بين أزمة كورونا وصادرات الطاقة الأميركية.. كيف نفهم انهيار أسعار البترول عالميا؟

صحيح أن هذه ليست المرة الأولى التي تتدهور فيها أسعار البترول فجأة وتحدث تقلبات سريعة في أسعار مصادر الطاقة الأخرى، تواكبها أو تليها هزات لم تكن في الحسبان في التجارة الدولية وفي اقتصاديات الدول المصدِّرة والمستهلكة على السواء. لكن هذه هي المرة الأولى التي تتزامن فيها الدوافع التقليدية لتدهور الأسعار، كفائض العرض على الطلب واشتداد المنافسة بين كبار المصدِّرين، مع عامل خارجي ومستقل عن أي اعتبار آخر سياسي أو غيره، ألا وهو وباء كورونا الذي راح يضرب البشرية في كل أنحاء المعمورة دون استثناء ويصبح الهمَّ الشاغل لكل منَّا في حياته اليومية، ويتحول إلى إعصار غير مسبوق ينسف من الأساس كل ما عرفناه أو سمعنا به من تقلبات في أسواق الطاقة، دون أن ننسى شتى القطاعات الاقتصادية الأخرى.

   

ذلك لأن الموضوع لم يعد يقتصر، بعد إقفال المعامل وشلِّ حركة النقل الجوي وغيره والحجر الصحي على ما يقارب نصف سكان الكرة الأرضية، على مجرد بلبلة صغيرة أو كبيرة تستمر فترة من الزمن قبل أن تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي. كما أن الكلمات التي أَلِفْناها للتعبير عن التقلبات السابقة من نوع "تراجع" أو "ركود" اقتصادي لم تعد صالحة أو كافية على ضوء الجمود والشلل الذي راح يتنقل من بلد إلى آخر دون أن يتمكن أحد من التكهن بشكل دقيق أو قريب من الدقيق عن تاريخ وعن كيفية الخروج من هذا النفق. 

   

إلا أن عنف الهزات التي نشاهدها اليوم، إضافة إلى أسبابها المباشرة، يطرح السؤال عمَّا إذا كان الانهيار الجديد في أسعار الطاقة سيكون مجرد ظاهرة عابرة، وإن جديدة، أم إنه سيقود إلى ما هو أبعد من ذلك سواء من حيث التبدلات المحتملة في أسواق الطاقة، أو التأثير على سياسات الدول المصدِّرة وعلى علاقاتها بعضها مع بعض ومع الدول المستهلكة.

     

    

سوق منفلتة

الإجابة على هذه التساؤلات ما زالت طبعًا سابقة لأوانها؛ إذ إنه لابد من الانتظار إلى أن ينجلي الغبار عمَّا يحدث في الأسواق، وخاصة عمَّا ستؤول إليه العوامل التي أدت إلى هذا التسونامي الذي غمر كل الأسواق العالمية دون استثناء. تسونامي بدأ دون سابق انذار نهار الاثنين الذي سُمي "الاثنين الأسود"، في 9 مارس/آذار الماضي، عندما انهارت أسعار البترول في بورصات نيويورك ولندن، مسجلة أكبر هبوط لها في يوم واحد منذ انفجار حرب الخليج عام 1991. وقد استمر التدهور إلى أن وصلت سلة أسعار الأوبك إلى 26.04 دولار للبرميل، في 26 مارس/آذار الماضي، مما يشكِّل تراجعًا بمعدل 63.5% بالنسبة لسعر 70 دولارًا للبرميل في مطلع يناير/كانون الثاني من هذا العام (2020).

   

نظرة سريعة إلى الوراء تبرز أهم محطات تقلبات الأسعار هبوطًا أو صعودًا خلال الأربعين سنة الماضية. المحطة الأولى كانت في أواخر عام 1990 في أعقاب اجتياح الكويت من قبل الجيش العراقي عندما قفزت الأسعار إلى ما فوق 40 دولارًا للبرميل، وهو رقم قياسي سرعان ما تراجع بعد زيادة الإنتاج في دول الخليج الأخرى، وتراوح بين 16 و28 دولارًا. إلى أن جاء الرقم القياسي التالي، أي  70دولارًا عام 2005، نتيجة لإعصار كاتارينا الذي دمَّر جزءًا كبيرًا من المنشآت البترولية في خليج المكسيك. وقد استمرت وتيرة الارتفاع، مدعومة بضعف الدولار، حتى وصل سعر البترول ما فوق 147 دولارًا، وهو مستواه التاريخي المطلق، في 11 يوليو/تموز 2008. وكان من المتوقع أن يستمر الارتفاع، إلى حد أن كولدمان ساكس قد أعلن وقتئذ أن المحطة التالية ستكون 200 دولار للبرميل. 

   

إلا أن ما حصل كان على عكس ذلك تمامًا؛ إذ إن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي بدأت عام 2007 قادت تدريجيًّا إلى تقهقر الأسعار بنسبة 60% خلال أشهر قليلة لتصل إلى 32 دولارًا في نهاية 2008. ثم تبع ذلك انتفاضات ما سمي "الربيع العربي" وتقلص الإنتاج في ليبيا بشكل خاص، مما أدى إلى قفزة جديدة إلى 127 دولارًا في مارس/آذار 2011. وقد ساعد على ذلك تشديد الحصار على إيران عبر امتناع الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية عن شراء نفطها.

        

     

المرحلة التالية التي سبقت الانهيار الحالي للأسعار، والتي امتدت على الفترة 2015-2019، امتازت بضعف السوق وفائض مستمر للعرض على الطلب نتيجة لعدة عوامل، أهمها: تباطؤ الاقتصاد العالمي وزيادة التنافس بين الدول المصدِّرة لزيادة حصتها في الصادرات العالمية، وأخيرًا وليس آخرًا: الزيادة السريعة في إنتاج وصادرات الولايات المتحدة من الزيت والغاز الصخري، ما أدى إلى تراجع الأسعار إلى حدود 62-64 دولارًا خلال الأسابيع التي سبقت اجتماع الدول المصدِّرة وغير المصدِّرة في 6 مارس/آذار الماضي بهدف الاتفاق على تخفيض مجموع صادراتها بمعدل 1.5 مليون برميل في اليوم، موزعة بين مليون برميل في الدول الأعضاء في منظمة أوبك، ونصف مليون في الدول المصدِّرة الأخرى وعلى رأسها روسيا. 

   

هذا، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن وباء كورونا هو عامل جديد وأساسي في أزمة الطاقة الراهنة، فلا شك أن مما يساعد على استقراء ما يمكن أن يحدث بعد الأزمة الجديدة يكمن في عدد من الثوابت التي لا تتبدل بحال، كما في المقدرة والقوة التفاوضية لكل من الجهات المعنية، سواء كانت دولًا منتجة أو مستهلكة، أو شركات كبرى.

       

         

تراجع حصة البترول

النتيجة البديهية الأولى للأزمة الراهنة ولحالة الركود الاقتصادي العالمي التي أدت إليها هي تقلص حاجات الاستهلاك والتراجع الحاد في صادرات الأوبك وغيرها من البلدان المنتجة. وتتوقف نسبة هذا التقلص في المستقبل المنظور على المدة اللازمة للتغلب على أسباب الأزمة الحالية، وفي طليعتها وباء كورونا. بانتظار ذلك، تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الطلب العالمي على البترول قد تراجع بحدود 150.000 برميل يوميا مقارنة بعام 2019، في حين أن وكالة الطاقة الدولية كانت تتوقع زيادة 825.000 برميل يوميا في عام 2020.

   

من ناحية الطلب، يبدو على ضوء الظروف الراهنة أن الطلب العالمي على البترول سيعود إلى الارتفاع في العام 2021 بعد التراجع الذي سجله في الأشهر الماضية. ومن المقدر أن يكون هذا الارتفاع بحدود أدنى بقليل من مليون برميل في السنة مما يؤدي إلى زيادة 5 إلى 5.6 ملايين برميل في اليوم خلال الفترة 2019-2025، يذهب ما يقارب نصفها إلى الصين والهند. وذلك في حين أنه كان من المنتظر قبل الأزمة الحالية أن يستمر ارتفاع الطلب العالمي بمعدل 1.5 مليون برميل في اليوم، أي بمعدل نصف مليون برميل أكبر من التوقعات الراهنة. ومن اللافت أن ما يقارب نصف الزيادة المتوقعة على إجمالي الطلب على البترول يعود بالدرجة الأولى إلى تزايد حاجات الصناعات البتروكيماوية، تليها النفتا والإيتان وغاز البترول المسال.

       

وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود يتحدث عبر رابط الفيديو خلال اجتماع طارئ افتراضي للدول الأعضاء في أوبك وغير الأعضاء، عقب تفشي فيروس كورونا المستجد (رويترز)

     

هذا، في حين أن الطلب على المنتجات البترولية في قطاع النقل يواجه تباطؤًا متزايدًا نتيجة لعدة عوامل أهمها التقدم التقني الذي سمح بشكل عام بتخفيض الاستهلاك في السيارات التقليدية، واللجوء لوسائل النقل التي تعتمد على الكهرباء. هذا مع الإشارة إلى أن عودة الطلب إلى الارتفاع لن تتم دفعة واحدة في كل البلدان المستهلكة، بل إنها ستحصل تدريجيًّا وفق تغلُّب البلدان المعنية على وباء كورونا. لذلك، يبدو من الطبيعي أن تكون الصين أول بلد يسجل العودة إلى تنامي الاستيراد لأنها كانت أول بلد عانى من الوباء وأول من تمكن من بدء السيطرة عليه، في حين هذا الوباء قد بدأ يفتك بأوروبا والولايات المتحدة والهند وغيرها بعد ذلك ببضعة أشهر، التي ستكون الفاصل الزمني الذي لابد منه لتحفيز الطلب على البترول من جديد.  

    

من ناحية العرض، وعلى الرغم من الأسباب السياسية التي أسفرت عن انخفاض حادٍّ في الإنتاج، ناهز ما مجموعه 3.5 ملايين برميل في إيران وليبيا وفنزويلا، فقد استمر فائض العرض نسبة للطلب حتى ما قبل الأزمة الاقتصادية الحالية، مما شكَّل السبب الرئيس لفشل اجتماع الدول المصدِّرة في 6 مارس/آذار الماضي (2020) وما تلا ذلك من صراع بين السعودية وروسيا. أما بالنسبة للسنوات القليلة القادمة، فمن المقدَّر على ضوء المشاريع المعلنة حاليًّا أن طاقة الإنتاج العالمية ستزداد بحدود 5.5 إلى 6 ملايين برميل في اليوم خلال السنوات الخمس القادمة، من أصلها ما لا يقل عن 4.5 ملايين برميل من الدول خارج منظمة أوبك حيث ترتفع الطاقة الإنتاجية إلى ما فوق 69 مليون برميل في اليوم، مقابل 1.2 مليون برميل من الدول الأعضاء في أوبك حيث ترتفع طاقة الإنتاج الإجمالية إلى 34،1 مليون برميل يوميًّا. ومن المنتظر أن تتحقق هذه الزيادة بشكل خاص في البرازيل والعراق والإمارات العربية المتحدة في حين يحصل تراجع في روسيا وأنغولا ونيجيريا ومصر والجزائر.

    

المحصِّلة العامة لهذه التطورات المرتقبة هي أن العرض سيكون كافيًا، وربما أكثر من ذلك لتغطية الطلب العالمي على البترول خلال السنوات القادمة. إلا أن هذه التقديرات تبقى رهن عوامل من الصعب التكهن بها بشكل دقيق، خاصة تلك المتعلقة بتطور وباء كورونا إلى جانب العقوبات والأوضاع السياسية في عدد من الدول المصدِّرة كإيران وفنزويلا وليبيا وغيرها. 

    

  

ومهما كانت هذه التطورات فمن المسلَّم به أن البترول سيبقى في المستقبل المنظور المصدر الرئيس لتغطية الطلب على الطاقة، ولكن مع استمرار تراجعه البطيء نسبة لمصادر الطاقة الأخرى. مع الإشارة -كما تدل على ذلك الإحصاءات السنوية التي تنشرها بريتيش بتروليوم BP- إلى أن مجموع إنتاج الطاقة في العالم بلغ 13.865 مليون طن مكافئ بترول عام 2018 توزعت بين البترول (32.3%) والفحم (28.3%) والغاز الطبيعي (24%) والطاقة النووية (4.4%) ومصادر الطاقة المتجددة (11.5%)، بما فيها الطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية..إلخ.

   

هذا، ونظرًا لأن منطقة الخليج العربي تمتلك القسم الأكبر من احتياطي البترول الثابت وجوده عالميًّا، إضافة إلى تدني تكاليف الإنتاج، فمن المنتظر أن تحافظ هذه المنطقة على موقعها المميز في تلبية الطلب العالمي، مقارنة بروسيا وغيرها من الدول المصدِّرة. مما يعني أن مضيق هرمز سيبقى شريانًا حيويًّا في التبادلات الدولية، خاصة بالنسبة للبلدان الآسيوية المستورِدة الكبرى كالصين والهند واليابان وكوريا وغيرها التي من المقدر أن تمثل بعد حوالي عشرين سنة نحو ثلاثة أرباع مجموع استيرادات البترول في العالم، مع الإشارة إلى أن حاجات استيراد الهند ستتضاعف خلال الفترة المذكورة. أما العوامل الأخرى التي ستؤثر على هذه التوقعات فهي بالدرجة الأولى العقوبات الخارجية والأوضاع السياسية، بما في ذلك المخاطر المحدقة بأمن الإمدادات التي اتخذت بعدًا جديدًا منذ الهجمات التي تعرضت لها منشآت أرامكو في سبتمبر/أيلول 2019.   

  

تزايد حصة الغاز الطبيعي وعامل الغاز والزيت الصخري

بعد أن ظل حتى تسعينات القرن الماضي "القريب الفقير" للبترول بسبب عدم وجود أسواق ووسائل لنقله، ما فتئ الغاز الطبيعي ينمو بسرعة كمصدر رئيس للطاقة على حساب البترول، إلى أن وصلت حصته إلى ما يناهز ربع مجموع إنتاج الطاقة في العالم. أهم الأسباب لهذا التقدم كانت الاكتشافات الكبيرة التي حصلت في مختلف أنحاء العالم والتي أدت إلى احتياطي ثابت يكفي على أساس الاستهلاك الحالي لمدة 53 سنة (مقابل 49 سنة للبترول و130 سنة للفحم الحجري و90 سنة لليورانيوم).  يضاف إلى ذلك التطور السريع في وسائل نقل الغاز إلى أسواق الاستهلاك سواء عبر الأنابيب العابرة للقارات، أو بتسييله ونقله بحرًا في ناقلات عملاقة. هذا دون أن ننسى تفوق الغاز الطبيعي على الفحم الحجري والبترول لناحية نظافته النسبية وانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

    

   

أما بخصوص تأثير وباء الكورونا والأزمة الاقتصادية الحالية على إنتاج واستهلاك الغاز، فسيكون في المدى القصير أضعف بكثير مما هو عليه بخصوص إنتاج واستهلاك البترول. سبب ذلك أن تجارة الغاز العالمية تتم إلى حدٍّ كبير في إطار عقود طويلة الأجل تمتد على 15 سنة أو أكثر، مما يحول دون تعديلها نتيجة لتقلبات الأسعار وغيرها، وتتضمن ما يسمى بند "استلم أو ادفع" (Take or pay). هذا النقص أو انعدام المرونة في عقود الغاز يفسر ضرورة الانتظار فترة طويلة لمعرفة مدى تأثير الأزمة الحالية على حجم وحصة الغاز في التجارة العالمية. هذا مع الإشارة إلى أن هذا التأثير سيكون إلى حد ما متناسبًا مع ما ستؤول إليه أسعار البترول الذي ما زال، على الرغم من تراجع حصته، المصدر الرئيس للطاقة وإن كانت تقلبات أسعاره تنسحب هبوطًا أو صعودًا على الغاز ومصادر الطاقة الأخرى.  

 

مع أخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار، لابد من الإشارة إلى الوضع الخاص الذي يمتاز به الغاز والزيت الصخري في الولايات المتحدة الأميركية. هذان المصدران الجديدان للطاقة برزا بشكل مفاجئ كعامل على جانب كبير من الأهمية في لعبة الشطرنج على مسرح الطاقة العالمي. فمنذ أقل من 10 إلى 12 سنة لم يكن أحد يقول أو يتصور أن الولايات المتحدة التي كانت في طليعة البلدان المستوردة للبترول والغاز ستعود من جديد بلدًا مصدِّرًا، أي أن تستعيد الدور الذي كانت تلعبه حتى مطلع السبعينات من القرن الماضي كمُصدِّر رئيس للبترول.

    

  

ولابد من التذكير هنا بأن هذا التبدل الدرامي الذي حصل منذ قرابة نصف قرن كان السبب الرئيسي في تحول سياسة الولايات المتحدة تجاه أسعار البترول العالمية إذ إن حاجاتها المتزايدة لاستيراد البترول زادت اعتمادها على الدول الأجنبية المصدِّرة، مما يشكِّل عنصر ضعف تجاه الاتحاد السوفيتي المصدِّر للبترول والغاز في ظل الحرب الباردة آنذاك بين الدولتين. لذلك، وبعد فترة تردد ودراسة تولاها جيمس إيكينز (James Akins) الذي أصبح فيما بعد سفيرًا للوليات المتحدة في المملكة السعودية، استقر رأي إدارة الرئيس نيكسون على أن مصلحة الولايات المتحدة تقضي بتجنب الحاجة للاستيراد، وذلك عن طريق تطوير مصادر الطاقة الوطنية، مما كان يستلزم ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، وتأمين حافز لاستثمارات الشركات البترولية في الولايات المتحدة وغيرها.

  

وهذا ما حدث فعلًا عندما شجَّع جيمس إيكينز وغيره من المسؤولين الأميركيين المملكة السعودية وإيران (الشاه)، وعبرهما الدول المصدِّرة الأخرى، على رفع الأسعار ما يقارب الأربعة أضعاف في المرحلة الأولى. هذا ما سُمي "الصدمة البترولية الأولى"، عام 1973-1974، التي ألقت وسائل الإعلام الغربية مسؤوليتها على دول الأوبك خاصة العربية منها، في حين أن المحرِّض واللاعب الأكبر كان الولايات المتحدة.

  

ومن اللافت أن التاريخ يعيد نفسه نوعًا ما في الظروف الراهنة بالنسبة لأهمية دور الولايات المتحدة في سوق الطاقة. هذا الدور عاد وبرز خلال السنوات الماضية عبر ما يسمى "ثورة الزيت والغاز الصخري" Shale oil and gas revolution التي مكَّنت الولايات المتحدة من أن تعود وتصبح بلدًا مصدِّرًا للبترول والغاز. وكان مقدرًا قبل الأزمة الحالية وتدهور الأسعار أن يستمر هذه الاتجاه خلال السنوات العشر القادمة، بشكل أن يغطي الزيت الصخري ما لا يقل عن 85% من الزيادة المرتقبة في إنتاج البترول في الولايات المتحدة حتى عام 2030، وأن تغطي حصة الغاز الصخري 30% من الزيادة في مجموع إنتاجها من الغاز. مما يعني أنه وفق التقديرات التي سبقت الأزمة الراهنة، كان من المفترض أن يتجاوز إنتاج الزيت والغاز الصخري الأميركي في عام 2025 مجموع إنتاج روسيا من البترول والغاز معًا، وأن يسهم ذلك في تعزيز دور الولايات المتحدة بين الدول المصدِّرة للهيدروكربونات.

      

درجة تأثير تدهور الأسعار العالمية على إنتاج الزيت والغاز الصخري ستحدده مدة الأزمة الراهنة، وقدرة منتجي الزيت والغاز الصخري على الصمود
   

إلا أن انهيار الأسعار العالمية تزامنًا، وفي أعقاب وباء كورونا وركود الاقتصاد العالمي، يضعان علامة استفهام حول إمكانية استمرار إنتاج الزيت والغاز الصخري في الولايات المتحدة بالزخم الذي عرفه في السنوات العشر الماضية. ويعود هذا التساؤل لعدة أسباب: أولها: أن تطوير هذين المصدرين الجديدين للطاقة في الولايات المتحدة قد استلزم توظيف رساميل لا تقل عن ألف مليار دولار، قسم كبير منها بشكل ديون لم يتم تسديدها بعد. أما السبب الثاني فهو أن انهيار سوق الطاقة لا يعود فقط للتنافس وحرب الأسعار بين المملكة السعودية وروسيا، بل أيضًا لتأثر كلا البلدين من تعاظم الصادرات الأميركية بفضل الزيادة السريعة في إنتاج الزيت والغاز الصخري. السبب الثالث هو أن تطوير إنتاج هذين المصدرين للطاقة يتطلب حفر آبار جديدة وتوظيفات مالية أكبر بكثير مما يتطلبه تطوير إنتاج البترول والغاز التقليديين.

  

لهذه الأسباب، يمكن القول: إن درجة تأثير تدهور الأسعار العالمية على إنتاج الزيت والغاز الصخري ستحدده بالدرجة الأولى مدة الأزمة الراهنة، إضافة إلى قدرة منتجي الزيت والغاز الصخري على الصمود. خاصة أن الحد الأدنى اللازم لضمان ربحية إنتاج قسم كبير من هذين المصدرين يستلزم أسعار بترول في الأسواق العالمية لا تقل عن 50 دولارًا للبرميل.

  

الرابحون والخاسرون

   

على ضوء هذه الخضات التي نعيشها في سوق الطاقة، يمكن القول -إن صح التعبير-: إن " المستفيد" الوحيد هو البلدان المستوردة. إلا أن هذه الاستفادة الناجمة عن تدهور الأسعار ستكون عابرة ونسبية لأنها تتعارض على المدى البعيد مع حاجة هذه الدول لزيادة الاستثمارات في صناعة البترول والغاز وفي مصادر الطاقة الأخرى بغية سد حاجات الاستهلاك عندها كما في سائر البلدان الأخرى. أما الخاسر الأكبر فهو بالطبع البلدان المصدِّرة، بما فيها الولايات المتحدة حيث تشكل الأزمة الحالية انتكاسة كبرى لإنتاجها وصادراتها من الزيت والغاز الصخري.

  

إلا أن هذه الخسارة تبقى محدودة بالنسبة لحجم الاقتصاد الأميركي، مقارنة مع التداعيات الكارثية التي تشكو منها الدول النامية المصدرة للبترول والغاز؛ حيث يغطي هذان المصدران للطاقة نِسَبًا تتجاوز بشكل عام 85-90%، وتلامس أحيانًا 98% من مجموع صادراتها. وتكفي الإشارة هنا إلى أنَّ تقلُّص الصادرات، إضافة إلى تدهور الأسعار بنسبة 63.5% خلال الأشهر الثلاثة الماضية يعنيان هبوطًا مفاجئًا في الدخل البترولي لا يقل عن 70% في الدول المعنية، مع ما يستتبع ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية. هذا الوضع المأساوي يعيد إلى الأذهان ضرورة تفادي سياسات السنوات الطويلة الماضية، عبر العمل على تنويع مرافق الإنتاج الوطني.

—————————————-

هذا المقال مأخوذ عن مركز الجزيرة للدراسات.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

شكلت الإجراءات التقشفية تناميًا في معدلات البطالة، وكونت مخاوفَ عميقة لدى المواطنين، فالمحليون تساورهم الشكوك تجاه المستقبل، ووقع هذه الإجراءات عليهم كان قاسيًا وهم مَنْ خبروا حياة الرفاه الاجتماعي

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة