السفينة الجانحة في قناة السويس ليست الوحيدة.. لماذا تستمر حوادث السفن؟

أعدَّ الصحافي ديفيد غراهام تقريرا، نشرته مجلة "ذي أتلانتيك" الأميركية، يناقش فيه الأسباب المُحتمَلة التي تتسبَّب في وقوع حوادث فقدان السفن أو جنوحها بصورة مُتكرِّرة، وذلك على خلفية انتهاء أزمة السفينة "إيفر جيفِن" التي ظلَّت عالقة في قناة السويس لمدة ستة أيام تقريبا.

 

عادة ما تتصدَّر حوادث الطائرات الكبيرة عناوين الأخبار حول العالم عند وقوعها، والسبب في ذلك وجيه، إذ إن الحوادث التي تتسبَّب في موت المسافرين نادرة للغاية. لكن مؤخرا، انصبَّت أنظار العالم على سفينة الحاويات الضخمة "إيفر جيفِن" التي ظلَّت جانحة بين ضفتَيْ قناة السويس لمدة ستة أيام.

 

تُعتبر أزمة "إيفر جيفِن" عادية وغير عادية على السواء، إذ إنه نادرا ما تعلق سفينة في قناة السويس (على الرغم من حدوث هذا كل بضع سنوات)، كما أنه نادرا ما تجذب كارثة بحرية كل هذا الانتباه. لكن رغم أن العالم يعتمد بشدة على سفن الحاويات مثل "إيفر جيفِن" -وهي حقيقة أظهرتها الاضطرابات المرتبطة بجائحة كورونا جليا- فإن الحوادث البحرية الكبرى شائعة للمفارقة. بحسب شركة "أليانز" العالمية للتأمين، فُقِدَت 41 سفينة ضخمة عام 2019، و46 سفينة أخرى عام 2018. وخلال العقد الماضي، فقدنا سنويا نحو مئة سفينة حاويات كبيرة.

لماذا يتكرَّر وقوع تلك الحوادث؟ لكل حادث بحري إخفاقاته الخاصة، مثله مثل حوادث تحطُّم الطائرات كافة. لكن المفتاح الوحيد لتحسين الأمان في النقل الجوي كان ظهور منهجية جديدة جذريا في الأمان والتدريب، عُرفت بـ "إدارة موارد قمرة القيادة" أو "إدارة موارد الطاقم". لا تزال إخفاقات الطيران تحدث، لكنها نادرا ما تكون كوارث مُميتة. وقد حاول قطاع النقل البحري التعلُّم من نجاحات النقل الجوي، وصاغ نسخته الخاصة التي عُرفت بـ "إدارة موارد البرج"، لكن تطبيق هذه المنهجية وتحديثها مُني بفشل ذريع.

 

والنتيجة هي تحطُّم السفن، وتأخُّر وصول السلع الحيوية، ومصرع الملاّحين. ولا نملك حتى الآن معلومات كافية لفهم ما حدث في حالة السفينة "إيفر جيفِن"، إذ تشمل الأسباب المُحتمَلة تعطُّل نظام الطاقة والرياح الشديدة. لكنني حين سألت القبطان جون كونراد، وهو ملّاح تجاري يُدير موقع "جي كابتن" الإلكتروني المُتخصِّص في أخبار الملاحة البحرية، عن عدد حوادث السفن الكبيرة الناتجة عن سوء إدارة موارد البرج، أجابني قائلا: "كلها، كل هذه الحوادث، نتيجة مشكلات في إدارة موارد البرج".

 

عندما انطلق مجال الطيران اتخذ تسميات طاقمه وتصميم أزيائهم الرسمية والتقاليد المُتَّبعة فيه من الملاحة البحرية، إذ كان الرجل المسؤول (في تلك الحقبة) عن الطائرة هو القبطان، ووضع شارة تشبه في تصميمها شارة البحرية. وكان الرجل الثاني في القيادة هو مساعد القبطان أو الضابط الأول، المسؤول عن قمرة القيادة، كما هو الحال في السفن. ففي شركة "بان أميركا" (شركة خطوط جوية تأسَّست عام 1927 وانهارت مطلع التسعينيات) عُرِف طيَّاروها باسم "كليبر سكيبرز" أي "قباطنة كليپر"، في إشارة إلى القوارب الطائرة المعروفة بـ "كليبر" التي صنعتها شركة "بوينغ" (طائرات تهبط على الماء بدلا من اليابسة، وراجت بين الحربَيْن العالميتَيْن، وأُطلق عليها القوارب الطائرة أو "كليبرز"، وهو الاسم نفسه لسفن الإبحار السريعة الرائجة في القرن التاسع عشر).

 

تاريخيا، امتلك القبطان البحري سلطة مُطلَقة تقريبا على ظهر سفينته. ولم تخضع سلطته للمُساءلة أو النقاش؛ حيث اعتبرت البحرية البريطانية عصيان الأوامر جريمة تستوجب الإعدام. كما أن الكثير من القباطنة حول العالم لديهم سلطة عقد القِران على متن السفن. ويُنتظر من القباطنة أن يكونوا آخر مَن يموت غرقا إذا ما تعرَّضت السفينة للغرق. فقد فرَّ قبطان السفينة السياحية "كوستا كونكورديا" من سفينته أثناء غرقها (وهي سفينة رحلات اصطدمت بشعاب مرجانية وغرقت جزئيا في 13 يناير/كانون الثاني 2012 قُبالة السواحل الإيطالية)، فتعرَّض للتوبيخ واللوم من خفر السواحل ومن الصحافة، وقد حُكِم عليه بالسجن 16 عاما في نهاية المطاف، من ضمنها عام واحد عقابا على هجره للركاب.

غرق السفينة السياحية "كوستا كونكورديا"

ولَّدت هذه السلطة استبدادا تفشَّى بين القباطنة، ووجد ذلك سبيله إلى مجال الطيران. يستعيد الصحافي "ويليام لانجويش" مزحة عن الضابط الأول، مساعد القبطان، الذي يقول إن وظيفته كانت مستشارا للحماقة: "كلما تحدَّثت رد عليَّ القبطان قائلا: [لو أنني أحتاج إلى نصيحتك الحمقاء لطلبتها]". لكن مع مطلع السبعينيات أدرك خبراء الطيران أن هذا النهج تسبَّب غالبا في حوادث تحطُّم الطائرات، التي ربما أمكن تلافيها لو أصغى الطيارون إلى نصائح مساعديهم، أو مهندسي الطيران، أو طاقم الضيافة.

 

يتجلَّى منهج "إدارة موارد قمرة القيادة" في انتصار استطاع فيه ثلاثة طيارين إنقاذ 184 شخصا من أصل 296 على متن رحلة جوية تابعة لخطوط "يونايتد" الأميركية عام 1989 عقب فشل كارثي في عمل المُحرِّك. يتذكَّر الطيار "ألفريد هاينز" فيما بعد قائلا: "كنا نعمل حتى عام 1980 وفقا للمفهوم القائل إن الطيار هو السلطة النهائية على متن الطائرة، وإنه يقول كن فيكون. وبسبب ذلك فقدنا عددا من الطائرات. أحيانا لا يكون الطيار بالذكاء الذي نتوقَّعه منه.. ولولا أنني استخدمت منهجية [إدارة موارد قمرة القيادة]، ولولا أننا تركنا كل شخص يُدلي بدلوه، لما نجونا".

 

لا تزال بعض إخفاقات الطيران مرتبطة بثقافة سيئة داخل قمرة القيادة. فبعد ستة أشهر فقط من حادث طائرة خطوط "يونايتد"، وتحديدا في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، تحطَّمت طائرة تابعة لخطوط "أفيانكا" الكولومبية أثناء هبوطها في مطار "جون إف كينيدي"، ولقي معظم الركاب مصرعهم إثر نفاد الوقود، وهي المشكلة التي أرجعها المجلس الوطني لسلامة النقل إلى سوء الاتصالات بين أفراد الطاقم، وبين الطائرة وبرج المراقبة الجوية. ولكن مع ذلك، فالمكاسب التي تحقَّقت باهرة، خصوصا في الولايات المتحدة، ففي الفترة بين عامَيْ 2009-2018 لم تشهد أي خطوط جوية أميركية وفاة واحدة.

تحطم طائرة "أفيانكا" في مطار "جون إف كينيدي"

 

بيد أن هذا التقدُّم لم ينتقل من مجال الطيران إلى البحرية، يقول كونراد: "اتخذ مجال الملاحة البحرية في التسعينيات أساسيات منهجية إدارة موارد قمرة القيادة، وصنعوا منها منهجية إدارة موارد البرج. لكنهم هجروا هذه المنهجية إلى حدٍّ ما. كما أنهم لم يجروا تحديثات عليها منذ التسعينيات".

 

في عام 2015 غرقت سفينة الشحن "إل فارو" في المحيط الأطلسي بعد الإبحار في إعصار خواكين، ما أدَّى إلى مصرع كل مَن كانوا على متن السفينة وعددهم 33 شخصا. وبحسب تسجيل صوتي في قمرة قيادة السفينة، تمت استعادته فيما بعد، فإن عددا من أفراد الطاقم تجادلوا حول قرارات القبطان وأسلوبه المتعجرف تجاه العاصفة.

حطام في المياه من منطقة البحث عن سفينة الشحن المفقودة ألفارو "El Faro" الصورة قدمها خفر السواحل الأمريكي

قالت المساعدة الثانية للقبطان آنذاك: "أعتقد أنه يحاول التقليل من الأمر فحسب، لأنه يدرك أننا ما كان علينا سلك هذا المسار"، ورد عليها بحار فيما بعد قائلا: "لم يكن ليجرؤ أحد بكامل قواه العقلية على الإبحار نحوها (العاصفة)". ثم ردَّت عليه المساعدة الثانية ساخرة: "نحن فعلنا ذلك. مرحى لنا". في غضون ذلك شكا القبطان تقويض سلطته من جانب الإدارة التفصيلية على البر (وهي إدارة يتدخَّل المديرون بموجبها في جميع تفاصيل العمل تدخُّلا دقيقا).

 

ألقى تقرير المجلس الوطني لسلامة النقل باللوم على قرار القبطان بالإبحار داخل العاصفة؛ ما تسبَّب في غرق السفينة، لكنه أضاف: "ساهمت الإدارة غير الفعالة لموارد البرج على متن السفينة إل فارو في غرقها، وتضمَّن ذلك إخفاق القبطان في بحث اقتراحات الضباط المساعدين". كما لام المجلس على صغار الضباط عدم التعبير عن موقفهم، مع الاعتراف بأن "هنالك فجوة في الملاحة البحرية بين القبطان ومساعديه الأقل سلطة تُعرَف بـ [مسافات القوة]، ويمكنها أن تُصعِّب على صغار الضباط اتخاذ موقف معارض للقبطان". كما أشار التقرير إلى أن القبطان لم يكن قد أنهى تدريبه بعد في "إدارة موارد البرج".

 

تقع تحديات أخرى مُتعلِّقة بمنهجية "إدارة موارد البرج" أبعد من التراتبية التي عفا عليها الزمن. فبينما يستخدم الطيّارون اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة تواصل عالمية مشتركة، فإن البحارين من أقطار العالم كافة لا يتحدثون بالضرورة اللغة نفسها أو حتى لغة شائعة مشتركة. بالإضافة إلى أن الكثير من السفن قديم ولا يحتوي على أحدث أنواع التكنولوجيا؛ ما يزيد من نقاط الاختلاف التي تصنع الفارق في مواقف حساسة مماثلة لما شهدناه في قناة السويس. إذا ما واجهت طائرة مشكلة ميكانيكية، فسيصل للطيار إشعار فوري، أما القبطان فيكون عليه الاتصال بغرفة المُحرِّك من قمرة قيادته لفهم ما يحدث.

عمل كونراد على تطوير مبادئ توجيهية أكثر صرامة وحداثة لإدارة موارد البرج، لكنه قال لي إن عمله لم يلقَ انتباها. ويقول كونراد: "تستعصي الملاحة البحرية على التغيير لأسباب وجيهة. فحينما تتغير الأمور بسرعة كبيرة؛ يموت الناس". لكن أخذ الحيطة قد يصبح نوعا من أنواع التصلُّب، فيحول دون تحديثات ضرورية. كما أن شركات الشحن البحري لا ترغب في القيام باستثمارات ضخمة ما دام منافسوها لم يقوموا بالمثل، وذلك بسبب تخوُّفهم من خسارة الهوامش في تلك السوق التنافسية.

 

يقول كونراد إن مسؤولية الدفع باتجاه معايير أفضل يجب أن تقع على عاتق كلٍّ من المنظمة البحرية الدولية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، والحكومة الأميركية. لكن "الإدارة البحرية الأميركية" لا تلقى الكثير من الاهتمام، إذ وقف البحارون الأميركيون في وجه ما اعتبروه لا مبالاة من قِبَل إدارة أوباما، وبطئا منها في شغل منصب مدير الملاحة البحرية، فقد ظلَّت الوكالة بدون مدير مُعيَّن لفترات طويلة، وهو مستوى من الإهمال نادرا ما تُلاقيه إدارة الطيران الفيدرالية.

 

يشي نجاح قطاع الطيران في تحسين المعايير وخفض نِسَب الحوادث بأن فعل الأمر ذاته مع النقل البحري سيكون مفيدا وبسيطا (بل وسهلا). يقول كونراد: "إننا نعلم كيف نقوم بهذا الأمر". لكن بدون تحسين منهجية "إدارة موارد البرج"؛ ستظل الملاحة البحرية جانحة تماما مثلما جنحت "إيفر جيفِن"، وربما لوقت أطول بكثير.

———————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

في حين أن إثيوبيا كانت تشتكي قبل عقد من سطوة النفوذ التي مكّنت القاهرة من إعاقة تنفيذ أي مشروعات يمكن أن تُهدِّد حصة مصر من المياه، يبدو الوضع معكوسا اليوم حيث تتوافد رؤوس الأموال وعروض مؤسسات التمويل

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة