مصر نموذجا.. كيف كشفت حرب أوكرانيا هشاشة الوضع الغذائي العربي؟

تسعى هذه الورقة لاستكشاف نتائج تطبيق النموذج النيوليبرالي على مجال الأمن الغذائي في مصر، ضمن الإطار الأوسع لإشكالية الزراعة والغذاء في مصر عمومًا بأبعادها البنيوية وخلفياتها التاريخية، وذلك بعد إطلالة سريعة على الوضع الغذائي العالمي في مجموعه، وفي المنطقة العربية بخاصة، وعلى الآثار المُتوقعة للحرب الروسية-الأوكرانية على التجارة الدولية عمومًا والوضع الغذائي خصوصًا.

أزمة الغذاء العالمية: هيكلية لا عابرة!

رغم الاتجاه التاريخي لانخفاض أسعار الغذاء توازيًا مع التطورات التكنولوجية والتقنيات الجديدة في مجال الزراعة؛ وما رتبته من توسع رأسي وأفقي وتحسينات في الإنتاجية، شهد العالم في العقدين الآخرين اتجاهًا مضادًّا من ارتفاع أسعاره والتأزمات المتعاقبة في إمداداته، كان أبرزها أزمتا عامي 2008 و2011؛ حيث تضاعفت خلالهما أسعار الغذاء، بينما ارتفع بكامل مؤشرها، المُكون من الحبوب واللحوم والألبان والسكر والزيوت والدهون، بحوالي 50% بين عامي 2007 و2008، ورتَّب حالة من التقلب الشديد في الأسعار طوال تلك الفترة، فارتفعت أسعار القمح في جميع أنحاء العالم بمتوسط 130% في ذلك العام، وبعد انخفاض قصير بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية، كانت الضربة الجديدة للأزمة (التي تزامن معها الربيع العربي)؛ والتي تضاعفت خلالها أسعار القمح والذرة خلال عام مرة أخرى(1).

وها نحن نشهد موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء عالميًّا، منذ أواخر عام 2020، كما يظهر بحركة مؤشر أسعار الغذاء بالقيم الاسمية والحقيقية، الوارد بالرسم البياني بالشكل (1)، الذي يوضح كيف تجاوز المؤشر ليس فقط مستوياته في الأزمتين السابقتين، بل مستوياته التاريخية أواسط السبعينات.

شكل (1): مؤشر أسعار الغذاء بالقيم الاسمية والحقيقية خلال الفترة 1922-1961

ورغم تعدد وتعقد الأسباب الكامنة خلف تلك الأزمة، تُوجز جين هاريجان أبرز الأسباب الهيكلية لتلك الأزمة في مجموعتين من الأسباب، تتوزع على جانبي العرض والطلب كما يلي(3):

  • أولًا: على جانب الطلب:

النمو السكاني السريع، وتغير أنماط الاستهلاك الغذائي، خصوصًا في بعض البلدان الكبيرة والمهمة مثل الصين والهند، وزيادة الطلب على المحاصيل لإنتاج الوقود الحفري، فضلًا عن الطرائق المُستحدثة لأَمْوَلَة (تغليب الطابع المالي) السلع الغذائية على الصعيد العالمي، وتحويلها لسلع استثمارية في أسواق البورصة الدولية، ضمن اقتصاد عالمي مأزوم وهش ماليًّا ونقديًّا.

  • ثانيًا: على جانب العرض:

ضعف الأسواق الدولية من جهة انخفاض نسبة الإنتاج الزراعي التي يجري تداولها دوليًّا، وضعف المخزونات من السلع الزراعية، والتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية، فضلًا عن السياسات التجارية من حظر صادرات وغيره، ارتباطًا بالأولويات الوطنية للدول المختلفة، خصوصًا لكبار مصدِّري السلع الغذائية في سوق محكومة بالتركز الإنتاجي والتصديري، خلافًا للحكمة التقليدية عن الأسواق الزراعية!

وبشكل أكثر تحديدًا، يؤكد تقرير صدر عن منظمة الأونكتاد عام أزمة 2008(4)، على هيكلية الأزمة، بالقول: إنه لا يمكن "اعتبار الأزمة الغذائية مجرد نتيجة لعوامل حديثة العهد من قبيل ارتفاع أسعار النفط أو هبوط سعر الدولار أو الأحوال المناخية أو عمليات المضاربة أو قيود بعض البلدان على الصادرات أو إنتاج الوقود الحيوي، بل هي أيضًا نتيجة لاتجاهات عميقة الجذور وطويلة الأجل ناجمة عن تغير الأنماط الديمغرافية وأنماط الاستهلاك وعن سنوات من الإخفاقات البنيوية لاستراتيجيات التنمية..؛ لهذا من المحتمل أن تتواصل إلى أجل غير محدد بغضِّ النظر عن أية تدابير قصيرة الأجل"، ما يؤكد بمجموعه عمق الأزمة، لا طابعها العابر، فكما لم تكن وقتها نتيجة لأي من الأسباب المذكورة حصرًا، فهى اليوم كذلك ليست نتيجة عَرَضية لجائحة كورونا ولا للأزمة الأوكرانية ولا حتى للأزمة العالمية المكتومة في الاقتصاد العالمي المأزوم بالتضخم الذي يوشك على الانفجار، فهذه كلها ليست سوى عوامل حفازة تعزز الاختناقات وتفعِّل الإشكالات، هيكلية الطابع، القائمة فعليًّا.

حمائية جديدة: تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية على تجارة الغذاء العالمية

رغم المحدودية الجغرافية والعسكرية للحرب الروسية-الأوكرانية حتى تاريخه، فإن تمفصلها ضمن صراع جيوسياسي عالمي واحتكاك شرقي غربي في مرحلة حرجة من التوتر العالمي المرتبط بتراجع الموقع الإمبراطوري المهيمن للولايات المتحدة، ومعها الغرب الأنجلوساكسوني-اللاتيني عمومًا بشكل ما، في مواجهة الصعود الصيني، ضمن حالة من التناقض الشامل بين البنية التحتية والبنية الفوقية للنظام العالمي(5)، هو ما جعلها بمنزلة حرب عالمية مُصغرة، أو بدايةً حقيقية لها، تكثف كافة التناقضات والصراعات الأساسية للعالم المعاصر.

انعكس هذا الأمر على التجارة الدولية وخطوط التوريدات وأسعار الغذاء عبر ثلاث قنوات مختلفة.

أولها: المقاطعات السياسية المباشرة والعقوبات الاقتصادية المرتبطة بها، وردود الفعل عليها؛ بما لها من آثار مباشرة على التعاملات المالية والتجارية والاقتصادية بعامة، وانقطاع أو على الأقل ارتفاع تكاليف، خطوط النقل والتوريد، وتوترات واختناقات في النظم المالية والنقدية العالمية التي كانت تيسر الحركة التجارية وخطوط التوريدات.

ثانيها: المضاعفات الاقتصادية غير المباشرة لتلك المقاطعات السياسية؛ مما نتج عن ارتفاع أسعار الطاقة عمومًا من آثار على النقل والغذاء؛ بما لهما كقطاعات محورية من آثار تضاعفية جوهرية على كافة القطاعات الأخرى، خصوصًا مع الثقل الكبير لدول الصراع في تلك القطاعات جميعًا، ففي قطاع الطاقة فقط، تقبض روسيا وحدها على حوالي 20% من صادرات الغاز الطبيعي عالميًّا.

ثالثها: الحجم الحرج للدولتين المتصارعتين في سوق الزراعة والغذاء والأسمدة، فالبلدان يسهمان معًا بحوالي 12% من إجمالي تجارة الغذاء العالمية بمعيار السعرات الحرارية(6). وبتفصيل أكثر، حوالي 34% من صادرات القمح عالميًّا، و26% من صادرات الشعير، و17% من صادرات الذرة، و25% من صادرات بذور عباد الشمس، وأكثر من 70% من صادرات زيت عباد الشمس، كما يظهر بالشكل (2) التالي. وعلى صعيد الأسمدة، تمثل روسيا 15% من التجارة العالمية في الأسمدة النيتروجينية و17% من تجارة البوتاس العالمية، وتضيف لها بيلاروسيا حليفتها المُستهدفة بعقوبات مماثلة 16% أخرى، ويرتفع إجمالي الاعتماد على البلدين بالإضافة إلى أوكرانيا إلى ما قد يجاوز 60% منها(7).

شكل (2): حصص روسيا وأوكرانيا في التجارة العالمية لبعض المحاصيل الغذائية الأساسية(8)

وكآثار مباشرة في الشهر الأول فقط من العملية العسكرية، دونما ظهور بعد لنتائجها على دورات الإنتاج الجديدة المُتوقعة حال استمرارها في الشهور القادمة، شهدت أسواق المواد الغذائية تذبذبًا شديدًا في المحاصيل الأساسية بالخصوص، كالقمح والذرة والأرز وفول الصويا، وحتى القطن، وبما وصل بالوضع لما يشبه وضع بداية وباء الكورونا(9)، وربما أسوأ، فارتفع مؤشر أسعار الغذاء لأعلى مستوى في تاريخه، مرتفعًا بمقدار 12.6% منذ شهر فبراير/شباط حتى أول أبريل/نيسان، مدفوعًا بقمم تاريخية لأسعار كل من الحبوب واللحوم والزيوت النباتية(10).

ولم تقتصر الآثار على البلدين المعنيين، بل شملت فرض قيود على الصادرات الغذائية من دول أخرى منذ بدأت العملية العسكرية أواخر فبراير/شباط، فزاد عدد تلك الدول من 3 إلى 16 دولة بدءًا من أول أبريل/نيسان الجاري، تمثل مجتمعةً 17% من إجمالي السعرات الحرارية المتداولة عالميًّا(11). ويُظهر الشكل (3) بتاليه كيف تجاوز الأثر الفوري للأزمة الأوكرانية على تجارة الغذاء العالمية، أثر كل من أزمة الغذاء العالمية عام 2008 والفترة الأولى من وباء كورونا.

شكل (3): آثار الأزمة الأوكرانية وكورونا وأزمة الغذاء العالمية 2008 على تجارة الغذاء العالمية(12)

جُملة القول: سواءً تعلق الأمر بالأثر المباشر لثقل الدولتين المنخرطتين في الصراع بشكل مباشر، بما لهما من أهمية بالغة في التجارة العالمية لسوق الغذاء، أو بالآثار غير المباشرة للصراع بمُجمله، على بقية الدول وسياساتها التجارية في تلك السوق؛ فإن العالم على مشارف أزمة غذائية تثير القلق، سواء في أوكرانيا نفسها أو خارجها، حدَّ أن يصفها ديفيد باسيلي، المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية التابع للأمم المتحدة، بالوضع غير المسبوق منذ الحرب العالمية الثانية(13)!

هشاشة الوضع الغذائي العربي والمصري

حبا الله المنطقة العربية، التي تتقاطع مع ما تصفه التقارير الدولية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بموقع استراتيجي وموارد جمَّة، لكنها افتقدت في معظمها -في عصرنا الجيولوجي الأخير- للأراضي الخصبة الواسعة والمياه الوفيرة، فباستثناء الهلال الخصيب وحوض نهر النيل وبعض المناطق الصغيرة نسبيًّا الأخرى، توجد المنطقة ضمن أكبر صحراء في العالم، وهي الصحراء الكبرى الإفريقية؛ ما جعل المنطقة إحدى أفقر مناطق العالم زراعيًّا، فبينما تحوي حوالي 5% من سكان العالم، فإنها لا تحوز سوى أقل من 1% من مياهه العذبة المتجددة، وضمن 20 بلدًا حول العالم تحصل على أقل من 1000 متر مكعب من المياه العذبة المتجددة للفرد، تقع 15 دولة منها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا(14).

انعكس هذا على قدرة المنطقة على الإنتاج الغذائي، خصوصًا مع محدودية قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية؛ ما ظهر في تخلف متوسط معدل نمو إنتاجها الزراعي خلال الفترة 1990-2010 البالغ 0.2% عن نظيره لمجموعة الدول منخفضة ومتوسطة الدخل البالغ 0.8% ولمنطقة آسيا والمحيط الهادئ البالغ 1.4%(15)، وبالطبع عن معدل النمو السكاني العربي الذي يتراوح ما بين 2.5 و3% طوال نصف القرن الماضي؛ لتصبح "المنطقة التي كانت تمد العالم قديمًا بالغذاء، معتمدة كل الاعتماد على الواردات الغذائية لمجرد البقاء"، ولتمثل الواردات الغذائية أكثر من نصف استهلاك المنطقة الغذائي(16)، فتستورد معظم الدول العربية ما بين 25 و50% من احتياجاتها الغذائية، وتمثل الواردات الغذائية أكبر حصة من المنتجات المُستوردة في المنطقة بما يتراوح ما بين 11 و34% من الواردات، وتمثل فاتورة الواردات الغذائية العربية حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة(17).

وتعتمد الدول العربية على الحبوب بشكل كبير في غذائها، فتحصل على حوالي 35% من سعراتها الحرارية اليومية من القمح وحده، وتمثل واردات الحبوب ما بين 40 و50% من الاستهلاك، وتصل في بعض البلدان العربية مثل العراق واليمن ولبنان وفلسطين إلى حوالي 70%؛ ما جعل المنطقة العربية مجموعة بشكل عام أكبر مستورد للحبوب في العالم، وحتى كدول مُنفردة، يحتل كثير من البلدان العربية مواقع متقدمة ضمن أكبر مستوردي العالم للحبوب(18).

ويمثل هذا الوضع عبئًا ضخمًا على الموقف الاقتصادي والاجتماعي العربي، فضلًا عن تهديداته السياسية والاستراتيجية، من جهة الاعتماد الزائد على الخارج، أولًا، في توفير سلع شديدة الحيوية كهذه، وثانيًا: من جهة الوضع المالي الضعيف لمعظم الدول العربية غير النفطية، وفي تقرير مشترك لمجموعة من المنظمات الدولية الرائدة عن الوضع الغذائي العربي، عام 2009(19)، جرى تصنيف الدول العربية من جهة أمنها الغذائي في أربع فئات، على أساس التوليفات المحتملة لمعيارين، هما: مدى الاعتماد الغذائي على الخارج ومدى ملاءة الوضع المالي، كما يظهر بالشكل البياني (4) التالي، حيث لا توجد أية دول عربية في الفئة الأكثر آمنًا، الآمنة من مخاطر "الاعتمادية/الكميات" و"المالية/الأسعار" معًا، فيما تقع بلدان مجلس التعاون الخليجي في الفئة الاعتمادية غذائيًّا لكن الآمنة ماليًّا (فهى مُعرضة لمخاطر الكمية أكثر من مخاطر الأسعار، كمخاطر حظر التصدير والمقاطعة التجارية)، تليها مجموعة الدول التي تعاني الضعف المالي بأكثر مما تعاني الاعتمادية الغذائية، والتي تشمل مصر والسودان وسوريا (فهى  تعاني مخاطر الأسعار بدرجة أكبر من مخاطر الكميات)، ثم آخر مجموعة الأسوأ وضعًا، والتي تعاني نوعي المخاطر بدرجة كبيرة، وهي: لبنان والأردن واليمن والمغرب وجيبوتي (فتعاني مخاطر الكميات والأسعار معًا).

شكل (4): مصفوفة معياري مخاطر التبعية الغذائية والتأزم المالي للدول العربية خلال الفترة 2005-2008(20)

وتتجلى خطورة هذا الموقف في انتماء معظم الدول العربية لمجموعة الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، بما يمثل حوالي 90% من سكان المنطقة العربية؛ حيث تزداد فرصة اجتماع المعيارين المذكورين معًا، ويزداد أثرهما في مخاطر الأسعار والكميات، بتزايد الضغط المالي من ناحية (كمصر ولبنان مثلًا)، وتفاقم الصراعات الداخلية والخارجية بما لها من أثر على الاستقرار الاقتصادي والإنتاج الزراعي في أضعف دول المنطقة وضعًا غذائيًّا من ناحية أخرى (كالعراق وفلسطين والسودان واليمن).

والواقع أن البيانات تشير إلى وجود بوادر فعلية لذلك الاجتماع، كما يظهر في حقيقة أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي شهدت زيادة في نسبة نقص التغذية من 3.8 إلى 4.6% خلال الفترة 1990-2005(21)، ومن المُتصور تفاقم ذلك الوضع مع أزمات الغذاء المتوالية طوال الفترة 2008-2010؛ ما ظهر فيما رصده تقرير لمنظمة الفاو من ارتفاع مستوى الجوع في العالم العربي بنسبة 91.1% خلال عشرين عامًا منذ عام 2000، وفي معاناة حوالي ثلث سكان المنطقة من انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد عام 2020(22). ويمكننا توقع مدى سوء الوضع ووعي مدى هشاشته، في سياق الأزمة الأوكرانية الحالية، بمعرفة أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستورد أكثر من 50% من وارداتها من الحبوب وحصة كبيرة من القمح والشعير والذرة من روسيا وأوكرانيا وحدهما(23).

وبالنسبة لمصر، التي تصلح كحالة معبِّرة نسبيًّا عن "متوسط" الوضع الغذائي العربي، في صورته الخام الحقيقية، اتجه متوسط نصيب الفرد بها من الناتج الزراعي للانخفاض عن نظيره العربي والعالمي، فبينما بلغ بين عامي 2015 و2020 على التوالي، حوالي 373.9 و306.1 دولارات عربيًّا، و 402.2 و416.8 دولارًا عالميًّا، فقد انخفض في مصر من 393.1 إلى 285.4 دولارًت للفرد، بتذبذات بينية بالطبع، لكن باتجاه أساسي للانخفاض(24)، ما صاحبه تراجع طفيف في متوسط نصيب الفرد من إمدادات السعرات الحرارية يوميًّا من 3388 إلى 3277 خلال نفس الفترة(25)، كما تزامن معه ارتفاع مطرد في الأرقام القياسية لأسعار المستهلك للسلع الغذائية الرئيسية في مصر من 178.4 إلى 303.1 بين عامي 2016-2020(26).

ويُقدَّر المتوسط السنوي للفجوة الغذائية في مصر خلال الفترة 2000-2017 بحوالي 16 مليون طن من الغذاء بقيمة 6 مليارات دولار، مع اتجاه عام للتزايد طوال الفترة، بحيث بلغت فجوة الغذاء الفعلية لعام 2017 حوالي 23 مليون طن بقيمة 10 مليارات دولار، مع توقعات ببلوغ متوسط تلك الفجوة خلال الفترة 2018-2030 حوالي 25 مليون طن بقيمة 14 مليار دولار(27).

أما عن مدى الاكتفاء الذاتي من الغذاء، فرغم اختلاف اتجاهاته وتفاوتها ما بين المحاصيل المختلفة، فقد اتجه أهمها على الإطلاق، وهي محاصيل الحبوب التي تضم القمح والأرز والشعير والذرة الشامي والرفيعة، للانخفاض من 69 إلى 45.6% خلال الفترة 2000-2018، ومثلها البقوليات من 56.4 إلى 37.6%، فيما تحسنت الألبان والفواكه والخضروات والنشويات بنسب طفيفة في معظمها لا تعوض الانخفاضات السابقة، ويوضح الجدول (1) التالي تفصيلًا اتجاهات الاكتفاء الذاتي في مصر طوال الفترة المذكورة.

جدول (1): تطور معدلات الاكتفاء الذاتي من الإنتاج الزراعي والغذائي في مصر خلال الفترة 2000-2018(28)

وقد احتلت مصر المرتبة 62 من إجمالي 113 دولة على مؤشر الأمن الغذائي لعام 2021، بمعدل عام 60.8 معتدل، وبمعدلات متفاوتة ما بين المؤشرات الفرعية، فبلغت مؤشرات التوفر والتكلفة والنوعية 49 و68 و71 على الترتيب، فيما انخفض المؤشر الرابع المتعلق باعتمادية الموارد الطبيعية لمستوى 44، وهو التفاوت الذي يعكس أوضاع الضغط على الموارد والاعتماد المرتفع على الخارج في توفير الغذاء(29)، كما احتلت مصر المرتبة 56 من إجمالي 116 دولة على مؤشر الجوع العالمي لعام 2021، بمعدل 12.5 معتدل يضعها في الفئة الآمنة إلى حدٍّ ما، مُنخفضةً من معدل 16.3 عام 2000(30)، وتتساوق نسب سوء التغذية المعتدل والشديد مع معدلات الفقر في مصر طوال الفترة 2014-2020، ما بين 27 و33% من السكان، فيما يدور سوء التغذية الشديد مُستقلًّا حول متوسط 7% تقريبًا خلال نفس الفترة، وعاني من خُمس إلى رُبع الأطفال دون عمر الخامسة طوال الفترة 2000-2020 من التقزم(31)، وكلها معدلات مقبولة بالمقارنة بالمتوسطات العالمية والإقليمية، لكنها هشة بالنظر لاعتمادها على مكون مرتفع من الواردات الغذائية من الخارج.

وهكذا، فبشكل عام، تعاني مصر والمنطقة العربية عمومًا أزمة حقيقية في وضعها الغذائي الخام، وهى أزمة تصل حدَّ تحول قطاع الزراعة لعبء وعائق حقيقي للتنمية والتطور الاقتصادي بعامة، فخلافًا للتبسيطات العامية الساذجة التي تصطنع أسوارًا صينية بين ما تعتبره الزراعة المتخلفة والصناعة المتقدمة، فإنه لا صناعة قادرة على التقدم ابتداءً دون زراعة قوية، ولا زراعة مُستدامة التطور دون صناعة متقدمة، وهو أمر يؤكده أولًا منطق العلم، من جهة الدور المركزي للزراعة بفوائضها في تمويل الاستثمار الصناعي وبنتاجها في توفير سلة السلع الأجرية بأسعار مقبولة تخفض تكاليف عمالته، كما تثْبته ثانيًا عبرة التاريخ، فناهيك عن كافة التجارب التاريخية المعروفة مما لسنا في محل تفصيله، لم تعرف مصر التراجع الشامل، الزراعي قبل الصناعي، إلا بعدما أطلق السادات تصريحه الشهير، الموروث أصلًا عن الاحتلال البريطاني، بأن "مصر بلد زراعي"!

لكن، لا يمكن بالطبع اختزال ذلك الوضع في جوانبه "الطبيعية/التقنية" البحتة، فقيد الموارد والتكنولوجيا مهما اشتد لا يفسر وحده وضعًا بهذه الحدة، بل يشاركه الملعب الجانب "الاجتماعي/المؤسسي"، المُتعلق بسياسات الزراعة والغذاء والإدارة العامة للقطاع بجانبيه، الإنتاجي والاستهلاكي، معًا، بتأثير جوهري على الكفاءة الإنتاجية لاستخدام الموارد، والتوزيعية لكيفية توزيع الناتج، وقبلهما معًا الكفاءة التخصيصية لكيفية تخصيص تلك الموارد ابتداءً؛ ما يتعلق كله بالآثار القطاعية -الزراعية- للنموذج الاقتصادي المُتبع بالعموم، وأولوياته وانحيازاته بالخصوص، والذي ننتقل الآن لمقاربته في سياق تحليل مُوجز للجذور التاريخية والبنيوية للعجز الزراعي، وبالتبعية الفجوة الغذائية، في مصر كحالة خاصة، مهمة ثقلًا ومُعبِّرة وضعًا.

أبعاد وجذور العجز الزراعي في مصر

تبدأ أزمة الزراعة في مصر الحديثة منذ أوائل القرن العشرين، عندما وصلت الزراعة "التقليدية" لحدودها تحت ضغط قانون تناقص الغلَّة الحديدي؛ لتصبح غير قادرة، من الوجهة الفنية، على دفع الاقتصاد للأمام عمومًا(32)، فيما كان يؤطِّرها من الوجهة الاجتماعية، نمط تصدير المحصول الواحد، الذي فرضه الاحتلال الإنجليزي على البلد، من خلال علاقات اجتماعية هي خليط من الرأسمالية التجارية والربوية في نطاق التبادل والإنتاج شبه الإقطاعي والوحدات العائلية في نطاق الإنتاج؛ ليؤسس للعديد من الاختلالات بالاقتصاد الوطني، التي تقدمها من جهة، سوء تخصيص الموارد بسيطرة المحصول الواحد وقتها، القطن، على نسبة معتبرة من التشغيل الزراعي، على حساب التخصيص الأمثل للموارد الذي ينطلق من الاحتياجات المحلية، ومن جهة ثانية، اعتمد على أنماط متخلفة لسيطرة رأس المال على المنتجين المباشرين تستنزف الفائض الاقتصادي بالقطاع وتنزحه، دون أن تشجع على تطوير القطاع تقنيًّا واجتماعيًّا(33).

نمى وقتها وعي مُتنام بحاجة مصر لثورة زراعية تنقلها إلى الزراعة الحديثة، ما لم يكن ممكنًا أن تنجزه القوى شبه الإقطاعية المسيطرة صاحبة المصلحة في استمرار اقتصاد القطن بكافة أبعاده، وبدأت بوادر الأزمة الغذائية كنتاج للأزمة الزراعية، التي كانت لا تزال أزمة تنظيم اجتماعي أكثر منها أزمة موارد طبيعية، فكانت أولى ممارسات الدعم الغذائي في أربعينات القرن العشرين، ثم أتت ثورة يوليو/تموز، التي بدأت بمحاولة تثوير الري، في شقه الكمي على الأقل، بمشروع السد العالي، لتنتهي المحاولة سريعًا بموت عبد الناصر، وتبدأ الأزمة في التفاقم كما يسجِّل لنا جمال حمدان أن "ثورة زراعية مواكبة لم تصحب ثورة الري، ومن هنا اشتد قصور الزراعة المصرية عن حدِّ الكفاية الذاتية وخاصة الكفاية الغذائية، وبرزت بحدة مشكلة الفجوة الغذائية، وتحولت مصر لأول مرة في تاريخها الحديث، وربما في تاريخها كله، إلى دولة مُستوردة للغذاء والطعام والحبوب بعد أن كانت دولة مُصدِّرة لها تقليديًّا، ولأول مرة انقلبت المقولة التاريخية الشهيرة الحبوب من مصر Corn from Egypt إلى الحبوب إلى مصر Corn to Egypt"(34).

أتى هذا الوضع ضمن حالة متفاقمة من الندرة المادية لموارد القطاع، أرضًا وماءً، مُتمثلة فيما وصفه محمد دويدار بحالة "جوع الأرض"(35)، فمنذ الغزو الفرنسي وحتى أوائل الستينات، ارتفع عدد السكان من 2.46 مليون نسمة إلى حوالي 26 مليونًا، فيما ارتفعت مساحة الأرض القابلة للزراعة من 3.22 ملايين فدان إلى 5.88 ملايين فدان فقط خلال نفس الفترة، أي زاد عدد السكان بنسبة 956% تقريبًا، فيما لم تزد الأرض سوى بنسبة 82% فقط(36)، وهو الاتجاه الذي استمر رغم كل محاولات الاستصلاح الزراعي التي سعت لها الثورة، والتي تراجعت خلال فترة الانفتاح وما تلاها، لتزداد مساحة الأرض الزراعية إلى 10.3 ملايين فدان مقابل زيادة عدد السكان إلى 100 مليون نسمة، عام 2019(37)، أي بزيادة بنسبة 75% فقط للأولى مقابل زيادة بنسبة 285% للثاني؛ لينخفض متوسط المساحة الزراعية للمواطن المصري إلى 0.1 فدان لا غير.

وبالطبع، تحاول الرواية الرسمية اختزال كامل مشكلة التنمية المصرية -وليس الزراعية فقط- في الشق الطبيعي، أي في النمو السكاني السريع، وما يمثله من ضغط متزايد على الموارد -الزراعية- المحدودة، إلا أنه قول، بخلاف الرد العام عليه مرارًا وتكرارًا، لا يمكن قبوله على عواهنه في ظل خمسة أعراض وقصورات واضحة، فنية واجتماعية، تعكس انحرافات النموذج الاقتصادي المُتبع وسوء الإدارة الاقتصادية ابتداءً، والتي يمكن أن نلخص على ضوئها، في تلك العُجالة التي لا تسمح بتناول شامل للمشكلة الزراعية المعقدة، الأعراض والأبعاد البنيوية لضعف القطاع الزراعي بعمومه في مصر المعاصرة.

فأولها: انخفاض متوسط الإنتاجية الزراعية، كعَرَض لاستمرار التخلف التقني والاجتماعي معًا للزراعة المصرية، ما يظهر أول ما يظهر في انخفاض نصيب العامل الزراعي من القيمة المضافة في القطاع الزراعي البالغ 5772 دولارًا، عام 2019، عن متوسطه -المنخفض أصلًا- للمنطقة العربية البالغ في ذات العالم 6595 دولارًا(38)، كذا في انخفاض مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي البالغة حوالي 11% من الناتج، بالمقارنة بمساهمته في إجمالي العمالة البالغة 23.3%، عام 2019(39)؛ والذي انعكس في انخفاض مؤشر الكفاءة الاقتصادية الزراعية(40) للبلد في ذات العالم ليبلغ 0.47%(41)، وهو الانخفاض الذي يفسره الخبراء بعديد من العوامل، يكفي أن نعرف منها ما يتعلق بأهم العناصر التقنية لعملية الإنتاج الزراعي؛ لنستنتج مُجمل حالة ومنطق عمل القطاع من الوجهة الإنتاجية.

فعلى صعيد عنصر الأرض الزراعية، شهدت مصر تدهورًا كبيرًا في متوسط الكفاءة الإنتاجية العامة للأراضي؛ لعدم الالتزام بنظام الدورة الزراعية السليم، وسياسات صيانة وتحسين الأراضي الزراعية؛ ما ظهر في انكماش مساحة أراضي "الدرجة الأولى" في الأراضي القديمة من حوالي 3 ملايين فدان إلى 978 ألف فدان فقط، أي أقل من الثلث، خلال الفترة 1996-2005، مقابل ارتفاع مساحة أراضي "الدرجة الثانية" من حوالي 33.6 إلى 41.8% خلال نفس الفترة، وارتفاع مساحة أراضي "الدرجة الثالثة" من 1.25 مليون فدان إلى 2.12 مليون فدان، وتضاعف مساحة أراضي "الدرجة الرابعة" بحوالي أربعة أضعاف، من 205 ألف فدان إلى 816 ألف فدان خلال نفس الفترة، وهى معدلات خطيرة في تلك الفترة القصيرة نسبيًّا(42).

وعلى صعيد الموارد المائية النادرة، تعاني مصر ضعفًا في كفاءة استخدامها، فرغم انتماء مصر فعليًّا للدول المُصنَّفة كدول فقر مائي، التي ينخفض متوسط نصيب الفرد بها عن 600 متر مكعب سنويًّا، فإنها لا تزال تستخدم أساليب ري تقليدية في أغلب أراضيها الزراعية؛ ما لا يحقق الاستخدام الاقتصادي الكفؤ للمياه، كما أنها من أكثر دول العالم إسرافًا في استخدامها، حيث لا تتعدى كفاءة نقل وتوزيع المياه بمصر نسبة 70%، بل وتنخفض إلى نسبة 50% في نظم الري الحقلي(43).

وبالطبع، ما كان لمثل هذا الضعف في كفاءة استخدام المَوْرِدَيْن المركزييْن في عملية الإنتاج الزراعي أن يتفاقم، لو لم تستمر الأساليب التكنولوجية التقليدية في السيطرة على القطاع عمومًا؛ نتيجة لصغر أحجام الحيازات الزراعية وعدم فاعلية أو الغياب المُطلق للتعاونيات الزراعية كحل لتلك المشكلة، بالإضافة إلى ضعف إمكانات المزارعين التقليديين المادية والتقنية، مع استمرار نمط الإنتاج العائلي جزئيًّا، باعتماده على فنون إنتاجية كثيفة العمالة وعلى القوة الحيوانية بديلًا عن الآلات المُكلفة.

ثانيها: عدم كفاءة التركيب المحصولي كانعكاس لنمط التخصيص الزراعي الذي لا يعبِّر عن أفضل توليفة ممكنة من الإنتاج الزراعي على ضوء الاحتياجات المحلية؛ بسبب فرض النموذج النيوليبرالي على القطاع الزراعي في مصر؛ بما استتبعه من سيطرة المحاصيل التصديرية على قسم الزراعة الرأسمالية الذي يُفترض كونه أكثر أقسام الزراعة المصرية تطورًا، ولعل سيطرة محصول البرسيم على ما وصل لحوالي 25% من الأراضي الزراعية في مصر أحد أبرز الأمثلة المبكرة لذلك الوضع، ودون حتى أن يكون محصولًا ذا ميزة نسبية منعكسة في ارتفاع إنتاجيته بما يبرر تلك النسبة المستمرة منذ أواسط السبعينات، والتي أثارت وزير الزراعة حينها حدَّ اختصاصه بتصريح خاص يظهر مدى الخلل الذي أدت إليه سياسة الانفتاح الاقتصادي في مجال الزراعة؛ حيث ذكر أننا "اقتربنا من رقم 1.8 مليون فدان برسيم لعدد من الحيوانات يوازي واحد على سبعة من عدد السكان، بينما نزرع 1.4 مليون فدان قمح لحوالي 35 مليون إنسان. وبالمقارنة نرى كيف أن الحيوان أخذ ميزة نسبية في ظل هذه الأوضاع على الإنسان"(44)، وبالطبع ليس الحيوان هو من أخذ الميزة، بل مستهلكو لحومه القادرين على دفع أثمانه، بتأثيرهم القوي على هياكل الأسعار والأرباح الزراعية، من خلال آليات التخصيص الرأسمالية المتقاطعة مع تواطؤ سياساتي وضعف كفاءة في السياسات الزراعية الحكومية بالطبع، التي كانت سياسات متناقضة ذاتيًّا، تُخضِع الدولة بمقتضاها المحاصيل التقليدية الرئيسية لنظام التوريد الإجباري، وتشتريها بأسعار إدارية أقل من قيمتها السوقية، مُبقية تلك الأسعار ثابتة نسبيًّا مع زيادات طفيفة لا تتناسب مع الزيادات في أسعار المحاصيل الأخرى التي لا تخضع لذلك النظام(45).

ثالثها: ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بدءًا من أهم مكوناته، الأرض؛ كنتيجة لتقاطع حالة "جوع الأرض" سالفة الذكر مع تحريرها كسلعة إيجارًا وتمليكًا وفقًا لمنطق النموذج النيوليبرالي المذكور؛ بما أطلق حالة من المُضاربة على الأراضي، والرفع الكبير المتتالي للإيجارات الزراعية، فضلًا عن تبويرها وتجريفها لتحويلها لأراضي مبان، ما لا توجد أية مبالغة في وصفه بضربة استراتيجية أصابت القطاع، فعلت به ما فعلت هيمنة التجارة بالقطاع الصناعي، وما فعل الطابع الريعي عمومًا بالاقتصاد.

وقد أسهم الطابع التجاري المهيمن على الاقتصاد بعمومه، ارتباطًا بالنمط النيوليبرالي المذكور وصيغته الغالبة في مصر كبلد طرفي، من خلال تكاثر حلقات التداول بتكاليفها المتزايدة والمطردة(46)، مع سيادة احتكارات المستوردين المسيطرة على كثير من مدخلات الإنتاج الزراعي التي رفعت الدولة يدها عن دعمها وتوفيرها(47)، في رفع تكاليف عمليات الإنتاج الزراعي؛ كما أسهم بالتبعية في اختلال هياكل أسعار المحاصيل الزراعية؛ ومن ثم تشويه عملية تخصيص الموارد الزراعية، حتى بحسابات السوق البحتة.

كما أسهم عدم استقرار أسعار أهم مستلزمات الإنتاج في عدم استقرار التكاليف وإرباك حسابات الإنتاج، ففي دراسة عن أهم محاصيل الحبوب في مصر خلال الفترة 2000-2017(48)، بلغ المتوسط العام لمعامل عدم استقرار أسعار التقاوي نحو 43.54% (وبما تراوح ما بين 6.38% و63.4% بين عامي 2000 و2001 على سبيل المثال)، وبالمثل بلغ نظيره للسماد البلدي 34.47%، وللمبيدات 60.34%، وكان معتدلًا فقط للسماد الكيماوي بنسبة 9.7%.

يُضاف لما سبق -مما يرفع التكاليف النهائية- ارتفاع نسب الفاقد في المحاصيل؛ بما يخفض الناتج الصافي القابل للتداول السوقي والاستهلاك الفعلي، وفي دراسة عن نسب الفاقد في محصول القمح خلال الفترة 1990-2013(49)، بلغ متوسط نسبة الفاقد إلى الإنتاج المحلي من القمح خلال الفترة حوالي 17.8% سنويًّا، متراوحةً ما بين 11.05% كحدٍّ أدنى و35.89% كحدٍّ أعلى، كما بلغ متوسطها إلى الواردات من القمح 18.8% تقريبًا، متراوحةً ما بين 10.38% كحد أدنى و49.15% كحد أقصى، وبتقدير ما يعادل ذلك الفقد كموارد زراعية عام 2013 وحده، فقد بلغ فاقد الأرض حوالي 1.23 مليون فدان، وفاقد العمل حوالي 18.39 مليون يوم عمل زراعي، وفاقد العمل الآلي حوالي 24.52 مليون ساعة عمل، وفاقد المياه حوالي 2.56 مليار متر مكعب، ما وصل بإجماليه بحساب كافة أنواع الفاقد الأخرى إلى حوالي 6.24 مليارات جنيه في ذلك العام 2013 وحده.

رابعها: انخفاض معدلات نمو الإنتاج الزراعي كنتيجة لإهمال القطاع استثماريًّا وإنتاجيًّا، ففي مفارقة غريبة، تزامنت تصريحات السادات بأن "مصر بلد زراعي" أواسط السبعينات مع أول تراجع في الاهتمام الاستثماري بالقطاع؛ حيث تراجعت استثمارات الدولة في الزراعة من 16.6% من إجمالي الاستثمارات عام 1970، إلى 4.2% منها عام 1980، بما يوازي انخفاضًا إلى الربع خلال عشر سنوات فقط؛ وبما انعكس بالسلب، خصوصًا في ظل الدور المهم حينها للاستثمار العام في الاقتصاد بعمومه، على الإنتاج الزراعي الكلي، والأخطر على القاعدة التقنية للقطاع؛ حيث انتهت الأعمار الافتراضية لكثير من الآلات والمعدات الزراعية التي كانت تمتلكها التعاونيات الزراعية وهيئة الإصلاح الزراعي(50). لا عجب أن شهدت هذه الفترة، بهذا الإهمال المُفرط للزراعة المتضافر مع سياسات انفتاح عشوائي، اتساعًا سريعًا في الفجوة الغذائية، بحيث ارتفعت من 1.7 مليون طن من الغذاء بقيمة 984 مليون دولار عام 1970، إلى  7.4 مليارات طن بقيمة 1.9 مليار دولار عام 1980(51).

كما سجلت  الخطط الخمسية الثلاث خلال الفترة 1997-2012 انخفاضًا مستمرًّا في الاستثمارات المُنفذة بالقطاع، من 7.2 إلى 5.24 إلى 3.32% من إجمالي الاستثمارات على التوالي؛ والذي انعكس في تراجع حصص الناتج الزراعي في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لنفس الفترة من 16.82 إلى 14.83 إلى 13.99% على التوالي، كما انعكس في زيادة الواردات الزراعية خلال الفترة، بنسبة 77.5% ما بين الخطتين الأولى والثانية، و104.2% ما بين الخطتين الثالثة والثانية(52).

وهو الاتجاه المستمر حتى تاريخه، ما يظهر في اتجاه تطور الأهمية النسبية للاستثمار بالقطاع الزراعي خلال الفترة 2000-2018، فانخفض إجماليه بنسبة 73.4% من 12.89 إلى 3.43% من إجمالي الاستثمار القومي، وعلى مستوى مكوِّنيْه، العام والخاص، انخفض الأول بنسبة 76.6% من 9.21 إلى 2.15% من الاستثمار العام، وانخفض الثاني بنسبة 69.3% من 16.48 إلى 5.06% من الاستثمار الخاص، كما يتضح بالشكل البياني (5) التالي.

شكل (5): اتجاهات تطور الأهمية النسبية للاستثمار الزراعي خلال الفترة 2000-2018(53)

خامسها: سوء الحالة الاقتصادية والاجتماعية للفلاحين المصريين، كانعكاس لسوء حالة القطاع عمومًا، وكنتاج لاختلالات جوهرية في السياسات الزراعية والمالية والنقدية المصرية، من جهتي الكفاءة والعدالة معًا، فهى سياسات تقتل الحوافز الإنتاجية للمزارعين من جهة، كما هي سياسات محابية لكبار الملاك وللرأسمالية الزراعية على حساب صغار المزارعين، فضلًا عن العلاقة المختلة بين الريف والمدينة في مصر حدَّ اعتبار الفقر فيها مسألة ريفية أساسًا، حتى إن أحد مشاريع الاستهداف الجغرافي للمناطق الأشد فقرًا في مصر أواخر فترة مبارك كان قد عُرف إعلاميًّا بمشروع "الألف قرية"(54)، وحسب دراسة لوزارة التخطيط المصرية، لُوحظ عن الفترة 1996-2000، أنه بينما كان من كل عشرة مصريين ستة يعيشون في الريف، كان من كل عشرة فقراء ثمانية يعيشون فيه، وبينما كان من كل عشرة مصريين أربعة يعملون في الزراعة، كان من كل عشرة فقراء ستة يعملون بها(55)، وهو الوضع الذي لا يزال مستمرًّا رغم التحسنات الطفيفية هنا وهناك، حيث ارتفع متوسط أجر العامل الزراعي بالمقارنة بمتوسط الأجور بالقطاعات الأخرى من 74 إلى 81% منها خلال الفترة 2010-2015، لكنه يظل في مرتبة متأخرة بين كافة القطاعات؛ حيث احتل المرتبة العشرين بحسابات عام 2015(56).

ولا نظننا بحاجة للتوسع في مناقشة "مسألة الفلاحين" الشهيرة ذات التاريخ الطويل في مصر في هذا المجال الضيق، والتي تتطلب بأهميتها الخاصة تناولًا مستقلًّا ضمن مناقشة أشمل للمشكلة الزراعية بمُجملها.

خاتمة: حتمية السيادة الغذائية والثورة الزراعية

من العرض شديد التركيز والإيجاز لجذور العجز الزراعي في مصر؛ يتبين أن مشكلة الزراعة في مصر ليست سوى جزء من، وامتداد لـ، مشكلة كامل النمط الاقتصادي المصري، كنمط عجز عن إنجاز تحوله الهيكلي، بشقيه الصناعي المستقل والثورة الزراعية، ذلك التحول الضروري ليعالج بضربة واحدة المشكلات التقنية والاجتماعية للقطاع الزراعي في مصر، والذي أصبح عبئًا على التنمية بدلًا من أن يكون منطلقًا وداعمًا لها، كما يتضح عدم استدامة النموذج النيوليبرالي في الزراعة القائم على نهج "الأمن الغذائي من خلال التجارة الخارجية"، من جهة هشاشة النموذج والمخاطر العالية المتصلة به عمومًا، وفي سياقات التأزم المالي للدول الطرفية محدودة التصدير كمصر خصوصًا، ناهيك عن الحمائية الجديدة الصاعدة، متزايدة الاحتمالية أوقات التأزم الدولي والتوتر السياسي كالتالي نعيشها هذه الأيام مع الأزمة الأوكرانية!

لكل هذا، يتحتم على مصر والمنطقة العربية عمومًا تبني نهج مختلف، ضمن عملية تحول هيكلي منهجية، يقوم على "السيادة الغذائية الشاملة" التي تستهدف السيطرة على شروط إعادة إنتاج المجتمع المادية، وضمنها استقلاله المادي والاجتماعي، على الأقل، بالكتلة الأساسية الحرجة من قاعدة غذائه، بإنتاجها تحت سيطرته وضمن أراضيه وشروطه، وبتبني نهج تعاوني فيما بين دول المنطقة، يعوض ما تعانيه جميعًا من ندرة الموارد، ويعزز من فرص إنجاز ثورة زراعية، تنقل المنطقة برمتها من "حال" الندرة إلى الوفرة، من خلال التقنيات الفنية الأكفأ والتنظيم الإنتاجي الأكثر عقلانية، لما فيه صالح الأغلبية المُنتجة من شعوبنا العربية.

____________________________

هذا التقرير مأخوذ عن مركز الجزيرة للدراسات.

المصدر : الجزيرة