حماد لـ "ميدان": حماس ستُفاجئ الصديق قبل العدو في أي مواجهة للاحتلال

لسنا نجانبُ الصواب كثيرا إن قلنا إن القضية الفلسطينية تمرُّ اليوم بإحدى أسوأ مراحلها منذ احتلال فلسطين عام 1948، وذلك في ظل تراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بها على المستوى الرسمي والشعبي في ظل الأزمات القُطريّة المتنامية، وحالة التخلي من قِبَل بعض الأنظمة العربية والإسلاميّة بالاتجاه نحو تطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي. في المقابل، يستمر جيش الاحتلال في ابتلاع الأراضي الفلسطينية وبناء مزيد من الوحدات الاستيطانية، ليفرض ميدانيّا رؤيته للصراع، سواء على المستوى الداخلي، أو على الصعيد الخارجي بتطبيق سياسات اليمين. كل ذلك يأتي مع تآكل يتّسع باطّراد لهوامش النضال الفلسطيني في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني بين حركتَيْ فتح وحماس، مع ما يترتب عليه من تضييق للفعل المُقاوِم في الضفة الغربية والأراضي المحتلة، بالإضافة إلى استمرار الحصار المفروض على قطاع غزّة الذي تُسيطر عليه حركة حماس منذ عام 2007م وطال جميع مناحي الحياة في قطاع غزة وخنق المقاومة فيها.

 

لهذا اتجهنا في "ميدان" لإجراء مقابلة مع أحد أبرز قادة حركة حماس في قطاع غزّة، وعضو مكتبها السياسي، وأقوى وزراء داخليتها؛ فتحي حمّاد، وذلك لطرح مجموعة من الأسئلة المُلِحّة المُقسّمة إلى محورين، داخلي وخارجي، لنستمع إلى جانب من رؤية حركة حماس وموقفها حيال هذه القضايا.

فتحي حمّاد

 

  • ميدان: كيف تنظر حركة حماس إلى تهاوي الموقف السياسي العربي من القضية الفلسطينية، وانطلاق قطار التطبيع العربي الذي دشّنته الإمارات، وتبعها فيه البحرين ثم السودان والمغرب، مع وجود مؤشرات على احتمالية انخراط دول أخرى في التطبيع بما في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية؟

إن الهدف الرئيس من وراء جريمة التطبيع مع الاحتلال الصهيوني هو الرضا به أمرا واقعا لدى الشعوب والأجيال العربية الإسلامية، وذلك على قاعدة أن التعايش مع الاحتلال الصهيوني أسهل وأفضل من قتاله، وأننا بوصفنا عربا ومسلمين لا نستطيع مجابهة القوة الكبيرة له، وأننا كنا مخطئين في السابق بعدائنا له.

 

صحيح أن الاحتلال الصهيوني لديه أهداف سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية من خلف هذا التطبيع المشؤوم، لكنه أيضا يتطلع إلى ما هو أعمق من ذلك، أي إنه يسعى إلى تغيير حقيقة الصراع وجوهره، وذلك بوصفه كيانا غريبا عن هذه المنطقة.

 

ونحن نشعر بخيبة أمل من هرولة الأنظمة العربية نحو التطبيع، وننظر بخطورة بالغة إلى هذه الجريمة، التي نسجوا لها حججا كمحاربة الإرهاب وتنامي قوة بعض الدول في الإقليم، إضافة إلى شيطنة بعض القوى الإقليمية، وتوجيه العداء لها بدلا من الكيان الصهيوني، وهذا هو الوتر الذي تلعب عليه القوى الاستعمارية في السيطرة على مواقف الدول ومُقدّرات الشعوب. ولا شك أننا لا يمكن أن نغفل حقيقة أن الدول التي طبّعت مؤخرا مع العدو الصهيوني لم يكن هذا خيار شعوبها ولا في صالحها أيضا، بل ويخالف سياساتها الممتدة عبر سنوات طويلة، ونحن نثق بأن هذا التطبيع ناتج عن حالة طارئة بسبب اختلال ميزان القوّة والعدالة.

 

كما نثق بأن موجة التطبيع الحالية ستؤول إلى انحسار ثم إلى انكسار يتبعها تراجع بعون الله، وهذا ما حدث مع الموجات السابقة، حيث إن انتفاضة الأقصى المباركة وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته في حرب الفرقان أواخر 2008 أجبر عددا من الأطراف المطبّعة على التراجع عن علاقتها مع الكيان، كما أننا واثقون بأن خطوات التطبيع ستفشل في نهاية المطاف من خلال ما نلمسه من رفض شعبي رغم التضييق على حرية الرأي، كما ظهر جليا لدى أشقائنا في السودان والبحرين والمغرب.

حماس تثق وتُعوِّل على شعوب أمتنا العربية والإسلامية بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تخاذل بعض الأنظمة وتهافتهم نحو الاحتلال الصهيوني، كما تثق الحركة أن هذه الشعوب ستنتصر لا محالة في معركة الوعي وإدراكها أن الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني ليست فقط من أجل فلسطين بوصفها قضية العرب والمسلمين الأولى، بل لأن فلسطين هي جدار الصدّ الأول في وجه مطامع الاحتلال الصهيوني للسيطرة على ثروات الأمة ومقدّراتها.

 

لكن ما يُشعِرنا بالخذلان حقيقة هو اتخاذ بعض من مكونات الأُمتين العربية والإسلامية موقفا هزيلا حيال تطبيع أنظمتها، ويُشعِرنا بالخذلان الشديد انخراط أشقائنا في العدالة والتنمية المغربي في عملية التطبيع، واتخاذهم موقفا يُبرِّر ويدافع عن القرار، وهنا أتساءل؛ ألا يُعتَبر هذا الموقف مخالفا لمبررات تصعيد الشعب المغربي الشقيق للعدالة والتنمية بالأساس، وأن المفترض في أي حركة تحظى بدعم الشعوب أن تعكس نبض هذه الشعوب في قراراتها ومواقفها؟

 

  • ميدان: نتفهّم مشاعر الخذلان تلك، لكن من جهة أخرى، ألا ترون أن الانقسام الفلسطيني الذي أنتم جزء منه ساهم في تسهيل عملية التطبيع، وما جهودكم الفعلية لعرقلة مساعي التطبيع العربي-الإسرائيلي؟

بداية، فكرة التطبيع مع الاحتلال الصهيوني ليست وليدة اللحظة، وليس الانقسام هو المُسبِّب الرئيسي لها، إذ إن التطبيع، فكرةً، بدأ مبكرا منذ سبعينيات القرن الماضي، وقد واجهت في حينه دول التطبيع غضبا رسميّا وشعبيّا عارما حدَّ من قدرة أنظمة أخرى رغِبت منذ البداية في فتح علاقة واضحة مع العدو الصهيوني، لكن ظرف اللحظة في حينها لم يسمح لهم، ثم لم يلبثوا كثيرا حتى فتحوا مسارات سريّة للعلاقة المحرّمة مع العدو الصهيوني أملا في حفظ كراسيهم، وظلّت العلاقة طيّ الكتمان وتحت الطاولة لسنوات طويلة، طُعِنت فيها المقاومة الفلسطينية ومن خلفها شعوب الأمة بسبب هذا التطبيع مرات كثيرة.

 

واليوم، لتوافق حاجة قادة العدو الصهيوني لتحقيق مكاسب سياسيّة خارجيّة مع حاجة هذه الأنظمة المُرتبكة لتثبيت أركانها في ظل معركة الوعي المحتدمة في الأمة؛ باشرت تلك الأنظمة بخطوات تطبيعيّة علنيّة، متذرّعة بالانقسام الفلسطيني بوصفه مبررا واهيا لهذه الجريمة المتكاملة الذي لم تشأ حماس يوما أن تكون جزءا منه.

 

لكنني لا أُنكِر أن موقف بعض الأطراف الفلسطينية ساهم في تسهيل تمرير عملية التطبيع، وتحديدا ما تمخّض من موقف السلطة الفلسطينية بالعودة إلى التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الذي سيبقى صفحة سوداء في تاريخ سلطة أوسلو وأزلامها.

 

  • ميدان: حسنا، دعنا نُعرج على الانقسام الفلسطيني من الداخل، حيث المواطن الفلسطيني بات يشعر في داخل فلسطين وخارجها بفقدان الثقة بالأحزاب الفلسطينية، وخصوصا فتح وحماس، مع عجزهم عن تحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، إضافة إلى تمثيل رغبات الشعب الفلسطيني وآماله، فهل من تطوّرات حقيقية للمصالحة الفلسطينية في ظل هذا الواقع الذي أصبح فيه التقارب الفلسطيني ضرورة؟ وما رؤية حركة حماس للخروج من المأزق الوطني الفلسطيني؟

حقيقة، وللتاريخ، فإن المجتمع الفلسطيني برمّته حتى وإن شابَته على مدار سنوات الانتفاضة بعض الخلافات والصراعات حول آليات العمل المقاوم؛ فإن ثوابت الشعب الفلسطيني ومبادئ الثورة وشعارات النضال والحريّة كانت على الدوام محل إجماع وتوحّد الشعب وفصائله المختلفة في طريق المقاومة المسلحة وتحت مظّلة العلم الفلسطيني الجامع للانعتاق من الاحتلال الصهيوني، لكن منذ سرقة قرار منظمة التحرير وحركة فتح وانحرافها عن مسار الثورة؛ وقع الانقسام. وكانت هذه أولى بوادره، ولم يكن تنوُّع الفصائل واختلافها السياسي يُضعِف يوما موقفها أمام الاحتلال الصهيوني، لكن الحالة الفلسطينية اليوم ضعيفة لوجود طرف فلسطيني اعتَبَر التنسيق الأمني مُقدّسا وأقرب له من المصالحة مع أبناء شعبه، ويَعتَبِر أن العلاقة مع الأميركان والاحتلال أولى من الرهان على الشعب الفلسطيني، وقد ظهر ذلك جليا في مراسلة عضو مركزية فتح حسين الشيخ، مؤخرا، لضابط في وزارة الحرب الإسرائيلية لطلب عودة التنسيق الأمني قبل شهر من الانتخابات الأميركية.

 

وعلى الرغم من ذلك كله فقد كانت حماس على الدوام حريصة على وحدة الشعب الفلسطيني وتماسكه، وقدّمت في سبيل ذلك تضحيات كثيرة وعضّت على الجراح، وقد دَعَونا الإخوة في حركة فتح مرارا إلى تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، وذهبنا معهم إلى كل العواصم العربية الإسلامية والدولية في سبيل الوصول إلى إنهاء الانقسام، وقدّمنا كل ما نستطيع من أجل تجاوز هذه المرحلة، لكن التعثُّر الحاصل هو أن إخوتنا في حركة فتح لديهم حسابات سياسيّة داخلية وخارجية تمنعهم من التوصل إلى مصالحة حقيقية. لذلك، دَعَونا مع جميع فصائل العمل الوطني إلى أن تكون المصالحة جماعية بين الكل الفلسطيني وليس بين فصيلين فقط.

 

وأكّدنا مؤخرا ضرورة تنفيذ ما تُوصِّلَ إليه في لقاء الأمناء العامين ولقاءات تركيا والقاهرة، والبدء مباشرة في تنفيذ ما اتُّفِق عليه من مرسوم رئاسي للانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني عبر مرسوم رئاسي واحد وجدولة زمنية متفق عليها بين الفصائل، لكن عودة السلطة الفلسطينية للتنسيق الأمني، وإصرارها على إجراء انتخابات غير متزامنة، عرقل هذه المساعي.

 

  • ميدان: دعنا ننتقل إلى سياق أكثر تخصيصا ويمس حركة حماس بصورة مباشرة؛ بعد مرور قرابة عقد ونصف على تجربة حماس في المزاوجة بين الحكم والمقاومة، ومع استمرار حصار قطاع غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية التي ضربت مناحي الحياة في القطاع، أين نجحتم وأين أخفقتم؟ وهل ستتخلّون يوما ما عن أحدهما للحفاظ على الآخر؟

نحن حركة تحرر وطني ننتهج المقاومة بجميع أشكالها لتحرير فلسطين، وأخذنا على عاتقنا أن نحمل همَّ شعبنا الفلسطيني في كل مكان، داخليا وخارجيا، فمشروع حماس هو مشروع الشعب الفلسطيني، والانعتاق من الاحتلال الصهيوني وتحرير كامل أرضه المحتلة. ونحن نُدرك جيدا أن الحصار المفروض على قطاع غزة منذ تولّي الحركة زمام السلطة بانتخابات تشريعية حرّة عام 2006 كان هدفه الأول فض الناس عن مشروع المقاومة وجعله منبوذا من قِبَل أبناء الشعب الفلسطيني.

 

وقد حاولت حماس بكل ما تستطيع من قوة عبر علاقات نسجتها مع الدول الصديقة للشعب الفلسطيني أن تُحافظ على مشروع المقاومة، وتُثبِّت أركانه بصفته خيار الشعب الفلسطيني الأوحد في مواجهة الاحتلال. وطرقت حماس أبواب كل الدول التي تدعمنا والتي لا تدعمنا، ولقد كان همّ حماس الأكبر هو الحفاظ على الحاضنة الشعبية للمقاومة.

 

أثبت شعبنا الفلسطيني عبر هذه الفترة الصعبة من الحروب والحصار أنه عصيّ على الانكسار أمام هذه المؤامرات الكبيرة والمتتالية.

 

أما على صعيد الحكم فقد زاوجت حماس بين مفهومَيْ المقاومة والحكم بوصفها سابقة في التاريخ، صحيح أن أداءنا العام شابه بعض الأخطاء، فنحن بشر نصيب ونُخطئ، لكن حسبنا أننا لا نترك الخطأ. فالحركة في تصحيح دائم للمسارات، وتقويم مستمر لأي أخطاء سواء في العمل الحركي أو الحكومي بشكل عام.

ومن خلال تجربتي وزيرا للداخلية لمدة 5 سنوات في قطاع غزة، فقد كانت نسبة رضا الجمهور عن الأداء الأمني للحكومة لا يقل عن 80% بحسب استطلاعات الرأي الموثوقة، فغزة اليوم لا تشهد فوضى السلاح، رغم أن فيها من السلاح الكثير لطبيعتها المُقاوِمة، كما أنه لا يوجد فيها جريمة منظمة رغم حالة الفقر.

 

والمقاومة بالنسبة لنا خيار إستراتيجي، ونحن دخلنا الحكم لحماية ظهر المقاومة، والحكم في حد ذاته ليس غاية بالنسبة لنا، وحماس جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، ووصلنا إلى الحكم بقرار منه، وسنستمر في خدمة أبناء شعبنا سواء كنا في سدة الحكم أو في غيره، وليس المهم موقع حماس من معادلة الحكم، بل المهم دائما هو أن تتحقق أهدافنا الفلسطينية العليا بتحرير أرضنا ومقدساتنا والانعتاق من هذا الاحتلال الظالم.

 

  • ميدان: هنالك أحاديث متكررة أن حركة حماس طُوِّعَت وقُيِّدَ عملها المُقاوِم، فهل أدّى ذلك إلى حدوث تغيّرات طالَت فلسفة حركة حماس ومحدّداتها في إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي؟

حماس منذ انطلاقتها انتهجت نهجا واضحا في التعامل مع العدو الصهيوني وإدارة الصراع معه، إذ إن الاحتلال يعرف جيدا أن المقاومة في غزة قوية بعقيدتها وحاضنتها الشعبيّة، ويُدرك أيضا أن حماس في كل يوم تُعِدُّ العدة التي ستُفاجئ الصديق قبل العدو في أي مواجهة قادمة مع الاحتلال.

 

ونُدرك جيدا أننا لا نملك قوة تُضاهي قوة الاحتلال الذي يتفوّق علينا في كل المُقدَّرات المادية والدعم الدولي من الأنظمة الظالمة، لكننا أقوى بحقنا وعقيدتنا، فنحن نقاتل على أرضنا وبين أهلنا وشعبنا، ونعلم جيدا كيف نؤلمه ونجعله يرضخ لمطالبنا، ولنا كل الحق في استخدام جميع الأساليب والأدوات النضالية في إدارة الصراع مع الاحتلال. وقد رأى العالم أجمع كيف أبدع شعبنا في إطلاق مسيرات العودة الكبرى التي أربكت حسابات العدو والداعمين له، واستطاع شعبنا من خلالها إعادة البوصلة من جديد نحو ثوابت الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

 

وحماس لديها ثوابت لا تتراجع، كالأرض والشعب والقدس والعودة، فلا تنازل عن فلسطين من بحرها إلى نهرها، ولا عودة عن حق العودة، والقدس هي العاصمة الأبدية للشعب الفلسطيني.

 

  • ميدان: أصبح مشهد المقاومة في الضفة الغربية يعتمد على العمليات الفردية التي قلّما تُنسب إلى فصيل، فهل هذا دليل على تراجع إمكانيات حركات المقاومة وشعبيتها بين أوساط الشباب الفلسطيني؟

المقاومة بجميع أشكالها هي حق للشعب الفلسطيني ما دام الاحتلال الصهيوني باقيا. فالواقع في الضفة الغربية معقّد لوجود قبضة أمنية مُشدَّدة من قِبَل الاحتلال الإسرائيلي، ولوجود التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، الأمر الذي يزيد من صعوبة وتحدّيات عمل المقاومة ويعوق تحرُّكها. دعونا لا ننسى أن هناك الكثير من العمليات التي أُحبِطت وكان السبب في ذلك ملاحقة سلطة فتح واعتقالها لخلايا التخطيط والتنفيذ.

 

العدو يُدرك جيدا أهمية وجود التنسيق الأمني مع السلطة الذي يُسهِّل حركة المستوطنين في الضفة ويقمع المقاومة بأشكالها كافة، ونحن نعتقد إذا ما رُفِعت القبضة الأمنية للسلطة في الضفة عن المقاومة سيرى الاحتلال العمليات النوعية التي يخشاها الاحتلال ومستوطنوه.

 

ثم إن الاعتقالات اليومية من قِبَل الاحتلال الصهيوني عقَّدت العمل المُقاوِم في الضفة الغربية، وقلَّلت من قدرة المقاومة على إيجاد الخلايا المُقاوِمة وبنائها بحيث تعمل ضمن هيكليات هرمية منظمة.

 

أما ما يحدث من عمليات فردية فهي تأتي نتاج التوجيه العام من قِبَل المقاومة في الميدان لجميع مكوّنات الشعب الفلسطيني القادرة على التحرك ضد الاحتلال، وأعتقد أن العمليات التي حدثت في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة تُمثِّل دليلا واضحا على أن شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية لا يزال يحمل روح المقاومة، وأن جذوتها تشتعل تحت الرماد الذي خلّفه انتهاك حقوق شعبنا الفلسطيني ومشاريع السلام وبرامج التدجين والتسكين عبر سنوات التنسيق الأمني البائس.

 

  • ميدان: بعد وصول جائحة فيروس "كوفيد-19" المستجد إلى قطاع غزة بعد أشهر من منع وصوله، يشعر المواطن بغياب إستراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الأزمة الصحية والاقتصادية، فما واقع الأزمة في القطاع؟ وما آلياتكم للتعاطي مع هذا الحال؟

يعلم الجميع أن قطاع غزة بقعة جغرافيّة صغيرة الحجم، مزدحمة بمليونَيْ مواطن فلسطيني، ليس فيه أدنى مقومات الحياة، قالت عنه الأمم المتحدة إنه لن يكون صالحا للحياة بحلول عام 2020م، ولا يزال يعاني من أطول وأقسى حصار عرفه العصر الحديث، ولو فُرِضَ على أعظم الدول لكَسَرها وحطّم إرادتها، لكن عنفوان غزة ومقاومتها وجَلَد أهلها نجح في التصدي لكل الحروب والأزمات التي عصفت بالقطاع، وليس آخرها هذا الوباء، الذي لم يُصِب غزة وحدها، حيث اجتاح العالم بأسره وشكّل أزمة وتحدّيا غير مسبوق لكل الدول، وقد انهارت المنظومات الصحيّة في دول كبيرة لها تاريخ عريق وباع كبير في محاربة الأمراض والأوبئة.

 

وقد أدركنا في قيادة الحركة مبكرا خطورة هذا الوباء، إذ قُمنا بتطبيق إجراءات احترازية ساعدت على تأخير وصول الوباء إلى القطاع عدّة أشهر، لحين تجهيز وتحضير منظومات العمل الصحيّة والميدانيّة لمواجهته بكل الإمكانيّات المتاحة، وقد نجحت خطط التأخير بالفعل في تأخير وصول الوباء لفترة زادت على سبعة أشهر كان الفيروس خلالها قد فتك بأغلب دول العالم.

 

خلال هذه الفترة، وجَّهت الحركة مجموعة من الرسائل العاجلة إلى كل الدول الصديقة بضرورة دعم القطاع في مواجهة الجائحة، وهذا ما حصل بالفعل؛ حيث قدّمت قطر وتركيا جهدا كبيرا في هذا الأمر، كما وجّهنا في الحركة رسالة إلى العدو الصهيوني عبر الوسطاء بضرورة إدخال كل ما يلزم قطاع غزة المحاصر من معدات وأجهزة لتحسين قدرتنا على مواجهة الوباء، وقمنا بتهديد الاحتلال بأن شعبنا ومقاومته لن يصبروا كثيرا حتى يدخل الوباء إلى غزة، وأن عليه إدخال الأجهزة والمعدات اللازمة لحماية أبناء شعبنا في مواجهة هذا الوباء، وإلا فإن غزة لن تموت وحدها.

 

أما مع دخول الوباء إلى غزة، فقد كانت خطط التعامل معه جاهزة من قِبَل جميع منظومات العمل الحكوميّة والحركيّة، وقد بدا ذلك واضحا في تسطيح منحنيات الإصابات والوفيات لفترة طويلة، وإن كُنَّا مؤخرا قد دخلنا في مرحلة صعبة أدّت إلى ارتفاع في أعداد الإصابات، وأسأل الله أن يعيننا على التصدي لهذه الجائحة، وأن يلطف بشعبنا وعموم الإنسانية.

 

  • ميدان: شكّلت علاقة الحركة مع إيران موضع جدل مستمر، فكيف ترون علاقتكم مع إيران في هذه الفترة؟ وهل تضرّر الدعم الذي تُقدِّمه لكم في ظل تشديد الحصار عليكم؟

إيران دولة دعمت على الدوام حق الشعب الفلسطيني في نيل حريته، وقد كانت إيران ولا تزال تتميز بدعمها الشعب الفلسطيني بالسلاح والمال، وأعلنت ذلك بشكل واضح، وهذا أمر تُقدِّره حماس. ونحن نعلم أن جانبا من العداء الشديد لإيران هو وقوفها مع الشعب والمقاومة الفلسطينية. لذلك، فنحنُ نُقدِّر هذا الموقف الداعم للشعب الفلسطيني ومقاومته المسلحة، مع العلم بأن الدعم الإيراني الذي تتلقّاه المقاومة لم يكن مشروطا، لكنه تأثر إثر الخلاف حول الأزمة السورية، لكن العلاقة عادت إلى طبيعتها بعد عدوان 2014 على قطاع غزة، وهي الآن في مستوى مُتقدِّم.

 

وحماس تشكر اليوم كل الدول التي قدّمت وتُقدِّم الدعم لشعبنا الفلسطيني على اختلاف أنواعه وأشكاله، وعلى رأس هذه الدول إيران وقطر وتركيا وكل الدول الصديقة، في الوقت الذي تلاحق فيه بعض الأنظمة الحركة وتعمل على تجفيف مواردها المالية، وطُرق إمداد سلاح المقاومة، وتزج المناصرين للحركة في السجون.

 

  • ميدان: طرحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رؤيتها للسلام في الشرق الأوسط التي تُسمى صفقة القرن، ووصفتها الحركة بأنها مخطط لتصفية القضية الفلسطينية، فهل ترون أن فوز الرئيس الأميركي المنتخب بايدن سينعكس إيجابا على حركة حماس والقضية الفلسطينية؟

نحن أعلنّا رفضنا لصفقة القرن قبل طرحها، في ظل تقديرنا لمحتواها قبل نشرها، وقد كان تقديرنا في الحركة دقيقا للغاية حول تفاصيلها، وحول ما ينوي ترامب ونتنياهو فعله لتصفية القضية وذلك عبر تغليف هذا المشروع بصيغة "مبادرة للسلام"، وبكل الأحوال رفضناها، ورفضنا أي تعاطٍ معها، وسيُسجِّل التاريخ كل مَن تعاون مع الإدارة الأميركية في سبيل تصفية القضية.

 

الانتخابات الأميركية ليست شأنا داخليا أميركيا فحسب، بل إن نتائجها تؤثر على أغلب دول العالم، ونحن نعتقد أن القضية الفلسطينية تضرّرت كثيرا على مدار السنوات الماضية نتيجةَ الموقف الأميركي المُنحاز تماما للعدوّ الصهيوني.

 

في حركة حماس لا نُعوِّل على الإدارة الأميركية القادمة، فهي مُنحازة أيضا للاحتلال الإسرائيلي، لكننا نُجدِّد دعوتنا لهم بعدم تكرار أخطاء الإدارات الأميركية السابقة في الدعم المطلق للاحتلال الصهيوني، وإلى التوقف عند حقوق الشعب الفلسطيني الذي كفلته له كل الشرائع السماوية والأرضيّة.

 

  • ميدان: ثمّة حديث متزايد حول احتمالية نشوب عدوان إسرائيلي جديد على قطاع غزة، فهل تتوقعون حربا قريبة على القطاع؟ وماذا أعدّت المقاومة الفلسطينية لأي مواجهة قادمة؟

الاحتلال الصهيوني مُعتاد على نقض العهود والمواثيق والاتفاقيات، واستنادا إلى هذا الفهم فإن الحركة تتجهز في كل يوم وتعد العدة لمواجهة الاحتلال الصهيوني. هدف الحركة في هذه الفترة تجنيب شعبنا في القطاع مخططات الحرب التي يحوكها الصهاينة كل يوم، لكن إذا ما فكّر الاحتلال وأخطأ تقدير قوة المقاومة؛ فإن لدينا الكثير من المفاجآت غير المتوقعة التي أعددناها لهم منذ فترة طويلة، ونجهزها للمواجهة القادمة، ونحن نعمل على مدار الساعة دون كلل أو ملل لتحطيم غرور الاحتلال الصهيوني.

 

والمقاومة سترد مباشرة على أي عدوان صهيوني على شعبنا ولن تسمح له باستباحة أرضنا، وما عاينه الاحتلال في جولات التصعيد السابقة سيرى مثله وأكثر أضعافا مضاعفة في كل مدينة من فلسطين المحتلّة في أي مواجهة قادمة.

 

  • ميدان: هناك حروب سيبرانية وحروب أمنية تشنّها قوات الاحتلال على كل ما يتصل بالمقاومة الفلسطينية، فكيف تتعامل حركة حماس مع هذه التهديدات؟

تُدرك حركة حماس أن الاحتلال الصهيوني يسعى جاهدا لاستخدام جميع الإمكانيات للسيطرة على المقاومة وإحباط العمليات قبل وقوعها، وهذه حرب عقول مفتوحة وصراع إرادات محتدم بيننا. وقد استطاعت المقاومة الفلسطينية خلال السنوات السابقة اختراق العديد من المنظومات الصهيونية السرية، وتوجيه ضربات أمنيّة مؤثرة تحت الحزام لدوائر العمل الأمني لدى الاحتلال الصهيوني، والحرب خدعة والأيام سجال بيننا، ولا أدل على حجم الضربات الأمنيّة التي تلقّاها العدو الصهيوني خلال الفترة الماضية ومدى تأثيرها على عمله الاستخباري والأمني من دفعه بأهم وحدات العمليات الخاصة لديه للتسلل إلى غزة لزرع أجهزة تنصّت داخل القطاع، لكن عين المقاومة الساهرة أفشلت مخططه وقطعت ذراعه الطولى التي كانت تمتد إلى أي مكان يريده في العالم وتنفذ أعماله القذرة وتعود بسلام دون أن يعرف بها أحد.

 

  • ميدان: ختاما، ما إستراتيجيتكم للقضية الفلسطينية في السنوات القادمة؟

تمر القضية الفلسطينية اليوم بمنعطف صعب في ظل ضعف أو تخاذل الأنظمة الحاكمة في بلداننا العربية والإسلاميّة، وانشغال الشعوب المغلوب على أمرها في مشكلاتهم الداخلية، واشتداد وطأة الاحتلال في الضفة، وتهويد القدس، والحصار المفروض على قطاع غزة منذ ما يزيد على 13 سنة. في ظل هذا كله تنظر حماس إلى مستقبل القضيّة الفلسطينية بعين الأمل المُنبثق من الإيمان بالله عز وجل أولا، ثم بحقوق شعبنا الفلسطيني وقضاياه العادلة، وإرادة شعبنا وأبناء أمتنا العربية والإسلامية، وأحرار العالم، وتتطلّع لإدارة الصراع مع المحتل الصهيوني وفق الإستراتيجيات التالية:

 

  • أولا: رصّ الصفوف والتوحُّد خلف برنامج وطني متفق عليه ما بين الكل الوطني بتبنّي إستراتيجية واضحة لمقاومة الاحتلال والاتفاق على أشكال النضال الفلسطيني.
  • ثانيا: الحفاظ على الحاضنة الشعبية والعمل على تعزيزها في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وكل مناطق وجود الشعب الفلسطيني.
  • ثالثا: الإعداد المادي والعسكري والمعنوي لصدّ هجمات الاحتلال في قطاع غزة، ونحرص على أن يكون هناك مفاجآت للاحتلال الصهيوني.
  • رابعا: تفعيل العمل العسكري في الضفة الغربية وطرد المستوطنين من الضفة الغربية.
  • الخامس: الانفتاح على عمقنا العربي والإسلامي وتجييش هذه الشعوب لمناصرة القضية الفلسطينية.
  • سادسا: مواجهة موجة التطبيع الحالية مع الاحتلال، وفضح مخططاتهم.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما بين استدعائه بكل حادث “متطرف”، وسطوع اسمه كمنظّر رئيسي للتنظيمات “الجهادية”، يبرز “بن تيمية”، بهذا الإطار، عقَدنا مقابلة مع الأستاذ رائد السمهوري لنطرح عليه عدة أسئلة كثيرا ما تثار حول هذا الأمر.

1/6/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة