عصر العملات الرقمية.. هل ستمنحنا الحرية أم ستخضعنا للأخ الأكبر؟

"هل تعلم أنّ النساء في المملكة العربية السعودية لا يمكنهن فتح حساب بنكي خاص بهنّ، في إندونيسيا عدم استقرار الروبية، يجعل من المستحيل الحفاظ على الأعمال التجارية، لكن ماذا لو كان هناك عُملة يستطيع الجميع أن يصل إليها، عُملة يشعرون كما لو أنها ملكهم، خاصة بهم، عُملة بلا حدود، خالية من التشريعات الحكومية ولا يمكن مصادرتها؟"

هكذا تناولت إيزي موراليس، بطلة مسلسل "StartUp"، أولى حُججها خلال عرضها التقديمي لإقناع إحدى الشركات التجارية بتمويل مشروعها وعُملتها الرقمية "جينكوين"، ثم تابعت: "المال يُفسد الناس، ولكن ما لا يُقرِّ به أحد أنّ الناس هم مَن يُفسدون المال. جينكوين قد تضع حدًّا لذلك".

 

جينكوين هي عُملة رقمية "أفضل من البيتكوين"، أو هذا ما تدّعيه إيزي، وتُوفِّر مستويات من الاستقرار والأمن والخصوصية تفوق أي عُملة رقمية أخرى. هي لا تتحدث هنا عن نظام دفع مثل "paypal" أو "American express"، إنما عن عُملة قائمة بذاتها. ولكن ما الذي يدفعنا لتصميم عُملة للتداول إلكترونيا، ألن يؤدي هذا إلى خراب البنوك والنظام البنكي التقليدي وتشريد العاملين في المجال الاقتصادي؟

 

هذا السؤال هو أول ما يطرأ على بال أي أحد عندما يأتي الحديث حول الرقمنة في جميع المجالات: هل سنستبدل؟ هل سنفقد وظائفنا؟ لكن تأكد أنّ ما نحن بخضم الحديث عنه أكبر من استبدال الوظائف بكثير.

إيزي موراليس – بطلة مسلسل StartUp

استخدم الصينيون صدف البحر أموالا منذ 3000 عام، ومنذ ذلك الحين والمجتمعات تبحث عن أشكال للنقود سهلة الحمل، ويسهل تقسيمها (ربع جنيه، نصف جنيه، إلخ)، ولا تتعرض للتلف بسهولة، ومتوفرة. وبمرور الوقت أصبحت النقود أقل تجسُّدا وأكثر رمزية؛ فقد أفسحت السلع الملموسة -مثل الذهب- المجال لورق رمزي (البنكنوت) والآن لأرقام سريعة الزوال في الحاسوب.

 

كل شيء مُرقْمن الآن، يكاد يكون استخدام المال التقليدي منعدما في بعض الدول. العملاء يستخدمون تطبيقات للدفع مثل "WeChat pay" في الصين، أو محفظة فودافون الرقمية في مصر، أو "paypal" الأشهر على مستوى العالم، ومعظم الشركات وأنظمة الدفع تُديرها مؤسسات خاصة مثل "Paypal"، و"Zelle"، و"M-pesa" الكيني الذي تستخدمه فودافون (1) في عدة دول، وجميعها شركات خاصة، مما أدى بالحكومات للتفكير بتصنيع عُملة رقمية؛ مخافة أن تُترك الاقتصاديات الرقمية لأيدي القطاع الخاص فقط.

باي بال

النقد هو العُملات المعدنية والورقية، هذا ما قد يخطر على بالك، لكن ما يهمنا هو المعنى الأكثر تجريدا؛ النقد هو المال الذي تدين به الحكومة لك. قديما، كان هذا دَيْنا حقيقيا على الدولة، ولا تزال صيغة الدَّيْن هذه موجودة على عُملات بعض الدول مثل بريطانيا.

 

في عصرنا الحالي هذا الضمان النظري لحقك تحوَّل إلى ضمانة مجردة، تكفل لحامل العُملة حق استخدامها في عمليات البيع والشراء. من ناحية أخرى، الأرقام في حسابك البنكي تُشير إلى ما يدين البنك به لك. عندما تذهب لماكينة الصراف الآلي وتضع بطاقتك الائتمانية، فتسحب بعض النقود، فأنت بذلك تحوِّل دَيْن البنك إلى دَيْن حكومي، أي إلى أموال سائلة. بعض الناس يثقون في الحكومة وبوعدها أكثر، الرهان هنا دوما على أن الحكومة يستحيل أن تُفلس -هذا الاعتقاد صحيح في معظم البلدان- على عكس البنوك.

عملة خمسة جنيهات إنجليزية. عبارة الدين تحت كلمة "بنك إنجلترا"

 

غابرييل سودبيرج، اقتصادي في البنك المركزي السويدي، يقول إنه بسبب ذلك قد تقع بلاده في مشكلة إذا قررت أن تعتمد الأشكال الإلكترونية من النقد بشكل كامل. المحرك الرئيسي للخوف هنا أنّه إذا جرى هذا التحوُّل الشامل في النظام المالي السويدي فقد يفقد الناس ثقتهم في النظام المالي برمَّته. الواقع أن الجميع في السويد يستخدمون تطبيقا يُدعى "Swish" لعمليات البيع والشراء، وبسبب هذا الاستخدام الواسع للتطبيق، وندرة استخدام النقد، قد تتوقف السويد عن إنتاج النقد بحلول 2023. (2)

 

هل تمتلك صديقا يُحدِّثك دوما عن حبه للكتب الورقية، وأنّه لا يستطيع الاندماج مع الكتاب الإلكتروني لأنه لا يلمسه؟ على الأغلب صديقك، وكل مَن هم مثله، قد يحزن لإلغاء العملات النقدية بهذا الشكل التعسفي دون مراعاة حقوق محبي لمس النقود. إلا أنّ المَعنيين بالمشكلات الحقيقية، أولئك الذين يتجرّعون ويلات الأُمية الرقمية، فالخوف هنا من أنهم قد لا يعتبرون أنفسهم جزءا من النظام المالي، ولا تريد أي دولة هذا بالطبع.

 

لذا فإنّ النموذج الأوّليّ الذي تُعدِّه السويد رُوعِيَ أن يكون هناك منه نسخة سهلة الاستخدام والتداول لأولئك الذين يعانون صعوبة في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. هذا التحوُّل الكبير لن تستطيع الحكومة السويدية حمل عبئه وحدها، بل ستقوم بعمل استفتاء للشعب؛ لأنه ليس قرارا سهلا أن يتغير النظام المالي بالكامل. يا تُرى كيف ستكون هذه العُملة؟ هل هي نفسها البيتكوين لكن باسم جديد؟ هل سيخترعون علكة إلكترونية لتحل محل الفكّة، كما يفعل البقالون في مصر؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، لدينا قصة أخرى عن المال، لكن هذه المرة من أقصى الشرق، من الصين.

 

على عكس السويد، فلقد حسمت الصين أمرها بالفعل. الرنمينبي قادم لا محالة؛ حيث صرَّح محافظ بنك الشعب الصيني -البنك المركزي- أنّ العملة الرقمية الصينية "ستخرج قريبا" (3)، وبالفعل لقد دخل الرنمينبي المرحلة التجريبية (4) مع نهاية إبريل/نيسان 2020. أُحيل النقد لتقاعده بالفعل في الصين، فكما تمتلك السويد "Swish"، تمتلك الصين التطبيقيين واسعي الانتشار: "Alipay"، و"Wechat pay"، وهي تطبيقات تعتمد على تقنية "QR" في الدفع، وبلغت هذه التطبيقات أوج انتشارها في السنوات الثلاث الماضية.

وقد قُدِّر التحويل والدفع (5) الذي تم عبر التطبيقات وكانت نسبته ما يزيد على 80% من إجمالي العمليات الكُلية لعام 2018 في الصين وحدها -التطبيقات تستخدم في بلدان أخرى ناطقة بالصينية- على عكس 2013 على سبيل المثال، حيث كانت نسبتها بالكاد 20%. من غير المعلوم ما كمية أو نوعية البيانات التي استحوذت عليها الحكومة الصينية جرّاء مراقبتها لعمليات الشراء والتحويل لعملاء "Wechat" و"Alipay"، لكن مع إصدارها لعُملتها السيادية -المتوافقة مع هذه التطبيقات بالطبع- (6) فمن المتوقع أن تزيد حصيلة هذه المعلومات، وهذا يبدو مخيفا، بل ومُثيرا للريبة.

 

الأمر المُثير للتساؤلات من عدة زوايا أيضا هو أنّ إعلان فيسبوك (7) عن عزمها إطلاق عُملتها الرقمية "ليبرا" كان بمنزلة العامل الحافز للصين لتُصدر الرنمينبي. وبالطبع لا يجب عند ذكر المال ألّا نذكر أحد أكثر رجال الكوكب ثراء؛ مارك زوكربيرج. "امتياز باهظ"، هذا ما أُطلق على الدولار من قِبل فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الأسبق لفرنسا، هل تعلم لماذا؟ يُستخدم الدولار باعتباره عُملة الاحتياط العالمية، بمعنى أنّ الدول عندما تريد أن تدخر فستدّخر بالدولار، وهذا يزيد من مكانته، وبالتالي يمنح الدولة المُصْدِرة له امتيازا؛ لأنه يستخدم من دول كثيرة، ولا يُطلق هذا المصطلح على عُملة إلا إذا كانت عالمية التناول والاستخدام.

 

تخيَّل معي الآن نسخة رقمية من هذا الدولار، الدولة التي ستصدر عُملة تُستَخدم بشكل واسع لتصل لدرجة الدولار كاحتياطي رقمي ستُمنح الامتياز نفسه. لو وضعنا الصين بعين الاعتبار، فإنها تود لو كان هذا الامتياز من نصيبها، وهو ما تسعى إليه بالتعجيل بخروج الرنمينبي للعالم بأسرع وقت، إذ به ستحكم الاقتصاد الرقمي العالمي أو هكذا يخيل لهم. المشكلة هي أنّ الرنمينبي لن يُشكِّل تهديدا يُذكر؛ ببساطة لأن المُشرِّعين في الغرب لا يثقون به، كما أنّه لا يمتلك السيولة الكاملة.

 

السباق بين الصين وزوكربيرغ الآن يُشبه الصراع على العرش. صرّح البنك المركزي الصيني أنّ عُملته ستكون مثل "ليبرا" (8)، بينما أصرّ زوكربيرغ (9) لقادة دولته أنّهم إذا لم يسمحوا له بالسيطرة على عرش الاقتصاد العالمي -بالموافقة على إصدار ليبرا-، فمن المؤكد أن الصين ستفعل. بالتفكير في الأمر، فالقادة والمُشرِّعون لا يثقون بالرنمينبي الصيني (10)، لكنهم بالتأكيد لن يضعوا ثقتهم في شخص قد حُوكم بتهمة تسريب بيانات العامة وبيعها، وتلك البيانات، التي نحن بصدد مناقشتها، ليست كأي بيانات. بديهيا أنت تعلم أنّ ما دفع مارك لاستخدام ورقة الصين باعتبارها وسيلةَ ضغط على المُشرّعين ليس حبه للصالح العام لبلاده، أو حتى للعالم، أو أنّ الدافع الحقيقي على الأرجح حلمه في السيطرة على العالم. حسنا، إن لم يكن يرغب في السيطرة على العالم فهو حتما يرغب في نقودك. أجل اشعر بالأهمية من فضلك.

إذا كانت الصين تمتلك "WeChat" والسويد تمتلك "Swish"، فكذا الأمثلة الغربية مثل "PayPal" و"Western Union"، و"Visa"، و"American express" هي الطرق المُعبَّدة للاقتصاد الرقمي. أشار هوو فان ستينس، المستشار السابق لرئيس البنك المركزي الإنجليزي إلى أنّ هذه الشركات أضافت (11) قيمة مئوية أكثر من الـ "FAANGs" مُجتمعة (فيسبوك، أمازون، آبل، نتفليكس، غوغل). في كل مرة يقوم أحدهم باستخدام بطاقته الائتمانية، تستفيد تلك الشركات من تلك العملية، ولو كان بمقدار بنس واحد فإنه سيتضاعف في النهاية، لأن ذلك يحدث مئات الآلاف من المرات في الثانية الواحدة. زوكربيرغ يعلم ذلك.

 

مارك لا يريد هذا المال فحسب، بل باقتراحه استخدام ليبرا فإنه يريد أن يكون النظام المالي العالمي بأكمله تحت قبضته، بوضع ليبرا محل الدولار، ويتحول الامتياز الباهظ إلى امتياز لا يقدر أحد على ثمنه على الإطلاق. لكن ماذا لو اجتمعت البنوك المركزية وأطلقت "عُملتها المُهيمنة المُوحَّدة" كما اقترح محافظ البنك المركزي السابق مارك كارني، هل ستكون بديلا جيدا للدولار؟ خصوصا مع عزم البنك الفيدرالي على عدم إصدار دولار رقمي؟ (12)

 

"من الوارد أنّ يتحول اقتراحه إلى حقيقة"، يُصرِّح أندي بيليجو، الباحث الاقتصادي بجامعة روما تور فيرغاتا، لـ "ميدان"، ويضيف: "بالنظر إلى المخاطر المستمرة والتهديد المستمر الذي يواجهه الابتكار في السياسات النقدية في العالم في الوقت الحاضر، أعتقد أن التحرك نحو عُملة هيمنة اصطناعية سيكون خطوة متوقعة". حتى عندما يتحوَّل الاقتراح إلى حقيقة، لا تزال الثقة بين المواطنين والبنوك المركزية ضعيفة الأُسس، لكنها لن تظل على تلك الحالة، يقول بيليجو لـ "ميدان":

"هناك مصلحة، ليس فقط لبنك إنجلترا، ولكن للبنوك المركزية بشكل عام لاستعادة ثقة الناس وعدم السماح لهم بتدمير فكرة أن البنوك المركزية هي المكان الذي تكون فيه الأموال آمنة".

"بالتأكيد يوجد ما يُسمى بالمال الخاص"، يؤكد بيليجو لـ "ميدان" ما إذا كان يوجد مفهوم واضح متعارف عليه "للمال الخاص" بين البنوك المركزية، ويتابع: "هناك العديد من المؤسسات المصرفية التي ليس لديها مشكلات قانونية لتقديم أي نوع من التقارير حول الأموال التي في حوزتهم ومن أين أتت هذه الأموال على الإطلاق. سيكون هناك دائما أشخاص لن يُكشَف عن أموالهم أبدا". وهو ما يُعزِّز مفهوم المال الخاص، أو المال الذي لا تطوله يد الحكومة.

أندي بيليجو- باحث اقتصادي في جامعة روما تور فيرغاتا

هل تذكر آخر مرة استعملت فيها النقد؟ ماذا اشتريت؟ حلوى؟ حبوبا منومة؟ ممنوعات؟ هل استأجرت رحما لزوجتك المصابة بمرض عُضال ولا يمكنكما أن تنجبا بالطرق العادية؟ لا يلومنك أحد على مالك فيما أنفقته، ولا من أين اكتسبته، هذا ما لا دخل لأحد به، أم ربما له؟ إذا كنت ستبتاع بعض الممنوعات، هل تعتقد أنّك تود لو أنّ الحكومة تعلم بذلك؟ بالطبع لا يريد أحد ذلك. تلك المزية تحديدا هي أهم ما يميز النقد، لا البطاقات الائتمانية، لا العُملات الرقمية، ربما البيتكوين، لكن النقد، والنقد وحده يمتلك تلك الخصوصية المفقودة، التي ربما لو كان المتنبي بيننا الآن، لأنشد قصيدة من ألف بيت كمعلقات الجاهلية تغزلا بها.

 

البعض يضع ثقته الكاملة في حكومته، كما قلنا سابقا، قد يضحي بالخصوصية على أمل ألّا تُفلس الحكومة يوما وتضيع أمواله. لكن بقية الناس لن تقبل بالتخلي عن خصوصيتها المالية؛ لأنها ببساطة لا تثق في الحكومة فيما يتعلق بمسألة الخصوصية -إن لم يكن في المطلق-، فما بالك بالخصوصية المالية؟

 

لكن جيريمي وارنر، الاقتصادي والصحفي للدايلي تليغراف، يعتقد أنّه لا يوجد شيء يسمى بالمال الخاص (13) كمفهوم مترسخ لدى البنوك المركزية. وبما أنّه شرٌّ لا بد منه، فالثقة في الحكومة ستكون أهون من الثقة في زوكربيرغ والوقوع في شِراكه. إذن، وبما أنّه شرٌّ لا بد منه، فهل يمكن تصميم العُملات من قِبل الحكومة لكن مع خاصية أن تقوم الحكومة عمدا بـ "بغض الطرف" عن هذه المعلومات؟ خصوصا أنّه تقنيا بالإمكان فعل هذا بفضل تقنيات التشفير مثل (14) "Zero-knowledge-proof"، المستخدم في نظام "Z-cash"؟ لا يوجد دليل بأي حال على أنّ حكومة أي دولة قد تغض طرفها، حينما يكون في مقدورها معرفة بيانات قيّمة مثل هذه عن مواطنيها، الأمر يشبه بأنك تلعب الغميضة مع الحكومة، ثم تقوم الحكومة بالغش فيها.

 

ماذا عن البيتكوين؟ لماذا لا نصنع عُملة تشبهها، أو نستخدمها كونها عُملة؟ الإجابة تنطوي على جانب فلسفي أخلاقي، وكذا جانب تقني. أولا، ما معنى تشبهها؟ البنوك المركزية والمؤسسات المالية تتبنّى بعض خصائص البيتكوين وتُطبِّقها وفقا لأهدافها، لكن هل يمكن اعتمادها كونها عُملات رقمية حقيقية؟ لا، النسخة التي قد تعتمدها الحكومات من البيتكوين أو ليبرا، أو أي عُملة تخرج من رحم البنوك المركزية، تفقد أهم ما تمتلكه العُملات المشفرة الحقيقية من صفات: اللا مركزية.

العُملات المشفرة بما تمتلكه من لا مركزية، حيث لا كيان مسؤول عنها بالمعنى السلطوي، ولا يوجد إخفاقات، أو حتى نقاط ضعف يمكن لأي خصم أن يهاجمها. وبانعدام وجود وسيط كالبنك الذي يشهد إتمام المعاملات، يجب على كل عملية أن تُعتَمد من العقد -المرسل والمستقبل- في شبكة العُملات الرقمية المشفرة، لكن هذا يتطلب قدرة حاسوبية هائلة؛ لهذا قد تستغرق عملية تحويل البيتكوين ساعة فأكثر لتتم. فهل يمكن لأي عُملة رقمية أنّ تصل إلى مستوى الأمان والخصوصية نفسه الذي تمتلكه البيتكوين؟

 

يُجيب محمد عبد الباسط، المؤسس ومدير الأمن السيبراني في "Seekurity"، عن سؤال "ميدان" قائلا: "لن تستطيع أيٌّ من هذه العُملات الوصول إلى ما تمتلكه البيتكوين من خصوصية. عند بناء هذه العُملات، أول ما يوضع في الاعتبار هو الخصوصية، وكونها مبنية بتقنية البلوك تشين (Blockchain) يدعم هذا الاعتبار. دعونا لا ننسى أنّ نشأتها كانت لتبادل الأموال بين "الجيمرز" حتى وإن كانت هوية المرسل والمستقبل غير معلومة، وما ساعد في انتشار تداولها بشكل أكبر هي تلك النقطة بالتحديد: الخصوصية. لكن إذا قامت الحكومة بتتبُّع المرسل والمستقبل هنا قد فقدت العملة أهم صفاتها، وهي اللا مركزية. إذا نظرنا لإحدى ثغرات العُملات المشفرة، مثلا (The 51% attack). عندما يحوز أحد أطراف الملكية لـ 51% من البيتكوين، فستكون له اليد العُليا في التحكُّم في العملية بأسرها؛ يمكن لهذا الطرف إلغاء العملية أو عكسها لأي سبب يريده".

 

وعندما سألناه حول ما إذا كان هذا يُعَدُّ عكس مفهوم اللا مركزية، قال: "بالفعل هذا ضد مفهوم اللا مركزية، لكن المطمئن أنّه لا يوجد طرف في العالم يمتلك 51% من البيتكوين، حتى الصين المالكة لأكبر كمية من البيتكوين لم تصل إلى تلك النسبة. لذا فلا يوجد مُتحكِّم بها، وهذا سر قوتها، وهو تعزيزها للا مركزية". وعن سرعة التداول يقول محمد عبدالباسط لـ "ميدان":

"يمكن الوصول للسرعة نفسها في التداول بسهولة. عندما نقوم بتحويل مبلغ من المال في البنوك التقليدية على سبيل المثال، ما يؤخر هذا التداول هو الإجراءات، وهناك أيضا أنظمة تحلل هذا التداول؛ مَن هذا المرسل؟ وهل يُسمح له بهذا التداول؟ وما مصدر هذا التحويل؟ ويليها الضرائب وما إلى ذلك. بعض الدول ليس لديها "مدام عفاف" في هذه العملية لتقوم بدور المراجع؛ لأنها قامت بأتمتة هذه النظم مما يُسرِّع من التداول. سيكون من الصعب على أي دولة ألّا تعرف المرسل والمستقبل وسبب العملية، خصوصا إذا كان المبلغ المُحوَّل كبيرا، وهذه المعرفة تُخِل بالخصوصية واللا مركزية؛ لأنه يمكنها أن توقف العملية ببساطة إذا تبيَّن أنّ المبلغ يُرسل إلى إرهابي على سبيل المثال".

مـحـمـد عبدالباسط لميدان

في مقالة حديثة، جادلت جيل كارلسون (15)، المؤسس المشارك لمبادرة الأموال المفتوحة، أنّه ربما لم يكن من المفترض أن تُستخدم العُملات المشفرة اللا مركزية -مثل البيتكوين- بشكل مُوسَّع من قِبل العامة. الغرض من إنشائها بالأساس كان لتجنُّب تعرُّض المعاملات للرقابة؛ من دفع ثمن المخدرات أو الجنس، إلى دعم المعارضين السياسيين المنشقين، أو الحصول على المال من الدول التي تخضع المعاملات فيها لضوابط تقييدية للعُملات. لذا فمستخدمو البيتكوين تخلّوا عن السرعة -تستغرق ساعات لتحويلها- والتكلفة لصالح ميزة واحدة فقط: "مقاومة الرقابة". فلنتخيَّل الآن عالما يُتِمّ كل تعاملاته المالية بذلك النوع من التعاملات، إنه عالم مرعب بالفعل!

 

أكاد أجزم أنّك سمعت أنّ العالم سيتغير بعد جائحة "كوفيد-19" مئات المرات في الأسابيع القليلة الماضية، حتى لو كان التغيير سيكون على مستوى المنظمات ولن يطولك فرديا عاجلا، لكن لا داعي لإنكار أنّ هذا هو الواقع. تقطع العُملات الرقمية وعدا بتغيير النظام المالي العالمي، وكذلك جائحة كورونا. وبما أنّ الفيروس سريع الانتشار، فقد خمّن البعض أنّه قد ينتشر عبر تناقل النقود، فقالوا إنّ استخدام المحفظة الرقمية كإعلان محفظة ميزة مثلا.

 

لكن الخطر ما زال قائما على الرغم من ذلك، ربما انتقل إليك الفيروس عبر لمسك لآلة الصرّاف الآلي بعد أحد المصابين أو الحاملين للمرض، لذا رجّح البعض أنّ الجائحة قد تُعجِّل بالفرج للعُملات الرقمية، فهل ستفعل؟

"حسنا، هذه مشكلة صعبة للغاية"، يُعلّق أندي بيليجو. "بادئ ذي بدء، لا يوجد حتى الآن رد واضح من البنوك المركزية حول كيفية إدارتها للأزمة، ولكن من المؤكد أن أزمة "كوفيد-19″ قد هزت ثقة الناس، وهذا يمكن أن يُحوِّل انتباههم إلى النقد الرقمي. يمكننا في الواقع أن نتوقّع طفرة في النقد الرقمي في الفترة القادمة نتيجة لعدم اليقين".

 

بالطبع ستنتهي ظاهرة الحصول على باقي أموالك على هيئة علكة، لكن الأزمة كشفت عن العديد من مساوئ النظام المالي العالمي، فها هم أحد عشر عضوا من أعضاء الكونغرس يطالبون الخزانة الأميركية باستخدام تقنية البلوك تشين (16)، التقنية التي ستُبنى على أساسها العُملات الرقمية، لتصل المعونات الشهرية إلى مستحقيها. حتى قبل إصدار تلك العُملات، تبدو تلك النقطة بالتحديد إحدى أهم مزاياها.

 

الحرية في المطلق لك، أن تضع كامل ثقتك في سلة الحكومة، أو أن تطالب بنظام مالي رقمي يمنحك الحرية المالية الحقيقية، وعلى الرغم من كونها صعبة المنال وقد تستغرق وقتا أطول، فإن للحرية ثمنا بالتأكيد.

_______________________________________________________________________

المصادر

  1. What is M-Pesa
  2. Sweden could stop using cash by 2030
  3. China says its own cryptocurrency is close to release
  4. البنك المركزي: العملة الرقمية الصينية تدخل مرحلة تجريبية
  5. Market share of mobile payments in China from 2011 to 2018
  6. China says new digital currency will be similar to Facebook’s Libra
  7. Facebook’s Libra: three things we don’t know about the digital currency
  8. China Says new digital currency will be similar to Facebook’s Libra
  9. We desperately need a rival to the dollar, but sorry Mark, Libra isn’t it
  10. المصدر السابق
  11. The Digital money revolution
  12. We just glimpsed how a digital dollar would work, thank to coronavirus
  13. We desperately need a rival to the dollar, but sorry Mark, Libra isn’t it
  14. What are Zero-knowledge proofs?
  15. Cryptocurrency Is Most Useful for Breaking Laws and Social Constructs
  16. 11Members Of Congress Urge Treasury Secretary Mnuchin To Use Blockchain For COVID-19 Stimulus Payments

حول هذه القصة

لعلّك تساءلت يوما لماذا رغم كل المجهودات التي تبذلها في العمل فإنك بالكاد تُناضل للحفاظ على مستوى حياتك، بينما أصحاب العمل ورأس المال يُراكمون ثروات هائلة جرّاء مجهوداتك.. نناقش هذا خلال هذا التقرير.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة