطايف)* والكانولي (معجَّنات إيطالية)* وريش اللحم. في فرنسا، يبدو دوما أن هنالك صنفا واحدا فقط من الطعام هو ما يُجسِّد الهوية الوطنية، بل ويمكن أن يصبح الطعام محورا لسجال ثقافي. فقد صرَّح "جيرالد دارمَنان"، وزير داخلية "ماكرون" المتطرِّف وعلى الأرجح ثاني أقوى رجل في فرنسا، في حوار مُتلفز العام الماضي أن الممرَّات المملوءة بالطعام الحلال في المتاجر تُمثِّل ضربا من الانفصالية الدينية. هذا ويُنصَح المتقدِّمون للحصول على الجنسية الفرنسية ألَّا يَنكبُّوا على دراسة تاريخ وجغرافيا فرنسا فحسب، بل وأن يعرفوا "كونفي دو كَنار" (طبق بط فرنسي)* و"سلطة نيس". بين الحين والآخر، تنشب المعارك حيال مطاعم المدارس، وما إن كان عليها أن تُقدِّم الوجبات النباتية واللحم الحلال والكوشِر (الحلال وفق الشريعة اليهودية)* أم أن ذلك أيضا بمنزلة انصياع للانفصالية. إنني أقف مشدوها دوما أمام مشاعر الهشاشة الوطنية التي يبدو أنها تُغذِّي تلك التصوُّرات، مثل الاعتقاد بأن وجبة مدرسية يُمكِن أن تُهدِّد بشكل ما أُسس الجمهورية.

لقد نشر "دارمَنان"، رجل اليمين الذي تتحكَّم وزارته في الشرطة، كُتَيِّبا بعنوان "الانفصالية الإسلامية: بيان من أجل اللائكية" أعلن فيه أن الجمهورية "تفقد سُمُوَّها" وإيمانها بقيمها الكونية، مفترضا أن فرنسا تتسم، أو يجب أن تتسم، بفكرة ثابتة ومستقرة عن نفسها، وأنها ليست جزءا من حركة التغيير المستمرة (مثل بقية بقاع الأرض). ويحلو لـ"مارين لو بِن" دوما القول إنها إذا فازت في الانتخابات فإن فرنسا ستعود "لتكون نفسَها من جديد". وقد خصَّص "دارمَنان"، سلاح "ماكرون" الرئيسي حين يتعلَّق الأمر باحتواء اليمين، فصلا في كتابه من أجل "مكافحة الانفصالية الإسلامية"، قائلا إنها "حصان طروادة الذي يحمل قنبلة في داخله ستُفتِّت مجتمعنا".

"الانفصالية الإسلامية: بيان من أجل اللائكية"

تصل الاندماجية الفرنسية إلى أقصى حالاتها تطرُّفا ووضوحا في شخص "إريك زِمُّور"، الصحافي والوجه التلفزيوني والإذاعي الذي رشَّح نفسه للرئاسة، وهو ابن لمهاجرين يهود جزائريين، ويتبنَّى "نظرية الاستبدال الكبير" الرائجة بين العنصريين البيض. ويقول "زِمُّور" لأولياء الأمور في فرنسا إنهم يجب أن يُسَمُّوا أبناءهم أسماء فرنسية فقط، ويُحاجي بأن الإسلام في جوهره لا ينسجم مع فرنسا، وتجدر الإشارة إلى أن كتبه من الأكثر مبيعا، ومنها كتاب "الانتحار الفرنسي".

تاريخ اللائكية

تُمثِّل أعوام ثلاثة علامات فارقة دون غيرها في تاريخ اللائكية، وهي 1789 و1905 و1989. لقد أنهت الثورة الفرنسية التي وقعت عام 1789 المقامات الأرستقراطية الموروثة عند الميلاد، ومنذ ذلك الوقت لم تُقِرّ فرنسا سوى بصنفين من الناس، المواطنين والمهاجرين، وهي إحدى ركائز المُثُل الكونية الفرنسية. ورغم الثورة، ظلَّت بعضٌ من بقايا النظام البائد راسخة في مكانها، وبموجب نظام "الكونكوردات" الذي دشَّنه "نابليون" (وأبرم ما يشبه الصُّلح بين الثوريين والكاثوليك عام 1801)*، دفعت الدولة رواتب رجال الدين وامتلكت حق تعيين أساقفة الكنيسة الكاثوليكية. وفي أعقاب هزيمة "نابليون"، عادت فرنسا إلى كنف الملكية مجددا، ولم تُثبَّت أركان جمهورية ديمقراطية مستدامة حتى عام 1870.

ظلَّت المدارس الكاثوليكية طيلة القرن التاسع عشر الوسيلة الوحيدة لحصول العديد من الأطفال الفرنسيين على التعليم، لا سيما في المناطق الريفية، ومن ثمَّ بقي هناك تأثير لكاثوليكية يمينية متَّقِدة ذات ميول ملكية بمباركة من الفاتيكان. وتقف اليوم كنيسة "ساكرِكور" ببناء البازيليكا ذي اللون الأبيض، وقبَّتها الشهيرة التي لا تُخطئها عيْن أعلى هضبة "مونمارتر"، شاهدة على صنيع أولئك الكاثوليك اليمينيين. هذا ودأب الفاتيكان على المطالبة بإعادة الملكية حتى بعد أن بدأ القرن العشرين وانقضت منه فترة لا بأس بها.

في نهاية المطاف، ظهرت إلى النور جمهورية فرنسية حديثة، مركزية وعلمانية في آنٍ واحد. فقد مُدَّت الطرق وخطوط السكك الحديدية التي ربطت البلد بعضه ببعض، وسُحِقَت اللغات المحلية مثل "البريتانية" و"الأُكسيتانية" لصالح لغة فرنسية نُظِّمَت رسميا. وأنشأت الحكومة منظومة مدارس حكومية وأرست التعليم الإجباري، وإن بقيت بعض المدارس الكاثوليكية والأبرشية بطبيعة الحال (ولا يزال بعضها يتلقَّى تمويلا حكوميا).

في مطلع القرن العشرين، بدأ مجلس النوَّاب الفرنسي مناقشة قانونية تمخَّض عنها ما عُرف فيما بعد بقانون العام 1905. ولم يشغل الإسلام بال أحد آنذاك، بل كان الهدف هو الكنيسة الكاثوليكية. وقد أمسك بزمام السلطة حينها ائتلاف من الاشتراكيين والراديكاليين بدعم شعبي واسع وبرنامج مناوئ لرجال الدين ومُناصِر لحماية العُمَّال. قليلة هي القوانين التي أشعلت جدلا محتدما إلى هذا الحدِّ في التاريخ الفرنسي، إذ وقف مشروع الثورة غير المُكتمِل آنذاك وجها لوجه مع القلب الكاثوليكي لفرنسا. في الأخير، انتصرت الحكومة، وضَمَن قانون 1905 حرية الاعتقاد وممارسة الأديان إلا إذا تعارضت مع النظام العام، وخضعت كل المباني ذات الصفة الدينية التي بُنيَت قبل عام 1905 -بما فيها كاتدرائية "نوترِدام"- لملكية الدولة، وأُلغي نظام "الكونكوردات".

أسكت قانون العام 1905 قضية الفصل بين الدين والدولة طيلة قرن تقريبا. أما ما تغيَّر فكانت السياسة والديمغرافيا. فمع نهاية الحُكم الاستعماري الفرنسي في شمال أفريقيا خلال الخمسينيات والستينيات، هاجر مئات الآلاف من الناس إلى فرنسا قادمين من الجزائر وتونس والمغرب. وقد مُنِح اليهود القادمون من المستعمرات الفرنسية السابقة حق الحصول على الجنسية الفرنسية تلقائيا، أما المسلمون فلم يُمنحوا الحق نفسه، وهو مصدر توتُّر باقٍ معنا إلى اليوم. وتُشير التقديرات اليوم إلى أن عدد المسلمين في فرنسا يتجاوز 5 ملايين، ويعيش معظمهم في أحياء منخفضة الدخل خارج المدن الكبرى، وهُم غالبا أجيال تركوا وراءهم البلدان التي هجرتها عائلاتهم، ويكافحون عادة من أجل الترقي الاجتماعي بوصفهم مواطنين فرنسيين.

PARIS, FRANCE - APRIL 09: A woman wearing a headscarf walks past a shuttered brasserie in Pantin on April 9, 2021 in Paris, France. A proposed

French far-right National Front (FN) founder Jean-Marie Le Pen delivers a speech during a May Day ceremony in front of the statue of Jeanne d'Arc (Joan of Arc) in Paris, France, May 1, 2019. REUTERS/Philippe Wojazer
مؤسس الجبهة الوطنية الفرنسية اليمينية المتطرفة جان ماري لوبان

أما التاريخ الثالث فهو 1989، الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية ولحظة الاعتزاز الوطني الشديد. ففي أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، رفضت ثلاث فتيات بمدرسة إعدادية في "كْرَي" (Creil) شمالي باريس أن يخلعن حجابهن، ومن ثمَّ علَّقت ناظرة المدرسة حضورهن مُعلِّلة قرارها بأن الحجاب ينتهك حيادية المجال العام الذي تُمثِّله المدرسة. لقد حضر الإسلام للمرة الأولى إذن في النقاش الوطني حضورا ملحوظا، وصار الحجاب رمزا مرئيا ومختصرا للإسلام السياسي، ويظل كذلك حتى يومنا هذا. وفي العام نفسه، حمل غلاف مجلة "لو نوفِل أوبرزفاتور" الأسبوعية والمؤثِّرة عنوانا نصُّه "العصبية: التهديد الديني"، مع صورة لفتاة بحجاب أسود أسفل العنوان.

سعت الحكومة للحصول على حُكم في هذا الصدد من مجلس الدولة، المؤسسة القضائية الأرفع شأنا في البلاد، وحكمت المحكمة بأن تعبير المرء عن قناعاته الدينية في المدرسة عبر ملابسه مسموح به ما لم يتحوَّل إلى شكل من أشكال "الضغط أو الاستفزاز أو الدعوة (الدينية) أو الدعاية من أجل التأثير (الثقافي)". باختصار، فإن سلوك الفتيات، وليس لباسهن، هو ما يخضع للنظر هُنا. (وبخصوص القضية المذكورة آنفا، تقرَّر أن سلوك الفتيات كان غير سليم، وطُرِدَت الفتيات من المدرسة).

انحسرت القضية لبعض الوقت، حتى اندلعت الانتفاضة (الفلسطينية)* الثانية عام 2000 حين انتفض الفلسطينيون في احتجاجات عنيفة، وتحرَّك الكثير من مسلمي فرنسا تضامنا معهم. ثمَّ أتت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بعد عام واحد، وما تبعها من غزو أميركي لأفغانستان. وفي ربيع العام 2002، تفجَّرت المفاجأة بنجاح "جان ماري لو بِن"، والد "مارين لو بِن"، في الوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية رفقة حزبه "الجبهة الوطنية"، وهو الحزب الغارق في معاداة السامية وكراهية المهاجرين المسلمين. وقد اتحد اليمين واليسار لعرقلة "لو بِن" حينئذ، فانتُخِب "جاك شيراك" رئيسا. وبعد عام آخر، أتى غزو الولايات المتحدة للعراق الذي عارضته فرنسا بشدة. ولا تزال مآلات الحرب، وما تلاها من عنف وفوضى، تُعيد تشكيل أوروبا، فبعد سنوات من هجرات المسلمين القادمين من الشرق الأوسط إلى أوروبا، ظهرت في فرنسا وغيرها من بقاع القارة مشاعر مُعادية للمهاجرين ونزعات قومية مُعادية للأجانب.

طغى تهديد "لو بِن" على ذهن "شيراك"، فعيَّن عام 2003 لجنة من عشرين عضوا تحت قيادة "برنارد ستاسي"، المفوَّض الحكومي، لإعادة النظر في متطلبات اللائكية. وأصدرت لجنة ستاسي تقريرا كانت توصيته الأساسية حظر الرموز الدينية "الصريحة" في المدارس الفرنسية. لقد أصبحت قطعة قماش -هي الحجاب- خطا أحمر. شارك المؤرِّخ "باتريك وَيل" في لجنة ستاسي، وقد تحدَّثت معه مؤخرا عن بعض من النقاشات التي دارت داخلها، فقال لي إن المخاوف آنذاك انصبَّت على الإخوان المسلمين وترويجهم للحجاب ضمن جهود استقطاب الأعضاء إلى صفوفهم في المقاطعات والمدن. بيد أن تخويل نُظَّار المدارس سُلطة البتِّ في مسألة الحجاب، ومتى يصبح تعبيرا سياسيا لا محض فريضة دينية، كان أمرا غير واقعي، ومن ثمَّ آل الأمر إلى الحظر التام. كانت الفكرة هي إعلان المدارس مساحة محايدة للحيلولة دون إجبار الفتيات اللائي هُن في عُمر الدراسة على ارتداء الحجاب كما قال "وَيل": "لقد كان الهدف حماية من لا يرتدينه.. لم يكُن قانونا ضد الحجاب، بل قانونا ضد الضغط الديني". أيًّا ما كانت النيَّات، فإن القانون أشعر مسلمين كثيرين بالتمييز ضدهم كما كان متوقَّعا.

كان المؤرِّخ "جان بوبيرو"، الذي ألَّف كتابا من عدة مجلَّدات عن قانون 1905 في فرنسا، هو عضو اللجنة الوحيد الذي امتنع عن التصويت. وقد أخبرني "بوبيرو" أن اللجنة لم تتحدَّث إلا مع بضع نساء مسلمات متديِّنات، وأنه رأى بأن الحُكم الأصلي لمجلس الدولة -الذي نصَّ على أن سلوك الفتاة لا لباسها هو مربط الفرس في القضية- كان حريًّا أن يُعتمد قانونا، لكنه أيقن أن الكفة لن ترجح لصالحه. "إنه ما أراده شيراك"، هكذا قال "بوبيرو"، وهو رجل بروتستانتي للمفارقة في بلد تغلب عليه الكاثوليكية، مُضيفا: "أنا أعرف جيدا ماذا يعني أن تكون أقلية دينية".

يُعَدُّ حظر نوع من اللباس المرتبط بدين معيَّن انتهاكا صريحا للتعديل الدستوري الأول في الولايات المتحدة، أما في فرنسا فقد مرَّ الحظر بسهولة عبر مجلسَيْ النوَّاب والشيوخ، رغم الالتباس المستمر حيال قواعد اللباس الديني خارج المدرسة (ناهيك بتعريف ماهية اللباس الديني في المقام الأول). وقد ذهبت الحكومة إلى ما هو أبعد من ذلك عام 2011، حين حظرت شتى صنوف غطاء الوجه مثل النقاب والبرقع.

قليلة هي الأشياء التي تُثير احتقانا في فرنسا أكثر مما يفعل اللباس الديني للمسلمات الملتزمات. ففي عام 2016، حاول حُكَّام يمينيون لعدد من المدن الساحلية جنوبي فرنسا أن يحظروا ارتداء "البوركيني"، ثمَّ ألغت محكمة فرنسية ذلك القرار، ولكن بعد أن انتشرت على الإنترنت صور مضايقات الشرطة الفرنسية للنساء المسلمات على الشواطئ، وهو ما أثار غضب المجتمع المسلم في فرنسا. وفي عام 2018، قامت الدُّنيا ولم تقعد حين ظهرت قائدة مجموعة طلابية في مقابلة تلفزيونية مرتدية حجابها، رغم أنه ما من سند قانوني لحظر ارتداء الرموز الدينية داخل الحرم الجامعي، حيث يُنظَر إلى طلاب الجامعات بوصفهم بالغين وقادرين على الاختيار بحرية. وفي العام التالي، سحبت "دِكاثلون"، وهي سلسلة محال لمنتجات الرياضة، حجابا رياضيا من على أرفف متاجرها بعد أن أثار ضجة. هذا وحظرت بعض المسابح العامة في فرنسا البوركيني بالفعل، مُعلِّلة قرارها بالإشارة الحذِرة إلى مخاوف عامة مثل النظافة.

70th Cannes Film Festival - Cannes, France. 27/05/2017. Businessman and political activist Rachid Nekkaz poses with Karima, wearing a full-body burkini swimsuit, on a beach in Cannes after his call to support the wearing of burkinis. REUTERS/Eric Gaillard
رجل الأعمال والناشط السياسي رشيد نكاز يقف مع كريمة ، مرتدية ملابس السباحة البوركيني بكامل جسدها ، على شاطئ في مدينة كان بعد دعوته لدعم ارتداء البوركيني

لست لائكيا بما يكفي!

France's President Macron meets Greek Prime Minister Kyriakos at the Elysee Palace in Paris (REUTERS)

في خضم مناقشته لقانون مكافحة الانفصالية، أمضى مجلس الشيوخ الفرنسي ساعات طوال لمناقشة التعديل الذي أمكنه أن يمنع النساء من ارتداء الحجاب وهُن يرافقن الطلاب في الرحلات المدرسية، وقد اعترض حينئذ نائب اشتراكي قائلا: "أمضينا ثلاث ساعات نناقش الحجاب، ثمَّ ثلاث ساعات من أجل البوركيني".

يسهُل على الناس أن يتفاعلوا مع حظر الحجاب أكثر من أن يلحظوا ما يطرأ من تغييرات على آليات الحُكم التي قد تؤدي إلى مآلات أبعد أثرا. فقد وضع القانون الجديد قيودا أشد على دُور العبادة، وبات لزاما الآن على بعضها أن يتقدَّم بطلب كل خمس سنوات لتجديد التصريح الخاص به. ومن أجل مواجهة الإسلام العنيف، وضع القانون أيضا ضوابط أكثر صرامة على التمويل الأجنبي الذي يأتي من الخارج للكيانات الدينية، كما فرض على المنظَّمات الدينية توقيع "ميثاق للمبادئ الجمهورية" يقضي بالالتزام بمساواة الرجال والنساء ونبذ التمييز ضد الناس على أساس ميولهم الجنسية. أتى كُل ذلك جزءا من جهد حكومي لخلق "إسلام خاص بفرنسا" كما اقترح "حكيم القروي" وغيره.

لقد صارت اللائكية قضية انتخابية قبيل الانتخابات الوطنية المنتظرة هذا العام. ففي فبراير/شباط الماضي، خاض "دارمَنان" وزير الداخلية مناظرة مع "مارين لو بِن" واتهمها بأنها متساهلة بخصوص اللائكية. ولطالما كان لحزبها اليميني (السابق)* مواقف تقليدية ناقدة للائكية لأنها قلَّصت من سلطات الكنيسة الكاثوليكية، كما أن أباها يُنكِر المحرقة النازية (الهولوكوست)، وتحدَّث عن فرنسا سابقا بوصفها "أمة مسيحية". لكن "مارين" قامت بنقلة نوعية في خطابها، موقنة بأن مصطلح اللائكية بات سلاحا في وجه المسلمين ومسألة الهجرة. ومن جهته، دفع "إريك زِمُّور" بالجدل إلى اليمين أكثر من ذي قبل بتأكيده أنه ما من فرق بين الإسلام والإسلام السياسي.

بيد أن اللائكية قضية عابرة لأي تقسيمات تقليدية بين اليمين واليسار. ورغم أن الكثير من النسويات الفرنسيات يرَيْن في الحجاب وغيره من أشكال اللباس التقليدي رمزا للخضوع، ويرَيْن في اللائكية وسيلة للتحرُّر، فإن المسألة أعقد من ذلك. لقد أجريت حديثا مطوَّلا مع "يُسرَى"، طالبة شابة بجامعة خارج باريس (وطلبت مني ألَّا أُفصِح عن اسمها الأخير لحماية خصوصيتها)، وهي تُمثِّل وجهة نظر غابت تماما عن نقاش اللائكية في فرنسا. إنها امرأة مسلمة اختارت أن ترتدي الحجاب (خارج المدرسة) منذ كان عُمرها 16 عاما، وقالت: "لقد قبلت عدم ارتدائه في المدرسة لأن تلك هي الجمهورية"، كما أخبرتني أنها لم يسرُّها نظر الرجال لها من أعلى إلى أسفل بينما مشت في شارعها، وأن ارتداءها الحجاب ولباسها المحتشم كان سبيلا لاسترداد قوتها. "لم يكُن خضوعا، بل كان ثباتا مني في حقيقة الأمر". في بلد لم يعرف حتى وقت قريب سِنًّا قانونية لممارسة الجنس بالتراضي (15 عاما حاليا)، يُحظَر الحجاب في المدارس الثانوية التي تنتهي حالما يتم المرء 18 عاما.

تُجسِّد تجربة "يُسرَى" لي الكثير من تناقضات فرنسا الحديثة. فالحجاب نفسه الذي تضعه "يُسرَى" باعتباره ثباتا شخصيا ونوعا من الحماية لنفسها، تراه الدولة استفزازا سياسيا. وكما كتبت المؤرِّخة "جوان والَّاخ سكوت"، فإن المعارك المُجرَّدة حول اللائكية -"بين الجمهورية والدين، وبين الحداثة والتراث، وبين العقل والخرافة"- تُعَدُّ من ناحية ملموسة معارك حول أجساد النساء.

من ناحية الجغرافيا السياسية، تلامس اللائكية موضوعا آخر. لقد أصرَّ "ماكرون" و"دارمَنان" على أن فرنسا لا تخلط بين الإسلام و"الإرهاب الجهادي". غير أن قانون مكافحة الانفصالية يتناول مباشرة قضايا الأمن القومي والقيم الوطنية. وتعتقد "دومينيك شْنابِر"، عالِمة اجتماع معروفة، أن فرنسا يجب أن تؤكِّد قناعاتها الديمقراطية، بما في ذلك اللائكية، بوجه الدول الاستبدادية الصاعدة مثل روسيا وتركيا وإيران والهند والصين. وتمتلك "دومينيك" نَسَبا مثيرا، فهي ابنة "رَيموند آرون"، الفيلسوف الفرنسي الذي خاض معارك فكرية مع "جان بول سارتر" ومقته المفكرون الماركسيون في فرنسا. وقد كتبت "دومينيك" إليَّ مؤخرا قائلة: "إن تجربة الثلاثينيات تكشف لنا أن الانصياع لمطالب أعدائنا والبحث عن الحلول الوسط ليس سبيل الديمقراطية لإنقاذ نفسها، بل السبيل هو تأكيد قيم الديمقراطية وأن نُبدي استعدادا للقتال من أجل الدفاع عنها".

"رَيموند آرون"، الفيلسوف الفرنسي الذي خاض معارك فكرية مع "جان بول سارتر" ومقته المفكرون الماركسيون في فرنسا.

شتَّان بين التفوُّه بمقولات رنَّانة عن اللائكية والتعاطي مع مآلاتها على الأرض. لقد شاهدت أثناء الربيع الماضي حديثا بواسطة تطبيق "زووم" قدَّمه "جان لويس بيانكو"، الذي ترأس حينئذ هيئة حكومية اسمها "المرصد الوطني للعلمانية" أُنشِئت في ظل رئاسة "فرانسوا أولاند" عام 2013 لمساعدة المسؤولين والشركات والمواطنين كما بدا على فهم ما يعنيه فصل الدين والدولة عمليا في مواقف بعينها. هل يحتاج معتنقو السيخية إلى ارتداء قبَّعات صلبة على رؤوسهم في مواقع عملهم حتى إذا لم تتسع القبَّعات للعِمَم الخاصة بهم؟ (الإجابة نعم). هل تستطيع امرأة مُسلمة تعمل في توصيل الأطعمة الجاهزة أن ترفض تقديم لحم الخنزير؟ (الإجابة أنها منوطة بالالتزام بشروط عقد عملها). هل يُسمح لمسيحي إنجيلي أن يُوزِّع منشورات من كنيسته في مقر عمله؟ (الإجابة لا، لأن ذلك يُخلُّ بحرية الاعتقاد لزملائه).

أخبرني "بيانكو" أنه أمضى وقتا لا بأس به أثناء الربيع الماضي مُجيبا عن أسئلة حول تطبيق اللائكية في مراكز التطعيم ضد الكوفيد، وإحدى القضايا التي أطلَّت برأسها كانت هل يُسمح للمسلمات بارتداء حجابهن أثناء تلقيهن اللقاح أو قيامهن بتطعيم غيرهم؟ تُواجه فرنسا اليوم معدَّل وفيات مرتفعا (بسبب الوباء)، وتيارا ملحوظا يرفض التطعيم في صفوف العاملين بقطاع الصحة، وخسائر اقتصادية جسيمة، غير أن مسؤوليها وجدوا الوقت للانخراط في سجالات مُستفيضة حول اللائكية.

حلَّت حكومة "ماكرون" مؤخرا مرصد العلمانية بعد اتهامات بأنه متساهل أكثر من اللازم حيال اللائكية، ويجري حاليا استبدال المرصد لصالح كيان جديد. وحتى مع ذلك التزمُّت، فإن تطبيق القانون من جانب الحكومة أحيانا ما يكون أقل تعنُّتا عمليا من النظرية. لا تجمع الحكومة الفرنسية رسميا بيانات دينية أو إثنية أو عِرقية (عن مواطنيها)*، لكن القانون الفرنسي يُقِرُّ بوجود جرائم الكراهية، ما يستتبع فعليا الاعتراف الرسمي بالاختلافات الدينية والإثنية. ولأن قانون 1905 يضمن أيضا حرية ممارسة المرء لدينه، تستجلب الدولة رجال الدين من أجل مواطنيها في سياقات مؤسسية معيَّنة، مثل الجيش والمستشفيات والسجون. ولا يقتصر الأمر على حق جنود القوات المسلحة الفرنسية في أداء فريضة الحج إن كانوا مسلمين، وحقهم في الحج إلى "لوُرد" إن كانوا كاثوليك (بلدة في أقصى جنوب فرنسا بها ضريح كاثوليكي شهير يقصده الكاثوليك من كل مكان)*، بل وتُقدِّم الحكومة الفرنسية لهُم الدعم المالي للقيام برحلات الحج تلك عبر رجال الدين المنوطين بالعمل في المؤسسة العسكرية.

اللائكية والديمقراطية وجها لوجه

epa07986570 A woman in headscarf holds a poster reading 'France is my country, Veil is my Liberty', as People and members of anti-racism associations gather to protest against Islamophobia at the Gare du Nord in Paris, France, 10 November 2019. Protesters gathered to protest against the anti-Muslim acts in France. The demonstration was called by the Collective Contre l’Islamophobie in France (CCIF), following an attack against a mosque in Bayonne on 28 October where an attacker killed two people that tried to stop him from setting a fire at the doors of the mosque. EPA-EFE/CHRISTOPHE PETIT TESSON
epa08003916 Members of far right group Generation Identitaire (GI), march behind a banner reading 'Face Islamists, Defend France' during a demonstration against 'Islamization and terrorism' in Paris, France, 17 November 2019. 'Generation Identitaire' group is known to organize actions against migrants or the Muslim community in France. EPA-EFE/CHRISTOPHE PETIT TESSON
أعضاء الجماعة اليمينية المتطرفة يسيرون خلف لافتة كتب عليها "واجه الإسلاميين، دافع عن فرنسا" خلال مظاهرة ضد "الأسلمة والإرهاب" في باريس

في خطاب لها العام الماضي، دشَّنت "مارلِن شيابَّا"، وزيرة المواطنة بحكومة "ماكرون"، سلسلة من الاجتماعات الوطنية عن اللائكية. وكأنما أرادت أن تُفصح عن نيَّاتها بصورة استباقية، ألقت الوزيرة خطابها في موقع اختير بعناية ليُرسل رسالة خفية: كنيسة (سابقة) في قلب باريس انتفت صفتها الدينية وتحوَّلت إلى متحف لتاريخ العلوم اليوم. على ما يبدو إذن أن أحدا لا يسعه أن يقاوم استغلال الرموز لكي يُثير الاستفزاز.

لقد استشرى الخوف من أن تكون فرنسا قد ضلَّت طريقها في معظم أشكال الخطاب السياسي الحالي، سواء على يمين أو يسار الطيف السياسي. والحقيقة هي أن فرنسا، مثلها مثل الولايات المتحدة، واحدة من أعقد نُظم الحُكم التعددي والمتعدد الإثنيات على وجه الأرض، فهي بلدُ هجرة، وديمقراطية مُزدهرة تكفل حرية الاعتقاد وحرية التعبير لـ67 مليون شخص يعيشون في تناغم بدرجة كبيرة، ويشمل ذلك أكبر مجتمع مسلم وأكبر مجتمع يهودي في أوروبا، وعلى الأرجح فإن فرنسا تمتلك المجتمع المسلم الأكثر علمانية في العالم. ولكن لأن التهديد الإرهابي يظل مرتفعا، ولأن فرنسا تسير نحو استحقاق انتخابي، فإن طيفا من القضايا المنفصلة (حرية العبادة وحرية التعبير والهوية الوطنية وتطبيق القانون) تجتمع معا في مقولات مضطربة ومُتشنِّجة، ومؤذية عادة، حول ماهية أن يكون المرء (أو الشيء) فرنسيا.

ترى المؤسسة الرسمية في فرنسا اللائكية ركنا أصيلا من أركان الكونية والجمهورية، وسبيلا للحيلولة دون التشرذم الاجتماعي. وتكشف الاستطلاعات عن أن معظم الناس في فرنسا يرون في اللائكية أساسا مهما، ولكنها تكشف أيضا عن انقسام بين الأجيال، إذ إن المواطنين الأصغر سِنًّا من كل الأديان أكثر تديُّنا من أولئك الأكبر سِنًّا، ويُبْدون أريحية أكبر في ارتداء اللباس والرموز الدينية في الأماكن العامة، وفي الإفصاح عن هوياتهم على الطريقة الأميركية. لقد أصبح للكونية الفرنسية نُسختها الخاصة جدا من الخصوصية المنافية للكونية، ولربما يُحدِث التزام صلب باللائكية كهذا شروخا عدة بقدر ما يُحدِث من التئامات. وإن كان لتاريخ الأديان أن يكشف لنا شيئا، فهو أن محاولات كَبْتِه تُفضي دوما إلى تثبيت عزائم المؤمنين.

ثمَّة توتُّر بين التعددية والوحدة يكمُن دوما في قلب كُل حُكم ديمقراطي، وهو توتر ليس بجديد، لا سيما حين يتعلَّق الأمر بمسائل الدين. لقد واجهت الدول الاستبدادية تلك المُعضلة أيضا، ولنرجع بذاكرتنا إلى الرومان والعثمانيين والهابسبورغ. لكن التوتُّر عصي على الحل خاصة في الدول الديمقراطية، حيث يمتلك الناس القوة ويمارسونها في تجمُّعات، وهُنا يصبح ضبط الموازين بين التعددية والوحدة امتحانا للديمقراطية الليبرالية ذاتها، ولشرعيتها وقدرتها على مواصلة عملها.

إن التوتُّرات التي نراها على المستوى الوطني تتجلَّى عند معظمنا في داخلنا نحن الأفراد، وأنا أعي بها في داخلي بنفسي. فحين أعود إلى الولايات المتحدة أو أنظر لها من بعيد، أعشق فيها التعبير المُتدفِّق عن الثقافات والمعتقدات في المجال العام. ولكن يصعُب أن يرى المرء ما الذي يحول دون التشرذُم على المدى البعيد، في وقت صُمِّمت فيه الحكومة الأميركية لتكون لا مركزية. لم تعُد المدارس تُخصِّص أوقاتا طويلة لتدريس التربية المدنية (Civics)، وصارت الأصوات الأعلى التي تُقرِّر ما هو أميركي وما ليس أميركيا (أو ما يجب ألا يكون أميركيا) هي الأصوات الأقبح عادة التي تنضح بقومية مُضادة للمهاجرين.

حين أنظر إلى فرنسا، لا أستطيع منع نفسي من الإعجاب بنظام تعليمي يحاول على الأقل أن يمنح الجميع تأسيسا مشتركا في المبادئ الأساسية للحياة الوطنية. وفي وقت جرت فيه خصخصة كُل شيء، من خوض الانتخابات إلى شن الحروب، من المفيد أن يُذكِّرنا أحدهم بأن هناك شيئا مهما اسمه "المجال العام" يتجاوز اقتصاد السوق، وأنه شيء علينا حمايته. في فرنسا، بوصفها ذلك البناء الديكارتي (نسبة إلى "ديكارت" وأفكاره المنطقية وأساليبه الرياضية الميكانيكية)*، هنالك مكان في الحديقة لكل وردة تقبل بالتصميم المحيط بها، ولكن كما تُبرهن لنا اللائكية، فإن النظام الرسمي يمكن أن يكون جامدا وقاسيا. إن الأفراد والجماعات مُقيَّدون بالقانون في فرنسا بطرق لا مثيل لها في ديمقراطيات أخرى، وفي فرنسا أيضا يُنتظر من الأفراد أن يكبتوا أجزاء جوهرية من ذواتهم في الحياة العامة. لعل الفرنسيين أكثر تعدُّدية ثقافيا على أرض الواقع مما هو منصوص عليه نظريا، غير أن النظرية لها ثقلها في نهاية المطاف.

إن "ماكرون" مُحِقٌّ في قوله إن ثمَّة معركة وجودية جارية اليوم، بيد أن الحرب الأكبر تتعلَّق بالديمقراطية نفسها، وهي حرب تُشَنُّ على أرض أكبر بكثير من فرنسا.

epa02666288 A French muslim woman holds a banner reading 'the veil in front of your eyes is much more dangerous than the veil on my hair' during a demonstration called by the Collective Cheikh Yassine organisation against islamophobia in Paris,...
امرأة مسلمة فرنسية تحمل لافتة كتب عليها "الحجاب أمام عينيك أخطر بكثير من الحجاب على شعري"

………………………..

*ملاحظات المترجم

---------------------------------------------------------------

هذا المقال مترجم عن the atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: نور خيري.

المصدر : مواقع إلكترونية