ملحمة "Game Stop" والقط المزمجر.. هل نشهد ثورة في الاقتصاد العالمي؟

هذه مقالة إن كنت تريد أن تفهم جلبة شركة "غيم ستوب" من الألف إلى الياء، أي إن كان تأثير الإنترنت سيطول الاقتصاد بشكله الحالي أم أنَّ ما حدث مع الشركة مجرّد تقاطع مصادفات، إذ كان "القط المزمجر" قائد حملة الإنقاذ مهتما بهذه الشركة من قبل أن يُحاول عمالقة الاستثمار الإجهاز عليها.

 

إن أردتها في جملة واحدة فأعتقد أنّها ستكون كالتالي: ملحمة "غيم ستوب" (GameStop) حدثت نتيجة هوس هزلي بسوق الأسهم تولّد من جائحة الملل و"الفومو" أو "الخوف من تفويت الأحداث حال الابتعاد عن الإنترنت"، وبدأ أول فصول الحكاية بحبكة ذكية من بعض المستخدمين في "ريديت" بهدف الانتقام من صناديق التحوُّط التي قامت برِهان متهور على إحدى شركات البيع بالتجزئة التي تعاني، وسينتهي الأمر بخسارة كثير من الأشخاص مبالغ هائلة من المال.

 

هل فهمت الأمر؟ ربما لا، حسنا، فلنعد إلى البداية

 

في هذا الأسبوع، شقّت شركة "غيم ستوب" المتهالكة لتجارة ألعاب الفيديو طريقها إلى الحياة، وقفزت قيمة سهمها من 40 دولارا تقريبا إلى نحو 400 دولار في غضون أيام فقط، ونَجَمَ عن هذه الخطوة صعود عدد من المتداولين اليوميين إلى مصافّ أصحاب الملايين وخسارة كبار المستثمرين مليارات الدولارات من الرهانات التي وضعوها ضد الشركة. ثمّ في صبيحة كتابة هذا المقال، قُيِّدَ تداول سهم "غيم ستوب" على منصّة "روبن هود"، حيث يمتلك أكثر من نصف المستخدمين في المنصة أسهما في الشركة، وفقد السهم ثلاثة أرباع قيمته في غضون 85 دقيقة، وغاص من نحو 500 دولار عند الساعة 10 صباحا إلى 120 دولارا في الساعة 11:25 صباحا.

*لماذا قيدت "روبن هود" تداول سهم "غيم ستوب"؟ 

أثارت هذه الخطوة ردود أفعال مستهجنة، لا سيما من إيلون ماسك الذي طالب الشركة بتوضيح دوافعها. وفي بيان رسمي لها، وضّحت الشركة أنها اضطرت لتقييد التداولات نظرا لأن حجمها كان أكبر من المُعتاد، وأنها افتقدت السيولة اللازمة لتسوية الصفقات الأخرى.

 

سوف نتخيّل مسار الأمور بالكامل، تخيّلوا 4 دُمى من الماتريوشكا الروسية بأربع شخصيّات هي "غيم ستوب"، ومُموّلو صناديق التحوط، وتجار ريديت، وعدد هائل من المستثمرين في مبيعات التجزئة.

 

الدمية الصغيرة هي "غيم ستوب"، وهي ليست بالشركة الرائعة. ففي عام 2019، خسرت متاجر الشركة في مراكز التسوق نحو 500 مليون دولار، واكتمل نصاب الخسارة خلال جائحة 2020 حيث اضطرت لإغلاق العديد من متاجرها ودُمِّرت إيراداتها. فوق هذه الماتريوشكا لديك دمية المستثمرين المؤسسيين، ومن بين هؤلاء عمالقة صناديق التحوط الذين أجروا عمليّات البيع على المكشوف لشركة "غيم ستوب"، أي إنّها راهنت على أن سعر السهم سينكمش.

*ما البيع على المكشوف؟ 

يقوم المضاربون بالبيع على المكشوف عندما يتوقعون انخفاض أسعار أسهم معينة بالبورصة، حيث يقترضون هذه الأسهم من "شركة وسيطة" ويبيعونها بالسعر المرتفع، ومن ثمَّ يعيدون شراءها عند انخفاض سعرها بالأموال التي جنوها من عمليّة البيع الأولى، ويعيدون هذه الأسهم للشركة الوسيطة لكنهم يربحون فارق السعر بين عمليتَيْ البيع الأولى والثانية.

لنفترض أنَّك اقترضت من الشركة الوسيطة 1000 سهم بقيمة 25 دولارا للسهم، وعندئذ تقوم بعملية "بيع على المكشوف"، أي إنك تبيع هذه الأسهم بـ 25000 دولار. بعد مدة تطالبك الشركة بإعادة هذه الأسهم الـ 1000، لكن قيمتها انخفضت الآن وأصبحت 10 دولارات للسهم، عندئذ تقوم بإعادة شراء هذه الأسهم الـ 1000 بقيمة 10.000 دولار فقط، وتعيدها للشركة فهي تطالبك بالأسهم لا بقيمتها، وتحتفظ لنفسك بالـ 15.000 دولار المتبقية.

 

اعتمادا على منظورك الشخصي، إما أنّ أطراف البيع على المكشوف أبطال للرأسمالية يميّزون الشركات والصناعات المنكوبة الآيلة للسقوط، وإمّا أنهم مجموعة من الفاسدين الذين يُجهزون على الشركات المحبوبة الضعيفة في أسوأ لحظاتها. وفي الحالتين، كانت شركة "غيم ستوب" أحد أكثر الأهداف شعبية لهؤلاء الأبطال/الأشرار.

 

بأحدِ المعايير مثلا، احتلّت الشركة المركز الثاني على قائمة تتألف من أكثر من 6000 شركة أُجريت لأسهُمِهَا عمليات بيع على المكشوف مدرجة في "بورصة نيويورك" و"ناسداك"، ولو استمرّ سهم "غيم ستوب" في سقوطه الحر كما دأَبَ منذ عام 2013 لازدادَت مكاسب الرهانات التي وضعتها صناديق التحوط.

 

لكنها لم تفعل، فبينما كانت أطراف البيع على المكشوف تُمعِنُ في استهداف "غيم ستوب"، كان المستثمرون عبر الإنترنت يُحضِّرون مخططا لاستهداف أطراف البيع على المكشوف. وكانت عصابة من مستخدمي "ريديت"، يقودهم تاجر لديه قناة على يوتيوب باسم "Roaring Kitty" (القط المزمجر)، ترصد حال "غيم ستوب" طيلة شهور بوصفها فرصة لاستثمار جيّد.

وعلى مدار شهور عدة، أعدَّت العصابة خطّة مُحكمة لشراء سهم "غيم ستوب" ورفع سعر السهم بهدف معاقبة صناديق التحوط وإجبارهم على إصلاح الوضع بالهرولة لشراء الحصص من جديد، بحيث ترتفع قيمة السهم أعلى بكثير من قبل حتى ضمن ما يسمى بالبيع القسري. يُسمّى هذا بـ "الضغط القصير"، ويبدو أنّه حقق غايتين اثنتين على الأقلّ لمستثمري "ريديت". فأما الأولى فهي تأديب صناديق التحوط، وأما الثانية فاكتساب شيء من الثراء. تحقّقت كلتاهما، وخسرت "Melvin Capital Management"، وهي إحدى تكتلات صناديق التحوط، مليارَيْ دولار على الأقلّ، بينما تُقدَّر غنائم القطّ المزمجر بأكثر من 13 مليون دولار من استثماره في "غيم ستوب".

 

كل هذه الأحداث كانت مُغلَّفة بجنون المستثمرين في الأيام القليلة الماضية جرّاء انتشار مخطط "غيم ستوب" من على ريديت إلى العالم كله. وبدأ المستثمر العادي المتوجّس من تفويت الفرصة بشراء الأسهم للاحتفاظ بها من أجل استثمار مستقبلي. وخلال غالبية أيام هذا الأسبوع، كانت "غيم ستوب" هي الملكية الأكثر تداولا في العالم كله، وبلغ حجم تداولاتها 20 مليار دولار أميركي يوميا.

 

هبَّت هذه الرياح المواتية جراء اصطدام مسرحيّة تحت عنوان "ثوار ريديت ضد عمالقة وول ستريت" بعصر من التجارة الخالية من العمولة على منصات شعبية مثل منصة "روبن هود" حوّلت خامة ضجر المداولات الذي جلبته الجائحة إلى عملاق مضاربة. وبالنظر إلى الكميات المَهولة من الأموال في اللعبة يبدو أن عدة مستثمرين مؤسسيين متنافسين من صناديق تحوط وشركات ملكية خاصة وممولين أجانب قد قفزوا إلى حلبة الصراع أيضا.

ولربما خسر المستثمرون الأميركيون الذي هبوا لنجدة الشركةِ الحربَ سلفا مع انخفاض سعر السهم، فقد تكشف هذه الثورة الشعبوية عن نفسها بوصفها فقاعة كارثية تُقدِّم حلم التمويل الديمقراطي ثمَّ ما تلبث أن تفقعه.

 

إن تفتيت ملحمة "غيم ستوب" إلى هذه المكونات الأربعة (الشركة والبيع على المكشوف وجيش ريديت وما تلاه من هوس) مفيد لأنه يساعدنا على فصل أجزاء القصة التقليدية إلى حدٍّ مدهش عن الأجزاء المدهشة بحقّ.

 

يقول مايكل سيمباليست، رئيس إستراتيجية السوق والاستثمار في "JP Morgan Asset Management": "كلما طال أمد وجودك في هذه الأجواء، أدركتَ أن شيئا كهذا لا يُمثِّل انقطاعا كبيرا في أداء الأسواق، وأنه بالأكثرِ محض انعكاس للمجازفاتِ التي كانت تُؤخذ دائما". كان الهوس جزءا من الأسواق لعدة قرون، وكذلك كانت سلوكيات "الضغط القصير". وفي هذه الحالة، لربما تلقّت صناديق التحوط التي راهنت ضد "غيم ستوب" ما تستحقّه بالفعل نتيجة رهان غبي حقا.

 

عمليا، إن أفضل إستراتيجية لأطراف البيع على المكشوف هي تحديد نقاط الضعف الجيدة في الشركات، أي أن تبيع عندما يكون سهم الشركة مرتفعا. في النهاية، يجد السوق نقطة الضعف التي حددتها ثم ينخفض سعر ​​السهم، وعند هذه النقطة تربح حفنة من النقود.

لكن في العام الماضي كانت "غيم ستوب" عكس كل ذلك، لقد كانت شركة سيئة، حيث انخفض سهمها بالفعل من 56 دولارا للسهم في عام 2013 إلى نحو 5 دولارات في عام 2019، وكان أطراف البيع على المكشوف في "غيم ستوب" يراهنون أساسيا على أن الشركة التي تُقيَّمُ علنا على أنها شركة "مروعة" يجب أن تُقيَّم على مستوى يتناسب مع مفهوم "مروعة حقا".

 

من الخطورة حقا البيع على المكشوف في شركة انخفضت أسهمها بنسبة 95%، وتُتَداول عند نحو 5 دولارات لسعر السهم، حيث لا يمكنها أن تهبط لأكثر من ذلك. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للشركات التي هي في وضع "غيم ستوب" ذاته أن تحاول دائما إعادة هيكلة عملياتها، أو مناشدة فارس أبيض، أو الخروج من المجال وبيع عقاراتها التجارية، أو القيام بشيء آخر عندما تكون تكلفة رأس المال منخفضة إلى حدٍّ كبير.

 

لكن الجديد هنا هو وجود "ريديت" و"روبن هود". غزا تداول "غيم ستوب" العالم لفترة وجيزة من خلال الاستفادة من شيئين يقوم بهما الإنترنت بفعالية فائقة. أولا، الإنترنت جيد حقا في تصنيع الطوائف الناشئة الخيِّرة منها والشريرة. يمكنك أن تحتقر حصار الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني (أنا أفعل) وأن تعشق ما حدث مع "غيم ستوب" في 26 يناير/كانون الثاني (لم أُقرِّر بعد)، لكنك لا تزال ترى شيئا مشتركا: خطّتان مناهضتان للمؤسسة جرى تصوُّرهُما في منتديات عبر الإنترنت وتضخيمهما على منصات أوسع مثل "يوتيوب"، ومن ثمَّ تحقيقها فوضويا في العالم الحقيقي. يبدو أن عشرات الملايين من الأشخاص في هذا البلد الغارقين في "اقتصاد الانتباه" يستخدمون كامل نفوذهم وتأثيرهم من أجل قضية اشتهرت لمدة 15 دقيقة، ولا يتضح دائما منذ البداية أيها آمن وفاضل وأيها النقيض من ذلك.

 

ثانيا، يُضفي الإنترنت طابعا ديمقراطيا على الوصول إلى المعلومات والاتصالات بخيرها وشرّها، قال جيم بولسن المحلل الاستثماري لشبكة "CNBC": "أن يتصرّف مستثمرو البيع بالتجزئة بمساعدة التكنولوجيا كاتّحاد هجومي لهي ظاهرة جديدة كليا. يمكنك الجمع بين قوة التكنولوجيا التي تُتيح لك من خلال منشورات "ريديت" تضخيم تأثيرك الفردي مع استخدام بعض من امتيازاتك المالية والرهانات مُحدّدة الاستهداف، ويمكن لهذا أن يحمل آثارا جسيمة".

هذا صحيح، لكن إضفاء الطابع الديمقراطي على التمويل يشبه وردة وسط حقل من الأشواك. لقد ارتفع سهم "غيم ستوب" ليس استجابة لأساسيات الاقتصاد، وإنما ارتفع تناسبا مع عدد الأشخاص المهتمين به فحسب.

 

ربما تكون النتيجة الوحيدة طويلة الأمد لفشل "غيم ستوب" هي أن صناديق التحوط ستكون أكثر حذرا بشأن العمليات الضخمة من البيع على المكشوف في الشركات ذات الأسماء التجارية الرخيصة، وسوف يتعلّم المستثمرون أن هوس الأسهم مثله مثل الميمز؛ يختفي بسرعة كما ينتشر بسرعة. ربما كل ما نتذكّره من الأسبوع الماضي هو أن بعض الحماقات الجشعة لصناديق التحوط ساعدت عن طريق الخطأ في إنتاج بعض أصحاب الملايين على منصة "روبن هود"، بينما خسر مجموعة ممن أرادوا المشاركة بعد انتهاء هذه الفوضى أموالهم.

 

لكنّ شيئا ما يُخبرني أننا في فجر شيء أغرب من هذا. لمدة أسبوع، طافت لقطات سريعة لهذه الملحمة أرجاء الإنترنت. ويقول أنتوني سكاراموتشي، المستثمر ومدير الاتصالات السابق في البيت الأبيض في عهد ترامب: "انظر لما نراه الآن على أنه "الثورة الفرنسية للتمويل" بجيش من التجار المشاغبين المنخرطين في انتفاضة أخلاقية". فيما تملّك الآخرين قلق أن تتحوَّل فقاعة "غيم ستوب" إلى مخطط "بونزي" جماعي، حيث يُغرَّرُ بالأبرياء بحيلة من شأنها أن تأخذ كل أموالهم بعد أن يُصحِّح السوق مساره. نظرا لأن التداول عبر الإنترنت مقيد وأن سهم الشركة الآن في حالة سقوط حر، قد يكون كلٌّ من أنتوني سكاراموتشي والمتشائمون على صواب، فعندما انتهت الثورة الفرنسية كان المشهد قد تغيّر جذريا، حتى لأكثر أنصارها حماسة.

———————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ملاحظة: (*) إضافة من المترجم

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة