معجزة النفط الأميركية.. هل تتخلّى واشنطن أخيرا عن الشرق الأوسط؟

اضغط للاستماع

   

في عام 1981، صعد الرئيس الأميركي رونالد ريغان إلى البيت الأبيض ليجد نفسه ابتداء في مواجهة إحدى أعنف الأزمات الاقتصادية في تاريخ البلاد، مع معدلات بطالة ونسب تضخم وأسعار فائدة مرتفعة، وتباطؤ شديد في النمو الاقتصادي، وكان الحل من وجهة نظره هو أنه عليهم تطوير مصادر الطاقة الأميركية وتقليص الاعتماد على المُورِّدين الأجانب من أجل معالجة تلك المشكلات الكبرى وتحرير السياسة الأميركية الخارجية.

 

بعبارة أخرى؛ رأى ريغان أن معضلات الاقتصاد والطاقة والسياسة الخارجية مرتبطة جميعا بشكل لا ينفصم بحل واحد فقط وهو السماح بتطوير الطاقة على الأراضي الفيدرالية الأميركية، البرية منها والبحرية، وهو طموح شخصي له لم يُفلح في إخفائه خلال أي وقت منذ كان حاكما لولاية فلوريدا قبل عام 1975، وخلال السنوات التي سبقت ترشحه للبيت الأبيض وصولا لحملته الرئاسية، حيث آمن ريغان دوما أن بلاده تمتلك مصادر طاقة وفيرة غير مطورة، في تناقض حاد مع الحكمة التقليدية لسلفه "جيمي كارتر" الذي رأى أن النفط والغاز الطبيعي يوشكان على النفاد وأن على أميركا إجراء تغييرات عميقة لتخفيض استهلاكها من النفط والبحث عن مصادر جديدة لتوفير الطاقة.

 

كان تفاؤل ريغان اللا محدود بشأن النفط راجعا في الأساس لثلاثة عوامل: فمن ناحية يبدو أن الرئيس الجمهوري لم يكن يُصدِّق تقديرات الوكالات الفيدرالية الأميركية التي أثّرت في اعتقاد "كارتر" بأن زمان النفط سينتهي خلال ثلاثة عقود، وقد احتج ريغان ببساطة بأن هذه التنبؤات ستبقى مشكوكا فيها في أفضل الأحوال، خاصة أن استشرافات مماثلة صدرت في مطلع القرن وتنبأت بنهاية زمان النفط قبل مطلع الخمسينيات، في حين أن أميركا وبالتعارض مع ذلك نجحت في زيادة إنتاجها بمعدل مليون برميل يوميا خلال ذلك التوقيت.

  

 رونالد ريغان (غيتي)

    

كان ريغان يعتقد أن المشكلة الأساسية تكمن في سياسات الحكومة الأميركية بوصفها مالكا لثُلث الأراضي الفيدرالية، وفي طريقة تنظيمها للأمور، ونظرا لكون القطاع الخاص هو المعنيّ الأول بالاستثمار في مصادر الطاقة داخل الولايات وليس الحكومة، فإن كل ما ينبغي للحكومة فعله هو تخصيص الأراضي وتهيئة البيئة القانونية والاقتصادية، وترك الأمر للمستثمرين للقيام ببقية العمل، أما فيما يتعلق بالأثر البيئي لتقنيات الحفر، فإن ريغان -شأنه شأن معظم الرؤساء الجمهوريين- رأى أن المخاوف البيئية المتعلِّقة بالتنقيب عن النفط غالبا ما يُبالَغ في تقديرها.

 

ونتيجة ذلك، قام ريغان على الفور بإلغاء الضوابط كافة التي وضعها سلفه لتقليص استهلاك الوقود الأحفوري، وقام بتقليص ميزانيات البحث والتطوير لبرامج الطاقة المتجددة، وألغى ضريبة ائتمان استثمار طاقة الرياح، وقلّص من التدخل الحكومي في مجال الطاقة لدرجة أنه حاول إلغاء وزارة الطاقة من الأساس لكنه فشل في ذلك، وقام بفتح الجرف القاري الأميركي الذي تبلغ مساحته مليار فدان لأولئك الذين راهنوا بأموالهم على احتمالات تطوير النفط والغاز، ويبدو أن خطة ريغان آتت أُكلها على بعض المستويات، حيث انخفضت تكلفة استخراج الغاز الصخري، واكتُشِفَ عدد من حقول النفط الضخمة الجديدة في خليج المكسيك وجبال روكي في كولورادو ونيو مكسيكو، وزاد الإنتاج الأميركي من النفط بشكل ملحوظ.

 

لكن خطة ريغان سرعان ما أثبتت(1) أنها أكثر طموحا وأقل واقعية مما بدت عليه للوهلة الأولى، فمع انهيار أسعار النفط في منتصف الثمانينيات بسبب التباطؤ الاقتصادي في البلدان الصناعية؛ وجد الكثير من المُنتِجين أنفسهم عاجزين عن تحمُّل التكاليف المرتفعة للإنتاج مما أدّى إلى خروجهم من السوق في نهاية المطاف، ومع إلغاء سياسات ترشيد الاستهلاك وتقويض المشروعات الطموحة للطاقة النظيفة، كانت المحصلة أن إدارة ريغان تركت أميركا أكثر اعتمادا على النفط الأجنبي من وقت توليها السلطة، لتفسح المجال لإدارة جورج بوش الأب التي نقلت نصف مليون جندي أميركي للدفاع عن النفط في الشرق الأوسط إثر الغزو العراقي للكويت، ولاحقا أمام حكومة بيل كلينتون التي سعت لفرض ضرائب شاملة على إنتاج الطاقة بما في ذلك النفط والغاز.

  

سيسمح الاكتفاء الذاتي في الطاقة لواشنطن بإعادة النظر في وجودها العسكري في العديد من المناطق وتقليص حضورها في مناطق الصراعات الملتهبة وعلى رأسها الشرق الأوسط
  

من المرجح أن هذه الحصة التاريخية كانت حاضرة بأكملها في أذهان صُنّاع القرار الأميركيين وبعض نخبة الرأي العام بينما يتابعون بشغف الطفرة الحالية في إنتاج النفط الصخري لبلادهم، وهي طفرة بلغت ذروتها مع إعلان(2) إدارة معلومات الطاقة الأميركية منذ قرابة أسبوعين، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، أن أميركا كأكبر مُنتِج ومُستهلِك للنفط في العالم قامت بتصدير 89 ألف برميل من النفط الخام والمُنتَجات البترولية المكرَّرة أكثر مما استوردته خلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي، وهو أول شهر تُحقِّق فيه البلاد فائضا إيجابيا في الميزان التجاري النفطي منذ سبعين عاما تقريبا، فيما توقّعت الإدارة أن يبلغ صافي الصادرات الأميركي 750 ألف برميل شهريا خلال العام القادم 2020.

 

بالنسبة للعديد من الأميركيين وفي مقدمتهم الرئيس الحالي دونالد ترامب فإن أخبار هذه الطفرة النفطية تُعَدُّ حلما طويل الأمد انتظروا تَحقُّقه منذ عقود طويلة، ويحتج هؤلاء بأن تحقيق الاكتفاء الذاتي في الطاقة، وبجانب ما يُحقِّقه من فوائد اقتصادية على مستوى الميزان التجاري الأميركي وتدفقات الاستثمارات وفرص العمل؛ له فوائد جيوسياسية أكثر أهمية لعل أبرزها أنه سيعزل أميركا عن مخاوفها طويلة الأمد من انقطاع إمدادات النفط من المُصدّرين أو حدوث صدمات كبرى في الأسعار بسبب نقص الإمدادات، أو استخدام الدول المُنتِجة للنفط كسلاح للضغط على البلاد لتحقيق أهدافهم، كما سيسمح الاكتفاء لواشنطن بإعادة النظر في وجودها العسكري في العديد من المناطق وتقليص حضورها في مناطق الصراعات الملتهبة وعلى رأسها الشرق الأوسط، وكذا إعادة توجيه أصولها الإستراتيجية نحو المناطق الأكثر أهمية.

 

في المقابل، يجادل آخرون أن تحقيق استقلال الطاقة وخاصة بالاعتماد على الموارد الهيدروكربونية مثل النفط يُعَدُّ حلما أميركيا بعيد المنال. فمن ناحية، ورغم أن الولايات المتحدة تُعَدُّ أكبر المُنتِجين العالميين للنفط وفي طريقها لأن تصبح مصدرا صافيا للهيدروكربونات؛ فإن هناك العديد من القيود التقنية التي تحكم قدرتها على تقليص وارداتها النفطية، وبخلاف ذلك، يرى هؤلاء أن بلادهم لن يكون بإمكانها عزل نفسها أو مواطنيها عن الصدمات العالمية في أسواق النفط أو التخلي عن دورها في تأمين تدفق النفط العالمي في سوق عالمي حر، وأخيرا، يتخوّف البعض أن الطفرة النفطية الأميركية الحالية قد لا تكون مُستدامة بشكل كبير نظرا لارتفاع تكاليف الإنتاج مقارنة بالمُنتِجين التقليديين، والتذبذب الكبير في الأسعار، ووفرة المعروض العالمي من النفط الرخيص، فضلا عن الجهود العالمية لتقليص الاعتماد على النفط بسبب أزمات المناخ، وهو ما يعني أن واشنطن قد تجد نفسها مجددا أكثر اعتمادا على النفط الأجنبي كما حدث في عهد ريغان رغم كل الأحلام الأميركية الحالية.

  

كعبة النفط

رغم أن أميركا كانت مستوردا صافيا للنفط على مدار معظم فترات العصر النفطي الذي بدأ مع نهاية الحرب العالمية الأولى تقريبا؛ فإن الأميركيين يفخرون بأن أول قطرة نفط في العالم استُخْرِجَت من الأراضي الأميركية حين نجح "إدوين دريك" أخيرا في الحصول على الذهب الأسود من أول بئر نفطي عالمي في ولاية بنسلفانيا عام 1859.

   

أول بئر للنفط حفرها إدوين دريك في ولاية بنسلفانيا (مواقع التواصل)

   

في ذلك التوقيت، كان العالم لا يزال يُراهن على الفحم كمصدر رئيس لتوليد الطاقة قبل تلك اللحظة التي قرّر فيها ونستون تشرشل تحويل البحرية الملكية البريطانية للاعتماد على النفط بدلا من الفحم، في مقايضة باعت خلالها بريطانيا استقلالها في مجال الطاقة لصالح المزيد من الكفاءة والسرعة اللتين يوفِّرهما النفط، ونتيجة لذلك القرار الإستراتيجي فإن بريطانيا رسّخت جهودها على مدار السنوات المقبلة للسيطرة على حقول النفط في منطقة الخليج متجاهلة سلطة الإمبراطورية العثمانية المتهالكة.

  

ومع مسارعة بريطانيا لتأمين أكبر قدر ممكن من الذهب الجديد من أراضي الشرق الأوسط، لم تتخلّف أميركا طويلا عن الركب رغم كونها أبرز المُنتِجين للنفط في ذلك التوقيت، وبحلول عام 1932 كانت شركة "ستاندارد أويل" في كاليفورنيا قد اكتشفت النفط في البحرين، قبل أن تفوز الشركة في العام التالي بعقد تاريخي للتنقيب عن النفط في المملكة العربية السعودية، وفي عام 1939 نجحت شركة الزيت العربية الأميركية "أرامكو" في تصدير أول برميل نفط سعودي، ومعه تحوّلت السياسة الأميركية بشكل كامل وبدأت تتمحور بشكل كبير حول حماية النفط القادم من الشرق الأوسط.

  

فمنذ ذلك التوقيت، استخدمت(3) أميركا جيشها وسخّرت قوتها العسكرية لضمان الوصول غير المقيّد للنفط في المنطقة، وتعزّز هذا النهج بشكل خاص مع قيام الحرب العالمية الثانية، حيث تحوّل النفط إلى سلعة إستراتيجية وحيوية لضمان استمرار العمليات العسكرية واللوجستية لدول الحلفاء في جميع أنحاء العالم، ومع نهاية الحرب أدرك الرئيس الأميركي "فرانكلين روزفلت" أن تأمين إمدادات النفط الرخيص من الشرق الأوسط سيلعب دورا حاسما في الحفاظ على مكانة واشنطن الجديدة كقوة عظمى عالمية وحيدة.

    

الرئيس الأميركي "فرانكلين روزفلت" مع الملك السعودي "عبد العزيز بن سعود" (مواقع التواصل)

   

ونتيجة لذلك، سعى روزفلت لتقنين الدور الأميركي في حماية نفط الشرق الأوسط من خلال اتفاق تاريخي مع الملك السعودي "عبد العزيز بن سعود" في فبراير/شباط عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية مباشرة، حيث تعهَّد "ابن سعود" بضمان إمدادات ثابتة من النفط لأميركا مقابل تعهُّد الأخيرة بتقديم الحماية العسكرية للمملكة، ورغم أن هذه السياسة لم تُذْكَر تاريخيا في أيٍّ من وثائق الأمن القومي الأميركي فإنها ظلّت مُهيمنة على السلوك السياسي الأميركي بشكل شديد الوضوح خلال العقود التالية، وهو ما تجلّى في مبدأ أيزنهاور الذي أُعْلِنَ عنه عام 1957، والذي تم بموجبه اعتبار الشرق الأوسط وثروته النفطية منطقة للنفوذ الأميركي الخالص.

  

أصبح هذا الارتباط النفطي بين أميركا والشرق الأوسط مُهِمًّا بشكل خاص مطلع السبعينيات بعد أن أصبحت الأولى مستوردا(4) صافيا للنفط (حجم الواردات يفوق حجم الصادرات) للمرة الأولى في تاريخها، وللمفارقة، فإن أميركا كانت على وشك اختبار المنعطف الأهم في علاقاتها مع دول الشرق الأوسط النفطية بعد ذلك بأعوام قليلة، وتحديدا عام 1973 عندما دفع دعم واشنطن الكامل لإسرائيل أثناء حرب أكتوبر الدولَ العربية لقطع جميع صادراتهم النفطية لها احتجاجا على ذلك الدعم وفي محاولة لِلَيّ أذرع الأميركيين لإيقافه.

  

تسبّب الحظر العربي في تضاعف أسعار النفط أربع مرات خلال أسابيع قليلة، وتسبّبت طوابير الانتظار الطويلة للأميركيين في محطات الوقود في إحراج واسع للقوة الأكبر عالميا، وأصبح من الواضح أن أميركا بدون النفط العربي أضحت مجرد نمر من ورق، ورغم أن الحصار النفطي لم يدم سوى أسابيع قليلة؛ فقد كان له آثار طويلة الأمد على إستراتيجية الأمن القومي الأميركية، حيث عزّزت واشنطن من أصولها العسكرية في الخليج العربي، ولم تَعُد حماية النفط تتم فقط من خلال ذلك الاتفاق الضمني حول الحماية بينها وبين الرياض، ولكن من خلال تعزيزات عسكرية فعلية ضمنت لأميركا الهيمنة على الممرات البحرية العالمية وطرق تجارة النفط، وهي طرق كان تأمينها في قلب أولويات الجيش الأميركي لمدة تزيد على 35 عاما.

  

  

تعزّز هذا الموقف بشكل أكبر بعد عام 1979 في أعقاب الغزو السوفيتي لأفغانستان، وقيام الثورة الإسلامية التي أطاحت بنظام الشاه في إيران، الحليف الأقرب لأميركا هناك، ورأى الأميركيون في كلا التطورين تهديدا خطيرا لحرية حركة النفط في الشرق الأوسط، وهو ما دفعهم لتقنين وجودهم العسكري في المنطقة ضمن إستراتيجية أميركية للأمن القومي للمرة الأولى عام 1980، في خطاب حالة الاتحاد السنوي الذي ألقاه "كارتر" في ذلك العام وقرّر خلاله أن بلاده مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لتأمين مصالحها في منطقة الخليج، وهو ما عُرف لاحقا باسم "عقيدة كارتر".

  

بالتزامن مع ذلك، خلص صُنّاع القرار الأميركيون منذ عهد كارتر إلى أن الدور الذي تلعبه بلادهم كحامٍ لإمدادات النفط ومركز ثقل بين المُنتِجين والمُستهلِكين يُعَدُّ أهم مصادر النفوذ الدولي لها في المقام الأول، بغض النظر حتى عن قيمة النفط في حد ذاته كمصدر للطاقة بالنسبة لأميركا، ونتيجة لذلك فإن "عقيدة كارتر" ظلّت مُهيمنة بشكل فعلي على سياسات واشنطن الشرق أوسطية خلال العقود التالية، وهو ما ظهر بشكل خاص في عهد الرئيس جورج بوش الأب الذي لم يتردد في حشد القوة العسكرية الأميركية للدفاع عن إمدادات النفط في المنطقة عبر التدخل لتحرير الكويت من الغزو العراقي.

  

كانت عملية عاصفة الصحراء هي أبرز تجليات التطبيق الأميركي لعقيدة كارتر، وأثبتت عمق الالتزام الأميركي تجاه الشرق الأوسط بشكل عام، والنفط القادم منه بشكل خاص، رغم أنها جاءت في مطلع عقد كان العالم مهووسا فيه بالحديث عن ذروة النفط، وهي اللحظة التي سيبدأ عندها إنتاج النفط العالمي في التناقص والنفاد تاركا العالم على مشارف عصر جديد للطاقة، ومع ذلك، فإن حقيقة أن واشنطن كانت مضطرة لإرسال نصف مليون جندي على بُعد أكثر من ثمانية آلاف ميل من أراضيها أثارت الهواجس القديمة لدى الأميركيين حول مخاطر الاعتماد على النفط الخارجي، وسلّطت الضوء على جهود البلاد طويلة الأمد لتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة.

  

أحلام الاستقلال النفطي

يمكن القول إن الهوس الأميركي بالطاقة المحلية بدأ أيضا في عهد "روزفلت" أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث سعت أميركا لتأمين مصادرها الخاصة للطاقة التي تُعَدُّ المحرك الرئيس لقوة البلاد الاقتصادية والعسكرية، وهو ما دفع روزفلت لاستثمار أموال ضخمة في عدد من السدود الكهرومائية وعلى رأسها سد "كولي" الكبير على نهر كولومبيا الذي كان يُعَدُّ أحد أكبر الهياكل الخرسانية في العالم في ذلك التوقيت.

    

سد "كولي" الكبير على نهر كولومبيا (رويترز)

  

لاحقا، أطلق الرئيس "دوايت أيزنهاور" عصر الطاقة النووية التجارية من خلال خطابه الشهير "النووي من أجل السلام" عام 1953 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أولت أميركا منذ ذلك الحين اهتماما خاصا بالطاقة النووية التي تُشكِّل اليوم نسبة 12٪ من إجمالي الطاقة المُنتَجة أميركيا، ورغم أن سياسات الطاقة احتلّت مرتبة متأخرة نسبيا خلال عهد إدارتي جون كيندي وليندون جونسون بسبب الانشغال بحرب فيتنام، فإن الاهتمام الأميركي بالطاقة بلغ ذروته سريعا أعقاب الحظر الذي فرضه الملك السعودي فيصل عام 1973 -كما ذكرنا- مُدشِّنًا أول حقبة من الارتفاع العالمي لأسعار النفط.

  

تسبّبت التطورات المتسارعة في البيئة الجيوسياسية للطاقة منذ الحظر العربي في دفع واشنطن لإعطاء أولوية مُتقدِّمة لسياساتها الداخلية الخاصة باستقلال الطاقة، فشرعت في تأسيس الوكالة الدولية للطاقة كهيئة دولية معنية بالمصالح الطاقوية للدول الصناعية الكبرى تهدف للوصول إلى سياسة جماعية لمعالجة الأزمات المحتملة في إمدادات النفط، وكتدبير مبدئي احترازي فرضت الوكالة على الدول الأعضاء الاحتفاظ باحتياطي إستراتيجي يساوي 90 يوما من صافي وارداتها كمخزون للطوارئ لمواجهة الأزمات، ولاحقا، فرضت واشنطن منذ ديسمبر/كانون الأول عام 1975 حظرا تاريخيا على تصدير النفط الخام الأميركي إلى الخارج، ورغم أن هذه الخطوة بدت حتى وقت قريب مجرد إجراء رمزي، حيث لم يرتفع الإنتاج الأميركي من النفط أبدا إلى مستويات تسمح للبلاد بتصدير كميات كبيرة من نفطها خارج قارة أميركا الشمالية، فإنها سلّطت الضوء على الهوس الأميركي المتجدِّد بالأزمات المحتملة في إمدادات النفط.

     

      

تفاقم هذا الهوس بشكل خاص منذ عام 1977 إثر كسر واشنطن الحد الحرج لتوازن الطاقة بعد أن أصبحت تستورد أكثر من 50% من احتياجاتها النفطية، وهو ما تسبَّب في ظهور دعوات بدأت منذ عهد الرئيس "نيكسون" لتقليص الاعتماد الأميركي على واردات النفط، سواء من خلال تقليل استهلاكها أو من خلال البحث عن بدائل محلية لإنتاج الطاقة الهيدروكربونية، لكن نتائج هذه الدعوات غالبا ما كانت مخيبة للآمال، حيث خلصت دراسات مشروع استقلال الطاقة في عهد نيكسون إلى أن هذا الاستقلال، وبخلاف كونه مُكلِّفا للغاية، فإنه لن يكون كافيا لحماية أميركا من التعرُّض لآثار أي صدمة محتملة في إمدادات النفط العالمية نظرا لضخامة سوق النفط من ناحية، ونظرا للارتباط الكبير بين أميركا والاقتصاد العالمي من ناحية أخرى، لدرجة أن واشنطن خلصت في ذلك التوقيت لقناعة مفادها أن حصولها على استقلال الطاقة يمكن أن يؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي.

  

بعبارة أخرى، خلص صُنّاع القرار الأميركيون في معظم الأوقات إلى أن تقدير هدف استقلال الطاقة الذي اعتنقه الرأي العام الأميركي منذ عام 1973 كان مبالغا فيه في أفضل الأحوال، وأن دور الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية ومكانها كأكبر مُستهلِك للنفط في العالم وكشرطي للممرّات المائية هو الضمان الأمثل لتقليص آثار صدمات الطاقة العالمية. لكن ذلك لم يمنع واشنطن من محاولة استغلال طفرة ارتفاع الأسعار في أواخر السبعينيات من أجل تعزيز صناعتها النفطية كما حدث في عهد ريغان، إلا أن تلك الطفرة السعرية سرعان ما تم تثبيطها بسبب الركود الاقتصادي في الثمانينيات كما سبق أن أشرنا، وهو ما دفعها في عهد جورج بوش الأب للعودة لخطتها الأصلية بتقليص الاعتماد على النفط من خلال الاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة وزيادة كفاءة استهلاك الطاقة وتقليص الاعتماد على الهيدروكربونات.

  

بخلاف ذلك، كان جورج بوش الأب -وعلى خلاف سائر الرؤساء الجمهوريين تقريبا- مهووسا(5) بحماية التراث البيئي الأميركي ومعالجة آثار خمسة عقود من الحرب الباردة ومشروعات إنتاج الطاقة النووية وأبحاث الطاقة غير النظيفة التي أجرتها وتُجريها الحكومة الفيدرالية، ما دفعه لإعادة القيود على مشروعات النفط والغاز التي رُفِعَت في عهد ريغان، بيد أن هذه السياسات جعلت بلاده أكثر حساسية لإمدادات النفط الشرق أوسطية، ومهّدت الطريق لأكبر تدخُّل أميركي لتحرير الكويت من الغزو العراقي وإعادة ضبط أسواق النفط أعقاب الأزمة التي دشّنت الحقبة العالمية الثانية لارتفاع أسعار النفط.

     

مع أسعار نفط ثابتة فوق نطاق 90 دولارا تقريبا، أصبح الاستثمار في النفط الصخري مُجديا اقتصاديا ومُحبَّذا سياسيا
    

خلال الأعوام اللاحقة، بدا أن إمدادات العالم من النفط في طريقها لبلوغ ذروتها، لكن هذه التنبؤات سرعان ما أثبتت أنها خاطئة بشكل مذهل حين بدأ الإنتاج العالمي للطاقة في التحوّل عن المُورِّدين التقليديين في أوراسيا والشرق الأوسط إلى مُنتِجي النفط غير التقليديين في جميع أنحاء العالم، بداية من المياه الغنية بالهيدروكربونات في أستراليا والبرازيل والبحر المتوسط وصولا إلى الرمال النفطية في ألبرتا في كندا، ولكن التطور الأعظم في هذه الثورة حدث في الأراضي الأميركية نفسها، حيث استفاد المُنتِجون من تطوّر تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي لإطلاق موارد نفطية غير محدودة من قلب الصخور الأميركية.

  

في ضوء هذه التطورات، ومع ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق وصولا إلى 150 دولارا عام 2008 وبزيادة بلغت نسبتها 12% في عام واحد، وهي زيادة كبرى تقارب زيادة الـ 14% في عام واحد (2003) على خلفية غزو العراق ومحاولة الانقلاب على الرئيس هوغو شافيز قبلها بعام في فنزويلا، ومع أسعار نفط ثابتة فوق نطاق 90 دولارا تقريبا، أصبح الاستثمار في النفط الصخري مُجديا اقتصاديا ومُحبَّذا سياسيا، بينما أميركا نفسها تتحوّل تدريجيا نحو نموذج جديد للطاقة.

  

ثورة النفط الأميركية

أحدث النفط الصخري ثورة دراماتيكية في إنتاج الطاقة الأميركي، فبين عامي 2007 و2012 ارتفع إنتاج الغاز الصخري بنسبة أكثر من 50% كل عام، وقفزت نسبته من إجمالي إنتاج الغاز الأميركي من 5% إلى 39%، وتم تحويل العديد من المحطات التي كانت مُخصَّصة لجلب الغاز الطبيعي المُسال الأجنبي للمُستهلِكين الأميركيين وتخصيصها لتصدير الغاز الأميركي للخارج.

      

     

على مستوى النفط، كانت نتائج ثورة التكسير أكثر وضوحا وملحمية، فخلال الفترة نفسها تسبّبت تقنيات التكسير في تضاعف الإنتاج الأميركي من النفط الصخري 18 مرة، ما عكس التراجع الكبير في إنتاج الخام الأميركي، وفي مايو/أيار عام 2011 أصبحت الولايات المتحدة مصدرا صافيا للمُنتَجات البترولية المكرَّرة، واعتبارا من عام 2011 أصبحت ثالث أكبر مُنتِج للنفط الخام في العالم بعد السعودية وروسيا وثاني أكبر مُنتِج للمُنتَجات المكرَّرة بعد روسيا، وفي مطلع العام الحالي 2019 أصبحت أميركا أكبر مُنتِج للنفط الخام في العالم، وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم أصبحت مُصدّرا صافيا لجميع المُنتَجات النفطية بما يشمل مجموع المُنتَجات البترولية والنفط الخام.

  

جلبت(6) هذه الطفرة في إنتاج النفط والغاز فوائد اقتصادية واضحة لأميركا، وأدّت إلى تحسين الميزان التجاري للبلاد والقدرات التنافسية لصناعاتها، وأصبحت الولايات المتحدة أحد أكثر الأماكن جاذبية للاستثمارات في مجال البتروكيماويات، وهو أمر لم يكن تصورّه ممكنا قبل عقد من الزمان، ونظرا لأن عصر الوفرة الأميركي وانتعاش الأسعار استمر لفترة طويلة نسبيا (من عام 2008 إلى عام 2014)، كان مُنتِجو النفط الأميركيون قادرين على إثبات وجودهم في السوق العالمي في مواجهة المُنتِجين التقليديين بقيادة السعودية ومنظمة أوبك، ونجحوا في تخفيض تكلفة الإنتاج وجعل الصناعة مُجدية عند مستويات سعرية منخفضة نسبيا، ونتيجة لذلك فإن معظم مُنتجِي النفط الصخري كانوا قادرين على الصمود في مواجهة حرب الأسعار التي شنّتها منظمة أوبك منذ عام 2014 والتي تسبّبت في انخفاض الأسعار إلى مستوى دون 30 دولارا مطلع عام 2016، حيث كانوا قادرين على العودة لمستويات الإنتاج مجددا بمجرد تعافي الأسعار نسبيا إلى مستوى أقل من 50 دولارا للبرميل.

  

أثبتت هذه الدينامية أن الطفرة الجديدة للنفط الصخري، وعلى عكس طفرة الإنتاج السابقة في عصر ريغان، كانت غير قابلة للانتهاء بسهولة، وأن التغييرات التي أحدثتها في أسواق النفط كانت تغييرات بنيوية ودائمة، وقد دفع إدراك هذه الحقيقة الكونغرس الأميركي لاتخاذ قرار تاريخي عام 2015 بإنهاء الحظر طويل الأمد على صادرات النفط الخام الأميركية، والسماح للمُنتِجين الأميركيين بتصدير النفط بدلا من الاقتصار على بيعه داخل الولايات المتحدة، وهو ما تسبّب في زيادة صادرات البلاد من الخام وأسهم في تضييق الفجوة بين الواردات والصادرات (لا تزال الولايات المتحدة مستوردا صافيا للنفط الخام)، وجعل واشنطن مصدرا صافيا للمُنتَجات النفطية التي تشمل مجموع صادرات النفط الخام والمشتقات النفطية كليهما.

   

   

وكما كان متوقعا، تسبّبت ثورة النفط الصخري في إحداث تغييرات بنيوية دائمة في سوق النفط، ووضعت جميع الدول الكبرى المُنتِجة للهيدروكربونات في العالم تحت الضغط، بداية من إندونيسيا وفيتنام في آسيا، وأنغولا ونيجيريا في أفريقيا، مرورا بكازاخستان وروسيا في أوراسيا، وصولا إلى المكسيك وفنزويلا في أميركا اللاتينية، وانتهاء بالسعودية وإيران والعراق في الخليج، وكان ذلك يعني ضمنيا أن الدول التي طالما استخدمت النفط كسلاح لتحقيق أهدافها الجيوسياسية بدأت ترى نفوذها يتقلّص بشكل كبير.

  

تأتي روسيا في مقدمة هذه الدول التي أضعفها زيادة المعروض العالمي من النفط، حيث تسبّب انخفاض الأسعار في وضع ضغوط على ميزانية البلاد، فضلا عن تقليص قدرتها(7) على استخدام صادرات النفط في الضغط على خصومها الجيوسياسيين في أوروبا الذين صاروا يمتلكون اليوم مُورِّدين إضافيين يمكن أن يُوفِّروا لهم نفوذا للتفاوض حول شروط أكثر مرونة مع مُورِّدي النفط من الروس، أما في الشرق الأوسط فإن السعودية تأتي في مقدمة الخاسرين، حيث فقدت الرياض فعليا نفوذها التقليدي كمُتحكِّم أوحد في سوق النفط من خلال منظمة أوبك لصالح مُنتِجي النفط الصخري، ووجدت نفسها مضطرة للتعاون مع روسيا للحفاظ على نفوذها في سوق النفط، فضلا عن إيران التي أصبحت أكثر عُرضة للعقوبات الباطشة من قِبل واشنطن الأكثر ثقة الآن في قدرتها على تعويض تأثير انقطاع النفط الإيراني عن الأسواق العالمية.

  

وعلى عكس المُنتِجين المتضرِّرين، رحّب كبار المُستهلِكين للنفط بثورة الطاقة الجديدة، وقد أثبت انخفاض أسعار النفط أنه نعمة كبيرة بالنسبة للاقتصادات الناشئة في الصين والهند التي حقّقت طفرة كبيرة في الواردات النفطية خلال الأعوام الأخيرة، ووفقا لوكالة الطاقة الدولية فمن المقرر أن نشهد زيادة في واردات النفط من الصين والهند بنسبة 40% و55% على التوالي بحلول عام 2035، لذا فإن الدولتين الآسيويتين تبرزان بوصفهما أكبر المستفيدين من النفط الرخيص.

     

لا تزال أميركا تستورد كميات كبيرة من الخام أكثر مما تُنتجه، ويرجع ذلك بشكل رئيس إلى نوع الخام الأميركي وعدم جاهزية معظم المصافي الأميركية للتعامل معه
    

وفي المقدمة، تبرز أميركا نفسها بطبيعة الحال بوصفها المستفيد الأكبر من ثورة الطاقة الجديدة، سواء على مستوى خلق فرص العمل أو مراكمة الثروات من صادرات الطاقة أو تحفيز الصناعات الكبرى القائمة على النفط والغاز مثل البتروكيماويات والصلب وتحسين مزايا التنافسية، وكما يُقدِّر(8) معهد ماكينزي فإن إنتاج النفط والغاز الصخري من المرجَّح أن يُضيفا ما بين 380 إلى 690 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، فضلا عن خلق 1.7 مليون فرصة عمل جديدة وتحسين التوازن التجاري وتخفيض نسبة العجز في البلاد.

  

وعلى الرغم من ذلك، لا ينبغي الخلط بين الاعتماد المتناقص على واردات الطاقة وبين تحقيق الاستقلال الأميركي التام الذي لا يزال هدفا بعيد المنال، فمن ناحية، لا تزال أميركا تستورد كميات كبيرة من الخام أكثر مما تُنتجه، ويرجع(9) ذلك بشكل رئيس إلى نوع الخام الأميركي وعدم جاهزية معظم المصافي الأميركية للتعامل معه، ففي حين يُعَدُّ الجزء الأكبر من الإنتاج المضاف في الولايات المتحدة من الخام الخفيف الحلو المستخرج من حقول النفط في تكساس وداكوتا الشمالية؛ فإن معظم مصافي النفط في الغرب الأوسط والساحل الجنوبي على خليج المكسيك مُجهَّزة لمعالجة درجات الخام الأكثر ثقلا، وفي حين أن المصافي الواقعة على الساحل الأطلسي تبدو مؤهلة للتعامل مع الخام الجديد فإن هناك عجزا واضحا في البنية التحتية التي تربط بين هذه المصافي وبين ساحل الخليج وولايات الغرب الأوسط.

  

من ناحية أخرى، من الواضح أن هناك فوارق جوهرية بين المشكلات البنيوية في سوق النفط الأكثر تنوّعا اليوم، وبين سوق النفط في عام 1973 الذي بنت عليه الولايات المتحدة أحلام استقلالية الطاقة، وفي سوق اليوم لا تكمن المخاوف في انقطاع الإمدادات بشكل كُلِّي ولكن في صدمات الأسعار(10)، ونظرا لأن النفط يتم تسعيره في سوق عالمي فإن أسعار النفط داخل الأراضي الأميركية ستبقى مرتبطة بالأسعار العالمية سواء كانت أميركا تستورد النفط أم لا، فضلا عن كون واشنطن ستستمر في استيراد كميات كبيرة من النفط حتى لو أصبحت مصدرا صافيا.

     

   

بعبارة أخرى، يمكننا(11) أن نقول إن مدى تأثُّر المُستهلِكين الأميركيين بارتفاع أسعار النفط العالمية لا يعتمد على كمية النفط التي تستوردها بلادهم ولكن على قدر اعتمادها على النفط بغض النظر عن مصدره، ويعني ذلك أنه مهما بلغ حجم إنتاج النفط الأميركي فإنه لن يمكن لواشنطن التراجع عن دورها في حماية أسواق النفط العالمية وتأمين الممرّات الملاحية، وضمان سعر ثابت للنفط مع قدرة على الوصول إليه بالنسبة لجميع الدول وفق ديناميات العرض والطلب.

  

في ضوء ذلك، ينبغي لنا أن نكون أكثر حذرا في توقُّع تداعيات ثورة الطاقة على السياسية الخارجية الأميركية، ويبدو أنه من المغري أن نقول إن ثورة النفط قد تجعل واشنطن أقل ارتباطا ببعض مناطق العالم وتحديدا دول الشرق الأوسط الغنية بالنفط، أو أنها يمكن أن تستخدم نفوذها النفطي الجديد للتأثير على سياسات الدول المعادية لها، لكن العلاقة بين نمو مصادر الطاقة وبين التأثير الجيوسياسي آخذة في التقلُص بشكل عام في عالم لا يبدو فيه أنه بإمكان قوة واحدة أو مجموعة من القوى الهيمنة على مصادر الطاقة التقليدية بشكل كُلِّي، وفي ظل انتقال مركز الثقل في سوق النفط من الدول المُنتِجة إلى الدول المُستهلِكة بسبب وفرة المعروض العالمي.

  

يعني ذلك أن أقصى ما تستطيع الولايات المتحدة فعله لاستغلال طفرتها النفطية الجديدة -حال كانت راغبة في ذلك- هو تشجيع الدول الأكثر اعتمادا على واردات النفط والغاز من الدول المعادية لها مثل روسيا على الحصول على احتياجاتهم من الطاقة من الأراضي الأميركية بدلا من ذلك، وتُعَدُّ أوروبا المعتمدة على الغاز الروسي المثال الأبرز في هذا الصدد، رغم أن واشنطن ربما لن تكون قادرة على تحقيق هذا الهدف في أي وقت قريب، لأن تكامل أسواق الغاز بين الولايات المتحدة وأوروبا يحتاج إلى سنوات من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، فضلا عن أن معظم دول أوروبا ستكون مترددة في استبدال الغاز الروسي الرخيص لصالح الغاز الأميركي الأعلى ثمنا.

   

يمكننا استنتاج أن فرص الولايات المتحدة في شنّ حروب نفطية أو استخدام النفط كسلاح بشكل تقليدي تبدو محدودة للغاية في أفضل الأحوال، إن لم تكن مستحيلة تماما
  

بخلاف ذلك، يمكن لأميركا أن تستغل طفرتها النفطية لحثّ دول القوى الجديدة المُستهلِكة للنفط، وفي مقدمتها الصين، على المشاركة في دور الشرطي العالمي لتأمين الممرّات المائية ونقاط الاختناق ومكافحة القرصنة وضمان حرية الملاحة، مع اكتساب قدر أكبر من الأريحية في نشر وتوزيع الأصول العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط نحو مناطق أخرى في آسيا والمحيط الهادي كما ظهر في إستراتيجية الرئيس السابق باراك أوباما للأمن القومي لعام 2012، والتي نقلت تركيز واشنطن الرئيس لأول مرة منذ فترة طويلة من الشرق الأوسط إلى آسيا والمحيط الهادي.

  

بيد أن الولايات المتحدة نفسها لن تكون راغبة في السماح لقوة أجنبية في السيطرة على المضايق والممرات المائية العالمية، والمساهمة في تشكيل سوق النفط العالمي، وستُفضِّل امتلاك اليد الطولى في هذا الصدد كما فعلت دائما قبل طفرتها النفطية، وبشكل مماثل، رغم أن واشنطن يمكن أن تستخدم رصيدها النفطي للضغط على مُنتجِي النفط التقليديين في الخليج لتقديم المزيد من الدعم السياسي والعسكري والمالي للأجندة الأميركية الخارجية بالطريقة نفسها التي استخدمت بها هذه الدول نفوذها النفطي السابق للضغط على واشنطن؛ رغم ذلك فإن قدرة العاصمة على تحقيق هذا الهدف تبقى محدودة في أفضل الأحوال، نظرا لأن صناعة النفط الأميركية غير مُصمّمة بالأساس لتحقيق مثل هذا النوع من الأهداف الجيوسياسية.

  

وبخلاف شركات النفط الكبرى في روسيا والسعودية والعديد من دول أوبك، حيث تحدد مستويات الإنتاج وأولويات الاستثمار وحجم الاحتياطيات بشكل أساسي من قِبل الحكومات التي تُوجِّه هذه القرارات لتحقيق أهدافها الجيوسياسية كما فعلت المنظمة طوال تاريخها؛ فإن سوق النفط الأميركي يُعَدُّ أكثر انقساما وتعقيدا من ذلك، حيث تُتَّخَذ قرارات الاستثمار والإنتاج من قِبل العديد من المستثمرين بحسب التكاليف والعوائد المالية ونسب المخاطر، ولذا تكون قرارات مثل تقليص الإنتاج أو تخفيض الأسعار بشكل متعمَّد غير ذات مغزى بالنسبة لشركات هادفة للربح فقط، ونتيجة لهذا الهيكل الرأسمالي الخالص للصناعة، جنبا إلى جنب مع حقيقة أن أميركا هي أكبر مُنتِج وأكبر مُستهلِك للنفط أيضا، وحقيقة أن سوق النفط بات مُقسَّما بين العديد من مراكز القوى؛ بجمع ذلك نستنتج أن فرص الولايات المتحدة في شنّ حروب نفطية أو استخدام النفط كسلاح بشكل تقليدي تبدو محدودة للغاية في أفضل الأحوال، إن لم تكن مستحيلة تماما.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة