القوة تصنع الحق.. كيف تصلنا المنتجات في عصر الرأسمالية؟

ميدان – القوة تصنع الحق.. كيف تصلنا المنتجات في عصر الرأسمالية؟
اضغط للاستماع

  

في متجر للسلع الإلكترونية بأميركا، تدخل فتاة مراهقة لتشتري هاتفا نقّالا متطورا. تدفع الثمن، تأخذ الهاتف، ثم تذهب إلى منزلها في سلام وقد حازت ملكية هذا الهاتف الأنيق. لكن هل هي تملكه حقا؟! بنظرة (فلسفية) يرى البروفيسور اللندني "ليف وينار" أن ملكية هذا الهاتف تؤول لسلسلة تسبق هذه الفتاة، على الرغم من الثمن الذي دفعته للتو.

  

هذه السلسلة تبدأ من مُصنِّعه الذي ابتكره، وقبل هذا كانت تقنيته ملكا لشركات الدارات الكهربائية، والتي أخذتها بدورها من شركة تصنيع المكونات، تلك التي حازت ملكيتها من مصفاة المواد، وقبل مصفاة المواد كانت شركة التصدير تنقل هذه الخامات عبر تاجر أتى بها من منجم غني في الكونغو الشرقية الفقيرة، والذي -أي المنجم- ربما كان تحت سلطة إحدى الميليشيات المتقاتلة.

 

هل ترى هاتفك الذي بالجوار، أو ربما الذي في يدك، الآن؟ هل فكّرت أن تنظر لتاريخه قبل أن تداعبه أصابعك بهذه الفلسفة؟ هذا ما دأب "وينار" عليه؛ فيقول إننا نستطيع النظر لهذا التاريخ من وجهتين: وجهة سلاسل الإمداد التي حوّلت مواده الخام إلى صورته التكنولوجية الآنية، ووجهة سلاسل الانتقالات القانونية -كسلاسل البيع- التي تغيّرت بها الملكية من يد إلى يد.

   

  

ثم يردف "وينار" قائلا: "من المؤكّد أن هؤلاء الرجال لا يملكون حقوق ملكية هذه المعادن.. إلا أن أسلحة هؤلاء الرجال هي التي تفوز بالملكية الفيزيائية للمواد الخام"[1]. ثم من هذا المثال يمكننا توسيع الدائرة التي ستشمل كل شيء تقريبا، فعبر تلك السلاسل تنتقل الخامات إلى العالم الأول، الذي يُصدّرها مصنوعات إلى الدول النامية، ولكنّه قبل هذا يدفع ثمنها إلى ثُلّة مسيطرة على مناجم تلك الدول، سواء كانت ميليشيات متناحرة أو حكاما طغاة، فيؤخذ من الشعب خيره باليمين، ثم يؤخذ منه باليُسرى لقاء سلعة مصنّعة.

 

تلك الطريقة التي تندمج بها سلاسل الإمداد العالمية تُعمّق ضباب السلع، أي تعمينا عن أصلها، وهذه المشكلة مرتبطة بالبضائع المركّبة، التي هي كل شيء تقريبا، فـ"الألماس المأخوذ من حقول زيمبابوي الدامية قد يكون مثبتا في آلة حفر مستخدمة لاستخراج النفط في المكسيك، الذي يتم تكريره إلى بنزين ليملأ الشاحنة التي جلبت البرتقال إلى السوق القريب منك. البرتقالة التالية التي ستأخذها بهذا المنطق البعيد قد تكون برتقالة دم، وأنت ببساطة لن تعرف"[2].

 

لكن قبل هذه السلسلة، وقبل أن نملأ خزّانات سيارتنا بالوقود لندفع ثمن سلاح سيُقتَل به اللاجئون في مخيّم بسوريا، هل فكّرنا كيف تضع الرأسمالية الأغلال في أيدينا؛ لننهش لحومنا بأسناننا مضّطرين؟ يبدو أن القصة بعيدة، بعيدة للدرجة التي كانت فيه المقايضة بأجساد البشر صراحة قبل أن تتحوّل إلى مقايضة بأرواحهم عبر غلاف أنيق اسمه سلاسل الإمداد.

 

العالم صفر والعالم الأول

"التجارة البريطانية عبارة عن بنية فوقية مهيبة لتجارة أميركية، وقوة بحرية على قاعدة أفريقية"

[مالاتشي بوستليثوايت][3]

     

  

في مرحلة ما قبل هذا التاريخ، وتحديدا في عام 1518م، حمل الإسبان خبرا سيئا إلى قارة بأكملها، مُتمثِّلا في أول حمولة من الأسرى المنقولين مباشرة من غرب أفريقيا إلى جزر الهند الغربية، لتبدأ بهذا التاريخ تجارة ستستمر لثلاثة قرون بين أوروبا وعدد من رؤساء أفريقيا وأشرافها.

 

وقد صارت هذه التجارة عملا مشروعا خلال القرن السابع عشر، وذلك من خلال آليتين: أولاهما داخلية تتمثّل في استعباد الشخص الذي يقترف جُرما، أو بيع الشخص نفسه وذريته لوفاء دين، وثانيهما خارجية تتجلّى في أسرى الحروب التي شجّعت أوروبا على استعارها بين الأفارقة حتى تزدهر تجارة الرقيق[4]؛ لتدخل دول أخرى على الخط نفسه وينتعش سوق الرقيق، حتى إن ملكة كبرى كـ"إليزابيث الأولى" طلبت مشاركة التاجر "جون هوكنز" تجارته تلك -لغزارة أرباحها- ومنحته شعار النبالة الذي طلب "هوكنز" نقشه على هيئة أفريقي مقيد بالسلاسل[5].

 

على تلك السردية، التي ينوء المجال بذكرها، يطالعنا تعليق "جون ستيورات مِل"، الناطق بلسان الرأسمالية البريطانية: "إن من الصعب اعتبار تجارة الهند الغربية تجارة جزر خارجية، فهي أشبه ما تكون بتجارة بين المدينة والريف"، أي إنها لا قيمة لها من دون العمالة الأفريقية، وهو ما يؤكّده -من طريق آخر- "كارل ماركس" إذ يقول إن ما مَثَّل خيرا للأوروبيين -في ارتقائهم الاقتصادي- إنما قد جاء على حساب معاناة تفوق الوصف واجهها الأفريقيون والهنود الأميركيون؛ ليبزغ الفجر الوردي لعصر الإنتاج الرأسمالي[6].

 

ويروي "والتر رودني" في كتابه "أوروبا والتخلف في أفريقيا" أنه حينما وصل الأوروبيون إلى الأميركتين أدركوا إمكاناتها الضخمة من الذهب والفضة، والتي لا يمكن تحويلها إلى واقع دون إمدادات عاملة هائلة، وهو ما لم يستطعه السكان الأصليون من الهنود الذين اعتاشوا على الصيد لا كدح التعدين والزراعة، فكان هذا سبب إبادتهم من قِبَل الغزاة البيض، واجتلاب الأفارقة الأشداء القادرين على النيابة عنهم في هذه الصنعة.

   

كتاب "أوروبا والتخلف في أفريقيا" لـ "والتر رودني" (مواقع التواصل)

  

كانت تلك هي الظروف الموضوعية التي جعلت الرأسمالية الأوروبية تُخصِّص أفريقيا لتصدير العبيد، والتي دعمتها -حسب "رودني"- بسياسة أخرى تتبدّى في استبدال البضائع الأساسية والأسلحة مع البلدان الأفريقية مقابل العبيد، وهي السياسة التي أجبرت "أجاجا ترودو"، أعظم ملوك داهومي، على التنازل عن تمرده على الغول الأوروبي واستئناف تجارة الرقيق في بلاده تحت ضغط الاحتياج إلى الأسلحة النارية وأصداف الودع.

 

كما لعبت موارد هذه البلدان -في أميركا وأفريقيا- دورا حاسما في تلبية الاحتياج الاقتصادي لتوسع الرأسمالية في أوروبا الغربية، فساعد الذهب الأفريقي البرتغال في تمويل رحلات استعمارية أخرى إلى آسيا، ودعم هولندا في سك العملة الذهبية التي ساعدت أمستردام على أن تصبح الممول المالي لأوروبا في تلك الفترة[7]. وفي هذا السياق، تروي "هبة رؤوف" عن "المسيري"[8] قولته إن الطريق للنهضة الاقتصادية الأوروبية لا يمكن أن يمر إلا من خلال الطريق التي مرّ بها الغرب في سنين الاستعمار من عبودية للبشر وافتراس للموارد الطبيعية تحت مُسمّى سكّه "ليف وينار" اسمه الفعالية؛ حيث القوي هو مَن يملك لا صاحب الحق الشرعي.

 

القوة تصنع الأحقية

"أنا أيضا استرققت العبيد.. لكنني كنت النموذج الأحدث في هذا الدرب والأكثر مراوغة، لم أرَ في حياتي جثث الموتى ولم أشم رائحة اللحم المتعفن، ولم أسمع صرخات الألم. لكن ما فعلته هو الشر نفسه.. ربما في التحليل النهائي أرى نفسي أكثر إجراما وشرا"

[جون بيركينز]

     

كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي: الاغتيال الاقتصادي للأمم" (مواقع التواصل)

  

في كتابه ذائع الصيت "الاغتيال الاقتصادي للأمم"، يطالعنا القرصان الاقتصادي الأميركي "جون بيركينز" بهذا التصريح، واصفا جريمته التي أثقلت كاهله لعقود، والمتمثلة في استنزاف موارد البلاد النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والوسطى، من خلال مثلث الكوربوقراطية الوحشي: السلطة، والمؤسسات النقدية الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، أو العابرة للقومية بتعبير "جون جالبريث"[9].

 

ويمكن اختصار هذه العملية الثلاثية في أن مهمة "بيركينز" ورفاقه كانت توريط الساسة في البلدان النامية بالاقتراض من المؤسسات النقدية المذكورة، تحت إغراءات التنمية والتقدم التقني، شريطة أن تقوم الشركات متعددة الجنسيات بمشروعات الصفقة، أو بإجراءات النهضة المتخيلة، فتقع الدولة في تلابيب الديون التي تُخضِع سلطتها بالتبعية إلى سلطات العالم الأول، والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

 

نتيجة لهذه الصفقة، تقوم الشركات -ومن ثم سلطة العالم الأول- باستنزاف موارد الشعوب دون أن يتمتّع أهل هذه البلاد بشيء من عائدات مواردها، إذ يذهب الأجر إلى الحكّام التابعين للكوربوقراطية[**]، بينما يذهب العائد الأكبر إلى الشركات نفسها، ومثال على ذلك الإكواردور التي أفلست في ثلاثة عقود لا غير، وكانت تستفيد من كل مئة دولار -لقاء بترولها- بـ 2.5 دولار للتعليم والصحة، بينما يذهب الباقي إلى الشركات وتسديد الديون وغير ذلك من العمولات[10].

   

   

ما يساعد في ذلك بالطبع هو وجود الطغاة والأنظمة الشمولية في الحكم، والذين يوفّرون بدورهم حقوقا شبه مطلقة للشركات الكبرى لنهب البلاد مقابل انتفاع شخصي لا يراه الشعب، وتلك هي قاعدة الفعالية التي يتحدّث عنها "وينار"، والتي تُعَدُّ من نتاج الفترة الويستفالية[***]، وتنص على أن "القوة تصنع الأحقية، أي إن الحكم القهري لمجتمع ما يمنحه سيطرة قانونية على موارد هذا المجتمع "بشكل محق"، أي إن كيمياء الفعالية تحوّل حديد القهر إلى ذهب الملكية القانونية، فمَن يستطيع أن يصبح حاكما قهريا يمكنه أن يرسل الموارد عبر سلاسل البيع إلى المستهلكين، ويرسل المستهلكون بالمقابل الأموالَ للفاعلين القهريين لتعزيز حفاظهم على السلطة"[11].

 

ففي غينيا الاستوائية، على سبيل المثال، كان لاكتشاف النفط على يد شركة إكسون عام 1995 أكبر الأثر في إصابة هذا البلد بالمرض الهولندي[*]، ووضعها في بؤرة اهتمام الأسواق العالمية، لتتخطى في عشر سنوات فقط معدّل بيع للنفط بالنسبة للفرد يتخطّى النسبة ذاتها في السعودية التي تحتوي أكبر مخزون نفطي بالعالم[12]، وقد نُقِل معظم نفطها إلى منصات بحرية بالولايات المتحدة وكندا وأوروبا عبر مياه الأطلنطي[13].

 

بسبب هذا التدفق السريع لأموال النفط، ارتفع متوسط الدخل السنوي في غينيا بشكل فاق أي دولة أخرى خلال العشرية الأولى من هذا القرن متجاوزا بلادا كبريطانيا وألمانيا واليابان[14]، لكن القصة لا تنتهي هنا؛ لأن النهاية غير السعيدة تخبرنا أن هذا النمو مخادع؛ حيث إن المليارات الستة عشرة التي تحصل عليها الدولة -حسب البنك الدولي[15]– تذهب إلى الطبقات العليا المسيطرة في الدولة، ففي الحين الذي يعيش فيه أكثر من ثلاثة أرباع الشعب على أقل مما يشتريه دولاران اثنان في اليوم، يحيا الطاغية "ثيودورو أوبيانغ" بملياراته هو وزبانيته الذين يسومون الغينيين سوء العذاب[16].

   

ثيودورو أوبيانغ (رويترز)

   

الأمر نفسه نجده يتكرر في بلدان عِدة، فيقول "وينار": "انظر لما يشهده العالم الآن. لدينا حكومة مدعومة بالنفط في روسيا وإيران والسعودية والجزائر وأنغولا. هذه البلدان مختلفة جدا بتاريخها ودينها ولكنها تشترك جميعا بوجود النفط، وتشترك بوجود حكومات سلطوية مدعومة بأموال النفط. وبالطبع، وعندما تنظر إلى أسوأ الحروب الأهلية في العالم، ستفكر بالعراق وسوريا حيث موّل النفط الجيوش وكل أطراف الصراع. النفط يتسبب بالكثير من المشكلات، وبسبب وجود قاعدة الفعالية، سيشتري العالم النفط من ذلك الذي يملك سلاحا أكثر".

   

فبسبب قانون الفعالية، فإن مَن يستطيع السيطرة على آبار النفط بالقوة، "فسيحصل على الكثير من المال الذي يأتي "بلا محاسبة وبلا تبعات، ولا يجب أن يتم إرجاعه"، وبالطبع "فإن شعوب تلك البلدان لا يرون مال هذا النفط أبدا إلا من وراء السياج بينما يتم بيع مواردهم الطبيعية خارج سيطرتهم". فالنفط "سلطة لا يمكن مُساءلتها، وتستطيع أن ترى كيف تعمل هذه السلطة المطلقة في هذه الحرب الباردة"[17] الدائرة بين السعودية وإيران على سبيل المثال.

   

شعب وملك.. مَن يأتي أولا؟

"الثروة تأتي للحكام، وهم يتصرّفون بها"

[فؤاد عجمي][18]

   

في كتابه الشهير "اللفياثان" يعرض علينا "هوبز" فلسفته الإصلاحية في نظام الحكم، فيقول: "في الملكية، المصلحة الخاصة هي نفسها المصلحة العامة. فغنى وسلطة وشرف ملك ما يأتي فقط من غنى وقوة وسمعة أتباعه. فلا يمكن لملك أن يكون غنيا أو ذا شرف أو آمنا إن كان أتباعه فقراء أو خسيسين أو ضعفاء جدا من الحاجة أو الاختلاف؛ ليستطيعوا الانتصار بحربهم ضد أعدائهم". فالملك المنطقي سيجعل شعبه أقوى بتنمية مستواهم الصحي والمادي حتى وإن لم ينالوا قدرا وافرا من الحريات.

     

كتاب "اللفياثان" لـ "هوبز" (مواقع التواصل)

    

بينما، وعلى الجهة المقابلة تماما، نجد "جون لوك" في "العقد الاجتماعي" يخبرنا أن "الملوك يسعون لحكم مطلق، وأفضل الملوك يريدون أن يكونوا قادرين على الشر عند رغبتهم من دون التخلي عن كونهم أسيادا. وقد يخبرهم واعظ سياسي بأن قوة الشعب هي قوتهم، وأن أفضل مصلحة لديهم هي جعل الشعب مزدهرا ومتكاثرا وكبيرا، لكنهم يعلمون جيدا أن هذا ليس صحيحا، فمصلحة الملوك الشخصية قبل كل شيء هي جعل الشعب ضعيفا وشقيا وغير قادر على مقاومتهم".

   

هذان الرأيان يوردهما "وينار" في معرض حديثه عن نموذجين متضادين من البلاد النفطية، مختارا النرويج ونيجيريا كمثالين للنموذجين على الترتيب، ففي النموذج الأول يأتي الشعب أولا بسلطة قوية لا يقهرها الحاكم، شعب يُضيّق الخناق على حكومته لئلا تتلاعب به، في حين نرى النموذج الثاني لشعب رخو مهترئ، يعتليه الحاكم قبل أن تلوح للدولة ثروة وموارد، فلا يساهم اكتشاف الموارد إلا في زيادة سلطان الحاكم وتطور اهتراء الشعب، ومن هنا تحدث المفارقة.

  

لكن هل يمكن أن نكون أكثر تحديدا كما فعل "جون بيركينز" حين قال بوضوح إن السياسة الأميركية -كنموذج على نظرية "هوبز"- هي مَن يدعم بقاء النموذج الثاني في البلاد النامية، بل وتسعى لإحلالها محل أي سلطة وطنية تسعى لصالح الشعب، لتحافظ على تبعية هذه البلاد لها؟ هل يمكننا أن نتذكر "عمر توريخوس" الرئيس البنمي الذي لقي مصرعه في حادث طائرة مريب بعد سنوات من التمنّع على السلطة الأميركية في شأن قناة بنما؟

   

  

"بيركينز" نفسه يروي لنا ماذا فعلت حكومة "أيزنهاور" حينما قرّر رئيس الوزراء الإيراني "محمد مصدق" زيادة العائد المالي الذي تجنيه الدولة من شركة البترول الأكبر "بريتش بتروليوم" (BP) لصالح الشعب الإيراني وإلا فستتوقف استثماراتها في إيران، وكيف أن لهجة الأخير الانفصالية أثارت المخاوف لدى المعسكر الغربي من الانسحاب الإيراني عن المنظومة الرأسمالية ومخاوف الاقتراب من الغريم السوفيتي، مما دفع الأميركان بإرسال مهندس انقلابات الشرق الأوسط "كيرميت روزفلت" مع حفنة مليونية من الدولارات إلى إيران لإثارة جو من الفتنة لم يلبث أن أطاح بـ "مصدّق" ووضعه تحت الإقامة الجبرية حتى فاضت روحه[19].

  

هذان النموذجان، وغيرهما الكثير مما يضيق المجال بذكره، يرسمان لنا خطا واصلا بين الغرب الهوبزي والشرق اللوكّي -إن جاز التعبير- تسهل رؤيته، ويضع لنا سؤالا على منتصف الطريق: لقد أكلنا لحومنا -المصنّعة من أجسادنا في مصانع الغرب- دون مقابل، فهل سبق ملك "لوك" شعبه فأخضعهم وقبض الثمن وحده؟ أم أن ملك "هوبز" الذي أخضعه شعبه هو مَن أخضع ملك "لوك" ليمتصّ دماء بلده، بداية من سلبها أبناءها على سفن الرقيق، وحتى نهب أقواتها على ناقلات النفط؟

——————————————————–

الهوامش

[*]المرض الهولندي: يعرف في علم الاقتصاد بأنه العلاقة بين ازدهار التنمية الاقتصادية بسبب وفرة الموارد الطبيعية وانخفاض قطاع الصناعات التحويلية (أو الزراعية)، وهي تسمية راجعة إلى حالة الكسل والبذخ التي أصابت الشعب الهولندي في النصف الأول من القرن الماضي، بعد اكتشاف النفط في بحر الشمال؛ حتى أفاقوا على حقيقة نضوب الآبار.

  

[**] الكوربوقراطية: اختصار يرمز لمثلث الشركات متعددة الجنسيات والنظام العالمي ومؤسسات النقد الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي…).

  

[***] الفترة الويستفالية: هي الفترة التي عقبت صلح ويستفاليا 1648م الذي يعتبر أول تأريخ نظري لبداية الدولة الحديثة بحدودها ونُظمها المعروفة، وتعني أيضا بداية التاريخ الاستعماري الأوروبي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نضع لك في "ميدان" قائمة مُختصرة ببعض أهم العناوين الاقتصادية الجديدة، التي حاولنا فيها الجمع بين النظري والتطبيقي، والتثقيفي والاستكشافي، والتقليدي والمغاير، كمحاولة للخروج من أسر الخطاب الواحد بهذا المجال.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة