اقتصاد "الانفلونسرز".. كيف يربح مشاهير إنستغرام الملايين وهم جالسون ببيوتهم؟

اضغط للاستماع
    

   

كيف تتكون الثروة؟ هذا السؤال البسيط، لا تُعد الإجابة عليه سهلةً بحال، خصوصا إذا ما أدخلنا لتفسيره مجموعةً من النظريات الاقتصادية وتقاطعاتها الاجتماعية، على المستوى المحلّي والعالمي. حسنا، دعنا ننطلق من أول الإجابات البديهية المتداولة شعبيا للإجابة عن السؤال السابق؛ هذه الإجابة التي عادةً ما تتصل بالعمل، أي العمل المباشر الذي يحوي جُهدا ماديا وذهنيا. إلا أننا وبنظرة فاحصةٍ للواقع المحيط بنا، ستظهر هذه الإجابة باعتبارها مثالية وربما حالِمَة، ولا تعبر عمَّا نعيشه. يكفي أن تنظر لمشاهير مواقع التواصل، أو لأجور الفنانين، حتى ترى مستويات التفاوت تزداد شيئا فشيئا، وتبتعد بسنين ضوئية، عن العوائد التي تُشكّل دخول أكثرية الشرائح المجتمعية، سواء في مصر، أو في بقيّة أقطار العالم.

 

فعلى مستوى "الفنانين" مثلا، حصل المغني عمرو دياب على 40 مليون جنيه كأجر مقابل مشاركته في إعلان لشركة "فودافون" في رمضان 2019، بينما حصل المغني تامر حسني على 30 مليون جنيه، وهو المبلغ ذاته الذي حصلت عليه المغنية نانسي عجرم مقابل مشاركتهما في إعلان شركة "أورانج" رمضان 2019.

في سياق مشابه، وإن قلّت الأرقام، فقد نشر موقع [1] "dummies"، خريطة الأرباح التي يحققها المؤثرون (influencers)، الذين يحوزون متابعين كُثُر بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث أكد أن المؤثرين على موقع يوتيوب، والذين يملكون من 50000 إلى 100000 مشترك يحققون من 500 إلى 1000 دولار لكل فيديو، أما القنوات التي تمتلك من 100000 إلى 500000 مشترك فتربح من 1000 إلى 3000 دولار لكل فيديو. هذه الأرقام، ربما تذكّرنا بمقولة الفنان إسماعيل ياسين في مونولوجه الشهير "متستعجبشي متستغربشي.. في ناس بتكسب ولا تتعبشي.. وناس بتتعب ولا تكسبشي..".

 

حسنا، قد يعزو البعض ذلك إلى "قسمة الرزق"، لكن هذا لا ينفي وجود قوانين وآليات كامنة تكشف حقيقة ما يبدو عشوائيا وغير منطقي على السطح، وهذه هي مهمة علم الاقتصاد، الذي يشرح لك كيف يربح نجوم الترفيه الملايين دون أن يُقدِّموا قيمة حقيقة بينما تكدح أنت مقابل أقل من ربع ما يتقاضونه.

  

  

   

وهم الإنتاجية: اقتصاد فقد منطقه!

لماذا يربح نجوم الترفيه كل هذه الملايين؟ يحاول علم الاقتصاد تفسير تلك الظاهرة عبر شرح توزيع الدخول في الاقتصاد الرأسمالي، وبشكل خاص توزيع تلك الدخول الهائلة التي لا تُبرّرها الجهود ولا القِيَم التي يُقدّمها هؤلاء النجوم، ليُقدم الاقتصاديون تفسيراتهم عبر ثلاث إجابات أساسية:

    

   

الإجابة الأولى: هي الإجابة النموذجية للاقتصاد التقليدي الرسمي، وتتمحور حول ما يُعرف بالإنتاجية، أي إن العائد يعتمد على الإنتاج، فكل مُساهم في الإنتاج الاجتماعي يحصل في المقابل على ما يساوي مساهمته الإنتاجية، وهي الإجابة التي تنطبق "نظريا" على الأعمال التقليدية كافة، خاصة في الزراعة والتجارة والصناعة بشكلهم التقليدي، لكن حتى أكثر الاقتصاديين تقليدية ومحافظة لا يؤمن بهذا الرأي على إطلاقه، خاصة في حالة المُنتجات الفنية والاستثنائية، التي أغرقت أسواق العالم وبدّلت في أذواق الناس ورغباتهم.

    

أما الإجابة الثانية: فهي الإجابة الغالبة للاقتصاد الانتقادي المُعارض (أ)، وتدور حول الصراع الاجتماعي وتقسيم الأدوار في المجتمع، فكل فئة اجتماعية تحصل على نصيبها من الدخل وفقا للتفاعل بين حاجة المجتمع إليها وقدرتها الاجتماعية على فرض مركزها في المجتمع وتحصيل ما يُعادل تلك الحاجة وذلك المركز من نصيب في الناتج الإجمالي.

   

بينما تتعلّق الإجابة الثالثة بحالات الاستثناء، وتتعلّق بما يُعرف بالريع، والتي تُعتَبر تحويرا للإجابة الثانية، لكن دون صراع اجتماعي، حيث ينشأ الريع ببساطة عن محدودية عرض المُنتج أو العمل المطلوب، أي عدم إمكانية زيادة المعروض منه لتلبية الطلب عليه، كما هو حال الأراضي الزراعية والحضرية التي يصعب زيادة عرضها بشكل كبير في الأجلين القصير والمتوسط، وكلما كانت تلك الأملاك ذات أهمية أكبر للمجتمع والسوق كان ريعها أكبر. هنا، تتكفّل الوظيفة الاجتماعية للمُنتج أو العمل ومحدودية عرضه بفرض نصيبه في الناتج.

  

يربط الاقتصاد الرسمي تلك المكافأة الاجتماعية بمعناها الواسع بالمنفعة المُقدمة للمجتمع لتُشبع حاجته ذات الصلة، أي كلما كانت حاجة المجتمع والسوق أكبر إلى المنتج أو الخدمة المقدمة ارتفع سعرها المادي والرمزي، إلا أن تلك العلاقة تتسم باللا عقلانية في حالة المكافآت الفلكية التي يحصل عليها هؤلاء النجوم، سواء كتقييم للعمل وما ينعكس تجاهه من أرقام عموما، أو بالنسبة للمنافع المُقدمة مقابلها خصوصا، ففي حالة نجوم الترفيه، يتحوّل الشخص نفسه إلى سلعة نادرة ذات ريع مرتفع، تشتعل المنافسة عليها، وبالتالي ترتفع أسعارها بشكل جنوني. والدليل على لا عقلانية تلك العلاقة بين المكافأة والقيمة المُقدّمة هو أن هذه المكافآت الفلكية ليست سوى "موضة حديثة"، حيث لم يكن أعظم فناني مصر مثلا حتى نصف قرن مضى يحصلون على ما يقارب الأرقام التي يحصل عليها حتى أشباه الفنانين اليوم، حتى مع أخذ فروق قيمة العُملة وتغيّرات القيمة الشرائية بالاعتبار.

  

  

وهو ما يهدم فرضية المنفعة الاجتماعية كتفسير لهذه المكافآت. فحتى بفرض تساوي القِيَم الفنيّة لأعمال فناني الزمَنَين، وتجاهل الشعور العام بالمبالغة في هذه المكافآت، لا يوجد ما يُؤيِّد افتراض ارتفاع أهمية الفن والرياضة في المجتمع عموما، بشكل زاد من منافع خدماتهم له، وبالتالي زيادة إنفاقه عليها، حتى بفرض ارتفاع مستويات معيشته وزيادة معدلات فراغه واستهلاكه منها، حيث تُشير مُسوح الدخل والإنفاق مثلا إلى عدم تجاوز متوسط إنفاق الشعب المصري على مجال الثقافة والترفيه نسبة 2.1% من دخله عام 2017-2018م [2]. لذلك، لا يبدو أن الإجابة الأولى أو الثانية تُقدِّم تفسيرا منطقيا، فإذا كان هؤلاء النجوم لا يُقدِّمون أي قيمة مضافة مادية أو رمزية ولا خدمة تفي بمنفعة كبيرة للمجتمع، فعلى أي أساس يربحون كل تلك الأرباح؟!

   

ريوع وظيفية: عودة للاقتصاد الكلاسيكي

تعطينا الإجابة الثالثة مفتاحا للفهم، لكنه يبقى غير كامل، فمن منظورها تؤدي منتجات هؤلاء النجوم وظيفة اجتماعية تفرض لهم نصيبا من الناتج، أو رصيدا مُخصَّصا لهم مقابل أداء هذه الوظيفة، الأمر هنا يشبه "رصيد الأجور" (ب) بحسب النظرية الشهيرة بالاسم ذاته، وهو الرصيد الذي مهما كان صغيرا فإن متوسطه الفردي يكون كبيرا بحكم المحدودية النسبية لعددهم، وحيث يُفترَض تقديمهم سلعا نادرة، أو مُميزة بشكل فردي يحمل طابع النجم وحده، تحوز هذه القلة النادرة خصوصا، حصة أكبر من ذلك الرصيد، يعتبرها الاقتصاديون نوعا من الريع، ويسمّونه "ريع الموهبة".

  

لكن، ينقص هذه الإجابة، أنها لم تُحدِّد مصدر هذا الرصيد وكيف يَتحدَّد، فخلافا لرصيد الأجور الذي يأتي من الإنتاج المادي، ويَتحدَّد بحجم المعروض من القوة العاملة ونسب استخدام رأس المال والعمل في الإنتاج وتوازنات القوة السياسية والاجتماعية بينهم، لا يوجد هنا صراع اجتماعي حقيقي ولا نظم إنتاج فنية تُحدِّد الطلب على قوة عملهم أو منتجهم، بل فقط طلب استهلاكي محكوم بحجم الناتج ومستوى المعيشة ووقت الفراغ، والواضح أن هذا الطلب الاستهلاكي لا يكفي لتفسير هذه الدخول، أو أن أهميته النسبية كمصدر لها محدودة، فما مصدرها إذن؟!

    

مصدر الريع: زواج المصلحة بين صناعتَيْ الإعلان والترفيه

  

يُمثِّل نجوم الإنترنت، أو ما يُعرف بـ "الإنفلونسرز"، حالة نموذجية لمكاسب النجوم، فهم يُمثِّلون حالة أكثر تجريدا من النجومية التقليدية للمغنين والممثلين، حيث لا يدفع المستهلكون مقابلا مباشرا أو نقديا لمنتجات الإنفلونسرز، فباستثناء الحالات النادرة للمحتوى الحصري المدفوع، يحصل أغلب الإنفلونسرز المشهورون على شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع المحتوى كاليوتيوب وغيره على معظم دخلهم من "الإعلانات" بصورة أو بأخرى.

 

وبشكل عام تُمثِّل هذه الإعلانات المصدر الأكبر لإيرادات معظم الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، فيذكر روبرت كراوفورد من كلية "كينجز لندن" في ورقته عن العلاقة بين صناعتَيْ الإعلان والسينما في أستراليا [2] أنه منذ أوائل القرن العشرين، كانت صناعة الإعلان الحاضنة والشريكة التجارية الرئيسية لصناعة السينما، قبل ظهور التلفاز، الذي يعتمد وجوده هو الآخر على صناعة الإعلان، وهو الوضع الذي لم يتغيّر، بل تعزّز مع العولمة وانتشار وسائل التواصل والتلفاز والبث الفضائي وشبكات الإنترنت.

  

كما يؤكد دكتور إبراهيم المسلمي في كتابه "إدارة المؤسسات الصحفية" أن "الإعلان أصبح مقياس نجاح الصحف، بعد أن كان التوزيع هو المقياس الوحيد، والصحيفة التي تفتقر للإعلانات لا يمكن أن تعيش طويلا، مهما وزّعت من نسخ، فالإعلان يأتي بالمال اللازم، ولكنه لا يُعطي إلا للصحف الغنية والقوية واسعة الانتشار" [3]، ويُسجِّل البعض بلوغ الإعلانات نحو 75% من موارد الصحف الأميركية في المتوسط [4].

    

وفي "حلقة مدفوعة الأجر" من برنامج "الدحيح"، ذكر أحمد الغندور وصول إيرادات الإعلانات إلى نسب تتراوح ما بين 80-98% من مُجمل أرباح شركات مثل غوغل ويوتيوب وفيسبوك، ما يجعلها مصدر الأرباح الرئيسي بجدارة، وقد ناقش في هذه الحلقة ضمن فوائد الإعلانات دعمها للثقافة والفنون، كونها المصدر الأول لإيراداتها ودخول العاملين بها، لكن ما لم يذكره هو مصدر أغلب هذه الإعلانات نفسها، ومبرراتها ومَن وراءها، أو بصيغة أخرى، مَن هو راعي هذا الزواج بين صناعتَيْ الإعلان والترفيه؟

     

   

لاعب العرائس: الشرير الكامن خلف الزواج الباطل

اختلف الاقتصاديون حول مسألة الإعلانات، هل هي مفيدة أم ضارة، لكن ما اتفقوا عليه تقريبا كان ارتباط الإنفاق الإعلاني المرتفع بالتركّز السوقي، أي سيطرة عدد قليل من الشركات الكبيرة على معظم مبيعات السوق، أو بصيغة أخرى؛ الاحتكار (ج). وهو ما يؤكّده تعاظم الإنفاق الإعلاني عالميا بالتوازي مع تعمّق الاتجاهات الاحتكارية عموما، حيث نجد تزايدا مستمرا في نسبة الإنفاق الإعلاني من الناتج المحلي الإجمالي لعديد من السنوات، حيث ارتفعت على سبيل المثال خلال عقد الثمانينيات من الألفية الماضية من 0.61 إلى 0.95% في النمسا، ومن 0.49 إلى 0.78% في فرنسا، ومن 0.42 إلى 0.62% في إيطاليا، ومن 0.76 إلى 1.56% في إسبانيا [5]. لكن ما المشكلة في ذلك؟ أليس من حق المُنتج الترويج لسلعته والحفاظ على حصته السوقية؟ أليس هذا حقا مشروعا وجزءا من التنافس النزيه؟!

   

الحقيقة أن الأمر ليس بهذه البساطة، ولفهمه يجب أن نفهم شروط تحقّق السوق التنافسية كما حدّدها الاقتصاديون، وهي أربعة شروط بالأساس:

(1) تجانس المنتجات، أي عدم وجود فروق كبيرة بينها.

(2) توافر المعلومات الكاملة للمستهلك عن السلع والأسعار الموجودة بالسوق.

(3) حرية المُنتجين في دخول السوق والخروج منه.

(4) كبر عدد المنتجين والمستهلكين بحيث لا يكون لأيّ منتج أو مستهلك منفردا تأثير كبير في كميات العرض والطلب الكلية في السوق.

 

وبالنظر لهذه الشروط، نجد الإعلانات تؤثر عليها بالأشكال التالية:

أولا: تجانس المنتجات:

تتلخّص مهمة الإعلان بطبيعته في إقناع المستهلك بتميّز المنتج المُعلَن عنه واختلافه عن بقية المنتجات في السوق، فهو نادرا ما يكتفي بمهمة "توفير المعلومة" كما تزعم نظرية "التعريف بالمُنتج"، بل يهدف لتحقيق مهمة "إقناع المستهلك" به، كما تؤكد النظرية التي تحمل الاسم ذاته (د)، فحتى في حالة تحقّق شرط "تجانس المنتجات" فعليا مثل تجانس أنواع البسكويت أو مسحوق الغسيل، تكون المهمة الأساسية للإعلان القضاء على ذلك التجانس في وعي المستهلك. ما يُذكِّرنا هنا بنقد روّاد مدرسة فرانكفورت لهذا التزييف لوعي المستهلك بزعم تنوّع وهمي في المُنتجات، واصفين إياه بالحرية الحقيقية الوحيدة التي تُوفِّرها الرأسمالية، حرية اختيار مسحوق غسيل من بين عشرة أنواع منه ليس هناك فارق حقيقي بينها إلا في غلاف العبوة.

        

تؤدّي الإعلانات إلى تعزيز واستمرار الاحتكارات، ما يأتي ضمن سياق عام من التحوُّلات التاريخية في النظام الرأسمالي، شملت تعاظم حاجاته الإعلامية لخداع الجماهير
     

ثانيا: توافر المعلومات الكاملة للمستهلك:

وهذه هي الفضيلة التي تنسبها نظرية التعريف بالمنتج للإعلانات (هـ)، من جهة كونها تُوفِّر جزءا من تكاليف البحث والتسوّق على المستهلك، لكنها فضيلة منقوصة، سواء لاختلاطها بغرض الإقناع، أو لارتفاع تكلفة الخدمة الإعلانية نفسها، وبالتالي اقتصارها على كبار المنتجين الموجودين فعلا، وعدم قدرة صغار المنتجين بالسوق على الاستفادة منها والإعلان عن وجودهم، ما يؤدي إلى غياب شرط "كمال" المعلومات لدى المستهلك بسبب حصرية الإعلانات نفسها كخدمة مكلفة تعمل لصالح الأكبر على حساب الأصغر.

   

ثالثا: حرية دخول السوق والخروج منه:

وهنا نقابل أهم قنوات استفادة الاحتكار من الإعلانات، فأمام الاحتكارات لعرقلة دخول منافسين جُدد الأسواق التي تعمل بها طريقتان رئيسيتان:

أولا، زيادة عدد العلامات التجارية المُنتجة، خصوصا عندما يكون المنتج من النوع الذي يغيّر مستهلكوه علاماته التجارية باستمرار، إنه تكتيك "كُل نفسك قبل ما حد ياكلك" الذي اقترحه أحمد حلمي في فيلم "جعلتني مجرما"، وهو تكتيك يخلق تناقضا غريبا، وهو منافسة الشركات لنفسها بعلاماتها التجارية المتعددة من المنتج نفسه، ما يُحمِّل المجتمع تكلفة اجتماعية غير ضرورية، تتمثّل في نفقات الحملات الإعلانية المتضاربة وغير الضرورية لهذه العلامات التجارية المختلفة الوهمية من المنتجات ذاتها.

   

   

وثانيا، رفع تكلفة وحدة المُنتج بزيادة نصيبه من نفقات الدعاية والإعلان، ما تستطيع تلك الاحتكارات القائمة ذات الحصص السوقية الكبيرة تحمّله دون زيادة كبيرة في سعرها، بحكم كبر عدد الوحدات التي تبيعها من ذلك المنتج، وبالتالي انخفاض نصيب الوحدة الواحدة من تلك النفقات، بخلاف الوضع مع الشركات الجديدة الأصغر في السوق، ذات الحصص السوقية الصغيرة بطبيعة الحال، والتي تجعلها عاجزة عن المنافسة بجعلها أمام خيارين أحلاهما مرّ، فهي إما لن تستطيع تحمّل نفقات إعلانية بالحجم نفسه من الأساس، وإما ستتحمّلها وتضطر لرفع سعر منتجها بشكل يضعف الإقبال عليه في السوق، ما يجعلها في وضع أضعف سوقيا في الحالتين، قد يصل إلى حد الاضطرار للخروج من السوق كليا، وبالتالي استمرار التركّز السوقي والوضع الاحتكاري المُفيد للاحتكارات السابقة.

   

رابعا: كبر عدد المُنتجين والمُستهلكين في السوق:

تؤدّي كل تلك الأوضاع الاحتكارية والتي تُعزّزها صناعة الإعلانات إلى تقليل عدد المنتجين مقابل زيادة عدد المستهلكين، فبينما لا يمكن تقليل عدد المستهلكين، يقلّ عدد المنتجين في الوضع الاحتكاري الذي تدعمه الإعلانات شيئا فشيئا مع استمرار وزيادة التركّز السوقي، ما أثبتته ورقة دوجلاس جرير الكلاسيكية من قوة تأثير الإعلانات على هياكل الأسواق ودرجة تركّزها، واصفا إياها بـ "المحدد شديد الأهمية" [6].

   

وهكذا تؤدّي الإعلانات بالمُجمل إلى تعزيز واستمرار الاحتكارات، ما يأتي ضمن سياق عام من التحوُّلات التاريخية في النظام الرأسمالي، شملت تعاظم حاجاته الإعلامية/الأيديولوجية لخداع الجماهير والسيطرة على الشعوب وتزييف الحقائق وتخدير مشاعر الغضب المتراكمة في سياق تفاقم أزماته الاقتصادية من ضعف للنمو وتزايد للبطالة والتضخّم المزمن وعدم الاستقرار المالي، وزادت توتراته الاجتماعية والسياسية من تزايد لتفاوت الدخول والثروات محليا وعالميا، مما أدّى إلى صعود للشعبوية وغيرها.

    

فضلا عن النمو الهائل لفوائض رأس المال التي لم تَعُد تجد لها مكانا للاستثمار في القطاعات الإنتاجية التي تشبّعت فعليا، ما صبّ في نمو ما يُعرف بالقطاع الثالث (و)، مُتمثِّلا في قطاع الخدمات بأنواعها كافة، الطفيلية منها وغير الطفيلية، ما زاد من الإنفاق الإعلاني، أولا بشكل مباشر، بارتفاع تكاليفه مع تطوّر تطبيقاته وتنوّع خدماته مع تطوّر التكنولوجيا وتحسّن أشكال الإعلان وتقنياته توافقا مع الوسائط الحديثة من تلفاز وإنترنت وهواتف نقّالة، وثانيا بشكل غير مباشر، بارتفاع الطلب على الخدمات الإعلانية مع زيادة حاجة القطاعات والأنشطة الأخرى إليه، وتنافسها على خدماته، ما ساهم في تعميم واستشراء الحالة الاحتكارية عبر القطاعات كافة من خلال رافد الإعلانات، التي أصبحت ضرورة استمرار وفرض عين على المؤسسات كافة، حتى ضمن القطاعات التي لم تعتد الإسراف في النفقات الإعلانية، مثل قطاعات التعليم والتدريب والجامعات. لكن ما الخسائر التي يتحمّلها المجتمع بسبب هذا الزواج الذي رتّبته الاحتكارات بين صناعتَيْ الإعلان والترفيه؟!

    

لا تنفصل الدخول عن بعضها بعضا، وما يذهب إلى جيب شخص ما أتى حتما من جيب شخص آخر
   
زواج مُكلّف: التكلفة الاجتماعية لزواج الإعلان والترفيه وملايين نجومهما

لا تكمن المشكلة الحقيقية في الملايين التي يحوزها هؤلاء النجوم، رغم أهمية فهمها كمفارقة في ذاتها، مفارقة تجعل مَن لا يُقدِّمون شيئا حقيقيا للمجتمع هم أغنى أغنيائه، لكن تكمن المشكلة في مُجمل المنظومة التي تسمح بوجودهم ويُحقّقون مكاسبهم بسببها، والأهم لأن ملايينهم هذه ليست منفصلة عن خسائر حقيقية نتحمّلها جميعا، ففي هذه الحالة أو في غيرها، بل وفي اقتصادات التبادل النقدي عموما (ز)، لا تنفصل الدخول عن بعضها بعضا، وما يذهب إلى جيب شخص ما أتى حتما من جيب شخص آخر، وكلما رأيت شخصا يربح ملايين "سهلة"، فاعلم أنه يأخذها من نصيب باقي العاملين في المجتمع نفسه.

  

فإذا نظرنا للتكاليف الاجتماعية لزواج المصلحة الذي رتّبته الاحتكارات بين الإعلانات والترفيه، فسنجد أمامنا عددا من الخسائر نتحمّلها من معيشتنا وجيوبنا لصالح مليارات الاحتكارات وملايين نجومها، من أهمها:

(1) بخلاف المنتج في السوق التنافسي الطبيعي، يستطيع المنتج المحتكر بيع كميات أقل من السلعة مقابل أسعار أعلى، ما يعني حصول المجتمع على كميات أقل من هذه السلعة، ودفعه أسعارا أعلى مقابلها، ما يصبح مكاسب صافية غير مُستحقة لهذا المنتج المحتكر، وهو ما يخفض مستوى معيشة المستهلكين، والمجتمع بشكل عام، بسبب كمية السلع التي خسرها بسبب الاحتكار، وبسبب فارق الأسعار الأعلى الذي دفعه دون ضرورة، فيما كان سيحصل على كمية سلع أكبر ويدفع نقودا أقل في ظروف المنافسة.

 

(2) يؤدي خفض المحتكر للإنتاج إلى تقليل التشغيل، أي خسارة المجتمع فرص عمل حقيقية كان يمكنها أن توسّع سوق العمل، وترفد رأس المال البشري بمهارات إنتاجية جديدة، فضلا عن خفض البطالة وضخ دخول جديدة كانت ستحصل عليها العمالة المُوظّفة، بما يرفع مستويات معيشتها من جهة، ويزيد الطلب الاستهلاكي من جهة أخرى، فيزيد بآثاره النمو في القطاعات الأخرى والنمو الإجمالي في العموم، بينما تذهب كل تلك الأموال في المقابل إلى جيوب رجال الأعمال الاحتكاريين والإعلانات ونجومها.

    

تؤثر الدخول الكبيرة السهلة لهؤلاء النجوم على منظومة الحوافز الإنتاجية والاجتماعية في المجتمع، فتعزّز ثقافة تعجّل العوائد والكسب السهل
     

(3) تُمثِّل نفقات الجزء غير الضروري من الحملات الإعلانية إهدارا للموارد الاقتصادية في أنشطة طفيلية غير إنتاجية لا تُضيف ثروة ولا منافع صافية للمجتمع، حتى لو وفّرت بعض فرص العمل بمعدلات أقل بكثير مما كانت ستفعل لو وُجِّهت لقطاعات وأنشطة أكثر إنتاجية، وهو ما لا تتحمّله الاقتصادات المتخلفة الفقيرة محدودة الفوائض شديدة الحاجة إلى هذه الموارد، مُقارنة بالاقتصادات المتقدمة الغنية التي تمتلك تلك الرفاهية.

   

(4) تؤثر الدخول الكبيرة السهلة لهؤلاء النجوم على منظومة الحوافز الإنتاجية والاجتماعية في المجتمع، فتعزّز ثقافة تعجّل العوائد والكسب السهل، إما إيجابا بدفع المزيد من الشباب للتحوّل بطموحهم باتجاه مجالات النجومية المربحة، والتي للمفارقة "الصادقة" اعتادت أفلام التسعينيات تقديمها كنماذج النجاح السريعة الوحيدة الممكنة، وإما سلبا بجعل حتى مَن يبقون في أعمالهم التقليدية يفقدون قناعتهم بدخولهم الهزيلة، فيخفضون إنتاجيتهم الفعلية لما يوازيها، عملا بفلسفة "على أد فلوسهم"، وهو ما أثبتته الدراسات حول المقارنات الاجتماعية وفرضية "الأجر العادل" [7]، فالعاملون يوازنون إنتاجيتهم بدخولهم، ولا شك أن إدراكهم للاثنين نسبي تماما، أي يتأثر بالموازنة بين الجهود والعوائد على مستوى المجتمع كله، ولا شك بدرجة أكبر أن نجوم الترفيه وملايينهم لا يقنعون أحدا بالعدالة في هذا الصدد.

   

أي بالمُجمل، تأتي ملايين هؤلاء النجوم بشكل مباشر كريوع وظيفية من النفقات الإعلانية غير الضرورية في معظمها لإدامة أوضاع الاحتكار الضارة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وبشكل أكثر عمومية، ضمن الاتجاهات التاريخية للتضخّم غير العقلاني في الأنشطة الطفيلية والميول الاحتكارية في النظام الرأسمالي، وهكذا يساعد هؤلاء النجوم، بوعي أو بدون وعي، في دعم استمرار هذه الاحتكارات، حاصدين ملايينهم السهلة كجزء من المليارات التي نخسرها من جيوبنا لصالح هذه الاحتكارات، التي نخسر بسببها مزيدا ومزيدا من المنافع والدخول وفرص العمل، بل وعلى مستوى أكبر وأوسع، نخسر بسببها على أصعدة الكفاءة السوقية والعدالة الاجتماعية، ليبقى الوضع على ما هو عليه، ويغرق المجتمع في فقره.

———————————————————————

الهوامش:

أ/ يشمل الاتجاهات والاجتهادات الفكرية كافة التي لا تتبنّى المنهج الرسمي السائد في الأكاديمية الاقتصادية، وهو المنهج الليبرالي القائم على التوليف بين الفكرين النيوكلاسيكي والكينزي، حيث تعترض هذه الاتجاهات في معظمها على الفروض الأساسية للاقتصاد الرسمي، مثل التوازن التلقائي للنظام الرأسمالي وكفاءته المطلقة في توزيع واستخدام الموارد وضرورة عدم تدخل الدولة، إلخ من فروض أساسية في النموذج الاقتصادي الليبرالي، ويشمل هذا الاقتصاد الانتقادي الفكر الاقتصادي الماركسي والنيوريكاردي والمؤسسي وما بعد الكينزي إلى جانب بعض المدارس الهامشية الأصغر.

  

ب/ نظرية تعود للاقتصاد الكلاسيكي الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر، وروّاده آدم سميث وديفيد ريكاردو وجون ستيوارت ميل، وتقول النظرية إنه يوجد في كل مجتمع في مرحلة تاريخية معينة رصيد أو نصيب معين في الناتج مُخصّص للأجور، ويعتمد حجمه على النسبة بين عدد السكان وحجم رأس المال في المجتمع، وهكذا كلما زاد رأس المال في المجتمع بالنسبة لعدد سكانه، زاد رصيد الأجور بالنسبة لقوّته العاملة في مجموعها.

  

ج/ للسوق حالتان متطرفتان، هما المنافسة الكاملة والاحتكار الكامل، فيما تكون أغلب الأسواق في الواقع بين الحالتين، أما المنافسة فهي الحالة التي لا يؤثر فيها منتج واحد أو بضعة منتجين في الأسعار أو الكميات الموجودة بالسوق، بسبب كبر عددهم وصغر نسبة مبيعات كل منتج في السوق، وهكذا يكون الاختيار الوحيد أمام المنتج بيع كميته من السلعة بالسعر السائد في السوق، وتكون مصلحته هنا أن يبيع أكبر كمية ممكنة ليحصل على أكبر أرباح ممكنة، فيستفيد هو والمجتمع معا، في المقابل يختلف الحال في الاحتكار، حيث يسيطر منتج واحد أو عدة منتجين على حصة كبيرة من السوق، أي يؤثرون في نسبة كبيرة من المعروض للبيع فيه، كما لا يخشون منافسيهم لضعف تأثيرهم في السوق، وبالتالي يستطيعون بتقليل الكمية التي يعرضونها رفع سعر السلعة، هنا لا تكون من مصلحة المحتكر بيع أكبر كمية، بل بيع كمية أقل بأسعار أعلى، حيث يحقق صافي ربح أكبر في هذه الحالة، لكن بخسارة على حساب المستهلك.

  

د/ نظرية الإقناع هي نظرية ترى مهمة الإعلانات تكمن في إقناع المستهلك بشراء المنتج المُعلن عنه وخلق نوع من ولاء المستهلك تجاهه على حساب غيره من المنتجات المنافسة، دونما إضافة أو ميزة خاصة في المنتج؛ ليضمن المنتج استقرار حصته السوقية وقدرته على رفع سعره دون خوف من انصراف المستهلكين عنه، أي إنها ضارة بالمنافسة في العموم، وتختلف التقييمات الاقتصادية للإعلانات من منظور هذه النظرية ما بين الآثار المباشرة وغير المباشرة وحجم عبئها على المستهلك، لكنها ترجّح غلبة الأثر السلبي على الإيجابي.

  

هـ/ نظرية التعريف هي نظرية ترى مهمة الإعلانات نقل المعلومات الضرورية للمستهلك، ما يُوفِّر عليه وقت البحث والتسوُّق وجهده، ما يزيد معلوماته عن المنتجات المتوافرة في السوق، وبالتالي فهي مفيدة للمنافسة، ورغم أنها قد تُرتِّب بعض المزايا الاحتكارية لبعض الشركات التي تمتلك بعض القوة الاحتكارية فعلا، فإنها تُرجِّح غلبة الآثار الإيجابية للإعلانات على رفاهية المستهلك وأرباح الشركات معا.

  

و/ الزراعة هي القطاع الأول والصناعة هي القطاع الثاني.

  

ز/ يُعرِّف البعض الرأسمالية بأنها اقتصاد تبادل شامل أو مُعمَّم، حيث تتوسّط النقود المعاملات الاقتصادية كافة تقريبا، وذلك تمييزا له عن الأنظمة السابقة مثل العبودية والإقطاع، التي عرفت أشكالا من التبادل النقدي، لكنه لم يكن الأساس في مُجمل المبادلات من ناحية، ولم يكن الموجِّه لها كما هو الحال في الرأسمالية من ناحية أخرى.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة