المتحدثة باسم الخارجية القطرية: علاقاتنا مع تركيا وإيران ممتازة ونحتاج إلى وقت لبناء الثقة مع دول الرباعي

لم تمر أيام على اتفاق العلا في الرياض، الذي تُوِّج بمصالحة خليجية، حتى طفت أسئلة كثيرة على السطح، حول توقيت المصالحة وأسبابها، والدوافع التي تقف خلف تحرُّك كل الأطراف، ولأن التحليل قد يأخذنا بعيدا في محاولة تفسير الأمر، حاولنا في "ميدان" عبر مقابلة خاصة مع مساعدة وزير الخارجية القطري والمتحدثة باسم الخارجية سعادة السيدة لولوة الخاطر أن نتلمس الأمر من زاوية دولة قطر، وكيف تنظر لهذا الاتفاق وما يحيط به من تساؤلات وعناصر تهديد.

 

  • ميدان: كيف انتقل الخليج من هامش الفعل السياسي العربي إلى مركزه؟

الخاطر: مما لا شك فيه أن الأزمة الخليجية أثّرت بشكل كبير على العمل العربي المشترك، لكن هل الأزمة الخليجية وحدها هي التي أسهمت في ذلك أم هناك عدة عوامل تضافرت على ذلك؟

 

هذا السؤال لا بد أن يُطرح، وأظن أن المسألة جاءت تراكمية، للأسف هناك عدد من العواصم العربية التي قادت الرأي العام تاريخيا بسبب ملابسات وظروف معينة، أحيانا كانت حروب وغيرها من العوامل، أدى ذلك إلى انكماش دورها إلى حدٍّ كبير، لكن لا نستطيع أن نقول إن الأزمة الخليجية تحديدا كانت هي السبب في ذلك، لكنها كانت نتيجة لحالة من التحلل في الحياة السياسية العربية عموما.

 

  •  ميدان: هل يمكن نسب هذا الصعود السياسي للخليج للمال فقط؟

الخاطر: مما لا شك فيه أن الجانب الاقتصادي عنصر مهم جدا، لو أخذنا الساحة الدولية على سبيل المثال، أهم اللاعبين السياسيين هم بالضرورة لاعبون اقتصاديون بشكل كبير، وبالتالي من الصعب الفصل بين الملفات السياسية والاقتصادية عندما نتكلم عن مجالات التأثير، لكن مما لا شك فيه أيضا أن الجانب الاقتصادي وحده، دون وجود رؤية تدعمه، من الصعب أن يلعب دورا فاعلا.

 

  • ميدان: بعد أكثر من ثلاث سنوات.. لماذا الآن تحديدا نشهد رفعا للحصار ومصالحة؟

الخاطر: ما وصلنا إليه في حالة المصالحة في قمة العلا كان نتيجة تضافر عدد من العناصر كذلك، لا شك أن الوساطة الكويتية المقدرة جدا من جانبنا، وأظن من جانب الدول الأخرى كذلك، لعبت دورا كبيرا وأسهمت بشكل فعال، لكن هناك عوامل أخرى أيضا. في السنة الماضية على سبيل المثال؛ وجود جائحة كورونا، الأزمة الاقتصادية الدولية، لا شك أن هذه العوامل أدت إلى حالة يمكن أن نطلق عليها: حالة من الوعي والإدراك أن العمل العربي والعمل الخليجي المشترك هو ضرورة في ظل هذه الأزمات التي يشهدها العالم، بالإضافة إلى حقيقة لا يمكن لأحد أن يُنكرها، وهي أن أزمة الخليج ليس لها أي حسنة واحدة عندما نتحدث على مستوى المنطقة كلها، وبالتالي هي كانت حالة خسارة للجميع، (Lose lose situation) كما يقول التعبير الإنجليزي، إذ كانت عبارة عن خسارة لكل الأطراف.

 

  • ميدان: المناخ العام يوحي بنهاية الخلافات الخليجية.. فهل بالفعل انتهت الخلافات، أم انتفى ما يمنع النقاش حولها؟

الخاطر: هي خطوة مهمة جدا على الطريق الصحيح، لكن مما لا شك فيه أنه يجب أن تتلو هذه الخطوة خطوات أخرى كثيرة. لا بد من التركيز على المساحات المشتركة، هناك الملفات الاقتصادية العالقة، هناك كذلك تحذيرات صحية، هناك طموحات على مستوى الثقافة والتعليم، لا بد أن نبني على هذه المساحات المشتركة. مساحات الخلاف والاختلاف ستظل دائما موجودة في أي منظومة بالمناسبة، لو نظرنا إلى الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، لكن السؤال؛ ما الآليات التي من خلالها يمكننا أن نُدير اختلافاتنا دون أن نسهم في التأثير على الملفات الأخرى الحيوية؟

 

  • ميدان: أغلب القطريين يتحدثون عن مكاسب الحصار.. كيف يمكن قراءة الحصار من زاوية المكاسب؟

الخاطر: لا بد في البداية أن نُرسي حقيقة أن الحصار والأزمة الخليجية لم تكن خيارنا، ولا يمكن أن تكون تفضيلنا، هذه الحقيقة لا بد أن نقر بها، أما وقد قلنا ذلك؛ فمما لا شك فيه أن قطر تعاملت مع هذا الحصار على أنه واقع، والحقيقة أنها نهضت إلى مستوى التحدي، وحقّقت عددا من المكاسب، منها على سبيل المثال تعزيز دورها بوصفها أهم مصدري الغاز المسال في العالم.

 

 

نحن زدنا تصديرنا من 77 مليون طن سنويا إلى أكثر من 110 مليون طن، هذا هو الطموح الذي سنصل إليه، وهذا يُمثِّل نحو 33% من السوق العالمي للغاز المسال، هذه مسألة. هناك أيضا تنويع سلاسل التوريد بالنسبة لدولة قطر، وهذا مكسب آخر. ودولة قطر اليوم أصبحت رقم واحد في المنطقة العربية فيما يتعلق بالأمن الغذائي.

 

الإقرار بكل هذه المكاسب مرة أخرى لا يعني أن الأزمة الخليجية هي تفضيلنا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يجعلنا نتناسى الأثر الإنساني والمجتمعي على المجتمعات في دول مجلس التعاون.

 

  • ميدان: ما كلفة الحصار السالبة على دولة قطر؟

الخاطر: الخسائر فيها مستويات، طبعا هناك خسائر على المستوى المجتمعي، العمل المشترك بشكل عام وأمن المنطقة كلها. إذا كان الحديث عن خسائر اقتصادية لدولة قطر، فمما لا شك فيه أنه في بداية الحصار كانت تكلفة الاستيراد مضاعفة عن الأسعار الطبيعية، ولكن ولله الحمد، خلال شهور استطاعت قطر العودة إلى الأسعار الطبيعية، والأهم من هذا وذاك أن الدولة تحملت هذه التكاليف بحيث لا يتحملها مَن يسكن دولة قطر، ولا يشعر بها المستهلك العادي.

 

  • ميدان: بناء على التجارب السابقة من 1996 وحتى اليوم، كل أزمة كانت أسوأ من سابقاتها.. فما الذي يمنع تكرار هذه الأزمة بشكل أسوأ؟

الخاطر: الضمان حقيقة هو العمل المشترك والمستمر، وكان هناك حديث واضح جدا فيما يتعلق بالوثيقة التأسيسية لمجلس التعاون، التي تنص على عدد من الآليات، منها آليات فض النزاع. وعليه، وبناء على هذه المعطيات، نحن متفائلون بالنسبة للمستقبل. وكان الحديث كذلك عن محاولة حل المسائل والملفات العالقة على المستوى الثنائي، وهذه نقطة مهمة، وأعتقد أنها تُمثِّل تغيُّرا جوهريا مما رأيناه على سبيل المثال بعد إنهاء الأزمة الخليجية في عام 2014.

 

  • ميدان: تردد مصطلح "التفاهمات الثنائية" بعد اتفاق العلا.. فما المقصود به تحديدا؟ 

الخاطر: هذا يعني بشكل عملي جدا أننا تجاوزنا مرحلة دولة قطر أمام ما يسمى دول الرباعي، وهذا يعني أنه بعد قمة العلا ستُؤسَّس لجان فنية على مستوى ثنائي بين الدول المختلفة. فإذا كانت هناك مسائل عالقة، فستُناقش على هذا المستوى الثنائي. إذا كان هناك ما يخص دول الخليج كلها أو منظومة مجلس التعاون، فحينها ستُناقش في إطار آليات مجلس التعاون.

 

  • ميدان: بالرغم من الحماسة السعودية، نشاهد فتورا نحوها من بقية الدول.. هل لهذا علاقة بمشكلات عالقة؟

الخاطر: الحقيقة ما نريد أن نُركِّز عليه هو الجانب الإيجابي، ما رأيناه من جانب المملكة العربية السعودية كان مؤشرات في منتهى الإيجابية، وتلا ذلك أيضا عدد من الخطوات العملية.

 

ما نعرفه أن المملكة العربية السعودية تُمثِّل بقية الدول، ولذلك نحن مطمئنون إلى هذه المسألة، وإذا كانت هناك قضايا تُثار إعلاميا هنا وهناك، فقرارنا الإستراتيجي هو عدم إفساد مسار المصالحة واعتبار مثل هذه المسائل مجرد مسائل هامشية.

 

  •  ميدان: تحدث السيد أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية عن أن استعادة الثقة مع قطر ستستغرق وقتا، ووضع لها شروطا كالموقف من تركيا وإيران.. فهل الإمارت أبلغتكم رسميا بهذه الشروط؟ وما تعليقكم على هذا التصريح؟

الخاطر: الإمارات العربية المتحدة لم تُناقش هذه المسائل، المملكة العربية السعودية هي التي كانت تُمثِّل جميع الدول في هذا النقاش، ولم يُتطرَّق للسياسة الخارجية لأي دولة من الدول، بل على العكس من ذلك، كان الحديث عن مجموعة من المبادئ، منها مبدأ عدم التدخُّل.

 

لكن أعود إلى نقطة مهمة أيضا، إننا بالتأكيد في دولة قطر، كون الدولة والشعب القطري تعرّضوا للحصار في شهر رمضان المبارك، سنحتاج إلى وقت لإعادة بناء الثقة، فهذه مسألة لا بد من لفت النظر إليها.

 

النقطة الأخرى فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران أو العلاقة مع تركيا، طبعا هي علاقات ممتازة وطيبة، ونحن نُقدِّر أيضا مَن وقف إلى جانبنا أثناء الأزمة الخليجية وحصار دولة قطر، وهذه المسألة معلومة لدى الجميع، لكن لا بد من الإشارة إلى أنه في تصريحات وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي نفسها، تحدث أيضا عن رغبتهم في وجود علاقات طيبة وإيجابية مع تركيا، وهذا أمر يسعدنا، لأننا نريد أن نرى حالة التوافق في المنطقة كلها. وفيما يتعلق بإيران، فمما هو معلوم أن الإمارات العربية المتحدة لديها الحصة الأكبر في الميزان التجاري ما بين دول الخليج وإيران، وبالتالي هذه مساحة وأرضية جيدة للبناء عليها في الوصول إلى صيغة توافقية.

 

  • ميدان: إسقاط القضايا كدولة تجاه الدول الأطراف كان من بنود إعلان العلا.. فهل ينسحب ذلك على الأفراد القطريين الذين يرفعون قضايا بسبب تضررهم؟

الخاطر: معظم القضايا التي رفعتها دولة قطر في المنظمات الدولية المختلفة هي مرتبطة بإجراءات موجودة على الأرض، فإذا رُفعت هذه الإجراءات، فلا يوجد لها أساس قانوني. بالتالي النتيجة الطبيعية هي في البداية تجميد هذه القضايا، ثم إلغاؤها.

 

هذا فيما يتعلق بالقضايا الحكومية، أما إذا كانت هناك قضايا أفراد فهي قضايا خاصة.

 

  • ميدان: بعد تأكيد وزير الخارجية في لقاء الجزيرة عدم وجود أي تغيير في العلاقة مع إيران.. هل يمكن أن تلعب قطر دور وساطة لخفض التوتر بين إيران ودول الخليج الفترة القادمة؟

الخاطر: في نهاية عام 2019 وبداية 2020 اشتعلت أزمة ما بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وللأسف كان العراق الشقيق ضحية لهذه الأزمة. لعبت دولة قطر حينها دورا فعالا مع عدد من الدول الأخرى لنزع فتيل الأزمة، ولله الحمد تم هذا الأمر.

 

وعليه، نحن مستعدون للعب مثل هذا الدور في المستقبل. لكن واحدة من القواعد الذهبية لدخول دولة قطر في أي وساطة هي دعوة الأطراف المختلفة، لأنه إذا لم تكن هناك دعوة من الأطراف المختلفة فإن عناصر نجاح الوساطة لا تكون موجودة.

ربما تكون ميزة قطر بالنسبة لعدد من الدول هي قدرتها على الحديث إلى كل الأطراف مع إدراكهم أنه ليس لدولة قطر أية مصالح في مثل هذه الوساطات.

 

  •  ميدان: هل يمكن أن تشهد الفترة القادمة مشاريع اقتصادية كبيرة بين قطر والسعودية ترسخ هذه المصالحة؟

الخاطر: يجب ألا ننسى أن مجلس التعاون منظمة لديها أيضا قائمة من المشروعات الاقتصادية. كان الحديث بالأساس عن تفعيل مثل هذه المشروعات ومثل هذا التعاون الاقتصادي، وما رأيناه حتى الآن علامات مبشرة جدا. إننا لا نرى ما يمنع حدوث مثل هذا في المستقبل، لكن أظن الأولوية ستكون للمشروعات المرتبطة بمجلس التعاون كما هو.

 

  • ميدان: كيف يمكن للشباب الخليجي استثمار هذه الأجواء الإيجابية لتجاوز الماضي والتشارك بصناعة مستقبل للمنطقة؟

الخاطر: واحدة من المسائل التي لا أنساها في بداية الحصار، في الشهور الأولى وكنت حينها في المملكة المتحدة، معرض فن تشكيلي شارك فيه فنانون تشكيليون من كل دول الخليج. كانت رسالتهم حينها أن الفن يتجاوز حدود السياسة. والحقيقة أننا وجدنا كثيرا من الشباب الخليجي إدراكه ووعيه ربما تجاوز إدراك كثير من المخضرمين في السياسة، وهذا لا يمنع أن هناك قطاعات تأثرت بالفعل.

 

نقول لهذه القطاعات: الخيارات الإستراتيجية في الحياة لا بد أن ترتبط بالثوابت لا المتغيرات، وفي السياسة متغيرات كثيرة، لذلك يجب أن نركز على المساحات المشتركة بيننا بشكل عام، وأظن أن المستقبل إن شاء الله يحمل الكثير للشباب الخليجي.

 

  • ميدان: هل يمكن أن تسهم المملكة العربية السعودية في إنجاح بطولة كأس العالم؟

الخاطر: بالنسبة للمملكة العربية السعودية، أولا هناك المنتخب السعودي، وهو من المنتخبات العربية القليلة التي استطاعت الوصول إلى كأس العالم، ونتمنى رؤيتهم في الدوحة. ومن ناحية ثانية، مما لا شك فيه أن الجمهور السعودي بشكل عام هو من أكثر الجماهير العربية حماسة، فنحن نتمنى مشاركتهم، لا سيما أن هذه البطولة ستكون أول بطولة رياضية كبيرة بعد جائحة "كوفيد-19" بإذن الله، ولا أريد أن أخصص حديثي لشعب عربي دون آخر، لأن شعارنا منذ حصولنا على حق تنظيم كأس العالم أن كأس العالم هذا للعرب جميعا، وهي رسالة من العرب إلى العالم أن لدينا من القدرات ومن الطاقات ما يمكن أن يبهر العالم، ولسنا مجرد مناطق للصراع والحروب، ولدينا الكثير لنُقدِّمه لهذا العالم.

 

  • ميدان: هناك اتهامات على منصات التواصل (من البعض) للإعلاميين غير القطريين ولقطاع من المقيمين في دولة قطر كونهم استثمروا في الأزمة وأنهم من أسبابها.. ما تعليقكم؟

الخاطر: أحد المكتسبات في هذه الأزمة كان لُحمة المجتمع في قطر، وعندما أقول في قطر أعني القطريين والمقيمين، ونرى ذلك قد انعكس بشكل جليّ في كل خطابات صاحب السمو أمير دولة قطر، سواء خارج الدولة أو داخلها، فلا يَذكر المواطنين إلا ذَكَرَ المقيمين كذلك. هذا المكتسب لا نريد خسارته في الفترة القادمة. دور الإعلاميين أصحاب المهنية دور مقدر جدا، وبالعكس هو دور نعتز ونفتخر به في دولة قطر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة