"رأس المال والأيديولوجيا".. توماس بيكيتي في تناقض صارِخ مع نفسه

نُشرت هذه المراجعة من مجلة الفورين أفّيرز الأميركية في يوليو/تمّوز الماضي لكتاب توماس بيكيتي الجديد "رأس المال والأيديولوجيا". يقع المؤلَّف في 1024 صفحة، بحث خلالها بيكيتي تاريخ الفقر والثورة والاقتصاد عالميّا. الكتاب يتّخذ حذوة فرس ويعود عن عدد من النقاط التي سبق لبكيتي أن تناولَها في كتاب رأس المال، بحيث يبدو قانعا بألّا مخرج من الرأسمالية سوى رأسمالية أخرى أقلّ توحشا.

 

بينما جائحة الفيروس تعيث خرابا بالعالم وتكشف اختلالا وظيفيا كامنا في ديمقراطيات الرأسمالية الغربية، يلحّن المثقفون نغمة تكاد تكون واحدة: "الحكومة عادت. الثورة الريغانية-الثاتشريّة ميتة. الرأسمالية كما عهدناها تحتضر". وبوجه خاص، افتُضِحت ولايات متّحدة عُرفت بتفوُّقها سابقا. إنّها تدفع ثمنا باهظا جراء تحوّلها إلى، كما كتب الروائي مارتن أميس ذات مرّة، "أرض ضحايا صنع الربح، موطن للنجدة المحسوبة بالعدَّاد".

 

برغم ما يلقاه انتقاد حافز الرّبح من انتشار، فالرأسمالية ليست في عوز للمخلّصين الذين يأتون بأشكال مختلفة ويبيعون حلولا بعينها. البعض يريد تعديل المداخيل وفقا لحال السوق (أنصار إعادة التوزيع)، البعض الآخر يريد التأثير في نتائج السوق (أنصار إعادة التوزيع السابق)، وهناك أولئك الذين يريدون رفع الحد الأدنى من الأجور وتغيير قوانين الاحتكار، أو إدخال إصلاحات على حكم الشركات الكبرى وإعادة قطاع الأدوية إلى عهدة الحكومة، ومن ثمّ هناك الاقتصادي الفرنسي توماس بكيتي، الذي يريد إصلاح الرأسمالية بما يتخطّى نقطة تعريفها عبر القضاء على الملكية الخاصة الدائمة قولا واحدا.

توماس بكيتي

"رأس المال والأيديولوجيا" هو مؤلَّف توسّعي لاحق لأحد أفضل مبيعات بكيتي "رأس المال في القرن الحادي والعشرين". إن أي مؤلِّف يعتزم إلحاق كتاب يتألف من 800 صفحة بمؤلَّف آخر على القدر ذاته من الكثافة والطول إمّا أنه مفرط الثقة بنفسه أو أن لديه إيمانا استثنائيا بجَلَد قرّائه، ومن ثمّ فهناك الجسارة الواضحة في حذوة الفرس التي يتّخذها بكيتي في كتابه الجديد. فالكتابُ السابق أُقيم على فكرة أن قانونا ثابتا للرأسمالية، يتلخّص في المتباينة "ع > ن" -التي تعني أن عائدات رأس المال سوف تتخطى النمو الاقتصادي الإجمالي- قد طحنت المجتمعات إلى مستويات أكبر من انعدام المساواة. جوهريا، فإن "ع" تعني الدخل الذي يوفّره أصحاب رأس المال، فيما "ن" تعني ذلك الدخل الذي يوفّره المجتمع كله؛ وإن صدقت المتباينة، فإن اللا مساواة سترتفع لصالح المجموعة الأولى.

كتاب "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" لتوماس بكيتي

الكتاب الجديد يعكس المسار، فيُسقط من حساباته قوّة القدر لصالح قوّة الفِعل الإنساني (Agency) والاختيار. المجتمعات، كما يجادل، ليست ضحايا عاجزة لقوى خارجية؛ إنها فقط تحصل على اللا مساواة التي تختارها. السياسات، وليس التكنولوجيا -وهي التي تحدد عائدات رأس المال- هي المَلوم الحقيقي. المؤلَّف اللاحق لا يشير إطلاقا إلى قانون الرأسمالية الثابت الذي كان نواة الحِجاج في الكتاب السابق. الاقتصاديّون والمنظّرون ماضون في الجدال بشأن ما إذا كانت "ع" أكبر من، أقلّ من، أو تساوي "ن". أمّا بكيتي فلن يُكلِّف نفسه عناء ذلك، لقد مضى قُدما.

 

مع ذلك، فإن "رأس المال والأيديولوجيا" تاريخ رصين للتنمية الاقتصادية كما تظهَرُ عبر موشور اللا مساواة. إنه آسرٌ في سعة اطلاعه (ويمسح تقريبا كل ركن في العالم ظلّ غير مطروق)، كما أنه متوقّد في تبصُّراته الطافية على سطح من البيانات التي قضى بيكيتي وزملاؤه عقودا من الزمن في جمعها.

كتاب "رأس المال والأيديولوجيا" لتوماس بكيتي

 

يُثير بكيتي سؤالا جوهريا: لماذا انتهى المطاف بكل الثورات والانتفاضات بالتاريخ، التي أُريد بها إزالة نظام اجتماعي ظالم، بتغيير الشيء القليل لأولئك القابعين عند قاعدة الهرم؟ لقد كانت اللا مساواة في فرنسا عشية الحرب العالمية الأولى أكبر بكثير مما كانت عليه قبل الثورة الفرنسية، في باريس، على سبيل المثال، كانت نسبة الملكية الخاصة التي يحوزها 1% من السكّان أكبر بعشر مرّات في عام 1910 عمّا كانت عليه في عام 1780. بعيدا عمّا حلَّ بـ "الحرية والأخوّة"، فمن الواضح أن المطاف انتهى بالمساواة لأن تتحوّل إلى نداء يُثير الاقتتال أكثر منه ناتجا ملموسا.

 

يفكُّ بكيتي هذا اللغز من خلال أمثلة تاريخية تستند إلى نتائج انتفاضات وقعت في البرازيل وفرنسا وهايتي والهند وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. في هذه الحالات كافة، كانت المجتمعات تحرص على تعويض مُلاك الأصول -من أراضٍ ورأس مال وعبيد-، لكن لم يحدث أبدا أن عُوِّض الفلاحون أو العبيد أنفسهم. في نقاشه بشأن التعويضات عقب "الثورة الهايتية"، يقتبس بكيتي عن شاعر القرن التاسع عشر الفرنسي ألفونس دو لامارتين، وهو من المنادين بحريّة العبيد، وكان قد كتب أنه كان من الضروري قطعا منح "تعويضات للكولونياليّين على أملاكهم المُحازة قانونيا من العبيد التي ستُصادَر… وحدهم الثوريون يصادرون دون تعويض. المشرّعون لا يتصرفون بهذه الطريقة، إنهم يبدّلون، يغيّرون، لكنّهم لا يُلحقون الدمار أبدا. إنهم دائما ما يحترمون الحقوق المكتسبة مهما يكن منبعها".

 

لماذا كانت ثورات التاريخ تنتهي إلى تغيير الشيء القليل بالنسبة لأولئك الذين في القاع؟ السبب الذي يصفه بكيتي ينبع من اختزال الملكية. أولئك الذين في السلطة، حتى إن وصلوها عبر إطاحة ثورية للنظام السياسي السابق، كانوا يخشون أنه إن انتُهكت حقوق الملكية بقوة، فإن النظامين الاجتماعي والاقتصادي كليهما سيسقط. وهكذا فإن المنافسة بين العدالة وحقوق الملكية لم تكن منافسة فعلا، نحو منتصف القرن السابع عشر، كان البريطانيون يُفضِّلون دفع المال لملاك العبيد الأثرياء في الكاريبي بقيمة 5% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة لتعويض أُفول العبودية بدلا من ضخ تلك الأموال مباشرة إلى التعليم والصحة العامة لتحسين ظروف الفقراء في بريطانيا نفسها.

الثورة الهايتية

 

يُقدِّم "رأس المال والأيديولوجيا" بعضا من الحقائق الجديدة الصادمة حول التاريخ الاقتصادي أيضا. على سبيل المثال، في مجمل تاريخ ما قبل 1400 عام، كان يُفهَم أن الدول الصينية قوية عموما، لكن بكيتي يُظهِر لنا بأنها فيما يخص القدرات المالية، فإن السلالات المتعاقبة (مينغ وتشينغ على وجه الخصوص) قد حصدت من الضرائب ما كان غيضا من فيض ما تمكّن شركاؤهم الغربيّون في أوروبا الغربية من استخراجه، وهو ما يساعد في تفسير ضعف الصين أمام أهوال الإمبريالية البريطانية مطلع القرن السابع عشر.

 

أكثر أجزاء الكتاب جرأة هي الحلول التي يصفها بكيتي، لا سيما اقتراحه القاضي بالتخلُّص من الملكية الخاصة الدائمة. لقد خطَّط بكيتي، بجانب زملائه إيمانويل سايز وغابرييل زكمان، لما قد يكون أشد البدائل راديكالية وخيالية للرأسمالية التقليدية. كل مواطن، يصل سن 25 عاما، سيحصل على منحة رأس مال تُشكِّل نحو 60% من متوسط الثروة في المجتمع. ستُمَوَّل هذه المنحة عبر ضرائب تقدمية على الثروة والدخل والإرث. بإمكان الشباب بدء الحياة بإحساس من الإمكانيات الجديدة، "مثل شراء منزل أو إطلاق عمل تجاري". رأس المال سيُتداول لأن التراكم الفائض من العائدات تُخضعه الدولة للضرائب خلال حياة المرء وحتّى بعد موته من خلال ضرائب الإرث.

 

قد يسمي البعض تصوًّر بكيتي "وصائية باتيك فيليب"، تيمُّنا بالجملة الدعائية الشهيرة لشركة الساعات الفاخرة: "إنك لا تحصل حقا على باتيك فيليب. إنك فقط تعتني بها لأجل الجيل القادم". هذا هو هدف بكيتي من رأس المال، مع فارق حاسم هو أن نقل الثروة لن يتم ضمن العائلة وإنما بين المواطنين والدولة.

دعاية لشركة الساعات الفاخرة "باتيك فيليب"

من المثير للاهتمام أنّ تحوُّل بكيتي عن الملكية الخاصة يأتي دون أي تأسٍّ بالنموذجين السوفيتي أو الصيني. في الحقيقة، فإنه ينسب بزوغ الثورة الريغانية الثاتشرية جزئيا إلى الفشل الاقتصادي للاتحاد السوفيتي. وبرغم كل المعجزات الصينية الاقتصادية، فإن نهجها اللا ديمقراطي، والمفتقد للشفافية، والقمعي، ليس من بين تفضيلاته أيضا.

 

بكيتي ينضوي تحت لواء مفكرين يساريين يشجبون "النزعة المليارديرية" (Billionarism) -أشنع تجليات الملكية الخاصة- بوصفها مرضا اجتماعيا، آفة لا أخلاقية ما كان ينبغي السماح لها بأن توجد إطلاقا. وسياساتهم المقترحة، بما فيها فرض الضرائب على الأثرياء، تتعلّق بالتخلُّص من تلك الآفة بقدر ما تتعلّق بالتخفيف من وحشية الرأسمالية. وهذا ما قد يكون السبب وراء إهمال بكيتي ما يسميه الاقتصاديون "تأثيرات حجم الاقتصاد الكلي"، ألن تكون غالبية إعادة التوزيعات التي يروج لها ضارة جدا للحوافز، وريادة الأعمال، ومراكمة رأس المال بحيث يظل الشيء القليل من الاقتصاد الكلي لإعادة توزيعه؟

 

إن عدم اكتراث بكيتي للمشكلة يمر كما لو أنه متعمد وغير مبالٍ نوعا ما، ما يدفع للتشكيك بأنه يريد إصلاح عطب ما، فهو يكرس طاقة أكبر لانتقاد الداعمين النيوليبراليين لنهج الطريق الثالث -الرئيسان فرانسوا ميتران وإيمانويل ماكرون في بلاده، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في بريطانيا، والرئيسان بيل كلينتون وباراك أوباما في الولايات المتحدة والعالم الأنجلو أميركي- وممكّنيهم من المثقفين. هؤلاء الزعماء والمفكرون، كما يزعم بكيتي، كانوا مفتونين جدا بالأسواق والحوافز التي أغوت العالم المتطور للوقوع في محنته الحالية. إن اللقب الذي يطلقه على ماكرون كاشف بحد ذاته: "لا مساواتي عالمي".

برغم ذلك، فما من شك أن مقترحات بكيتي هي مقترحات غير عملية. معظم المجتمعات ستكون عاجزة أمام مستوى وتقدمية الضرائب -التي تصل حتى 90%- التي يقترحها بكيتي وزملاؤه. من جهة أخرى، فإن الهدف الأساسي لبكيتي هو مواجهة تيارات وسطية قانعة، إنه يرسم خطوط رؤية من الرؤى وينادي بالتجريب وسيلة لتحقيقها. والحملات الانتخابية الأميركية للسيناتور بيرني ساندرز، الديمقراطي عن ولاية فيرمونت، والسيناتور إليزابيث وارن، الديمقراطية عن ماساشوستس، ما هي إلا إشارة إلى أن العناصر المهمة من رؤية بكيتي ليست ببعيدة عن التحقُّق السياسي كما قد يزعم منتقدوه.

 

أحد المواضع التي يفترق فيها بكيتي عن سواه في اليسار المعاصر هو تفكيره بشأن الدور الذي يلعبه العِرق والهوية في سياسات اللا مساواة. لقد كان الأميركيون الأقل تعليما والأقلّ بياضا فيما مضى مكونا مهما من قاعدة الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة. إننا نحاول أن نفهم لماذا يتحرك العديد منهم الآن ضد مصلحته الاقتصادية بالتصويت للجمهوريين الذين يقومون بأشياء لا تساعدهم (خفض الضرائب على الأثرياء) وتلحق بهم الضرر مباشرة (الحدّ من دولة الرعاية)، يشير العديد من المفكرين في اليسار إلى العنصرية كونها قوة دافعة، مجادلين بأن الاستقطاب حول الهويات، لا سيما العِرق، هو ما يحرّك السلوك الانتخابي. يعترف بكيتي أن العنصرية قد تكون عامل جذب قويا في تفسير الانتقال اليميني لأولئك المصوتين، لكنه يجادل بأن هناك عامل دفع أيضا: أحزاب يسار الوسط قد خانتهم بتدخّلاتها القليلة للحد من المشكلات التي أصابتهم طيلة عقد من الزمن بحلول الآن، مثل ركود الأجور.

 

لقد لاحظ أن العِرق لطالما قسّم الولايات المتحدة، وأن تفسير هذا التحول السياسي يتطلب تفسير العوامل المتغيرة، فهو أمر لا يمكن لعامل ثابت القيام به. وفق ما يراه، فإن التغيير الذي وقع كان في ثروات الطبقة العاملة البيضاء، التي دمّر كلٌّ من التقدم التكنولوجي والعولمة حياتها لكنّها تلقّت قليلا من الدعم من زعمائها السياسيين. يُلمح بكيتي إلى أن هؤلاء الناس لم يغادروا الحزب الديمقراطي، الحزب هو مَن تخلى عنهم. "باختصار: إن الحزب الديمقراطي، مثل سائر الأحزاب اليسارية الانتخابية في فرنسا، قد غيّر من أولوياته. ويقول إن تحسين العديد من النواقص قد توقّف عن كونه محطّ تركيز رئيسي". لقد بات الحزب الديمقراطي بشكل متزايد يخدم ما سمّاه "يسار البراهمة"، الطبقة الطموحة مهنيا والأكثر نيلا للتعليم العالي. والثروات المتزايدة للشعوب في خارج الغرب هي نتيجة بعض أهم العوامل التي أدّت إلى تفاقم اللا مساواة في البلدان المتقدمة.

كما أنه يلاحظ أن رحيل مصوتي الطبقة العاملة عن أحزاب يسار الوسط ليس ظاهرة أميركية فقط. لقد حدث ذلك أيضا في أوروبا الغربية، حيث يمكن القول إن الهوية الإثنية أقل نتوءا، ويجادل قائلا إنه "سيكون من الخاطئ حصر كل شيء في عامل العِرق، الذي قد لا يفسر لماذا نجد تراجعا يكاد يكون متطابقا في التصدع التعليمي على ضفتَيْ الأطلسي".

 

نقاش بكيتي بشأن الطوائف في الهند مدهش. استنتاجه المثير هو أنه منذ عام 1950، كانت الهند أفضل في الحد من اللا مساواة الطبقية عما كان الأمر عليه في الولايات المتحدة أو جنوب أفريقيا، حتى بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، فيما يخص المساواة العِرقية. إن نسبة مداخيل الطبقة الأدنى إلى نسبة مداخيل الطبقة الأعلى هي أعلى في الهند عمّا هي نسبة مداخيل السود إلى البيض في البلدين الآخرين، كما أن الهند عمّمت تحسينات أكثر قوة بمرور الزمن أيضا.

 

يستدعي ذلك التأثير من بكيتي تقييما إيجابيا لمحاولة الهند إصلاح اللا مساواة الطبقية عبر إجراء حازم أو "الحجوزات": لقب تلطيفي لحصص (كوتات) صارمة، ينص عليها الدستور لطبقات محددة في وظائف القطاع العام، والحكومة، والمؤسسات التعليمية. عشية استقلال البلاد، أُعدِّت تلك الحصص بحيث تُشكِّل نحو 22.5% من "الطوائف المحددة" (ما يسمّى الطوائف غير القابلة للمساس) و"القبائل المحددة" (جماعات السكان الأصليين). بمرور الزمن، كانت هذه الحجوزات قد بُسِطت بحيث تشمل مجموعات اجتماعية مختلفة، مثل "الطبقات المتروكة الأخرى"، وقد وصلت نسبتهم الآن إلى 60% في بعض القطاعات. من بين الهنود، لا سيما أولئك الآتين من طوائف وطبقات عليا، باتت حجوزات من هذا النوع مثيرة للجدل مع اتساع مداها. لكن بكيتي لديه تقييم دقيق يلمح إلى أن النظام قد يُلهم البلدان الأخرى التي تسعى إلى الحد من اللا مساواة: "عند قياس النجاحات والإخفاقات بشكل تام للتجربة الهندية (أي الحجوزات) سيكون من المفيد التفكير في كيف يمكن للمرء القيام بالمزيد لكي يتخطى أوجه اللا مساواة الطويلة الأمد في المكانة والمجتمع".

 

النقيصة الأخطر هي أنه برغم محاولته المثيرة للإعجاب تناولَ العالم لا الغرب فقط، فإن الكتاب بطريقة ما يشوّه الحقائق التاريخية. بإمكان القارئ أن يخرج من كتاب بكيتي معتقدا أن مرحلة ما بعد الثمانينيات من القرن الماضي تؤلّف حقبة سوداء شهدت ارتدادا عن عقود من الزمن من المساواة الاقتصادية. لكن بالنسبة إلى المواطن العادي في الصين والهند وعشرات من البلدان الأخرى، فقد كان هذا عصرا ذهبيا، إذ تصاعدت معايير العيش باطراد، في تضاد مع تاريخ 200 سنة من ركود النمو، والحرمان المستمر، والفقر للغالبية العظمى. حيث ينتحب بكيتي، يُهلِّل نصف البشرية.

لو كان لدى بكيتي منظور أكثر عالمية وكوزموبوليتانية لكانت لديه حكاية رصينة يقصّها. قد تكون اللا مساواة آخذة في الازدياد حقا داخل البلدان، لكنها تراجعت بشكل هائل فيما بينها، كما أبان الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش. بالتركيز على الأداء النسبي، فمن السهل إغفال أوجه التحسن الكبرى في الأداء المطلق. إن التركيز على اللا مساواة داخل البلدان، لا سيما الثرية منها، يقود بكيتي إلى صورة عالمية أكثر قتامة.

 

ثمة مشكلة معيارية مخادعة أيضا، الثروات المتزايدة للشعوب خارج الغرب هي بطريقة ما نتيجة للعوامل التي أدت إلى اللا مساواة المتزايدة في البلدان المتقدمة. بلدان مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية، ومن ثم الصين والهند، وبشكل أحدث بنغلاديش وفيتنام، قد تقدّمت باطّراد لأن الأسواق العالمية المفتوحة قد سمحت لها بتصدير طريقها إلى الازدهار. وهذا يضع الاقتصاديين الغربيين في مأزق. إن كانت العولمة أحيانا تأخذ وظيفة من رجل أبيض بلا شهادة تعليمية في مدينة ليل الفرنسية أو بطرسبرغ الروسية وتمنحها إلى ندّه الأكثر تعليما في بنغالور أو هانوي، فمِن أجل مَن يناضل الليبراليّون؟ أو بالأحرى، مَن ينبغي لهم النضال من أجله؟ وبكيتي لا يتطرق إلى أسئلة شائكة من هذا النوع.

يعمل أكثر من أربعة ملايين شخص، معظمهم من النساء، في قطاع الملابس في بنغلاديش، وهو أكبر مصدر للتوظيف في البلاد، حيث تبلغ قيمة الصادرات السنوية 21 مليار دولار

قد يكون "رأس المال والأيديولوجيا" متداعيا من الناحية المنهجية أيضا. فمع أن بكيتي يرفض فكرة الحتمية التاريخية، فإن جدالاته بشأن الفعل والخيار المجتمعي ضعيفة، إنها تتألف في غالبها من تأكيدات بأن الأشياء كان يُمكن أن تكون بخلاف ما هي عليه، كما لو أن مجرد احتمال تاريخيّات الواقع المضاد دليل على وجود قوّة الفعل والاختيار. إن كان النمط التاريخي المستمر بشكل كئيب هو نمط لا مساواة متصاعدة وافتقاد لإعادة توزيع حقيقية، فإن من الصعب استساغة الزعم أنه كان بإمكان المجتمعات اتخاذ قرارات مختلفة. إن صحّ هذا الأمر، فلماذا لم يفعلوا ذلك؟

 

رغم هذه العيوب، فإن التلخيص الكبير الذي قام به الكتاب لتاريخ اللا مساواة ووصفته الجريئة تجعل منه إضافة مميزة لقائمة الأعمال الكبرى للتاريخ والتنمية الاقتصادييْن. ومع اتخاذ الاقتصاديين نهجا أضيق من أي وقت مضى للتنمية -عاجزين عن إثبات أنه في مكان واحد، لمرة في الزمن، بإمكان سياسة أو تدخل واحد أن ينجح- يكون على المرء أن يكن الإعجاب لبكيتي لتحديه الاتجاه السائد. في تماشٍ مع التقليد العظيم لمدرسة "آناليز" للتاريخ، فإنه يُسلّط نظرته الواعية على نطاق تاريخي، لا لكي يفهم العالم فحسب، ولكن لكي يُغيّره أيضا.

—————————————————————————————————————

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

يتناول البروفيسور فوكوياما، مؤلف الكتاب الشهير “نهاية التاريخ”، الواقع الاقتصادي والسياسي أعقاب جائحة “كوفيد-19″، محددا عوامل الفشل والنجاح بالتصدي للأزمة.. وكيف ستُعيد تلك الجائحة تشكيل العالم.

15/6/2020

بإمكان المراقبة الشاملة أن تخدم أغراضا أخرى بجانب مراكمة رأس المال. في الغرب، فإنها تؤدي وظيفة أبوية من الرأسمالية. أما في الصين، فإنها تعمل بوصفها نسخة افتراضية من الديمقراطية المباشرة.

15/9/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة