21 ألف حالة في 2020.. لماذا ينتحر الشباب في اليابان؟

اضغط للاستماع

رغم سُمعتها العالمية بوصفها دولة مزدهرة ومُتقدِّمة تقنيا، تُكابد اليابان ظاهرة اجتماعية خطيرة تتمثَّل في الأعداد الكبيرة للمنتحرين خاصة بين صفوف الشباب. ووفقا لبيانات عام 2020، بلغ عدد حالات الانتحار في اليابان 20919 حالة، بزيادة 750 شخصا (3.7%) مقارنة بأرقام العام السابق، وغالبا ما تعزو طوكيو زيادة نِسَب الانتحار إلى انعدام الأمان الوظيفي وزيادة الأعباء المرتبطة برعاية الصغار، فضلا عن تداعيات فيروس كورونا وما صاحبه من انعدام اليقين بشأن المستقبل، وعُزلة إجبارية تسبَّبت في زيادة مُطَّرِدة في معدلات الاكتئاب والاضطرابات النفسية.

 

في الشمال الغربي من جبل فوجي المهيب في أوكيغاهارا باليابان، وعلى مد البصر، تقبع مساحة مُترامية الأطراف من الأشجار نشأت وترعرعت على مدار مئات السنين لتكون غابة أوكيغاهارا الشهيرة أو "بحر الأشجار". صبيحة أحد الأيام، يتوقَّف الجيولوجي الياباني أزوسا هايانو بسيارته عند مدخل الغابة ليبدأ عمله المعتاد في دراسة الثورات البركانية، وحماية البيئة عموما، عمل يضطره دائما إلى الولوج في ثنايا الغابة الكثيفة إلى قاعدة جبل فوجي الراسي بشموخ كأنه شيخ عجوز يُملي دروس الحياة على زائريه.

 

يترجَّل هايانو مُلتقِطا أغراضه ليبدأ رحلته إلى البركان العجوز الثائر الذي يُواصل إلقاء حُممه على الغابة، ثوران بركاني قديم ساعد الأشجار والنباتات على النمو بكثافة، ومد جذورها المُتعرِّجة فوق الأرض المُحيطة غير المستوية، كما تسبَّب أيضا في نشوء مئات من الأخاديد والكهوف مختلفة الأحجام، لتصبح الغابة أرضا مناسبة لاختفاء أي شيء، وأي شخص.

جبل فوجي

يتنقل هايانو بصعوبة بين الأغصان الكثيفة في المكان الذي يصفه اليابانيون بـ "هوة الفراغ"، بينما تنتشر في أماكن مختلفة لوحات وضعتها الحكومة اليابانية، كُتب على بعضها عبارات غريبة لغير اليابانيين مثل "حياتك عبارة عن هدية ثمينة من والديك، فكِّر بهم وببقية أفراد عائلتك، لست مضطرا إلى المعاناة وحدك"، لوحات تبدو للوهلة الأولى أنها أخطأت طريقها للغابة، بينما يُكتب تحت العبارات رقم خط هاتفي ساخن.

 

يتخطَّى هايانو أشرطة مُلوَّنة إرشادية رسمية لمنع الزوّار من الضياع ومن ثم الموت، وبينما يسير تلفت نظره خيمة صفراء بعيدة نسبيا، يتجه إليها ثم يفحصها مع أغراض أخرى ليُقدِّر أنها هنا منذ بضعة أشهر، وعلى الفور يبدأ هايانو في الالتفات ومنظاره فوق عينيه مُتوقِّعا على الأغلب ما سيجد، ثم يقترب من شيء يبدو وكأنه ملابس شخص ما ليجدها جثة مُتحلِّلة، وبجوارها على ساق إحدى الأشجار خشبة مُعلَّقة كُتب عليها اسم الشخص، وعبارة "لقد جئت إلى هنا لأنه لا شيء جيد يحدث في حياتي"، مشهد يليق بفيلم رعب مألوف يبدو أن هايانو قد اعتاده، فهذه ليست زيارته الأولى على كل حال، وقد عثر قبلا على أكثر من مئة جثة أثناء ممارسة عمله في الغابة التي تحوَّلت إلى مقبرة حقيقية كبيرة تفوح منها رائحة الموت.

 

في المعتاد، فإن ظاهرة مثل الانتحار ليس لها وقت نمطي، لكن اليابان خالفت القاعدة غير المكتوبة، وأصبحت تعرف منذ وقت ليس بالقصير شيئا أشبه بشهر رعب ياباني، وهو شهر سبتمبر/أيلول من كل عام.

في ذلك الشهر، تنتهي عطلة الصيف وتبدأ الدراسة، وهو أمر يرتبط ارتباطا وثيقا بآلة الانتحار اليابانية العملاقة، ففي دراسة حكومية من قِبَل مكتب رئيس الوزراء الياباني، غطَّت أكثر من 18 ألف حالة انتحار في الفترة بين عامَيْ 1972-2013، في شريحة عمرية من الأطفال والمراهقين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما، خلصت إلى أن معظم الأطفال الذين أقدموا على الانتحار تخلَّصوا من حياتهم في أواخر شهر أغسطس/آب وخلال شهر سبتمبر/أيلول ومنتصف شهر إبريل/نيسان، على الترتيب، أي إن حالات الانتحار تزداد مع بداية العام الدراسي والتحاق الطلاب بالمدارس، فضلا عن أن عدد حالات الانتحار كان أقل في منتصف العطلات، وبيَّنت الدراسة أن السبب الرئيسي للانتحار بين طلاب المدارس الابتدائية والإعدادية هو المشكلات العائلية المُتمثِّلة في التوبيخ من الوالدين والاحتكاك المستمر معهم.

 

لا يقتصر الأمر على المشكلات العائلية فقط، وإنما يمتد ليصل إلى ما يعرفه العالم بـ "التنمُّر"، حيث تُساهم مضايقات الطلاب لبعضهم بعضا في المدارس في انتحار الضعفاء منهم، وتُمثِّل العودة المدرسية من إجازة الصيف كابوسا نفسيا يبدو الكثير من الأطفال غير مؤهلين للتعامل معه.

 

في عام 2006، وبعد إجراء تحريات دقيقة حول الأطفال المنتحرين، لاحظ رجال الشرطة أن معظمهم كانوا يتعرَّضون لضغوط مدرسية متواصلة، وأنها هي المصدر الأساسي لمشكلاتهم. تقول المعلمة يومي ناكاتا: "إذا كنت من اليابان، فإنك حتما تعرف شخصا منتحرا أو اثنين، فأنا أعرف شخصين، منهما فتاة درست معي في المدرسة الثانوية، وقامت بشنق نفسها لأنها كانت تتعرَّض لمضايقات من قِبَل أصدقائها في المدرسة".

تشكل امتحانات القبول ضغطًا آخر على المراهقين والشباب؛ لأنها تعتبر من أصعب الاختبارات على مستوى العالم. ويواجهها الطالب منذ صغره

تُساهم ديناميكية التفكير الجماعي التقليدية في زيادة انعزالية مَن يعانون بسبب تلك المضايقات، فمع تخلُّف الفرد عن الانخراط في الجماعة، أي جماعة، يصبح بموجبه منبوذا من بقية الأفراد، وتزداد معاناته بالتبعية، وهو عين ما يؤكِّده طبيب الأطفال النفسي كين تاكاوكا قائلا إن بيئات المدارس تعطي أولوية للجماعة، "والأطفال الذين لا يتعايشون مع المجموعة سيُعانون"، وبعد انتحار الطالب، على الأرجح لن تعترف المدرسة بأن هناك علاقة بين انتحاره وبين المضايقات التي تعرَّض لها.

 

تُشكِّل امتحانات القبول ضغطا آخر على المراهقين والشباب، لأنها تُعتبر من أصعب الاختبارات على مستوى العالم، ويُواجهها الطالب منذ صغره. فإلى جانب المدارس الاعتيادية، يذهب طلاب المدرسة الابتدائية وكذلك الإعدادية إلى ما يسمى بـ"مدرسة الإلزام"، وهي عبارة عن مدارس مُتخصِّصة تُدرِّب الطلاب على تحقيق أهداف مُعيَّنة مثل الحصول على درجات جيدة أو اجتياز امتحانات القبول في المدارس الثانوية أو الجامعات، حيث يلتحق بها طلاب المدارس الثانوية لاجتياز مرحلة القبول فيها، ثم يقومون بذلك مرة أخرى للالتحاق بالجامعة. ومن ثم يُولِّد التعرُّض لمثل هذه الاختبارات في مرحلة عمرية مبكرة، مع استمرارها لسنوات، حالة من الضغط والقلق الهائل خشية الفشل في اجتياز أيٍّ منها، وبالتالي يبدو الانتحار هنا مخرجا مثاليا.

 

يستمر الضغط النفسي الواقع على الشاب أثناء وبعد تخرجه في الجامعة أيضا، فيجري العُرف على أن يُوظَّف الخريجون في وقت واحد من كل عام، فتبدأ الشركات في البحث عن الطلاب المؤهلين أثناء الجامعة وبعد التخرج كل عام في موعد محدد، ومن ثم فيكون هناك تنافس كبير من قِبَلهم على هذه الوظائف، وترتبط حياة الشاب بهذه الوظيفة، فإذا ما فشل في الحصول عليها، فإن هذا يعني أن حياته محكوم عليها بالفشل وميؤوس منها، ومن ثم يميل إلى الشعور بالاكتئاب. ويضع هذا النظام الطلاب في ضغط هائل، لأن عليهم البحث وإعداد أنفسهم للوظائف أثناء الدراسة. وتُصنَّف اليابان من البلدان الأكثر تنافسية حينما يتعلَّق الأمر بالحصول على الوظائف المرموقة، فيكون التنافس عنيفا حد التخلُّص من الحياة في حال الفشل، ويُشكِّل الانزواء والانطواء، أو ما يُعرف بظاهرة "هيكيكوموري"، أولى علامات الانتحار.

 

 

"هيكيكوموري" أو الانسحاب الاجتماعي الحاد، مصطلح يعني انسحاب الشباب من الحياة الاجتماعية تمهيدا للتخلُّص من حياتهم بالكلية. وتُعرِّف وزارة الصحة والعمل والرفاه اليابانية الهيكيكوموري بأنهم الأشخاص الذين يرفضون مغادرة منازلهم ويعزلون أنفسهم عن المجتمع لمدة تزيد على ستة أشهر، حيث يبدأ الشاب في الانعزال في غرفته الخاصة لمدة أشهر وربما سنوات دون الخروج، إلى أن يُقرِّر التخلُّص من هذا الجحيم. ويُعتقد أن هناك مليون شاب ياباني منعزلون في منازلهم، وهو أمر يتفق فيه الطبيب النفسي تاماكي سايتو، قائلا إنه يشعر بالذهول من عدد الآباء والأمهات الذين يستعينون به من أجل الشباب الذين يتركون مدارسهم، ويُخفون أنفسهم بعيدا لعدة أشهر وربما لسنوات في كل مرة. ويلاحظ الطبيب الشاب أنهم من عائلات الطبقة الوسطى، ومتوسط أعمارهم هو 15 عاما، مُكملا أنهم يعانون من مخاوف اجتماعية عميقة، ويريدون الخروج إلى العالم، وتكوين صداقات، وعلاقات عاطفية، ولكن لا يستطيعون.

 

أما إذا ما حصل الشاب على الوظيفة بعد التخرج، فربما يصبح عُرضة لظاهرة الكاروشي أو الموت إرهاقا من العمل، فثقافة العمل المرهقة منتشرة ومتجذرة في المجتمع الياباني انتشارا غير مألوف، وفي بعض الأحيان يدفع الإرهاق العقلي والجسدي الأفراد إلى الانتحار. ففي البلاد العربية وأغلب دول العالم، هناك أنشطة بديهية مثل قضاء بعض الوقت مع العائلة، والقيام بالأشياء المفضلة لكل شخص، أما في اليابان فمسألة التوازن بين العمل والحياة غير مطروحة بالأساس، ومن ثم يظل الفرد عاملا بلا هوادة إلى أن تنهار قواه العقلية والنفسية، ويُقرِّر التخلُّص من حياته.

 

يبدو أن الأمر له جذوره التاريخية، ففي العام 1970 كانت الأجور في اليابان زهيدة، وأدَّى ذلك إلى كثرة الطلب على الموظفين لتعظيم أرباح أصحاب العمل وتوسيع عملياتهم، وفي منتصف عقد الثمانينيات حدثت تشوُّهات في النظام الاقتصادي في البلاد، أدَّت إلى تغذية أسعار الأسهم والعقارات التي ارتفعت إلى مستويات قياسية، لينتج عن ذلك طفرة في النمو الاقتصادي عُرفت باسم "اقتصاد الفقاعة"، ونمت شريحة أُطلق عليها "العمال ذوو الياقات البيضاء".

في ذروة اقتصاد الفقاعة، كان 5% من سكان البلاد يعملون نحو 60 ساعة أسبوعيا، أي أضعاف ساعات العمل في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا في ذلك الوقت، وبالتالي حدثت نهضة اقتصادية أوصلت اليابان لتكون ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم آنذاك. وفي عام 1990 انفجرت الفقاعة، وأدَّت إلى إعادة هيكلة الشركات، فيما عُرِف حينها بمصطلح "العقد الضائع"، وكان الموظفون يتعمَّدون البقاء في العمل خشية أن يُسرَّحوا. وحينما دخلت العمالة غير النظامية، تشبَّث النظاميون بأعمالهم أكثر، وأصبحوا يكدحون أكثر، وأحيانا دون مردود مادي أو أمان وظيفي، فقط بغية عدم تسريحهم من الوظيفة.

 

"في أماكن العمل اليابانية، هناك دائما العمل الإضافي، وهو يبدو كما لو أنه جزء من ساعات العمل المُقرَّرة تقريبا، وهو ليس إجباريا من صاحب العمل، ولكن العمال يشعرون كما لو أنه إلزامي". يتحدَّث كوجي موريوكا، الأستاذ الفخري بجامعة كانساي، الذي ترأس لجنة من الخبراء الذين يُقدِّمون المشورة للحكومة اليابانية حول سُبل مكافحة ظاهرة "كاروشي". وتُقدَّر ساعات العمل الأساسية بـ 40 ساعة في الأسبوع، ولكن العمال لا يتركون الساعات الإضافية أيضا، خوفا من الحصول على تقييم أداء سلبي، وهو ما أدَّى إلى نشوء مفهوم "خدمة العمل الإضافي"، الذي يعني أداء العمل الإضافي مجانا. ونتيجة لذلك، يُقدِّر الخبراء عدد الكاروشي أو مَن يعملون بإرهاق يقود للموت بـ 10 آلاف شخص سنويا.

 

يبلغ كيوتاكا سيريزاوا من العمر 34 عاما، ويعمل في شركة لصيانة المباني السكنية، ووصلت ساعات عمله إلى 90 ساعة أسبوعيا، أي ما يقرب من 13 ساعة يوميا دون عطلات. حيث كان يعمل مُشرِفا على عمال نظافة المباني في ثلاثة مواقع منفصلة في مدينة كاشيوا شمال شرق طوكيو، ومن ثم كان يكافح من أجل استمرار سير العمل. حاول سيريزاوا التقدُّم باستقالته لمدة عام، ولكنها رُفِضت، وكان يتوقَّف أحيانا عند منزل والديه لينام قليلا بينما يتابع عمله بين المواقع.

تقدر ساعات العمل الأساسية بـ40 ساعة في الأسبوع، ولكن العمال لا يتركون الساعات الإضافية أيضًا، خوفًا من الحصول على تقييم أداء سلبي

في 26 يوليو/تموز 2015 اختفى كيوتاكا بلا أثر، ولم يعثروا عليه لثلاثة أسابيع كاملة، ثم وجدوا جثته في سيارته في مقاطعة ناغانو، قريبا من المكان الذي كان يذهب إليه مع عائلته في العطلات للتخييم وهو طفل، حيث قام بإحراق قطع من الفحم في سيارته، منتحرا بالتسمم بغاز أول أكسيد الكربون.

 

ينتشر الكاروشي بين النساء أيضا، على سبيل المثال في بداية عام 2016، قامت ماتسوري تاكاهاشي صاحبة الـ24 عاما، وخريجة جامعة طوكيو المرموقة، بالقفز من عنبر النوم بالشركة التي كانت تعمل فيها. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي أعلن مكتب العمل أن تاكاهاشي طُلب منها العمل لمدة 100 ساعة أو أكثر من العمل الإضافي شهريا خلال الأشهر الأخيرة في حياتها، في وكالة الإعلانات البارزة "دنتسو"، وغالبا ما كانت تحصل على أقل من ساعتين للنوم ليلا، ونادرا ما كانت تأخذ يوم عطلة.

 

أما مَن لم يجد عملا أو كان لديه وظيفة متواضعة، فمن المُحتمل أن يعاني من الضيق المالي الذي يُعَدُّ أحد الأسباب الرئيسية للانتحار بين الشباب. ويسود اعتقاد أن تلك الزيادة في أعداد الشباب الذين أقدموا على الانتحار تعود إلى زيادة "العمل غير المستقر"، وتوظيف الشباب بعقود قصيرة الأجل. ورغم أن ذلك ربما يكون أمرا منتشرا في الكثير دول العالم، ولكنه جد مختلف في اليابان التي تُعرف باسم "أرض التوظيف مدى الحياة". وتُشير التقديرات إلى أن 40% من الشباب في اليابان غير قادرين على الحصول على وظائف مستقرة.


في دراسة أعدَّها معهد السياسة العالمية والصحة -مؤسسة بحثية مستقلة- في أكتوبر/تشرين الأول 2013، حول العلاقة بين الضغط الاقتصادي والانتحار في اليابان؛ تبيَّن أن الانتحار بسبب المسائل المالية جاء في المرتبة الثانية من ضمن الأسباب الرئيسية للانتحار بين الشباب، وذلك في الفترة من 1990 إلى 2012. ووجدت الدراسة أنه بحلول نهاية السنة المالية في مارس/آذار 1998، ازدادت حالات الإفلاس لدى نسبة كبيرة من الشباب، وعانى الكثير منهم من البطالة، وفي الوقت نفسه أقبل العديد من هذه الفئة على الانتحار، ما يؤكد وجود علاقة بين الأولى والثانية. ويدل هذا الأمر على أن زيادة عدد الشباب الذين أقدموا على الانتحار في العشرينيات والثلاثينيات يرتبط ارتباطا وثيقا بالانكماش الاقتصادي.

 

ما يُعزِّز ما سبق، رغم الجهود الحكومية المكثفة، أن منظومة الصحة النفسية اليابانية تبقى من أكثر الأنظمة تشوُّها وتخلُّفا في العالم. فهناك نقص حاد في الأطباء النفسيين، ولا يوجد أي تعاون بينهم وبين علماء النفس السريري، وهناك ثقافة منتشرة تجعل من العار بالنسبة للشخص أن يذهب إلى الطبيب النفسي أو حتى مجرد الشكوى من الاكتئاب أو غيره من الأمراض النفسية، ومن ثم فالخيارات محدودة أمام الشخص الذي يعاني، ما يجعله يلجأ إلى الانتحار. كما أن مَن يعانون من الضغوط النفسية التي تدفعهم للانتحار ليس لديهم المعرفة الكافية بقضايا الصحة العقلية، بسبب قلة التوعية وضعف التعليم في هذا المجال.

 

ويمكن تفسير الأمر كذلك وفق النظرة التاريخية لدى اليابانيين حول الانتحار. ففي الأديان المختلفة سواء الإسلامية أو المسيحية على سبيل المثال، يُعَدُّ الانتحار مُحرَّما، في حين نجده في الديانة البوذية فضيلة، ورمزا لتحمُّل المسؤولية، أو كما يُسمى "انتحار الشرفاء". كما أن المحارب القديم أو الساموراي كان يمارس طقوس الانتحار أو "هارا كيري"، وذلك لتجنُّب القبض عليه وتعذيبه، حتى لا يظهر بمظهر الضعيف أو الجبان، يتحسَّس معدته في هدوء ثم يقوم بغرس سيف أو خنجر حاد فيها، وهو يرتدي الثوب الأبيض، قبل أن يهبط محارب آخر بالسيف على عنقه. وكذا فعلها الكاميكاز في الحرب العالمية الثانية بعد الهزيمة، ومن ثم فلا يُنظر إلى الانتحار عموما في اليابان بوصفه فعلا مشينا.

يتأثر الاقتصاد الياباني بارتفاع معدلات الانتحار، من خلال الدخل المفقود، وتكاليف العلاج لمَن يتم إنقاذهم. فوفقا لبيانات حكومية صادرة عام 2010، فإن مجموع المنتحرين البالغين 26.5 ألف شخص عام 2009، إذا ما عملوا من عمر 15 حتى 69 عاما، فإنهم سوف يحصلون على نحو 22 مليار دولار. وأشارت الدراسة إلى أن اليابان خسرت نحو 32 مليار دولار عام 2009 بسبب الانتحار. من أجل ذلك، تقوم الحكومة بجهود مُكثَّفة من أجل تقليل تلك المعدلات، ولكنها تبقى في النهاية تحرُّكات متواضعة نسبة إلى هذه الأرقام المرتفعة. لذا، من غير المُرجَّح أن نرى نتائج قوية في الأجل القصير أو المتوسط، فأفراد الحكومة هم جزء من النسيج الثقافي الياباني، الذي يجعل المسألة عصية على الحل أو المعالجة السريعة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المعضلة الأخلاقية ليست وجود الأعداء، وإنما تعميم صورة شيطانية عن العدو ونزع الصفة الإنسانية عنه، حيث يغدو أي شكل من محاولة فهم منطق العدو والتعاطي معه أمراً مثيرا للتخوين والعداء..

تمتاز كتابات العروي في كونها تغطي مجالات مختلفة، وحقولاً معرفية متنوعة من فلسفة وتاريخ واجتماع وصولاً إلى الحقل السياسي، فضلاً عن تميز هذا الإنتاج بانسجام مضامينه العلمية وأهدافه البحثية..

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة